الفصل الرابع

المعلومات الدلالية

لنعد إلى محادثة جون مع الميكانيكي، تقدِّم النظرية الرياضية للاتصال تحليلًا مفصلًا لكيفية تبادل البيانات عبر الهاتف. فيما يتعلق بالنظرية الرياضة للاتصال، كان يمكن أن يدور حديث جون والميكانيكي حول الطقس، أو مشكلة ما في نظام فرامل السيارة، أو أي شيء آخر، يرجع ذلك إلى أن النظرية الرياضية للاتصال تدرس المعلومات بصفتها ظاهرة احتمالية، ويدور السؤال الرئيسي للنظرية حول ما إذا كان بالإمكان تشفير ونقل كمية غير مفسرة من البيانات بصورة فعالة عن طريق أبجدية محددة ومن خلال قناة معينة أم لا، وكيفية عمل ذلك، ولا تهتم النظرية الرياضية للاتصال بالمعنى، أو المرجع، أو العلاقة، أو الاعتمادية، أو الفائدة، أو التفسير الخاص بالمعلومات المتبادلة، بل فقط بمستوى التفاصيل ومعدلات التكرار في البيانات غير المفسرة التي تكوِّنها. من هنا، يمكن مقارنة الفرق بين المعلومات وفق معنى شانون في النظرية والمعلومات الدلالية بالفرق بين وصف نيوتن للقوانين الطبيعية التي تصف آليات مباراة تنس ووصف اللعبة نفسها كمباراة نهائية في دورة ويمبلدون من خلال مُعلِّق. لا شك أن المفهومين مترابطان، لكن يظل السؤال هو إلى أي درجة. في هذا الفصل، سننظر إلى تعريف المعلومات الدلالية، ثم سنقوم باستكشاف أساليب متعددة تسعى إلى تقديم تفسير مقبول عمَّا يمكن أن يعنيه كون الشيء ذا دلالة معلوماتية. ثم سنبحث مشكلتين مهمتين تؤثران على هذه الأساليب؛ ألا وهما متناقضة بار-هيليل كارنب وفضيحة الاستدلال، وكيف يمكن حلهما.

fig9
شكل ٤-١: المعلومات الدلالية الحقائقية.

(١) المعلومات الدلالية الحقائقية

ربما يكون المحتوى الدلالي «إرشاديًّا»؛ وذلك مثلما أُخبر جون عبر الهاتف عن كيفية استخدام أسلاك التشغيل لتشغيل محرك السيارة، أو «حقائقيًّا»؛ وذلك عندما يخبر جون الميكانيكي أن البطارية فارغة (انظر الفصل الثاني). ولكن ما هو الفرق بين المحتوى الدلالي والمعلومات الدلالية عندما يكون كلاهما حقائقيًّا؟ تذكَّر كذبة جون. أخبر جون الميكانيكي أن زوجته نسيت إغلاق مصابيح السيارة، على الرغم من أنه هو من نسي ذلك. هل قدَّم جون أي معلومات إلى الميكانيكي؟ بالمعنى الدقيق للاصطلاح: قدم جون «قصة» غير حقيقية. بعبارة أخرى: مجرد محتوًى دلالي ما عن موقف منطقي، في حقيقة الأمر، فشل جون في إبلاغ الميكانيكي نظرًا لأن المحتوى الدلالي لم يكن صحيحًا. إذا وضعنا هذا في صيغة أكثر رسمية، يتمثل تعريف المعلومات الدلالية في:

جدول ٤-١: تعريف المعلومات الدلالية الحقائقية.
[تعريف] تعتبر معلومة دلالية حقائقية إذا — وفقط إذا — كانت (تؤلفها) «بيانات» «مصوغة جيدًا»، و«ذات معنى»، و«حقيقية».
يضم هذا [التعريف] الإجماع العام الذي توصَّل إليه الجدل حول طبيعة المعلومات الدلالية الحقائقية. وفق هذا التعريف، تعتبر المعلومات الدلالية الحقائقية — على وجه الدقة — «مؤلفة من الحقيقة» في جوهرها وليست مجرد «حامل حقيقة» وقتي، تمامًا مثل المعرفة وعلى عكس الآراء والمعتقدات مثلًا، والتي تكون ما تكون بصرف النظر عن قيمتها الحقائقية. تغلف المعلومات الدلالية الحقيقة، تمامًا مثلما تفعل المعرفة. لا يتلقى الميكانيكي إفادة معلوماتية على صورة معرفة أن زوجة جون نسيت إغلاق مصابيح السيارة؛ لأن ذلك ليس أمرًا صحيحًا، وفي المقابل يتلقى الميكانيكي إفادة معلوماتية على صورة معرفة أن بطارية سيارة جون فارغة لأن ذلك أمر صحيح. ومن هنا، يتمثل الفرق بين المحتوى الدلالي الحقائقي (انظر التعريف العام للمعلومات، جدول ٢-١، الفصل الثاني) والمعلومات الدلالية الحقائقية في أن الأخيرة يجب أن تكون صحيحة، بينما يمكن أن تكون الأولى غير صحيحة أيضًا. لاحظ أننا في [التعريف] نتحدث عن بيانات حقيقية لا عن بيانات صحيحة؛ وذلك لأن سلاسل أو نماذج البيانات المصوغة جيدًا ذات المعنى قد تُكوِّن جُملًا في لغة طبيعية، ولكنها بالطبع يمكن أيضًا أن تكون معادلات، خرائط، رسوم، فيديو، أو مجموعة من المفاهيم العلاماتية في صورة شفرات مادية متنوعة، وفي هذه الحالات يُفضَّل استخدام تعبير «حقيقي» على استخدام تعبير «صحيح».

يوفر [التعريف] عدة مميزات، يستحق ثلاث منها تسليط الضوء عليها في هذا السياق؛ أولًا: يوضح هذا [التعريف] حقيقة أن المعلومات الخاطئة ليست نوعًا حقيقيًّا من المعلومات؛ إذ لا يعتبر من يتحدث بمعلومة خاطئة مثل من يتحدث بجملة خاطئة، وهي جملة تصادف خطؤها، لكنه يتحدث بالطريقة نفسها كمن يشير في جملته إلى صديق غير حقيقي. بعبارة أخرى: ليس صديقًا على الإطلاق. يترتب على ذلك أنه عندما يكون المحتوى الدلالي خاطئًا، تعتبر هذه حالة «إبلاغ معلومات خاطئة». أما في حال إذا ما كان مصدر إبلاغ المعلومات الخاطئة واعيًا بطبيعتها، وذلك مثلما كذب جون عامدًا على الميكانيكي، تصبح الحالة هنا حالة «تشويه معلومات». يعتبر إبلاغ المعلومات الخاطئة وتشويه المعلومات كلاهما محل انتقاد أخلاقي لكنهما قد ينجحان في تحقيق الغرض منهما. في مثالنا، قدَّم الميكانيكي المشورة الصحيحة إلى جون، على الرغم من تشويه جون للمعلومات عن السبب الحقيقي للمشكلة. بالمثل، قد لا تنجح المعلومات في تحقيق الهدف منها. تخيل لو أن جون اكتفى بإخبار الميكانيكي أن السيارة لا تعمل فقط.

تتمثل الميزة الثانية لهذا [التعريف] في أنه يصوغ علاقة حيوية وبديهية بين المعلومات الدلالية الحقائقية والمعرفة. تتضمن المعرفة الحقيقة نظرًا لأنها تتضمن المعلومات الدلالية التي بدورها تتضمن الحقيقة، مثل ثلاث عرائس ماتريوشكا. تنتمي المعرفة والمعلومات إلى عائلة المفاهيم نفسها. لعل ما تمتاز به المعرفة وما تفتقر إليه المعلومات، فضلًا عن تشابههما العائلي، هو شبكة العلاقات المتبادلة التي تجعل جزءًا منها يكون جزءًا آخر. فإذا نحيت ذلك، فلن يبقى لديك سوى كومة من الحقائق أو قائمة عشوائية من وحدات بيانات المعلومات التي لا تستطيع تفسير الواقع الذي تسعى إلى معالجته. ببناء أو إعادة بناء تلك الشبكة من العلاقات، تبدأ المعلومات في تقديم تلك النظرة الشاملة للعالم التي نربط بينها وبين أفضل جهودنا المعرفية. وبناءً عليه، بمجرد توافر بعض المعلومات، يمكن بناء المعرفة في إطار التفسيرات أو الروايات التي تفسر المعلومات الدلالية المتاحة. ففي مثالنا يصل جون إلى معرفة أن البطارية فارغة لا عن طريق التخمين الصحيح وإنما نظرًا لأنه يربط في رواية صحيحة بين المعلومات البصرية التي تشير إلى أن الضوء الأحمر لمؤشر البطارية المنخفضة يومض، وبين المعلومات السمعية التي تشير إلى أن المحرك لا يصدر عنه أي صوت، وبين الانطباع العام بأن السيارة لا تعمل، وفق هذا المعنى، تمثِّل المعلومات الدلالية نقطة البداية الأساسية لأي استقصاء علمي.

ستبدو فائدة الميزة الثالثة بصورة أكبر مع نهاية هذا الفصل، عندما يلعب [التعريف] دورًا مهمًّا في حل ما يُعرف بمتناقضة بار-هيليل كارنب. قبل ذلك، نحن بحاجة إلى فهم ما يعنيه أن ينقل شيء ما معلومات مفادها أن كذا وكذا هو واقع الأمر. بعبارة أخرى: بأي طريقة تصبح المعلومات الدلالية مفيدة معلوماتيًّا بصورة أو بأخرى، وما إذا كانت درجة هذه الإفادة خاضعة لعملية الحساب الكمي الدقيق.

(٢) تحليل الإفادة المعلوماتية

تختلف أساليب بحث الإفادة المعلوماتية للمعلومات الدلالية عن النظرية الرياضية للاتصال من وجهتين رئيسيتين؛ أولًا: تسعى هذه الأساليب إلى تفسير المعلومات بصفتها محتوًى «دلاليًّا»، وتبحث عن إجابات عن أسئلة مثل: «كيف نعد شيئًا ما معلومات؟ ولماذا؟» «كيف يمكن أن ينقل شيء معلومات عن شيء آخر؟» «كيف تتولد وتتدفق المعلومات الدلالية؟» «كيف ترتبط المعلومات بالخطأ، والحقيقة، والمعرفة؟» و«متى تكون المعلومات مفيدة؟» ثانيًا: تسعى أساليب بحث المعلومات الدلالية أيضًا إلى ربطها بمفاهيم المعلومات الأخرى ذات الصلة وبالأشكال المعقدة للظواهر المعرفية والعقلية؛ وذلك من أجل فَهم ما يمكن أن يعنيه كون شيء — مثل رسالة ما — مفيدًا معلوماتيًّا. على سبيل المثال: ربما نحاول أن نؤسس المعلومات الدلالية الحقائقية في المعلومات البيئية، وهو أسلوب يُعرف باسم «تطبيع المعلومات».

تنحو تحليلات المعلومات الدلالية الحقائقية إلى الاعتماد على الآراء، مثل: «باريس عاصمة فرنسا»، و«الرمز الكيميائي للماء هو H2O»، أو «بطارية السيارة فارغة». ما وجه الارتباط بين النظرية الرياضية للاتصال والتحليلات المشابهة؟ في الماضي، سعت بعض البرامج البحثية إلى صياغة نظريات معلومات «بديلة» للنظرية الرياضية للاتصال؛ بغرض إدراج البُعد الدلالي. حاليًّا، يتفق معظم الباحثين أن النظرية الرياضية للاتصال تمثِّلُ قيدًا قويًّا على أي محاولة تنظير حول جميع الجوانب الدلالية والعملية للمعلومات. ويدور الخلاف حول القضية الأساسية المتمثلة في درجة «قوة» هذا القيد.

في أقصى طرفي الطيف، يُفترض أن النظرية الرياضية للاتصال تقيِّد أي نظرية حول المعلومات الدلالية الحقائقية تقييدًا «قويًّا جدًّا»، بل ربما كانت تحددها تحديدًا زائدًا عن الحد، مثلما تقيِّد فيزياء نيوتن الهندسة الميكانيكية. يعتبر تفسير ويفر المتفائل لأعمال شانون — وهو ما أشرنا إليه في المقدمة — مثالًا نموذجيًّا على ذلك.

على الجانب الآخر من الطيف، يُفترض أن النظرية الرياضية للاتصال تقيِّد أي نظرية حول المعلومات الدلالية الحقائقية تقييدًا «ضعيفًا»، بل ربما كانت تحددها تحديدًا أقل ممَّا ينبغي، مثلما تقيِّد فيزياء نيوتن لعبة التنس؛ أي تقيدها بالمعنى الأكثر مللًا والأقل أهمية؛ ومن ثَمَّ بما يمكن التغاضي عنه.

أدى ظهور النظرية الرياضية للاتصال في خمسينيات القرن العشرين إلى بعض الحماس المبدئي الذي خَفَتَ تدريجيًّا في العقود التالية. تاريخيًّا، انتقلت النظريات حول المعلومات الدلالية الحقائقية من حال «مقيدة تقييدًا شديدًا» إلى حال «مقيدة تقييدًا ضعيفًا». مؤخرًا، نجد بعض الآراء التي تعترف بفضل النظرية الرياضية للاتصال، وذلك فقط بسبب ما توفره من نظرية إحصائية قوية ومتطورة للترابطات بين حالات الأنظمة المختلفة (المرسل والمستقبل) وفق احتمالاتها.

على الرغم من أن تحليل المعلومات الدلالية صار مجالًا مستقلًّا بصورة متزايدة عن النظرية الرياضية للاتصال، ظلت هناك صلتان مهمتان مستقرتان بين النظرية الرياضية للاتصال وأكثر النظريات حداثة؛ ألا وهما نموذج الاتصال، الذي جرى تناوله في الفصل الثالث، وما يُعرف باسم «مبدأ العلاقة العكسية».

ظل نموذج الاتصال لا يواجهه أي تحدٍّ فعلي، حتى إذا كانت النظريات الحالية تميل بكثرة إلى أن تأخذ في الاعتبار — باعتبارها حالات أساسية — نظمًا مُوزعة متعددة الوسائل تتفاعل بالتوازي، بدلًا من الوسائل الفردية التي ترتبط ببعضها من خلال قنوات اتصال بسيطة ومتتالية. في هذا المقام، صارت فلسفتنا للمعلومات أقل ديكارتية وأكثر «اجتماعية».

يشير مبدأ العلاقة العكسية إلى العلاقة العكسية بين احتمال حدوث — حيث قد تكون رأيًا، أو جملة في لغة محددة، أو حدثًا، أو موقفًا، أو عالمًا محتملًا — وحجم المعلومات الدلالية التي تنقلها . يشير مبدأ العلاقة العكسية إلى أن المعلومات تمضي يدًا بيد مع عدم القابلية للتوقع (عامل الدهشة لدى شانون). تذكَّر أن غراب بو — باعتباره مصدرًا أحاديًّا — لا يقدِّم أي معلومات؛ نظرًا لأن إجاباته متوقعة تمامًا. بالمثل، تقدِّم العملة المتحيزة معلومات أقل كلما كان أحد نتائجها أكثر احتمالًا في حدوثه، إلى حدِّ أن في حال ما إذا كانت العملة تشتمل على جانبين متطابقين — لنقل صورة — فسيكون احتمال حدوث الصورة واحدًا، بينما ستكون الإفادة المعلوماتية من وراء معرفة أن النتيجة «صورة» صفرًا. يُعزى إلى كارل بوبر (١٩٠٢–١٩٩٤) الفضل في اعتباره أول من دعم مبدأ العلاقة العكسية بوضوح. ومع ذلك لم تجرِ المحاولات المنهجية لوضع صيغة رسمية تتضمنها إلا بعد منجزات شانون. تعرِّف النظرية الرياضية للاتصال المعلومات في إطار الاحتمالات. بالمثل، يعرِّف الأسلوب «الاحتمالي» للمعلومات الدلالية المعلومات في في إطار العلاقة العكسية بين المعلومات واحتمال حدوث . كان أول من اقترح استخدام هذا الأسلوب يوهوشوا بار-هيليل (١٩١٥–١٩٧٥) ورودلف كارنب (١٨٩١–١٩٧٠)، وسعت الكثير من المناهج الأخرى إلى تنقيح أعمالهما بطرق متعددة، إلا أن جميعها تشترك في استخدام مبدأ العلاقة العكسية باعتباره مبدأً أساسيًّا؛ ولهذا السبب تصادف هذه المناهج مشكلتين كلاسيكيتين؛ ألا وهما «فضيحة الاستدلال» ومتناقضة بار-هيليل كارنب.

(٣) فضيحة الاستدلال

باتباع مبدأ العلاقة العكسية، كلما كان حدوث أكثر احتمالًا أو إمكانية؛ كان أقل إفادة معلوماتيًّا. من هنا، إذا أخبر الميكانيكي جون أن هناك بطارية جديدة ستتوافر في وقت ما في المستقبل، سيكون ذلك أقل إفادة معلوماتيًّا ممَّا لو أخبر الميكانيكي جون أن البطارية ستكون متوافرة في غضون أقل من شهر واحد؛ وذلك نظرًا لأن الرسالة الأخيرة تستبعد المزيد من الاحتمالات. بينما يبدو هذا منطقيًّا، تصورْ ماذا يحدث لو أن احتمال حدوث كان هو الأعلى، بعبارة أخرى: عندما يكون . في هذه الحالة، تعتبر حشوًا، وهو في الاستدلال الشيء الصحيح دومًا. من المعروف أن الحشو غير مفيد معلوماتيًّا. سيكون جون قد تلقى بيانات وليس معلومات «دلالية» إذا قيل له إن «بطارية جديدة ستتوافر أو لن تتوافر في المستقبل.» مرة أخرى، يبدو هذا منطقيًّا تمامًا. إلا أنه — في المنطق الكلاسيكي — يُستدل على النتيجة من خلال مجموعة نهائية من الأفكار إذا — وإذا فقط — كان الشرط حشوًا. وبناءً عليه، بما أن الحشو لا ينقل أي معلومات، لا تقدِّم الاستدلالات المنطقية أيَّ زيادة في المعلومات. ولذا فإن الاستدلالات المنطقية والتي يمكن تحليلها بحسب عمليات الحشو تخفق أيضًا في تقديم أي معلومات. في حقيقة الأمر، عن طريق تحديد المعلومات الدلالية التي تنقلها جملة ما مع مجموعة العوالم الممكنة أو الظروف كافة التي تستبعدها، يمكن إدراك أن — في أي استدلال صحيح — المعلومات التي تنقلها النتيجة يجب أن تحتوي عليها بالفعل المعلومات التي ينقلها «اقتران» الأفكار. يعتبر ذلك هو ما يشير إليه القول بأن كُلًّا من الحشو والاستدلال «تحليلي». إلا أنه في هذه الحالة، سيكون المنطق والرياضيات غير مفيدين معلوماتيًّا على الإطلاق. تُعرف هذه النتيجة المنافية للبديهة باسم «فضيحة الاستدلال». فيما يلي ما قاله الفيلسوف وعالم المنطق ياكو هنتيكا (المولود عام ١٩٢٩) في وصفه لها:

أطلق سي دي برود على المشكلات غير المحلولة المتعلقة بالاستقراء فضيحةَ الفلسفة. يبدو لي أنه — بالإضافة إلى هذه الفضيحة — توجد فضيحة أخرى لا تقل في فداحتها؛ ألا وهي فضيحة الاستدلال. يمكننا إدراك حجم هذه الفضيحة عن طريق أي طالب جامعي نابهٍ في السنة الأولى يسأل، عندما يُقال له إن الاستنباط يعتبر «حشوًا» أو «تحليلًا» وإن الحقائق المنطقية ليس لها «محتوى تجريبي» ولا يمكن استخدامها في توليد «تأكيدات حقائقية»: بأي معنى إذن يمنحنا الاستنباط معلومات جديدة؟ ألا يعتبر من البديهي للغاية وجود بعض المعنى، وإلا ما فائدة المنطق والرياضيات إذن؟

كانت هناك محاولات كثيرة لحل هذه المشكلة، يشير البعض إلى الطبيعة النفسية للإفادة المعلوماتية المنطقية، ووفق هذه الرؤية، يتمثل دور التفكير المنطقي في مساعدتنا على استخلاص المحتوى المعلوماتي كاملًا للجُمَل، بحيث يستطيع المرء ملاحظة أن النتيجة موجودة في الأفكار الأساسية عن طريق إجراء عملية تمحيص بسيطة. يشبه الأمر كما لو كانت الأفكار الرئيسية لعملية الاستدلال المنطقي تشبه الزنبرك الحلزوني المضغوط. لا تولد الأفكار الرئيسية معلومات جديدة، بل تخزنها فقط ثم تطلقها مجددًا بمجرد استعادتها شكلَها الأصلي، وتحديدًا بمجرد طرح الاستدلال كاملًا بحيث يتضمن النتائج. يولد المنطق والرياضيات زيادة في المعلومات فقط لعقول محدودة كعقولنا التي لا تستطيع رؤية كيف أن النتائج متضمنة بالفعل في الأفكار الرئيسية. بصفة عامة، يعتبر الاستنباط ذا قيمة عالية جدًّا في الأغراض العلمية. فلو كانت جميع النظريات «مشمولة» في الفرضيات البديهية لأي نظرية، لكانت الاكتشافات الرياضية مستحيلة. بالإضافة إلى ذلك، عادةً ما يصعب إثبات النظريات الشائقة باستخدام الموارد الحسابية. في المقابل، أظهرت أساليب أخرى أن عمليات الاستنباط الكلاسيكية، المنطقية-الرياضية تعتبر مفيدة معلوماتيًّا؛ نظرًا لأن إثبات صحتها يتطلب بصورة أساسية الإدخال (المؤقت) «للمعلومات الافتراضية» التي يجري الاستعانة بها، واستخدامها، ثم التخلص منها؛ ومن ثَمَّ لا تخلف أثرًا في نهاية العملية، وإن كانت تسهم إسهامًا كبيرًا في نجاحها. لنُعْطِ مثالًا بسيطًا لتوضيح هذه النقطة:

هَبْ أن جون لديه المعلومات التالية: «بطارية السيارة فارغة (سَمِّ هذه الحالة P) «و/أو» النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل (سَمِّ هذه الحالة Q)». لنختصر «و/أو» إلى ، وهو ما يعني أن أيًّا من P أو Q أو كليهما يمكن أن يمثل الحالة. يخبر الميكانيكي جون أنه «إذا» كانت P هي الحالة؛ «إذن» فسيأتي شخص من ورشة الصيانة لإصلاح المشكلة (سَمِّ هذا السيناريو S) وأنه «إذا» كانت Q هي الحالة؛ «إذن» فستكون S مرة أخرى هي الحالة. لنختصر «إذا» … «إذن» إلى الرمز . تبدو معلومات جون المحدثة هكذا:
  • (١)
  • (٢)
  • (٣)
لاحظ أن (١)–(٣) هي كل ما لدى جون من معلومات فعلية. لا يمتلك جون معلومة أن بطارية السيارة فارغة، مثلما لا يمتلك معلومة أن النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل، بل يعرف أن مشكلة واحدة على الأقل، أو ربما مشكلتين، حدثتا. إلا أن جون يتميز بتفكيره المنطقي؛ لذا يحاول حساب ماذا سيحدث من خلال وضع بعض «الافتراضات»، بعبارة أخرى: يتخطى جون مساحة المعلومات المتوافرة التي تمثلها (١)–(٣)، ويتظاهر بامتلاك معلومات أكثر مما يمتلك بالفعل. يتمثل تفكير جون في الآتي (انظر الشكل ٤-٢): «هَب أن P هي الحالة. من (٢) يترتب أن الحالة هي S. لكن إذا افترضنا أن Q هي الحالة، نستنبط من (٣) أن الحالة هي S. إلا أنني في هذه الحالة لستُ بحاجة إلى «افتراض» أن الحالة P أو Q مستقلة، حيث إنهما مندمجتان معًا في (١)؛ لذا من (١)، و(٢)، و(٣) أستطيع أن أخلص إلى الحالة S: سيأتي شخص من ورشة الصيانة لحل المشكلة.» استخدم جون ما هو معروف في نُظم الاستنباط الطبيعية بالآتي «قاعدة محو ». بدأ جون بحالة فصل (١)، ثم تعامل مع كل عنصر منفصل بدوره باعتباره فرضية، ثم حاول إثبات أن الفرضية (بالإضافة إلى الأفكار الرئيسية الأخرى المتوافرة) تتضمن النتيجة. بنجاحه في بيان أن أيًّا من العنصرين المنفصلين يكفي وحده لأن يشتمل على النتيجة، استبعد جون الفرضيات وأكد على النتيجة. على الرغم من سهولة وبداهة العملية، يبدو واضحًا أن جون تجاوز مساحة المعلومات التي يمتلكها، وتحرك إلى مساحة المعلومات الافتراضية، واستخدمها في تحقيق الكثير من الأغراض، ثم عاد مجددًا إلى مساحة المعلومات الأصلية التي يمتلكها، وحصل على نتيجته. وإذا لم يُعِر المرء الأمر انتباهًا شديدًا، لن تجري ملاحظة الحيلة السحرية. إلا أن الولوج والخروج من مساحة المعلومات المتوافرة هو ما يجعل عمليات الاستنباط صحيحة ومفيدة معلوماتيًّا في ذات الوقت.
fig10
شكل ٤-٢: المعلومات الافتراضية في عملية استنباط طبيعية.

يعتبر الثراء المعلوماتي لعمليات الاستنباط المنطقية-الرياضية نتيجة الاستخدام البارع للموارد المعلوماتية غير المشمولة بأي حال من الأحوال في الأفكار الرئيسية، ولكنها مع ذلك يجب أن تؤخَذَ في الاعتبار من أجل الحصول على النتيجة.

(٤) متناقضة بار-هيليل كارنب

لنعد إلى مبدأ العلاقة العكسية. كلما كان حدوث أقل احتمالًا أو إمكانية، كان ذلك أكثر إفادة معلوماتيًّا. إذا قيل لجون إن النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل، فإن هذا يعتبر أكثر إفادة معلوماتيًّا مما إذا قيل لجون إن البطارية فارغة و/أو أن النظام الكهربائي للسيارة لا يعمل؛ وذلك ببساطة نظرًا لأن الحالة الأولى تحققها ظروف أقل. مرة أخرى يبدو هذا منطقيًّا. في المقابل: إذا جعلنا أقل احتمالًا أكثر فأكثر، سنبلغ نقطة عندما يصبح احتمال حدوث صفرًا، بعبارة أخرى: تعتبر غير ممكنة أو تمثِّل تعارضًا، إلا أنه وفقًا لمبدأ العلاقة العكسية يحدث هذا عندما تكون مفيدة معلوماتيًّا في حَدِّها الأقصى. في هذه الحالة سيتلقى جون الكمية الكبرى من المعلومات الدلالية إذا قيل له إن بطارية السيارة فارغة وغير فارغة (في الوقت نفسه وبنفس المعنى). يُطلق على هذه النتيجة المضادة للبديهة متناقضة بار-هيليل كارنب (نظرًا لأن الفيلسوفين كانا ضمن أول من أشار بوضوح إلى الفكرة المضادة للبديهة القائلة بأن التعارضات تعتبر مفيدة معلوماتيًّا بدرجة كبيرة).
منذ صياغتها الأولى، كانت المشكلة معقدة، إلا أنها في الوقت نفسه نتيجة صحيحة ومنطقية تمامًا لأي «نظرية» كمية «للمعلومات الضعيفة دلاليًّا»؛ «ضعيفة» لأن قيم الحقيقة لا تلعب أي دور فيها، وبناءً عليه، جرى في كثير من الأحيان تجاهل المشكلة أو السماح بها باعتبارها ثمن منهج له قيمته. غير أن إحدى الطرق المباشرة لتفادي المتناقضة تتمثل في تبني منهج أكثر قوة من الناحية الدلالية، والذي بناءً عليه تعبِّر المعلومات الدلالية الحقائقية عن الحقيقة تعبيرًا دقيقًا. مرة أخرى، يمكن التغاضي عن التفاصيل الفنية لصالح الفكرة البسيطة. ربما يتذكر القارئ أن إحدى مميزات [التعريف] كانت في إمكانية لعب دور حيوي في حل متناقضة بار-هيليل كارنب. من السهولة بمكان الآن معرفة سبب ذلك؛ فإذا اعتُبر شيء ما معلومات دلالية حقائقية فقط عندما تلبي شرط الصحة، فسيجري استبعاد التعارضات والأباطيل بداهةً. يمكن إذن حساب كمية المعلومات الدلالية في بحسب بُعد عن الموقف الذي من المُفترض أن يتناوله. تصوَّر وجود ثلاثة ضيوف على العشاء الليلة. هذا هو الموقف . تصور أن جون يطهو وجبة العشاء وقيل له:
  • (أ)

    سيكون هناك أو لن يكون هناك بعض الضيوف على العشاء الليلة.

  • (ب)

    أو سيكون هناك بعض الضيوف الليلة.

  • (جـ)

    أو سيكون هناك ثلاثة ضيوف الليلة.

  • (د)

    سيكون هناك ولن يكون هناك بعض الضيوف الليلة.

تبلغ «درجة الإفادة المعلوماتية» في (أ) صفرًا؛ نظرًا لأن (أ) — باعتبارها حشوًا — تنطبق في الموقف وفي نفيه. تؤدي (ب) أداءً أفضل معلوماتيًّا، فيما تبلغ الإفادة المعلوماتية في (ﺟ) حدها الأقصى؛ نظرًا لأنها — باعتبارها حقيقة دقيقة، ومحددة، وعرضية تمامًا — «تصيب» هدفها . وبما أن (د) خطأ (تعارُض)، لا تعتبر معلومة دلالية على الإطلاق بل مجرد محتوى (انظر الشكل ٥-١ في الفصل التالي). عمومًا، كلما كانت المعلومات أكثر بعدًا من هدفها، كان عدد المواقف التي تنطبق عليها أكبر، وصارت درجة إفادتها المعلوماتية أقل. يعتبر الحشو مثالًا على المعلومات الحقيقية الأكثر «بعدًا» عن العالم. يعتبر التعارض مثالًا على إبلاغ المعلومات الخاطئة التي تبعد عن العالم متساوية في ذلك مع الحشو. بطبيعة الحال، في بعض الأحيان قد يفضل المرء وجود حالة من إبلاغ معلومات خاطئة — مثلًا: أن يقُال إن أربعة ضيوف سيكونون موجودين، بينما سيكون هناك ثلاثة ضيوف فقط — على وجود حالة معلومات دلالية لا معنى لها، مثلًا: أن يُقال إن أقل من مائة ضيف سيكون موجودًا الليلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠