المقدمة

ذاتَ صباحِ يومٍ من أيام العمل في الصيف الماضي ذهبتُ إلى المُتنزَّه العام. كان المشهد مُبهجًا شأنَ مَشاهد جنوب لندن، حيث الأطفال يخوضون في النوافير، ويلعبون كرة القدم على العُشب. جلستُ على حافة الملعب الرملي مع اثنتَين أُخريَين من الأمهات، وفي أيدينا كريم الوقاية من أشعَّة الشمس، وكعك الأرز، بينما نُراقِب أطفالنا يبنون قِلاعًا غيرَ مُتوازِنة بجواريفَ بلاستيكيةٍ زاهيةِ الألوان.

إحدى المرأتَين كانت أمًّا مرِحةً ومُتكلِّمة كنتُ قد التقيت بها للتَّو، وكانت قد أخذت توضِّح لي كيف شفاها الطبُّ التجانسي من إكزيما مُنهِكة استمرَّت طويلًا. قالت: «إنني أُحبُّ العلاج التجانسي!» وبصفتي عالمةً كان لا بد أن أعترض. فالعلاج التجانسيُّ في واقع الأمر عبارةٌ عن ماء (أو أقراص سكَّر) في زجاجاتٍ أنيقة؛ فأيُّ مادة فعَّالة تُخفَّف في هذه الأدوية لدرجة عدم بقاء جُزيء واحد من المادة الأصلية. هكذا قلت: «لكن أدوية العلاج التجانسي لا تحتوي على أي مادة فعَّالة.»

رمقَتني صديقتي الجديدة بنظرةِ استهزاء. وأجابت قائلةً: «إنه ليس بالشيء الذي «يُمكن قياسه».» كأنني بليدة الفهم بعضَ الشيء لعدم إدراكي أنَّ خصائصه العلاجية ناتجة عن ماهيَّةٍ غامضة تفُوق إدراك العلماء. وقد شعرتُ أنها لخَّصَت بهذه الجملة واحدةً من المعارك الفلسفية الرئيسية الدائرة في الطب حاليًّا.

احتشد في جهةٍ أنصارُ الطب الغربي التقليدي. وهم عقلانيون، ويتبعون نهجًا اختزاليًّا، وآراؤهم نابعة من العالم المادي. والجسد وَفقًا لنموذجهم الفكري أشبَهُ بآلة. وفي أغلب الأحوال، لا يُعتدُّ بالأفكار والمُعتقَدات والمشاعر في علاج الحالات المرَضية. فحين تعطب آلة، لا تتبادل معها الحديث. يستخدم الأطبَّاء أساليبَ مادية — أشعاتٍ وتحاليلَ وأدويةً وجِراحات — لتشخيص الحالة وإصلاح الجزء المعطوب.

في الجهة الأخرى، لدينا، لنَقُل، كلُّ ما عداهم؛ أتباع الطب القديم والبديل والشرقي. تُعطي هذه التقاليدُ الشموليةُ الأولويةَ للجانب غير المادي على المادي؛ للناس على الحالات؛ للمشاعر الذاتية والمُعتقَدات على النتائج الموضوعية للتجارِب. بدلًا من وصف العقاقير المادية يستخدم المُعالجون الوخْزَ بالإبر الصينيَّة والعلاج الروحاني وممارسة الريكي الروحانية، زاعمين أنهم بذلك يُسخِّرون مجالاتِ الطاقة غير الملموسة. ولا يأبَه دُعاة الطب التجانسي بأن أدويتهم لا تحتوي على أي أثر مادي ملموس للمادة الفعَّالة؛ لأنهم يؤمنون بأن «ذاكرةً» غير مُستبانة للدواء تظلُّ باقية بطريقةٍ ما.

ما زال الطب التقليدي هو السائدَ في الغرب، إلا أن ملايين من الناس يَتَّبعون الطبَّ البديل. في الولايات المتحدة، تُناقَش باستمرارٍ عجائب العلاج الروحاني وعلاج الريكي في برامج الأخبار التلفزيونية. ويَستخدم ما يصل إلى ٣٨٪ من البالغين شكلًا ما من الطب التكميلي أو البديل (٦٢٪ إذا أضَفنا إلى ذلك الصلاة). ويُنفقون على ذلك سنويًّا نحو ٣٤ مليار دولار،1 ويقومون بما يصل إلى ٣٥٤ مليون زيارة إلى المُعالِجين بالطبِّ البديل (مقارنةً بنحو ٥٦٠ مليون زيارة إلى أطبَّاء الرعاية الأوَّلية).2 في لندن، حيث أقطُن، من الشائع أن تُلبِس الأمَّهاتُ أطفالَهن قلائدَ كهرمان اعتقادًا منهن أنَّ لهذا الحجر الكريم القدرةَ على دَرْء ألم التَّسنين. وترفض نساءٌ ذكيَّات ومُتعلمات إعطاءَ لقاحات ضرورية لأطفالهن، ومثل صديقتي، يَتَّبعن علاجاتٍ غيرَ منطقية علميًّا.

لا غَرْو أن العلماء يُقاوِمون هذه الاتجاهات. يَشجُب بشدةٍ مُتشكِّكون من المُتخصِّصين على ضفَّتَي المحيط الأطلنطي — كاشِفو أكاذيب من أمثال جيمس راندي ومايكل شيرمر، ومُدوِّنون عِلميون من أمثال ستيفن سالزبرج وديفيد جورسكي، وعالم الأحياء والمؤلِّف ريتشارد دوكينز — استخدامَ الدين والعلم الزائف، وخاصةً الطب البديل. كان كتاب «العلم الزائف» الصادر عام ٢٠٠٩، الذي يوبِّخ فيه اختصاصيُّ الوبائيات، بن جولديكر، أولئك الذين يُسيئون استخدام العلم لتقديم ادِّعاءات صحِّية لا أساسَ لها، قد باع أكثر من نصف مليون نسخة في اثنتَين وعشرين دولة. بل إن فناني الكوميديا، من أمثال تيم مينشن ودارا أوبراين، انضمُّوا إلى المعركة، مُستخدِمين نِكاتهم للانتصار للتفكير العقلاني وتوضيح عبثيَّة أساليب علاجية على غِرار العلاج التجانسي.

ويتصدَّى مؤيِّدوهم لتيَّار اللاعقلانية بمقابلات ومقالات واحتجاجات، وبما يُسمِّيه الصحفيُّ العلمي ستيف سيلبرمان «وضع حدود لتفسيرات العلم الزائف»،3 مثل عريضة وقَّعها مئاتٌ من أطبَّاء المملكة المتحدة، مُطالِبين هيئةَ الخِدمات الصحية الوطنية بوقف إنفاق المال على العلاجات التجانسية. تُثبِت التجارِب السريرية أن أغلب العلاجات البديلة لا تزيد عن كونها بلاسيبو (علاجات وهميَّة)، ويُشير المُشكِّكون إلى أن مَن يستخدمونها يتعرَّضون للخداع. يرى كثيرون أنه يلزم القضاء على هذه العلاجات الزائفة. فلا يوجد في الرعاية الصحية ما نحتاج إليه ولا نستطيع الحصولَ عليه عن طريق وسائل العلاج التقليدية القائمة على أدلَّة.

إنني أؤيِّد بشدةٍ الدفاعَ عن رؤيةٍ منطقية للعالم. فأنا مؤمِنة إيمانًا عميقًا بالمنهج العلمي؛ إذ إنني حاصلة على الدكتوراه في علم الجينات والميكروبيولوجيا الطبِّية، قضيتُ خلالها ثلاث سنوات أسبُر أغوارَ النشاط الداخلي للخلايا في أحد مستشفيات لندن الكبرى. وأعتقد أن كل شيء في الطبيعة يُمكن دراسته علميًّا إذا طرَحْنا الأسئلة الصحيحة، وأنه لا بد من إجراء اختبارات دقيقة للعلاجات الطبية التي نُوليها ثِقتنا. إن المُشكِّكين مُحقُّون؛ لأنه إن تخلَّينا عن العلم مُفضِّلين التفكير القائم على التمنِّي، فالأجدر بنا أيضًا العودة إلى عصور الظلام؛ حيث إغراق الساحرات والعلاج بالفَصْد، والتضرُّع إلى الله أن يُنجيَنا من الطاعون.

لكنني لستُ مُتأكدةً من أن رفض الطب البديل فحَسْب هو الحل. في عملي في الصِّحافة العلمية، لا أقابل أولئك الذين شفاهم الطب الحديث وحْدَهم، لكن كذلك أولئك الذين لم يشفِهم؛ مَرْضى حياتهم مُدمَّرة بسبب مشكلات في الأمعاء أو الإرهاق، ومع ذلك يُغَض عنهم الطَّرْف باعتبار أن ليس لديهم حالةٌ مرَضية «حقيقية»؛ وأناسٌ يُعانون من ألمٍ مُزمِن أو اكتئاب، تُوصَف لهم جرعاتٌ كبيرة جدًّا من عقاقير تؤدِّي إلى إدمان وأعراضٍ جانبية، لكن لا تُحَل المشكلة الأساسية؛ ومرضى سرطان يتلقَّون جولاتٍ من العلاج المُكثَّف تؤدِّي إلى فقدان أي أمل معقول في إطالة أعمارهم.

وأُصادِف بانتظامٍ اكتشافاتٍ علميةً — تتصدَّر أحيانًا عناوين الأخبار، لكنها تتوارى غالبًا في المجلات المتخصِّصة — تُشير إلى أن أساليب العلاج غيرَ الملموسة غيرَ المادية يمكن أن يكون لها منافع ماديةٌ حقيقية. فالمرضى الذين يتلقَّون تنويمًا مِغناطيسيًّا قبل الجِراحة يُعانون من مُضاعَفاتٍ أقلَّ ويتعافَون على نحوٍ أسرع. كما أن التأمُّل يؤدي إلى تغييراتٍ جزيئية في أعماق خلايانا. وكما سنرى في الفصل الأول من هذا الكتاب، إذا لم يكن لعلاجٍ ما أثرٌ أفضلُ بكثير من البلاسيبو فهذا ليس معناه أنه غيرُ ناجع؛ فمجرد الاعتقاد بأنك تلقَّيت دواءً فعَّالًا قد يؤدي إلى أثرٍ بيولوجي هائل. فالأمهات اللواتي أعرفهن ممَّن يستخدمن قلادات الكهرمان والعلاج التجانسي لسْنَ جاهلاتٍ أو غبيَّات؛ إنهن يَعلمن بناءً على الخبرة أن هذه الأشياء مُفيدة بحق.

لذا رغم أنني أعتقد أن دُعاة الطب البديل مُضلِّلون في كلامهم حول ذاكرة الماء ومجالات الطاقة العلاجية، فإنني أيضًا لا أظنُّ أن المُتشكِّكين مُلمُّون بالأمر برُمَّته. لقد شرَعتُ في تأليف هذا الكتاب؛ لأنني رحتُ أتساءل ما إذا كانوا يُغفِلون، وكذلك الأطبَّاء التقليديُّون، عنصرًا هامًّا في الصحَّة البدنية؛ وهو إغفالٌ يُسهِم في زيادة حالات الأمراض المُزمِنة ويؤدِّي إلى أن يَزور ملايين من العُقلاء المُتنوِّرين مُعالِجين بالطب البديل. إنني أتحدَّث بالطبع عن العقل.

•••

هل سبق لك أن شعرتَ بارتفاع في الأدرينالين بعد أن كادت سيارةٌ أن تصدمك؟ هل سبق أن شعَرتِ بإثارةٍ جِنسية لمجرَّد سماع صوت حبيبك؟ هل سبق أن تهوَّعتَ لدى رؤيتك لِدُودٍ في صفيحة قُمامة؟ إذا كان أيٌّ من ذلك قد حدث فقد اختبرتَ كيف يُمكن لنشاطِ عقلِك أن يؤثِّر تأثيرًا عظيمًا على حالةِ جسدك. دائمًا ما تُساعد المعلومات النابعة من حالتنا الذِّهنية أجسادَنا على التكيُّف مع مُحيطاتنا، ولو أننا قد لا نكون مُدرِكين لذلك. فإذا رأينا حيوانًا مُفترِسًا جائعًا — أو شاحنةً مُقبِلة — فإن جسدنا يُعِد نفسَه للابتعاد عن الطريق سريعًا. وإذا أخبرَنا أحدٌ أن الطعام قادم، نتأهَّب لوقتِ هدوءٍ واسترخاءٍ من أجل هضمِ الطعام.

هذا هو قدرُ ما نعرفه عن الأمر. لكن حين يتعلَّق الأمر بالصحَّة، ينزع العلم والطب التقليديَّان إلى تجاهُل تأثير العقل على الجسد، أو التقليل من أهمية هذا التأثير. من المُعترَف به أنَّ الحالاتِ الذهنيةَ السلبية مثل التوتُّر أو القلق يُمكن أن تُضِر بالصحة على المدى الطويل (بيدَ أنه حتى هذه الحقيقة كانت محلَّ نزاعٍ شديد حتى عقودٍ قليلة ماضية). لكن الفكرة القائلة بأن «العكس» قد يحدُث، أي إنه قد يكون لحالتنا الانفعالية أهميةٌ في دَرْء الأمراض، أو إنه من الوارد أن يكون لعقولنا «قُوًى استشفائيَّة»، فهي يُنظَر إليها باعتبارها غريبةً لأقصى درجة.

عادةً ما يُلقى بلائمة الانفصال القائم بين العقل والجسد في الطب الغربي على الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت. فقد كان قُدامى الأطبَّاء، الذين لم يكن لديهم من عِلاجاتٍ ما يتجاوز أثرَ البلاسيبو، كانوا يعرفون خيرَ معرفةٍ أن العقل والجسد متَّصلان. تحدَّث الطبيب الإغريقي القديم أبقراط، الذي كثيرًا ما يوصف بأبي الطب، صراحةً عن «القوة الاستشفائية الطبيعية بداخلنا»، فيما ارتأى طبيب القرن الثاني جالينوس أن «الثقة والأمل يُجدِيان نفعًا أكثرَ من الطب.»4

لكن في القرن السابعَ عشَر ميَّز ديكارت بين نوعَين أساسيَّين من المادة؛ وهما الأجسام الماديَّة الملموسة، مثل الجسم البشري، الذي يُمكن دراسته بالمنهج العلمي، والرُّوح غير المادِّية، التي اعتقد أنها هِبةٌ من الرب ولا يُمكن دراستُها علميًّا. ومع أنه يُمكن لهاتين المادَّتَين أن تتواصَلا (إذ ظنَّ ديكارت أن هذا يحدُث عن طريق الغُدَّة الصَّنَوبَرية في الدماغ)، فقد خلَصَ إلى أنَّهما مُستقلَّتان. وحين نموت ولا يعود لدينا جسد، تعيش روحُنا المُستقلَّة بذاتها.

يرفضُ الفلاسفة وعلماء الأعصاب في الوقت الحاضر هذه الأفكارَ المُتعلِّقة بثنائية العقل والجسد. وإنما يعتقدون أن كلَّ حالة دماغية — كلَّ تشكيلٍ مادي للخلايا العصبية — مُرتبطةٌ ارتباطًا فِعليًّا بفكرة أو حالةٍ ذِهنية معيَّنة، وأنه لا يمكن على الإطلاق الفصلُ بين الاثنين. بيدَ أنَّ ديكارت كان له تأثيرٌ هائل على العلم والفلسفة في العصور التالية. فما زال يُنظَر إلى الأفكار والمشاعر الذاتية باعتبارها أمورًا أقلَّ علميةً — أقلَّ قابليةً للدراسة الدقيقة، بل وأقلَّ «واقعيةً» — من الأشياء المادية القابلة للقياس.

أما عندما يتعلَّق الأمر بالطِّب، فربَّما تكون التطوُّرات العملية قد استبعدَت العقلَ فعليًّا حتى أكثرَ من الجدل الفلسفي. فقد اخترع الباحثون أدواتٍ تشخيصيةً مثل المِجهَر والسمَّاعة وسِوار جهاز ضغط الدم، وفي باريس في القرن التاسعَ عشر استُحدِث تشريحُ الجُثث. قبل ذلك، كان الأطبَّاء يُشخِّصون المرضَ بناءً على وصف المريض للأعراض التي يُعاني منها، أما الآن فمن الممكن أن يَبْنوا استنتاجاتِهم على تغيُّراتٍ بِنْيويةٍ مرئية. لم تَعُد المشاعر الذاتية للمريض هي التي تُحدد المرض، بل الحالة الفِسيولوجيَّة للجسم. وبلَغ الأمر أنه إذا شعَر المريضُ بالتعب لكن لم يرَ الطبيبُ مشكلة، يتعامل مع الأمر باعتباره ليس مرضًا حقيقيًّا على الإطلاق.

في خمسينيَّات القرن العشرين جاءت قفزةٌ أخرى تبتعد عن المشاعر الذاتية مع بَدْء استخدام التجارِب المُنضبطة المُعشاة. فتفاديًا للتحيُّزات الشخصية عند اختبار أدوية جديدة، لا يعلم الأطبَّاء ولا المرضى أيَّ علاج يُعطى، وتُحلَّل النتائج باستخدام تِقنياتٍ إحصائيةٍ دقيقة. هكذا يُستعاض عن المشاعر الإنسانية غير الموثوقة بأرقامٍ جامدة.

قد تكون هذه إحدى أهمِّ الأفكار العقلانية في العصر الحديث. فبوجود منهج موضوعي لتحديد العلاج الناجع، لم يَعُد الأطبَّاء ينخدعون بعلاجاتٍ مُضلِّلة. وبوجهٍ عام، حقَّق النهجُ المادي الحديثُ للطب نتائجَ أقلُّ ما يُقال عنها إنها إعجازية. لدينا الآن مضادَّاتٌ حيوية للقضاء على العَدْوى، وعلاجٌ كيماوي لمقاومة السرطان، ولقاحاتٌ لحماية الأطفال من أمراضٍ فتَّاكة بَدءًا من شلل الأطفال وحتى الحَصْبة. ونستطيع زراعةَ أعضاءٍ سليمة في مكان الأعضاء المريضة، وتشخيصَ مُتلازمة داون في الرحِم، ويعمل العلماء على أبحاث الخلايا الجذعية لإصلاح العيون والقلوب والأدمغة التالفة.

لكن كان هذا النموذج الفِكري العلمي أقلَّ نجاحًا في دَرْء مُشكِلات معقَّدة على غِرار الألم والاكتئاب، أو كَبْح الارتفاع في الحالات المُزمِنة كأمراض القلب والسُّكري والخرَف. كما أنه جعل الأطبَّاء والعلماء يُهمِلون الكثير من الأمور المُتعلقة بآليةِ عمل الجسم التي تبدو لكثير من الناس من البديهيَّات. فقد أدَّى التركيز المُفرِط على ما هو مادي — أي قابلٌ للقياس — إلى تهميش الآثار غير الملموسة للعقل.

وقد أفسحَت هذه المنطقة المجهولة المجالَ لفكرة استيلاء الكثيرين، بَدءًا من المُستغرِقين في الأوهام وحتى مندوبي المبيعات الجشِعين، على مسألة الأفكار أو المُعتقَدات الشِّفائية. حيث يُقابَل الدليلُ العلمي بالتجاهل أو التحريف الشديد. تُروِّج كتبُ الدعم الذاتي ومواقعُه الإلكترونية ومدوَّناته لادِّعاءاتٍ مُبالَغٍ فيها بشدة، مثل القول بأن التخفيف من وَطْأة الصراع النفسي يُمكن أن يَشفيَ من السرطان (ريك هامر، مؤسِّس الطب الجديد الألماني، وهو نظامٌ من الطب الزائف يزعم أنه قادرٌ على علاج السرطان)، وأن بمقدور عقولنا أن تتحكَّم في حِمضنا النووي (عالم بيولوجيا الخلايا بروس ليبتون في أعلى كتبه مبيعًا، «بيولوجيا الاعتقاد»)، وأن المرض لا يُمكن أن يوجد في جسدٍ أفكارُه مُنسجِمة (روندا بايرن في الكتاب الظاهرة الذي باع ملايين عديدةً من النُّسخ، «السر»). يُروَّج للعقل باعتباره تِرْياقًا يمكن أن يشفيَنا من أمراضنا دون أي جهد منَّا، عدا التمسُّك بالنظر إلى العالم بنظرةٍ وردية.

هكذا صارت قُوى العقل الشافية — أو انعدامُها — ساحةَ معركةٍ رئيسية في المعركة الكبرى في مواجهة التفكير غير المنطقي. تتمثَّل المشكلة في أنه كلَّما حاول المُتشكِّكون تكذيب الادِّعاءات الجامحة بالخوض في الحديث عن المنطق والدليل والمنهج العلمي، ازداد إقصاؤهم لأولئك الذين يَرومون استمالتهم. فبإنكارهم لِما يبدو واضحًا وضوحَ الشمس لكثير من الناس — أن العقل يُؤثِّر فعلًا على الصحة، وأن الأدوية البديلة تكون ناجعةً في حالاتٍ عديدة — يُسهِمون في جعل الناس يَفقدون الثقة في العلم، إن لم يجعلوهم يتحدَّونه عن عمد. فإذا قال العلماء إن تلك العلاجاتِ بلا قيمة، فإنما هذا دليلٌ على مدى جهل العلماء.

ماذا إذا انتهجْنا نهجًا مختلفًا؟ هل نستطيع إنقاذَ الصحة من مَخالب العلم الزائف بالاعتراف بتأثير العقل عليها؟

أثناء كتابة سطور هذا الكتاب، سافَرتُ حول العالم لاستقصاء بعض الأبحاث الرائدة، الجارية في هذا المجال حاليًّا. كان هدفي هو تعقُّبَ أولئك العلماء الذين يسبحون ضدَّ تيَّار الرأي السائد بدراستهم لآثار العقل على الجسد، ويستخدمون تلك المعرفة لمساعدة المرضى. ما الذي بإمكان العقل فِعلُه حقًّا؟ كيف يعمل؟ ولماذا؟ وكيف يُمكننا استخدام هذه الاكتشافات الحديثة في حياتنا؟

سنبدأ بما يمكن أن يكون أبسطَ مثالٍ على تأثير العقل على الجسد — تأثير العلاج الوهمي (البلاسيبو) — والعلماء الذين يدرسون ما يحدُث فعلًا حين نتعاطى حبوبًا زائفة. بعد ذلك سنستكشفُ بعض الطُّرق المُدهِشة لخِداع العقل؛ لحمله على مقاومة المرض، بَدءًا من استخدام التنويم المِغناطيسي في إبطاء تقلُّصات الأمعاء، إلى تدريب الجهاز المناعي على الاستجابة للمَذاق والرائحة. وسنرى كيف أن مجرَّد سماع الكلمات المُناسِبة من طبيبك يُمكن أن يُحدِّد ما إذا كنتَ بحاجة إلى جِراحة أو لا، بل وحتى كم سيمتدُّ بك العمر.

ينتقل الجزء الثاني من الكتاب إلى ما يتجاوز الآثار المباشرة للأفكار والاعتقادات؛ ليتناول كيف تُحدِّد حالتُنا الذهنية احتمالَ إصابتنا بالمرض على مرِّ حياتنا. سنزور علماء يستخدمون المسح الضوئي للمخ وتحليلَ الحمض النووي؛ للتحقُّق ممَّا إذا كانت العلاجات الدماغية الجسدية من التأمُّل إلى الارتجاع البيولوجي تجعلنا في حالةٍ صحية أفضلَ فعلًا أو لا. وسنرى كيف تؤثِّر رؤيتنا للعالم حولنا في تكويننا الفسيولوجي تأثيرًا عميقًا، يصل إلى نشاط جيناتنا.

وفي طريقنا، سنُواجه أيضًا حدود الخِدع والعلاجات النفسية. ما الذي «لا» يستطيع العقل أن يفعله؟ متى تَغْدو ادِّعاءات المُعالِجين الشُّموليِّين شَططًا مُبالَغًا فيه؟ وماذا يحدُث حين يَزيد العقل الأمور سوءًا؟

أخذَتني كتابةُ هذا الكتاب إلى أبعدَ مما كنتُ أتخيَّل، من إلقاء كُرات ثلج في أخدودٍ جليدي افتراضي إلى الحُجَّاج الذين يغتسلون في مَزار السيدة العذراء في لورد. تأثَّرتُ بأمورٍ مُلهِمة في العلم الذي اكتشفتُه، وبالأطبَّاء والباحثين الذين يتصدَّون للمقاومة على كل المستويات — العملية والاقتصادية والفلسفية — في سبيل المؤالَفة بين العقل والجسد من جديد. لكنَّ أكثرَ ما تأثَّرتُ به هو مَن التَقيتُ بهم من مَرْضى ومُشاركين في التجارِب، وشجاعتُهم وكبرياؤهم في مواجهة المعاناة.

كان ما تعلَّمتُه في نهاية المطاف، منهم ومن كثيرين غيرهم، أن العقل ليس تِرْياقًا لكل داء. أحيانًا ما تكون له آثارٌ مُدهِشة وفوريَّة على أجسادنا. وأحيانًا يكون عاملًا مُهمًّا ولكنه خفيٌّ بين عوامل كثيرة، يؤثِّر في الصحَّة على المدى الطويل مِثلَما يفعل النظام الغذائي وممارسة الرياضة. وأحيانًا أخرى لا يكون له أيُّ تأثير. ليس لدينا كلُّ الإجابات بعد. لكنني آمُل أن يُقنِع هذا الكتاب المُتشكِّكين بأن يُعيدوا النظر فيما قد يكون غائبًا عنهم.

أما صديقتي عند ملعب الرمل فأقول لها: لم نَعُد بحاجة إلى التخلِّي عن الأدلة والتفكير العقلاني حتى نستفيد من الخصائص العلاجية للعقل. فالعلم موجود. هيَّا بنا نُلقِ نظرةً على ما يُفصِح عنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١