الفصل الخامس

في غشية

تخيل أمعاءك نهرًا

كنتُ واقفةً في غرفةٍ صغيرة في أحد المستشفَيات في شمال إنجلترا. وكانت مُستلقيةً على الفراش أمٌّ شابَّة، تقبض بيدَيها على بطنها. كانت تلهثُ، وبدَت مُرتاعة.

تبلُغ إيما من العمر ٢١ عامًا، ولديها ابنٌ صغير في المنزل. وهي ذاتُ شعرٍ أشقر وحول عنقها تميمةٌ فِضِّية. في المَقعد المُجاور للفِراش كانت تجلس أمُّ إيما. وقد أخذت تُربِّت على ذِراع ابنتِها، وتعلَّقَت عيناها الكبيرتان الزرقاوان اليائستان بالطبيب. كانت تبدو كأنها لم تنَم منذ أسابيع.

ضمَّت إيما زجاجةَ مياهٍ ساخنةً أرجوانيةً إلى جنبها؛ وكان جلدُ ذراعها قد احمَرَّ من الحرارة، لكنها رفضت أن تتركَها. وظلَّت تئنُّ، مُتخذةً أوضاعًا مُختلفةً في مُحاولة لتخفيف الألم. حاولَت الجلوس على حافة الفراش، ثم مالت إلى الأمام، وهي تتنفَّس بصعوبة، وقد غطَّت وجهها بيدَيها.

تأوَّهَت قائلةً: «آه!» ثم رفَعَت ناظرَيها مُعتذرةً. قالت: «ويحي، معذرةً، لقد صار الألم لا يُصدَّق حقًّا الآن. إنه يزداد.» مع الألم والتقلُّصات والقلق، بدَت إيما تمامًا مثل امرأة في مَخاض. إلا أنه لا يوجد طفل. وهذا ما تشعر به كل يوم.

•••

كنا حينئذٍ في مستشفى وايثينشو في مدينة مانشستر بالمملكة المتحدة، وكان هذا صباحًا عاديًّا في عيادة الطبيب الاستشاري بيتر هورويل. بعد إيما، رأى فريزر، وهو رجلٌ في أواخر الأربعينيَّات كانت حالته قد شُخِّصت على أنها اعتلالٌ احتقاني في عضلة القلب، وهو مرضٌ قلبي كان قد أودى بحياةِ أبيه وهو في الأربعينيَّات، وقد يؤدِّي الآن أيضًا إلى قصور قلب فريزر فجأةً.

لكن ذلك لم يكن سببَ وجوده هنا. فبإمكانه التعايشُ مع الخلل في قلبه، على حدِّ قوله؛ ففي أسوأ الأحوال سوف يُنعشه مُزيلُ الرَّجَفان المزروع في جسده. أمَّا ما يجعله في حالةٍ من الغمِّ واليأس فهو إسهالٌ دائم خارجٌ عن السيطرة. أطْلَع فريزر هورويل على صورة لسروال جينز متَّسخ. كان قد ارتدى ذلك السروالَ في إحدى الحفلات، ثم اضطرَّ إلى الوقوف مولِّيًا ظهره للحائط حتى غادَر الجميع.

ثم كانت هناك جينا البالغةُ من العمر ٣٨ عامًا، التي كانت تزور العيادة لأول مرة. وقد قال لها هورويل: «أخبريني عن الأمر.» فتحدَّثت جينا نِصفَ الساعة تقريبًا. كانت قد بدأت تُعاني من ألمٍ في البطن حين كانت في الثامنةَ عشْرة، بعد ولادتها لابنتِها. لم يكن واضحًا في البداية ما إذا كانت المشكلة مُتعلقةً بالجهاز الهضمي أو نسائيةً. خضَعَت لجِراحةِ استئصالٍ للرَّحم في سنِّ السابعة والعشرين، ولعدة جِراحات في الأمعاء منذ ذلك الحين، لكنَّ أعراضها كانت تتدهورُ كلَّ مرة. وهي مُصابةٌ الآن بإمساكٍ شديد. وتتعاطى عشَرة عقاقيرَ مختلفة، من بينها مُليِّنات ومسكِّنات قوية، ولكن لم يَحلَّ أيُّ شيء مشكلتَها. فهي تظل دون أن تتبرَّز لأسابيع إذا لم تتدخَّل مستخدمةً جِل ليدوكايين وحقنةً شرجيَّة.

كانت تُعاني أيضًا من وجعٍ شديد في الظهر وألمٍ في الكتف، وصُداعٍ نِصفي وآلامٍ في المَعدة. لم تكُن تستطيع النومَ من الألم، وتَملَّك منها الإعياءُ. وعلاوةً على ذلك كانت تعمل بدوامٍ كامل؛ مما لا يترك لها طاقةً لفعل أي شيء آخَر، لكنها كانت مُصرَّة على إعالةِ نفسها بدلًا من الاتكال على المُساعدات. قالت: «أريد أن أجعل ابنتي ترى أن العمل ضروري.» ثم طلبَت من هورويل بهدوءٍ أن يستأصلَ قولونها. إذ حدَّثَته قائلةً: «إذا كان استئصال القولون هو ما سيُصلح الأمر، فلتفعلها وحسب.»

يُعاني كلٌّ من إيما وفريزر وجينا من مُتلازمة القولون العصبي (آي بي إس)، تمامًا مثل ليندا بونانو التي التقينا بها في الفصل الثاني. كثيرًا ما يُستخَفُّ بمتلازمة القولون العصبي باعتبارها حالةً نفسية ومصدرَ إزعاج، بدلًا من اعتبارها شيئًا يُهدِّد الحياة. إلا أنه واضحٌ من الصباح الوحيد الذي قضيتُه في عيادة هورويل أن هذه الحالة من الممكن أن تُدمر حياة الناس.

يُعاني نحو ١٠–١٥٪ من سكان العالم من متلازمة القولون العصبي وما يُصاحبها من ألمِ انتفاخٍ وإسهال وإمساك. والعلاجات التقليدية ليست فعَّالةً فاعليةً كبيرة. يُقدم الأطباء نصائحَ تتعلق بأسلوب الحياة (عن النظام الغذائي أو الرياضة، على سبيل المثال)، أو يَصِفون عقاقيرَ تشمل مُليِّنات ومُرخِياتِ عضلات ومُضادَّاتِ اكتئاب، لكن العديد من المرضى لا يستجيبون لتلك العلاجات.

إنَّ متلازمة القولون العصبي، مثل متلازمة الإجهاد المُزمِن، عبارةٌ عن اضطرابٍ «وظيفي»، وهو ما يعني أنَّ الأطباء لا يرَون أيَّ مشكلة عضوية في الأمعاء في الاختبارات التشخيصيَّة. ويتشابه مَرْضى متلازمة القولون العصبي مع مَرْضى متلازمة الإجهاد المُزمِن في أنهم كثيرًا ما يشعرون أنهم لا يُؤخَذون مأخذَ الجِد. فتقول جينا: «كنت أُفضِّل أن تكون ساقي مكسورةً إذ كانت ستُشْفى في غضونِ ستة أسابيع وكنتُ سأنتهي من هذا الأمر. كان سيصيرُ بإمكان الناس أن يرَوا ساقي في الجبيرة وأن ذلك هو الخَطْب الذي ألمَّ بي. لكن في حالة متلازمة القولون العصبي، فالناس لا يفهمون الأمر.»

يعتقد هورويل، الخبيرُ العالمي في متلازمة القولون العصبي، أن الطبيعة غيرَ المُفسَّرة لهذه الحالات ربما تعكس قُصورَ التحاليل الطبية، وأنهم سيعترفون في نهاية المطاف بأنَّ لها أساسًا بيولوجيًّا. لكنَّ المرضى في الوقت الحالي كثيرًا ما يُقابلون أطباءَ يستخدمون مصطلح «وظيفي» باعتباره إهانةً مبطَّنة، تعني ضِمنًا أنَّ عليهم أن يتماسكوا، ويُضيف: «كثيرًا ما يقول لهم أطبَّاؤهم إن الأمر برُمَّته نابعٌ من مخيِّلتهم.»1

كان هورويل نحيفًا يرتدي لباسًا أنيقًا من سروال وقميص، ذا شعر بُنِّي خطَّه الشَّيب. وهو يتحدَّث بلكنةٍ راقية لكن تنتشرُ في عباراته كلماتُ سِبابٍ خفيفة من قَبيل «بائس» و«لعين»، و«تبًّا»، التي جعَلَته يستحقُّ التوبيخ ذاتَ مرة حين اشتكاه أحدُ المرضى. لكن يبدو في العموم أنَّ مَرْضاه يُقدِّرون أسلوبه الصريح وحِسَّ دُعابته.

حين تأهَّل هورويل للعمل اختصاصيًّا في الجهاز الهضمي في الثمانينيَّات، تأثَّر بمحنة مَرْضى متلازمة القولون العصبي، وشعر بأنَّ مهنة الطب تَخذلهم. فقد كان أغلبُ الاستشاريين لا يَزيدون على أن يُشخصوا حالتهم ثم يَصرِفوهم. أما هورويل فقد عزَم بدلًا من ذلك على أن يجد طريقةً لمساعدتهم. كان قد قرأ سابقًا أن التنويم طريقةٌ جيدة لإرخاء العضلات، فتساءلَ عما إذا كان من الممكن أن يُساعد الأمعاء أيضًا على الاسترخاء، وهكذا الْتَحقَ بدورةٍ تدريبية. حين عاد، استطاع تنويمَ سكرتيرته مغناطيسيًّا. ويقول: «كادت أن تسقطَ عن كرسيِّها. فقلتُ في نفسي، ويحي، هذه الظاهرة فعَّالة.»

•••

حالات الغشية التي تُذكِّرنا بالتنويم المغناطيسي موجودةٌ منذ وجودِ الخليقة، ولا تزال موجودةً في ثقافاتٍ بُدائيةٍ حول العالم. يؤدِّي شعب البوشمان الذي يعيش في صحراء كالاهاري رقصاتٍ طقسيةً علاجية تنشأ أثناءها «طاقةٌ مُضطرِمة» مؤلِمة في بطونهم. ويُغير القرويُّون في بالي الطبقة الاجتماعية برقصة غشية بالسكاكين والفحم الساخن. ويرقص الشُّبان في التبت على إيقاع الطبول بينما الإبر والأشواك في وجناتهم وألسنتهم وظهورهم؛ دون أن يبدوَ عليهم ألمٌ أو نزيفٌ من الجروح. لكن يسودُ الاعتقاد أن التاريخ الحديث للتنويم المغناطيسي بدأ في القرن الثامنَ عشر، مع طبيبٍ نمساوي يُدعى فرانز ميسمر؛ وهي البداية المؤسِفة التي جعلت التنويم المغناطيسيَّ للأبد عدوًّا للعقلانية والعلم.

اختلقَ ميسمر الفكرة القائلة بوجودِ سائلٍ غامض يُسمَّى «المغناطيسية الحيوانية» يتدفَّق خلال كل الكائنات الحية ويربط بينها. وادَّعى أن الناس يمرضون حين يحتبسُ هذا السائل، وأنَّ باستطاعته شفاءَ كل أنواع الأمراض بإعادته إلى تدفُّقه الصحيح. في بداية الأمر استخدمَ مغناطيساتٍ للتحكُّم في السائل، لكنه انتهى إلى التلويح بيدَيه فحسب لتحريكه في أجسادِ مَرضاه؛ ومن هنا أتت تلك الحركات الميلودرامية باليدَين التي يستخدمها المنوِّمون المغناطيسيون المسرحيون اليوم. عادةً ما كان مَرْضاه، المُصابون بأسقامٍ تراوحَت من الشلل إلى العمى، يزدادون هِياجًا أكثرَ فأكثر قبل أن تُسيطر عليهم التشنُّجات أو يفقدون الوعي. وحين كانوا يُفيقون، كانوا يُعلنون أنهم قد شُفوا.

أثناء عمله في باريس، اجتذب زبائنَ كثيرين وواثقين فيه، وصار مصطلح الميسمرية (أصل فعل mesmerise (يُنوم مغناطيسيًّا)) شديدَ الرَّواج. كانت مجموعاتُ المرضى (أكثرهم من النساء) تجلس في مَغاطسَ خشبيةٍ كبيرة مملوءة بالماء وبُرادة الحديد بينما يسير الطبيبُ حولهم، وهو يفرك بيدَيه أجسادهم ويُثير فيهم نوباتٍ هستيرية.
وقد كَرِه أطباءُ باريس التقليديون ميسمر لأساليبه المُريبة أخلاقيًّا، ناهيك عن سرقته لعملائِهم، واستماتوا في أن يُشوِّهوا سُمْعته. وفي عام ١٧٨٤، دعا الملك لويس السادسَ عشرَ لجنةً من كبار العلماء لتقييمِ أسلوب ميسمر.2 كان بين أعضائها بنجامين فرانكلين، الخبيرُ في طاقة الكهرباء المكتشَفة حديثًا وسفيرُ أمريكا في البلاط الفرنسي؛ وأنطوان لافوازييه، مُكتشفُ الأكسجين الذي كثيرًا ما يُوصَف بأنه أبو الكيمياء الحديثة.

لم تستطِعْ لجنةُ الملِك الموقَّرة أن تجدَ أثرًا لمجالات ميسمر المِغناطيسية مستخدمةً في ذلك مقياسًا للشحنة الكهربائية وبوصلة. كما أنهم لم يستطيعوا مَغْنطةَ أنفسِهم أو أفرادٍ من العامة. لذلك فقد صمَّم لافوازييه سلسلة من التجارِب الذكية لإثبات أن التأثيرات التي زعمَها ميسمر زائفة. في أحد الاختبارات، مغنطَ زميلٌ لميسمر شجرةَ مشمش واحدةً في إحدى الحدائق. ثم شُدَّت عصابة على عينَيْ متطوِّع شابٍّ، وطُلب منه أن يحتضنَ مجموعة من الأشجار واحدةً تِلو الأخرى، لكن دون أن يُخبِروه أيُّها مُمغنَطة. وكان مع كل شجرة يزداد تأثُّرُه، قبل أن ينهار فاقدًا الوعيَ عند احتضانه للشجرة الرابعة. في حين أن المُنوِّم المغناطيسي كان قد مغنطَ الشجرةَ الخامسة فقط.

كتب فرانكلين في تقريره عن ميسمر: «لا يوجد ولو ذرَّة دليل على وجود أي سائل. إن ممارسة المغنطة فنُّ زيادة التخيُّل تدريجيًّا.»

قدَّم التحقيقَ الحاذق للجنةِ نموذج التجارِب السريرية التي تُشكل أساس الطب حاليًّا. كما رأينا في الفصل الأول، يختبر العلماءُ فاعليةَ العلاج بمقارنته بعلاجٍ وهمي، أو بلاسيبو، بينما «يُخفى» عن المشاركين ما سيتلقَّونه بالضبط مثل الشاب الذي كان في حديقة المشمش. في العموم ينال عملُ فرانكلين وزملائه الإشادةَ باعتباره انتصارًا رائدًا للطبِّ القائم على الأدلة.

لكن مِثلما تسبَّبَت التجارِبُ المقارنةُ في جعل الأطباء يُغفِلون قوةَ تأثير البلاسيبو، فمن الجائز أن تكون لجنةُ الملك قد ارتكبت خطأً مُشابهًا. فقد كانوا مُحقِّين في دحضِهم لنظرية ميسمر حول السائل المغناطيسي. لكنهم برفضِهم لأسلوبه العلاجي باعتباره هُراءً لأنه يعتمد على الإيحاء وحده، هل فاتَتهم حقيقةُ أنه ربما كان من الوارد أن ذلك الأسلوب يمتلكُ حقًّا القدرة على الشفاء؟

أطلِقي لنفسِكِ العِنانَ واسترخي.

كان أول ما لاحظتُه هو البطاقات. فهي في كلِّ مكان، نحو ٥٠ أو ٦٠ منها، عليها صورُ فراشاتٍ وزُهور ومشاهدَ ساحليةٍ وكلابٍ ترتدي قبَّعات. كانت تُغطي المكتب، وتصطفُّ على رفوف الكتب، ومثبتةً على الحائط. وبداخلها كُتِبت بخط اليد رسائلُ طويلة من قبيل: «شكرًا على كل شيء … أردتُ فقط أن تعلم كم أنا مُمتنَّة … لقد كان تغييرًا هائلًا في حياتي.»

دعي مشاعرَ الاسترخاءِ تلك تغمُركِ.

كان ثَمة مُلصَقات على الجدار أيضًا، تُبين تكوين الأمعاء، وبابٌ سَميك مطليٌّ بالطِّلاء الأخضر الشائع في المستشفيات، عليه لافتةٌ كُتِب عليها: «ممنوعٌ الإزعاج. عملياتُ تنويمٍ مغناطيسيٍّ جاريةٌ.» الصمت مُطبِق إلا من دقَّات ساعة. كانت أشعَّة الشمس تنحدر من خلال الستائر آتيةً من موقف السيارات بالخارج.

تنتشر في العضلات الصغيرة لقدمَيكِ وكاحلَيكِ. تنتشر حتى رُكبتَيكِ وفخذَيكِ، وبطنكِ.

يحتلُّ معظمَ الفراغِ في هذا المكتب كرسيَّان مُتقابلان من الجلد، لهما مسندان. كانت تجلس على الكرسيِّ الأصغر باميلا كروكشانكس، المنوِّمةُ المغناطيسية التي ظلَّت تعمل مع هورويل في مستشفى وايثينشو طيلةَ العشرين عامًا الماضية.

أيُّ موضع ستحلُّ فيه سيكون تدفُّقها فيه مُفيدًا.

كانت كروكشانكس مائلةً إلى الأمام، وقد ربَّعَت ذِراعَيها، وعلى حجرها أوراق. كانت عيناها مُغمَضتَين. وقد بدَت مثلَ أمينةِ مكتبة أو خالةٍ حانية بشعرها الداكن الكثيف، وقِلادتها المصنوعة من خرزٍ أخضرَ مربَّع، ونظَّارتها ذات نصف الإطار. وكانت تتحدَّث بنعومة، بلكنةٍ شمالية لطيفة ذكَّرتني بالكراميل.

تخيَّلي شعورًا جميلًا يغمرُ كتفَيكِ. يمتدُّ إلى ذراعَيكِ حتى يصل إلى يدَيكِ وأطرافِ أصابعكِ. يمرُّ عبر عنقكِ ورأسكِ، ويتخلَّل عضلاتِ وجهكِ.

على بُعدِ بضعة أقدام، كانت نيكول جالسةً على كرسيٍّ ضخم قابلٍ للبسط رافعةً قدَمَيها. كانت مُغمَضة العينَين هي الأخرى، وتتنفَّس تنفسًا عميقًا وبطيئًا. كانت ذاتُ الثمانية والأربعين عامًا نحيفةً، ولها شعرٌ بنيٌّ كَسْتنائي، وتضع قُرطًا فِضيًّا صغيرًا، وعلى شفَتَيها مسحةٌ من مُلمِّع شِفاه.

كل شيء يبعث على مزيدٍ من الراحة والاسترخاء. استمتعي بهذا الشعور الجميل.

منذ أربعةَ عشرَ عامًا كانت نيكول تنعم بالعملِ مُضيفةَ طيران، وكانت حُبْلى بطفلِها الأول. لكن طفلها وُلِد بحالةٍ غيرِ متوقَّعة تشتمل على شفةٍ مشقوقة وشقٍّ حلقي، وكذلك مُشكلات في السمع والكلام. ثم غادَر الأب، آخذًا معه كلَّ أموال الاثنَين. ولما لم تَعُد قادرةً على سَداد الإيجار، صارت بلا مأوًى.

تخيَّلي نفسَكِ مُسترخيةً حقًّا قبل تناول الطعام. استمتعي بطعامكِ. كُلي على مهل، وامضغي جيدًا، واطمئنِّي إلى طعامك وهو ينزل إلى معدتكِ.

خلال أسابيعَ قليلة، صارت نيكول فجأةً أمًّا عزباء، بلا عمل، ولا مال، ولا رفيق، ولا بيت، وتعول طفلًا من ذَوي الاحتياجات الخاصة. وقد تمكَّنَت من أن تجدَ لها ولابنها سكنًا في منزلٍ تابع للحكومة، ورأت ابنها يخضعُ لجِراحاتٍ عديدة بينما كانت تَدرُس لتصيرَ مُمرضةَ أسنان. فكانت تستيقظ في الخامسة صباحًا للاستذكار وهو نائم، قبل أن تأخذَه إلى الحضانة ثم تذهب إلى عملها.

تُرسِل معدتُكِ أمواجًا صغيرة، مِثلَ موج البحر على شاطئٍ بديعٍ هادئ. تخيَّلي أن أمعاءكِ تتعلمُ من موج البحر.

لكن التوتُّر تمكَّن منها. كانت تشعر بغثيانٍ وألمٍ دائمَين، كأنَّ شفرات أمواس تتوغَّل في جسدها. وأصبحَت مُصابةً بانتفاخٍ شديد. ولأنها نحيفةُ البُنيان بطبيعتها، فقد بدَت كأنها حُبلى في الشهر التاسع.

تخيَّلي الأمواج الصغيرة في الأمعاء الدقيقة، وهي تُحرِّك الطعامَ معها. والجسم يمتصُّه.

استغرق الأمرُ من نيكول ١٢ عامًا حتى شُخِّصت حالتها بأنها متلازمةُ القولون العصبي. ظلَّ الاستشاريُّ يصفُ لها المزيدَ والمزيد من العقاقير، حتى لم تَعُد تعرف ما يفعله كلٌّ منها. لكن لم يُخفِّف أيُّ شيء الألمَ أو القيءَ أو الإسهال الدائم. كانت أسوأ اللحظات حين دخلَت المستشفى، وهي تتنفَّس بصعوبة، وقد ارتفع ضغطُها بشدة حتى إنها كانت بحاجةٍ إلى إسعافٍ عاجل، وكانت معدتُها منتفخةً للغاية حتى إن الطاقم الطبي أبى أن يُصدِّق أنها لم تكن حُبلى.

كل شيء هادئٌ ويدعو إلى السكينة. انظري كيف تتلألأُ المياه في أشعَّة الشمس.

نُقِلَت نيكول إلى رعايةِ بيتر هورويل، وحين اقترح أنَّ العلاج بالتنويم المغناطيسي قد يُساعد في حالتها، كان أقلَّ ما يُمكن قوله إن الشكَّ قد ساورَها. لكنها كانت في غاية اليأس، حتى إنها كانت على استعداد لتجرِبةِ أيِّ شيء. اليوم جلستها السادسة مع كروكشانكس. وقد اختفت التجاعيدُ من وجهها. وبدَت هادئة.

بدلًا من أن تتحكم مَعِدتُكِ فيكِ، تحكَّمي أنتِ في مَعدتكِ. إنني أطلب راجيًا من عقلكِ الباطنِ المساعدةَ. أرجوك اجعل الأمعاء تعمَل بالطريقة الصحيحة.

حين فرَغَت كروكشانكس من العمل، أخذت نيكول نفَسًا عميقًا. ثم هرشت ومدَّت ذراعَيها فوق رأسها وفتحت عينَيها.

•••

لم تختفِ الميسمرية بعد أن فنَّدَتها لجنة الملك الفرنسي. وإنما أُعيد اختراعها، وأُعطيت اسمًا جديدًا.

على الرغم من تقريرِ فرانكلين اللاذِع، فقد واصَلَ الميسمريون ممارستَها طوالَ القرن التاسعَ عشر في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. لكن بدلًا من أن يَدخل مرضاهم في تشنُّجاتٍ هستيرية كانوا غالبًا يستغرقون في حالاتِ غشيةٍ شبيهة بالنوم. وكان هذا يُستعرَض في عروضٍ مسرحية شائقة، كثيرًا ما كان المُمارسون أثناءها يدَّعون أن حالة الغشية تستجلبُ قُوًى خارقةً للطبيعة مثل التخاطُر الذِّهني والفِراسة. لا غَرْو أن المؤسَّسة الطبِّية ظلَّت مُقتنِعة بزيف الأمر برُمَّته.

في عام ١٨٤١، حضر طبيبٌ اسكتلندي يُدعى جيمس بريد أحدَ هذه العروض عازمًا على فضح زيفها، لكن بعدَ فحص الأشخاص المنوَّمين مغناطيسيًّا، غادَر مُقتنعًا بأن ثَمة شيئًا يستحقُّ الدراسة يتوارى وراء كل تلك الحركات المسرحية. وانتهى إلى أنه لا توجد حاجةٌ إلى التلويح باليدَين؛ فهو يستطيع جعل الناس في حالة غشية بمجردِ أن يطلب منهم تركيزَ انتباههم على شيء، مِثل غطاء زجاجة أو لهبِ شمعة. لم يكُن ثَمة شيءٌ خارق للطبيعة، وإنما ظاهرةٌ طبيعية يمكن دراستها دراسةً عِلمية. وقد أسماها «نيوروهيبنوسيس» (التنويم العصَبي) تيمنًا باسم هيبنوس، إله النوم عند الإغريق.

لاحقًا تبنَّى التنويمَ المغناطيسيَّ مُعالِجون نفسيُّون مثل سيجموند فرويد، الذي استخدمه في بداية حياته المهنية لاستجلاءِ مشكلاتٍ نفسية وحلِّها، وميلتون إريكسون، الذي انشقَّ عن النهج السائد للمنوِّمين المغناطيسيِّين السابقين. ووضعَ بدلًا من ذلك أساليبَ إيحائية غيرَ مباشرة للتغلُّب على مقاومة المرضى لتنويمِهم مِغناطيسيًّا، فكان يُردد عباراتٍ حقيقيةً أثناء الجلسات — على غِرار «إنك جالسٌ مرتاحًا.» — لكسبِ ثقة المرضى. كان كلاهما مُقتنعًا بأن العقل الباطن يلعبُ دورًا مهمًّا في صحة الجسد.

إلا أن مِهنة الطبِّ ظلَّت في المُجمَل غيرَ مُكترثة بالأمر. ازداد اشتهار التنويم المغناطيسيِّ بأنه رديءُ السُّمعة وغيرُ عِلمي؛ بسبب ارتباطه بممارَساتٍ حمقاءَ على شاكلةِ الرجوعِ إلى حيَواتٍ سابقة، وحالاتٍ زرَع فيها المُعالجون دون قصدٍ ذكرياتٍ غيرَ صحيحة عن التعرُّض لانتهاكات، والشعبية المُستمرة للعروض المسرحية.

ثَمة مشكلةٌ أخرى؛ ألا وهي أن العلماء يجدون صعوبةً في فَهم ما يفعله التنويمُ المِغناطيسي بالمخ. فقد تبيَّن أنه يسهُل وصف التنويم مغناطيسيًّا، لكن الأمر الأصعبَ كثيرًا هو تفسيره. إذ يقول عنه ديفيد شبيجل، عالم النفس بجامعة ستانفورد وأحدُ أبرز باحثي العلاج بالتنويم المغناطيسي في العالم: «إنه مثلُ دخول عالم خيالي. حيث يقلُّ الانتقاد، ويقلُّ إظهار التباين وعقد المقارنات، وتجد نفسك مُنجرفًا مع التجرِبة فحسب. ويبدو ما تشعر به نابضًا بالحياة وحقيقيًّا جدًّا. ولا تُخالِجُك مشاعرُ مُتضاربة حِيالَ ما تفعله، ولا تُحصي الوقت. إنه سلسلة من التقلُّبات الذهنية، حسْبُك فيها التماسكُ ورؤيةُ ما سيحدث.»3
ودائمًا ما يُعطيه علماء النفس تعريفًا لطيفًا بلا طعم، على غِرار «حالة من التركيز الشديد يُصاحبها تعطيل للوعي المحيطي.» حين يُنوَّم الناس مِغناطيسيًّا يبدون أكثرَ قابليةً للإيحاء من المُعتاد، وأكثرَ تأثرًا بتحريفات الواقع مثل الذكريات الكاذبة وفقدان الذاكرة والهلاوس. كما أنهم من الممكن أن يشعروا بفقدانِ السيطرة على أفعالهم. فإذا اقترح المنوِّم المغناطيسيُّ مثلًا أن أذرعهم ستُرفَع، تبدو لهم كأنها تتحرك من تلقاء نفسها.4

من التفسيرات الشائعة لهذه التأثيرات الغريبة أن أجزاءَ الوعي المختلفة تصير مُنفصلةً بعضها عن بعض أثناء التنويم المغناطيسي. وهذا يعني أنه يُمكن لعقلِنا الباطن أن يمتثلَ للإيحاءات دون دراية من ذاتنا الواعية. يطلب منا المنوِّم المغناطيسي أن نرفع ذراعًا فنفعل، لكننا نشعر وكأنَّ شخصًا آخرَ هو الذي يرفعُها لنا. وحين نتعرَّض لفقدان الذاكرة، يُسجل العقلُ الباطن ما جرى من أحداث، لكن هذه الأحاسيس لا تجد سبيلَها إلى عقلنا الواعي.

ربما ندخل ونخرج من حالاتِ التنويم طَوال الوقت. هل سبق لك أن قُدتَ سيارتك من مكانٍ لآخَر، ثم أدركتَ عند وصولك أنك لا تستطيع تذكُّرَ أيِّ شيء عن رحلتك؟ أو هل كنتَ مُستغرقًا للغاية في قصة كتاب أو فيلم شائق حتى إنك لم تنتبه حين نادى أحدٌ ما اسمك؟

قد يعني هذا أنه لا يوجد في الأمرِ شيءٌ خارجٌ عن العادة على الإطلاق. بالفعل، يدفع بعضُ الباحثين بأنه لا وجود للتنويم المغناطيسي، وأن للمهامِّ الخارقة التي يؤدِّيها الناس حين يبدو أنهم منوَّمون مغناطيسيًّا تفسيراتٍ أخرى، من ضغطِ الأقران والتصنُّع، إلى التمتُّع بخيالٍ خِصْب. أو ربما يكون مجردَ وسيلة لتعزيز توقُّعنا بأن شيئًا معيَّنًا سيحدث، فكأنه تأثيرُ بلاسيبو مشحونٌ بطاقةٍ إضافية. وهذا يُفسِّر على نحوٍ جيِّد السببَ وراء اتخاذ التنويم المغناطيسي أشكالًا عديدة، تتنوَّع ما بين نوباتٍ هستيرية وغفواتٍ من النُّعاس، إلى النشاط المتأجِّج لِشَعب البوشمان في صحراء كالاهاري. بذلك يكون التنويمُ المغناطيسي ببساطة نبوءةً تتحقَّق من تِلقاء نفسها، حيث يتحقق ما يتوقَّع الناسُ أن يمرُّوا به أيًّا ما كان.

إلا أن آخِرَ دراساتِ تصوير المخ تُشير إلى أنَّ ثَمة شيئًا عظيمًا يحدث فعلًا في المخِّ حين نخضع للتنويم المغناطيسي. من هذه الدراسات تجرِبة شبيجل التي يُسميها تجرِبةَ «الاعتقاد مَحْض العِيان.»5 عرَض على مُتطوعين سلاسلَ من المربَّعات — بعضها ملوَّن والبعض الآخر بدرجاتِ اللون الرمادي — أثناء إجرائه تصويرًا لأدمغتهم. ثم أخبرهم (وهم لا يزالون يُشاهدون المربعات) أن المربعاتِ الملوَّنةَ هي بالأبيض والأسود، وأن المربَّعات التي بالأبيض والأسود ملوَّنة.

في حالة الأشخاص الذين كانوا منوَّمين مِغناطيسيًّا، تغيَّر الجزء المسئول عن رؤية الألوان حين تلقَّوا توجيهَ شبيجل. فقد صار أقلَّ نشاطًا حين أخبرهم أن المربعاتِ الملونةَ التي كانوا يتطلَّعون إليها كانت بالأبيض والأسود، وصار أكثر نشاطًا حين أخبرهم أن المربعاتِ بالأبيض والأسود كانت ملوَّنة. كانت هذه النتيجةُ في غاية الأهمية؛ فقد بيَّنَت أن المُتطوعين لم يتظاهروا فحسبُ بأن المربعات الملونةَ قد تجرَّدت من ألوانها (أو العكس بالعكس)، فهكذا رأَوها فعلًا. ولم يحدث هذا في حالة الأشخاص ذَوي القابلية المنخفضة للتنويم مِغناطيسيًّا، أو المُتطوعين الذين طُلب منهم اصطناعُ استجاباتهم.

أيضًا يتصرَّف الأشخاص المنوَّمون مغناطيسيًّا بطريقةٍ مختلفة. فالمُتطوعون المنوَّمون مغناطيسيًّا الذين طُلِب منهم عدمُ رؤية مقعد كان أمامهم سيُصرُّون على أنه اختفى. لكن لو طُلب منهم السيرُ عبر الحجرة، سيَظلُّون يتحاشَونه أثناء حركتهم (يتَّسقُ هذا مع فكرةِ أن عقلَهم الباطن ما زال يعلم أن المقعد موجود). على النقيض من ذلك، بوجهٍ عام يصطدمُ بالمقعد المتطوِّعون غيرُ المنوَّمين مغناطيسيًّا الذين يُطلَب منهم اصطناعُ الشعور.

بفضلِ مِثل هذه الأبحاث يُقرُّ الأطباء عامةً بأنه يمكن للتنويم المغناطيسي أن يتجاوزَ الإدراك الواعيَ وصولًا إلى أنماطٍ فكرية واعتقاداتٍ ضاربةِ الجذور. وتعترف النقاباتُ الطبية البريطانية والأمريكية بالتنويم المغناطيسي بصفته أداةً طبِّية مشروعة، على الأقل كعلاج لمشكلاتٍ نفسية مِثل الإدمان والرُّهاب واضطرابات الأكل. أما أنا فما يُثير اهتمامي هو ما إذا كان بإمكان الإيحاءات عن طريق التنويم المغناطيسي أن تؤثِّر تأثيرًا مباشرًا على الجسم المادي، لا سيَّما إذا كان التأثير مُفيدًا طبيًّا.

هل تتذكَّرون طبيبة الأطفال كارين أولنيس، التي عالجَت ماريت من الذِّئبة الحمامية بزيت كبد الحوت وعِطْر الورد؟ إنها الآن باحثةٌ مرموقة في مجال التنويم المغناطيسي، وتعمل في مجلس الطب التكميلي والبديل التابع للمَعاهد الوطنية للصحَّة، إلى جانب شَغْلها مَناصبَ أخرى. وهي تزعم أن التنويم المغناطيسي يُساعدنا في الوصول إلى الأجزاءِ غيرِ الواعية من المخ نفسِها التي تُساعدنا الاستجاباتُ الشرطية على بلوغِها، فنتوصَّل إلى الجهاز العصبي اللاإرادي لنؤثِّرَ على أجهزة الجسد غير الخاضعة في العادة للضبط الإرادي.

وتُبرهن أبحاثَها على الأطفال على أنه بمقدورهم التأثيرُ إراديًّا على تدفُّق الدم لتغييرِ درجة حرارة أطراف أصابعهم.6 مع أن درجة حرارة أطراف الأصابع تَميل إلى الارتفاع حين نكون مُسترخِين، فإن «هؤلاء الأطفال تمكَّنوا من رفع الحرارة المحيطية بدرجةٍ أكبر بكثير مما يُمكن عملُه بالاسترخاء وحده.» على حدِّ قولها.7 وتُضيف: «كانوا يتخيَّلون صورًا مختلفة من أجل ذلك. فقد تخيَّل أحدهم أنه يَلمِس الشمس.» تعتقد أولنيس أن الصور الذهنية، التي تَصير نابضةً جدًّا بالحياة ونحن منوَّمون مغناطيسيًّا، لها أهميةٌ قُصوى في التأثير على الجسد من الناحية العضوية. ربما تُنشط تلك الصور أجزاءً من المخِّ مختلفةً عن تلك المرتبطة بالأفكار العقلانيَّة أو المجرَّدة. وتُقرُّ أولنيس قائلةً: «لكنْ أمامنا طريقٌ طويل قبل التوصُّل إلى تفاصيل ذلك الأمر.»
تكرَّر اكتشاف قدرة تأثير الإيحاءات بالتنويم المغناطيسي على حرارة الجسم وتدفُّق الدم على يدِ باحثين آخَرين، منهم إدواردو كاسيليا، اختصاصيُّ أمراض القلب بجامعة بادوفا في إيطاليا. ففي إحدى التجارِب، أخبر المتطوِّعين المنوَّمين مِغناطيسيًّا أنه سيأخذ نصف لتر من الدماء من ذِراعهم. وكانت استجابتهم عبارةً عن انخفاض في ضغط الدم وضيقٍ بالأوعية الدموية، مِثلما حدثَ في مجموعةٍ ثانية أُخِذ منها الدمُ فِعليًّا.8 وفي تجربةٍ أخرى أخبر المتطوِّعين بأنهم جالسون في حمامٍ دافئ. فتمدَّدَت الأوعية الدموية في سائر جسدهم كما لو كانوا جالسين في حمَّامٍ دافئ حقًّا، وحين أُخبرَ متطوِّعون بأنَّ ساعِدَهم موضوعٌ في مياهٍ دافئة، تمدَّدَت الأوعية الدموية في ذلك الساعدِ وحده.9
وفي دراسةٍ ثالثة طلبَ كاسيليا من المتطوِّعين أن يضَعوا يدَهم اليمنى في دلوٍ مليء بماءٍ مجمَّد.10 وهي من المهامِّ المؤلِمة أشدِّ الألم التي عادةً ما تؤدِّي إلى استجابةٍ مُقاومة أو هروبٍ قوية، تشمل ضيقًا في الأوعية الدموية، وارتفاعًا في ضغط الدم، وتسارُع خفَقان القلب. إنه ردُّ فِعل غريزي، ومن وجهة نظر الطب التقليدي إننا لا نستطيع كَبْحَه إراديًّا. إلا أن المتطوِّعين المنوَّمين مِغناطيسيًّا الذين أُخبِروا أن ذراعهم اليمنى غيرُ حسَّاسة للألم أتمُّوا المهمة دون أي تأثيرات فسيولوجية.
ويرى كاسيليا أنه إذا فُهِمَت تلك التأثيراتُ فَهمًا أفضل فمن الممكن أن يكونَ لها مجموعةٌ من التطبيقات الطبية المُحتملة. فمن الجائز أن نستخدمَ التنويم المغناطيسي لتعزيز تدفُّق الدم إلى المخ (للوقاية من الاختلال الإدراكي مع التقدُّم في السن)؛ وإلى الأطراف (لمساعدة مَن يُعانون من ضعف الدورة الدموية في اليدَين والقدَمَين)، بل وحتى لتوجيهِ عقارٍ سامٍّ لجزءٍ معيَّن في الجسم. يُقرُّ كاسيليا بأن الأمر الأخيرَ يقع «في عِداد الخيال العِلمي» في الوقت الحالي، لكنه ليس مُحالًا تمامًا؛ فهو يقول إنه اكتشف مؤخَّرًا أنَّ باستطاعة المتطوِّعين المنوَّمين مغناطيسيًّا أن يَزيدوا تدفُّق الدم لأمعائهم عند طلب ذلك.11
وأفادت دراساتٌ مُختبَرية أجْرَتها فِرقٌ أخرى بأن بإمكان الإيحاء بالاسترخاء أثناء التنويم المغناطيسي أن يؤثِّر على استجاباتٍ مَناعية مُتنوعة مرتبطة بالتوتُّر وتقليل الالتهاب، مثلًا، لدى طلبة الطب المُقبِلين على اختبارات.12 في الوقت ذاتِه أشارت بعضُ التجارِب الصغيرة إلى أن العلاج بالتنويم المغناطيسي قد يُحسِّن اضطرابات المناعة الذاتية مثل الإكزيما والصدفية، وأن بإمكانه تقليلَ مدة عَدْوى الجهاز التنفسي العُلوي، بل والتخلُّص من البثور.13 إلا أن النتائج مُختلطة. إذ غالبًا ما تَقيس الدراساتُ المختلفة جوانبَ مختلفةً للجهاز المناعي، ولم تتكوَّنْ صورةٌ متَّسقة. أما فيما يخصُّ أبحاث التنويم المغناطيسي ككلٍّ، فقد انتهت التحليلات الوصفية عامةً إلى أن الأبحاث العاليةَ الجودة قليلةٌ جدًّا، ولا تسمح باستخلاص أي استنتاجات قوية حول فوائده، أو عن الأساليب الأفضل كفاءةً. إن التقليب في البيانات لشخصٍ من خارج المجال مِثلي تجرِبةٌ مُحبِطة؛ فرغم لمحاتِ أملٍ يُثير الحماس، فهو مجالٌ يبدو في أغلبه سطحيًّا ومُبهَمًا.

لكن يوجد علاج بالتنويم المغناطيسي لمتلازمة القولون العصبي.

•••

في حين أنَّ العديد من المُعالِجين بالتنويم المغناطيسي يتوغَّلون في طفولة الأشخاص أو أزماتهم النفسيَّة، لم يكن هورويل مهتمًّا بإصلاح مشكلاتِ مَرْضاه الشخصية. وإنما أراد استهدافَ ما رأى أنه السببُ الجذري لبؤسِهم؛ وهو الأمعاء.

قال لي إن المخَّ والأمعاء متَّصلان اتصالًا معقَّدًا. ويَجري بينهما اتصالٌ متبادَل، عبر الروابط الطبيعية للجهاز العصبي اللاإرادي، وكذلك عبر الهرمونات التي تَدور في مجرى الدم. تنتقلُ الإشارات المتعلقة بما يحدثُ في الأمعاء إلى المخ، الذي يضبِطُ عملَ الأمعاء استجابةً لتلك المعلومات، دون أن نُدرِك ذلك عادةً.

على سبيل المثال، تُخبِرنا الإشارات القادمة من المَعدة عمَّا إذا كنَّا جَوعى وبحاجةٍ إلى تناول الطعام، أو إذا ما كنَّا نشعر بالامتلاء وبحاجةٍ إلى إفراز حمض المَعدة أو تحويل تدفُّق الدماء للمساعدة في الهضم، أو إذا ما كنَّا قد ابتلَعْنا سُمًّا وبحاجة إلى التقيُّؤ. على الجانب الآخر من العملية، تُخبرنا الإشارات القادمة من القولون والمستقيم إذا ما كنَّا بحاجة إلى قضاء حاجتنا. عندَئذٍ يُمكننا إما السماح بالأمر، أو كبتُ الباعث حتى يَحين وقتٌ أكثر مُلاءمةً.

لقد خَبِر أكثرُنا كيف يمكن أن تؤثِّر حالتنا الذهنية على عمل الأمعاء. فقد نمتنعُ عن قضاء حاجتنا لأيام إذا لم نكن مُرتاحين لاستعداداتِ المراحيض، وحين نتوتَّر نشعر باضطرابٍ في المعدة أو نتغوَّط. ويقول هورويل عن هذا الأمر: «القيمة التطوُّرية الكامنة في ذلك هو أنه إذا كنتَ تَهيم على وجهك وسطَ حشائش السافانا، وأوشكَ حيوانٌ ما على التِهامِك، فمن المُفيد أن تُفرِغ أمعاءك سريعًا حتى يقلَّ تدفُّق الدماء إليها. بعد ذلك تستطيع توجيهَ كلِّ الدماء إلى عضلاتك حتى تتمكَّن من الركض.»

لكن في حالة مَرْضى متلازمة القولون العصبي يتعطَّل الاتصال بين المخ والأمعاء. فقد يؤدِّي التوتُّر المُزمن، على سبيل المثال، إلى إسهالٍ مستمر أو قيءٍ أو تقلُّصاتٍ مؤلِمة في الأمعاء. ومن الممكن أن يُسفِرَ هذا عن حلقةٍ مُفرَغة يُخالج فيها القلقُ الناسَ من أعراضهم مما يَزيد المشكلةَ سوءًا. «يأتي الألم، ثم يأتي القلق.» هذا ما تقوله إيما ذاتُ الواحد والعشرين عامًا التي كانت في زيارة لعيادة هورويل مع أمها. «أعلم كيف يحدث الأمر، لكنني لا أستطيع كسر الحلقة.»

بعد أن تدرَّب هورويل على العلاج بالتنويم المغناطيسي، رأى أن هذا الأسلوب قد يُقلل التوتُّرَ والقلق؛ مما يُساعد المرضى على عدم المبالغة في الاستجابة للإشارات الصادرة من الأمعاء. لكنه كان يأمُل أيضًا في أن يؤثِّر مباشرةً على عمل الأمعاء. ومن أجل ذلك، أعطى المرضى درسًا حول كيفية عمل الأمعاء، ثم طلب منهم أثناء جلسة التنويم المغناطيسي أن يتصوَّروا عمليةَ هضمٍ أهدأَ وخاليةً من المشكلات يمتلكون زِمامَها. من الأساليب الشائعة تخيُّلُ الأمعاء نهرًا. قد يتخيَّله الشخص المُصاب بإمساك شلالًا مُتدفقًا، بينما قد يُفضل الشخص المُصاب بإسهال تصوُّرَ قواربَ في قناةٍ تَسري مياهها رُوَيدًا.

للصمود أثناء محاولته وُلوجَ عالم العلاج بالتنويم المغناطيسي دون المساس بسُمعته، أدرك هورويل أنه سيكون عليه توثيقُ نتائجه في تَجارِبَ علمية صُلبة. وقد نشر نتائجَ تجربته الأولى عام ١٩٨٤. كانت تجرِبةً عشوائية على ثلاثين شخصًا، تلقَّوا اثنتَي عشْرةَ جلسةً أسبوعية؛ إما للعلاج بالتنويم المغناطيسي الموجه للأمعاء، أو للعلاج النفسي (تضمَّنَت مناقشة التوتر والمشكلات العاطفية التي قد تكون أدَّت إلى الأعراض).14 كان هؤلاء الأشخاص مَرْضى يائسين، ظلُّوا يُعانون من متلازمة قولون عصبي شديدة لسنوات، دون أي تحسُّن مع العلاج التقليدي. طلب منهم إعطاء درجات يُقيِّمون بها عملَ أمعائهم على مقياس من ٢١ درجة، بحيث تُشير الدرجات الأعلى إلى أسوأ الأعراض. بدأتْ مجموعةُ العلاج النفسي بثلاثَ عشْرةَ نقطةً في المتوسط، ولم يتحسَّنوا عن ذلك في الشهور الثلاثة التالية. أما مجموعة العلاج بالتنويم المغناطيسي فقد بدأت التجربة بسبعَ عشْرةَ نقطة، وانتهت بتسجيل نقطةٍ واحدة.

حينئذٍ تحوَّل الأمر من تَجرِبة مبدئية إلى هدفٍ في الحياة. أصَرَّ هورويل على فرض قَبول التنويم المغناطيسي عِلميًّا رغم المعارضة الشديدة، فأنشأ منذئذٍ وحدةً مخصَّصة للعلاج بالتنويم المغناطيسي في مستشفى وايثينشو، يعمل بها حاليًّا ستةُ مُعالِجين، وقد جمَّع كمًّا هائلًا من الأدلة الداعمة لأسلوبه.

لكنَّ العلاج بالتنويم المغناطيسي الموجَّه للأمعاء لا يُساعد الجميع. فقد أخذَت إيما مثلًا الدورةَ العلاجية ولا تزال تُعاني من آلامٍ مُبرِّحة. لكن على مَدار تجارِب وفحوصات مُتعدِّدة، أثبتَ هورويل أن العلاجَ بالتنويم المغناطيسي يُساعد ٧٠–٨٠٪ من المرضى الذين فشلتْ معهم سائرُ العلاجات الأخرى.15 تخفُّ الأعراض الأخرى كالصداع والإجهاد بالإضافة إلى الأعراض المتعلِّقة بالأمعاء، وبعد العلاج بالتنويم المغناطيسي تقلُّ زياراتُ المرضى إلى الأطبَّاء والاستشاريِّين؛ ليس فقط تلك المُتعلقة بمتلازمة القولون العصبي، ولكن عمومًا. وتُشير تجارِبُ صغيرةٌ إلى أن هذا النهج مُفيد لاضطراباتٍ وظيفيَّة أخرى أيضًا في الجهاز الهضمي، منها عُسْر الهضم الوظيفي وألمُ الصدر غيرُ القلبي،16 بل وقد يُساعد المرضى الذين يُعانون من اضطراباتِ مَناعة ذاتيةٍ أخطَر، مِثل داء كرون والتهاب القولون التقرُّحي، الذي يُهاجم فيه جَهازُ المناعة بطانةَ الأمعاء.17
في حالة مُتلازمة القولون العصبي على الأقل، يبدو أن الفوائد تستمرُّ مدةً طويلة؛ فحين تابَع هورويل أكثر من ٢٠٠ مريض بمتلازمة القولون العصبي كانوا قد استجابوا للعلاج بالتنويم المغناطيسي طَوال خمس سنوات، وجد أن ٨١٪ منهم ظلُّوا على ما يُرام، بل وواصَل أغلبُهم التحسُّن.18 هذا التأثير الدائم، وحقيقة تحسُّن المرضى الذين تلقَّوا العلاج بالتنويم المغناطيسي في التجارِب بدرجةٍ أكبرَ من أولئك الذين في المجموعات الضابطة، يُوحيان بأنه لا يعملُ بأسلوب العلاج الوهمي فحسب.

رغم أنه من الممكن أن يشعر مرضى متلازمة القولون العصبي بتأثيراتِ بلاسيبو هائلة، كما رأينا في الفصل الثاني، فإنها غالبًا ما تكون مؤقَّتة. يُلاحظ هورويل مثلًا أنه حين يُجري مَرْضاه جِراحة، غالبًا ما يشعرون بتحسُّن في البداية، لكنهم ينتكِسون بعد ذلك. وعلى النقيض، يعتقد أن العلاج بالتنويم المغناطيسي يُساعدهم على تغييرِ أنماط التفكير في أمعائهم من أجل تخفيف الأعراض إلى الأبد. ويُعطي المرضى أقراصًا مُدمَجةً عليها جلساتُهم، حتى يتمكَّنوا من مواصلة التدريب في المنزل متى احتاجوا إلى ذلك.

كذلك ساعَدَت دراسات هورويل على إثبات أن العلاج لا يقتصر على تقليل التوتر. تكون بِطانةُ الأمعاء لدى مرضى متلازمة القولون العصبي مُفرِطةَ الحساسية للألم، وهو شيءٌ يمكن قياسه بوضعِ بالونٍ في مؤخرة الشخص ونفخِها حتى يقول إنها تؤلِمه. يشعر الأصحَّاء بالألم عند ضغط ٤٠ مليمترًا زئبقيًّا تقريبًا، أما مرضى متلازمة القولون العصبي فعادةً لا يصلون إلى نصف ذلك. إلا أنه يبدو أن العلاج بالتنويم المغناطيسي يُعدِّل تلك الحساسيةَ المُفرِطة. لأنه حين أجرى لهم هورويل الاختبارَ بعد دورة علاجية، وجدهم قد عادوا إلى المعدَّل الطبيعي.19
ومن الأمور ذات الأهمية الحاسمة، أنَّ المرضى، عند تنويمهم مغناطيسيًّا، يكون بمقدورهم التأثيرُ على سرعةِ إفراغ مَعدتهم لمحتوياتها في الأمعاء الدقيقة (وهو ما يُقاس باستخدامِ التصوير بالموجات فوق الصوتية)،20 وكذلك على معدَّل انقباض القولون.21 كما في حالة تجارِب أولنيس وكاسيليا على تدفُّق الدم، ليست تلك من الأشياء التي يُفترَض أنَّ لدينا القدرةَ على أدائها بإرادتنا.

يقول هورويل: «الأمر لا يقتصر على أن تجلسَ وتقولَ للمريض: «لا بدَّ أن تجعلَ عضلاتك تسترخي». لكن في هذه الحالة القابلة جدًّا للإيحاء، يبدو أن بمقدورِ الناس أن يفعلوا بأجسادهم أشياءَ لا يستطيعون بالضرورة فِعلَها في حالة الوعي.»

•••

في مكتب كروكشانكس الذي تصطفُّ عليه البطاقات، سألتُ مُضيفةَ الطيران السابقةَ نيكول عمَّا شعرت به وهي منوَّمةٌ مِغناطيسيًّا. فقالت لي إنها شعرت وكأنها طافية. وأضافت: «حين تتحدث بام أتخيَّل مِياهًا تركوازية خضراءَ دافئة. مياه العطلات المُشمِسة، التي تبعث على الاسترخاء. أشعر كأنني أبتسم بداخلي.»

وهل يُجْديها العلاج بالتنويم المغناطيسي نفعًا؟ قالت إنها وجدَت صعوبة في استيعابه في البداية. لكن منذ الأسبوع الماضي … ثم أمسكَت عن الحديث، مُتطلعةً إلى كلينا، بعينَين لامعتين مثل شخص لديه سرٌّ مُثير سيَبوح به.

قالت: «حدَثَت معجزة. فقد كان الانتفاخ والتورُّم يصلان حتى صدري. وكان الألم مستمرًّا. والآن لم يَعُد لديَّ انتفاخ. ولا أتناول أي مسكِّنات.» ثم تحوَّلَت إلى بام، وهي على شَفا البكاء. وقالت لها: «أريد تقبيلَكِ! لقد عانيتُ طويلًا جدًّا. إن قولي بأنني لم أشعر بألمٍ طيلةَ أسبوع، إنه أمرٌ رائع.»

قبل أن تُغادر نيكول سألتها كروكشانكس كيف سار الأسبوع. فأجابت بهدوء قائلةً: «لقد عاوَدَني السرطانُ للتَّو.» إنه ورمٌ في ظهرها. كانت قد أصيبت بالسرطان من قبل، لكنه قد عاد الآن. قلت لها: «إنني أشعر بالأسف جدًّا لأجلكِ.» لكن نيكول هزَّت رأسها. وقالت: «لقد اكتشفناه مُبكرًا. لا آبَهُ بالأمر.» ثم أشارت إلى مَعدتها. «هذا أسوأ شيء. إنه الشيء الأكثر إيلامًا وتحطيمًا للروح.»

حين نهضَت، عانَقَت كروكشانكس عِناقًا قويًّا. قريبًا ستكون ثمةَ بطاقةُ شكرٍ أخرى على الحائط.

•••

حين عدتُ إلى مكتب بيتر هورويل بعد زيارتي لوحدة العلاج بالتنويم المغناطيسي، أراد أن يُشدِّد على أن متلازمةَ القولون العصبي لا ترجع إلى التوتر والقلق فقط. فثَمة عواملُ أخرى منها الجينات، والنظام الغذائي، وميكروبات الأمعاء، والطريقة التي يُعالج بها المخُّ الألم، والأمعاء ذاتها بالطبع.

ويُشير إلى أن كل مريض لديه خليطٌ مختلف من هذه العوامل. في بعض الحالات، مثل ألم إيما أو انتفاخ نيكول، يبدو أن الحالة النفسية تلعب دورًا كبيرًا. وفي حالاتٍ أخرى، مثل الإمساك الذي لدى جينا، قد لا تكون عنصرًا مهمًّا على الإطلاق.

يعتقد هورويل أن مشكلات جينا مرتبطةٌ أكثرَ بجِراحات البطن المُتكررة، التي من الممكن أن تُتلِف الأعصاب الضرورية لعمل الأمعاء. فهو يقول إنها، بالإضافة إلى استئصال الرحم، واستئصال المثانة، «أُجرِيَت لها سلسلةٌ من الجِراحات على مؤخرتها. فلا عَجب أنها لا تعملُ كما ينبغي.»

لهذا السبب يُصرُّ أن العلاج بالتنويم المغناطيسي لا بد أن يُستخدَم دائمًا إلى جانب أساليب العلاج التقليدية. على الرغم من أن العلاج بالتنويم المغناطيسي ربما يُساعد جينا على السيطرة على التوتر المُصاحِب لأعراضها؛ فقد أوصى هورويل أيضًا بمُرخِياتِ عضلاتٍ قوية ومُليِّنات، وإذا لم تُجدِ نفعًا، بإجراء استئصال للقولون.

أذهلني عدد المرضى المُحالين إلى هورويل الذين أُجريت لهم من قبلُ جِراحاتٌ في البطن؛ على الأقل سبعة من المرضى العشَرة الذين التقيتُ بهم في ذلك اليوم. وهو يؤكِّد أنها من العوامل الرئيسية في الإصابة بمتلازمةِ القولون العصبي. فقد تصيرُ الأمعاء حسَّاسةً إذا تحرَّكت أو اضطربَت أثناء الجِراحة، وتبدأ تُرسل إشاراتِ ألمٍ مُبالَغًا فيها إلى المخ. وهذا غالبًا ما يؤدِّي إلى متلازمة القولون العصبي في المقام الأول. في حالاتٍ أخرى يُجري أطباء الجهاز الهضمي جِراحةً على أملِ التخفيف من أعراض المرضى، لكنهم يجدون أن حالتهم تزداد سوءًا في النهاية.

يقول هورويل: «إن الجرَّاحين مُبرمَجون على إجراء العمليات. وفي حالاتٍ كثيرة يأتون بمعجزات في العلاج. إذا كنتِ مُصابةً بالتهاب الزائدة الدودية أو التهاب المرارة أو ثقب في الأمعاء، فسوف يُنقذون حياتَكِ.» لكن حين يُعاني شخصٌ من ألمٍ في البطن، يكون رد فِعلهم الاعتيادي هو إزالة شيء ما. لكن للأسف كثيرًا ما يؤدي هذا إلى تفاقُم المشكلة. يقول هورويل: «إنها تُجرى بنوايا حسنةٍ تمامًا. لكن ما إن تُغيِّرين من بِنْية الأمعاء، مُحدِثةً نُدوبًا والتصاقات، فلن تتمكَّني من إزالة ذلك بالتنويم المغناطيسي.»

ذكَّرَني هذا بالمعضلة التي يُواجهها مرضى مُتلازمة الإجهاد المُزمن، الذين يتخبَّطون ما بين القول بأن حالتهم إما مرضٌ عضويٌّ غيرُ قابل للعلاج أو وهمٌ نفسي. سألت هورويل هل مَرْضى مُتلازمة القولون العصبي هم الآخرون عالقون بين طرَفَي النقيض، الجسد والعقل؟ فبعضهم يُعالَج كأنَّ قولونه العصبيَّ مشكلةٌ جسدية محضة، فيُقطِّع الجرَّاحون قطعةً تِلو الأخرى من أمعائهم، في حينِ يُقال لآخَرين إن المشكلة كامنةٌ في رءوسهم، في حينِ أن ما يحتاجون إليه حقًّا هو نهجٌ يُعالج العقل والجسد معًا؟

نظر هورويل إليَّ لحظةً. ثم قال: «هذا صحيح تمامًا.»

•••

قد يُخيَّل إليكم أن هورويل قد يكون مُغتبِطًا كثيرًا حيالَ اختياره لمجاله، مع كلِّ ما قد أنجزه. فقد وضع علاجًا شديدَ الفعالية، وساعد آلافَ المرضى الذين كان قد يَئِس منهم أطباءُ آخَرون. تُجْري الفِرقُ في أنحاء العالم تجارِبَ مضبوطةً عشوائية على العلاج بالتنويم المغناطيسي الموجَّه للأمعاء، وتأتي أيضًا بنتائج إيجابية؛ وإن لم تكن دائمًا باهرة للغاية،22 وتوصَّل استعراضٌ منهجيٌّ حديث إلى أن العلاج فعَّال وطويل الأمد.23

بفضل مِثل هذه الأدلة، أصبح المعهدُ الوطني للصحة وجودة الرعاية في المملكة المتحدة (إن آي سي إيه)، الذي يُوافق على العلاجات الطبية التي تستخدمها هيئةُ الخِدمات الصحية الوطنية (إن أتش إس)، يُوصي بالعلاج بالتنويم المغناطيسي لمُتلازمة القولون العصبي حين تفشلُ معها العلاجاتُ التقليدية. هذا واحدٌ من العلاجات التكميليَّة الوحيدة التي يدعمها المعهد الوطنيُّ للصحة وجودة الرعاية، والحالة العضوية الوحيدة التي يُوصي بعلاجها بالتنويم المغناطيسي.

لكن لا تبدو السعادة على هورويل. في الواقع يبدو مُحبطًا جدًّا. لأنه رغم تلك التجارِب، وتوصيةِ المعهد الوطني للصحَّة وجودة الرعاية، فإن هيئاتٍ إداريةً كثيرةً مسئولةً عن تمويل العلاج في المملكة المتحدة لا تزال ترفض دعمَ هذا النهجِ العلاجي، في حين ينصح الموقع الإلكتروني لهيئة الخدمات الصحية الوطنية المرضى بأن الدراساتِ البحثيَّةَ على العلاج بالتنويم المغناطيسي لمتلازمة القولون الصحي «لا تُعطي أيَّ أدلةٍ قوية على فاعليَّته.»24

يرى هورويل أنَّ إحدى المشكلات هي أن العلاجَ بالتنويم المِغناطيسي لا يخضع للتَّصميمات الصارمةِ للتجارِب التي وُضِعَت لاختبار العقاقير. قبل التوصيةِ بعلاجٍ معيَّن، يتطلَّع أنصارُ الطبِّ القائمِ على الأدلة إلى تجارِبَ مزدوجةِ التَّعمية، حيث لا يعلمُ المريضُ ولا طبيبُه ما إذا كان الذي يتلقَّاه هو العلاجَ الحقيقيَّ أو الوهمي. هذا منطقي عند اختبار العقاقير، للحكم بأنها لم تُحدِث تأثيرَ بلاسيبو فحَسْب.

لكنك لا تستطيعُ أن تُنوِّم أحدَ الأشخاص مِغناطيسيًّا — أو تخضعَ لتنويمٍ مِغناطيسي — دون أن تعرف. لذلك قد يُطالع المُراجعون أو المموِّلون بياناتِ العلاج بالتنويم المغناطيسي لمتلازمة القولون العصبي، ويرَون أنه لا يوجد تجاربُ مزدوجةُ التعمية، فيستنتجون أن الأدلة التي تدعمه ضعيفة. يقول هورويل: «هذا مُنافٍ للعقل.» ومع أنه يكون من المنطقيِّ التعتيمُ على المرضى في تجربةِ عقار، للفصلِ بين التفاعل الكيميائي للعقار وأيِّ آثارٍ نفسية، فهذا في غيرِ محلِّه عند اختبارِ علاجات على غِرار التنويم المغناطيسي، التي تكون فيها اعتقاداتُ المرضى وتوقعاتهم جزءًا لا يتجزَّأ من طريقة سيره.

ويُجادل هورويل بأنه لا بد أن يكون لدى المُراجعين استعدادٌ لِقَبول الأدلة من طائفةٍ أكبر من تصميمات التَّجارب التي تُناسب اختبارَ علاجٍ يتعامل مع العقل والجسد معًا، لكنها لا تزال قريبةً قدر المُستطاع من القاعدة الذهبية. يُمكن للباحثين، على سبيل المثال، أن يُجْروا تجرِبةَ تعميةٍ مفرَدة، يُختبَر فيها العلاجُ بالتنويم المغناطيسي مقارنةً بمجموعةٍ ضابطةٍ مناسبة، وتُقيَّم فيها أعراضُ المرضى بصورةٍ مستقلة بواسطةِ باحثٍ لا يعلم أيَّ علاج تلقَّاه المرضى.

يُقرُّ جيريمي هويك، خبيرُ الأمراض الوبائيَّة وفيلسوفُ العلوم في مركز الطب القائم على الأدلة في أكسفورد، بأنَّ إجراء تجارِبَ مزدوجةِ التعمية يمكن أن يكون صعبًا أو مُستحيلًا في حالة العلاجات التي تتعامل مع العقل والجسد معًا، لكنه يُشير إلى أنها مشكلة في حالةِ بعض العلاجات التقليديَّة أيضًا، مِثل الجِراحات أو العلاج الطبيعي. ويقترح أنه من المنطقي في مِثل تلك الحالات أن نتغاضى عن مجموعة البلاسيبو برُمَّتها، ونُقارن بدلًا من ذلك بين العلاج وعلاجات أخرى معروفة بفاعليَّتها. ويقول: «إذا كان لديك مشكلةٌ صحية، فما تودُّ معرفتَه هو العلاج الأفضل بين كل هذه البدائل، أليس كذلك؟ فذلك ما يُهمُّ المرضى.»25
قد تكون المشكلةُ الأعمق هي أن العلاجَ بالتنويم المغناطيسي غيرُ رائج جدًّا في أغلب الدَّوائر العِلمية والطبِّية، وما زال يحمل مدلولاتٍ مرتبطةً بالدجَل. ويشكو أنصارُ هذا النهج العلاجي من أن التمويل المُتاح لأبحاث التنويم المغناطيسي محدودٌ جدًّا، مقارنةً حتى بعلاجاتٍ أخرى تتعاملُ مع العقل والجسد معًا، مثل التأمُّل،26 وثَمَّة اهتمامٌ ضئيل بدراسة السُّبل التي قد يُساعد بها المرضى. تقول باحثةُ التنويم المغناطيسي كارين أولنيس: «لا يرى أغلبُ اختصاصيِّي الرعاية الصحية أنه ضروريٌّ أو مهم.»

على مَرِّ السنين، حاوَل هورويل أن يُوسع النموذجَ الذي وضعه للعلاج بالتنويم المغناطيسي ليشملَ حالاتٍ أكثرَ من اضطرابات الجهاز الهضمي. ويقول إنه قد تواصلَ مع اختصاصيِّين في مجالاتٍ مختلفة، مُعتقدًا أن هذه التِّقنيةَ قد تُساعد المرضى على التعامل مع الألم والتوتُّر المُصاحِبَين لحالاتٍ من الإكزيما إلى السرطان. وقُوبِل بالرفض منهم جميعًا، ومنهم مَن قال له: «لا أظن أن ما تفعله قد يُساعد أيًّا مِن مرضانا.»

يقول هورويل ملخِّصًا: «يوجد تحيُّزٌ هائل ضدَّ التنويم المغناطيسي. لقد صار الطبُّ تقنيًّا بشكلٍ بَشِع. إذ تُفرَض علينا العقاقير والفحوصاتُ بالأشعَّة وسائرُ تلك الأشياء العاليةِ التقنية. أما شيءٌ بسيط وعاديٌّ مثل التنويم المغناطيسي فلا يمكن النظرُ إليه باعتباره ذا أيِّ نفع.» ويقول إن استخدام العلاج بالتنويم المغناطيسي سيتطلَّب إعادةَ النظر ليس فقط في تصميمِ التجرِبة، ولكن في كيفيَّة ممارسة الطب. «يقوم النهج الطبيُّ النموذجي للعلاج على تسجيل التاريخ المرَضي، وإعطاء عَقار، ثم صرف المرضى، وإذا لم يُجدِ العَقار نفعًا، أعطِهم عقارًا آخَر، وهكذا دوالَيك. أما هذا فنهجٌ مختلف حيث تتخلَّص من دفتر الوصفات الطبِّية، وتتخلَّص من المكتب، وتتخلص من كل شيء، وتكون أنت الشيءَ الذي إما أن يجعلَهم أفضلَ حالًا أو لا ينجح في ذلك.»

نشر هورويل للتَّو تقييمًا لألفِ مريضٍ آخرَ عُولِجوا بالتنويمِ المغناطيسي الموجَّه للأمعاء.27 حيث يَسرُد الإحصاءاتِ: ٧٦٪ حدَث لهم انخفاضٌ كبير إكلينيكيًّا في الأعراض، ٨٣٪ من المُستجيبين لا يَزالون على ما يُرام بعدَ مرورِ مدةٍ تتراوح من سنة إلى خمس سنوات، ٥٩٪ لا يتعاطَون أيَّ أدوية، ٤١٪ يتعاطون أدويةً أقل، ٧٩٪ قلَّت استشارتهم لطبيبهم أو لم يَعودوا يستشيرونه مطلقًا. إلا أنه على وشك التقاعد قريبًا، ولا يُخطط لإجراء المزيد من التجارِب. ويقول: «أعتقد أننا ربما سنكونُ قد فَشِلنا بحلول ذلك الوقت.»

ويستطرد: «لقد أخرَجْنا الكثير من الأبحاث الجيِّدة، أبحاثًا حاسمة. لكننا دائمًا في معركةٍ مع الأشخاص الذين يُموِّلون العلاج. فإنهم دائمًا ما يقولون إنه لا توجد أدلةٌ كافية. كم يريدون من أدلةٍ أكثرَ من ذلك؟»

ربما يكون مُحقًّا، وربما تكون العقَبات التي تَحُول دون قَبول العلاج، بتاريخه المتقلِّب، شديدةً جدًّا فعلًا. لكن على الجانب الآخر من الأطلنطي، يُعاد اختراع التنويم المغناطيسي مرةً أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١