دور الفلسفة في الثقافة المعاصرة

بحث نقدي في آراء فيلسوف البراجماتية الجديدة ريتشارد رورتي

مقدمة

لم يشهد عصر من العصور تنوعًا في الاتجاهات الفكرية كما شهد القرن العشرون. وإذا كنا نستطيع أن نصف القرن السابع عشر بأنه عصر المذاهب الكبرى، وأن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير، وأن القرن التاسع عشر هو عصر ازدهار العلوم الطبيعية والفلسفات الوضعية، فلا يمكننا أن نفعل هذا مع القرن العشرين الذي تنوعت فيه الاتجاهات الفكرية إلى حد التضارب والتناقض والبلبلة، ولكن إذا تطلب الأمر أن نُطلق مصطلحًا ما على هذا القرن، فيمكننا أن نقول إنه عصر «النهايات»: نهاية التاريخ (على حد زعم أحد المفكرين وهو فوكوياما)، نهاية اليوتوبيا … إلخ. كما يمكننا أن نُطلق عليه اسم عصر «السقوط»: سقوط العقل، سقوط الحداثة، سقوط الأيديولوجيا … إلخ. ومن ناحية أخرى يمكننا أن نُطلق عليه أيضًا اسم عصر «الما بعديات»، أي العصر الذي يسوده الشعور بالقلق وعدم القدرة على تحديد تلك الاتجاهات التي تحوم حول تعريفاتها شكوكٌ كثيرة مثل: ما بعد الحداثة، ما بعد الأخلاق، ما بعد الفلسفة … إلخ.

ومن بين الفلاسفة الذين زعموا أنهم جاءوا بتصور جديد لثقافة ما بعد الفلسفة نجد المفكر الأمريكي ريتشارد رورتي Richard Rorty (١٩٣١م–…) وهو فيلسوف يهتم بمشكلات العقل وماهية الإنسان، وناقد لمبادئ نظرية المعرفة التقليدية. وقد حصر على درجته العلمية الأولى من جامعة شيكاغو، وعلى الدكتوراه من جامعة ييل، وقام بالتدريس في جامعة برنستون بين عامَي ١٩٦١م، ١٩٨٢م، وهو نفس العام الذي انتقل فيه إلى جامعة فرجينيا ليشغل منصب أستاذ للعلوم الإنسانية، ثم انتقل إلى جامعة كاليفورنيا التي ما يزال يعمل بها. بدأ رورتي حياتَه الفكرية فيلسوفًا تحليليًّا عاديًّا إلى أن نشر في عام ١٩٧٩م كتابه «الفلسفة ومرآة الطبيعة» Philosophy and the Mirror of Nature الذي رفض فيه بشدة فكرة إمكان الحكم على معتقداتنا من وجهة نظر موضوعية ومتعالية، فأثار رأيُه هذا اهتمامًا واسعًا في الدوائر الفلسفية الأمريكية، وأطلق عليه بعضُ المفكرين لقب «نبي وشاعر البراجماتية الجديدة».
والبراجماتية الجديدة حركة فلسفية حديثة «تعتنق بشكل جذري أشكال التداخل والتفاعل بين السياقات الاجتماعية والعملية المختلفة، وتنفي إمكان قيام تصور كلي شامل عن الحقيقة أو الواقع. وقد ظهرت البراجماتية الجديدة كردِّ فعل نقدي للفلسفة التقليدية والفلسفة التحليلية. ولما كانت هذه الفلسفة تعتمد أساسًا على آراء جون ديوي، وفيتجنشتين وكواين وسيلرز، فإن ريتشارد رورتي في كتابه «الفلسفة ومرآة الطبيعة» قد بدأ طريق العودة إلى الفلسفة البراجماتية.»١

إن الفكرة المحورية عند رورتي في خطوطها العريضة هي تكرار للاعتراض الذي وجَّهه الفلاسفة المثاليون في القرن التاسع عشر إلى نظرية الواقعيين عن الحقيقة، أي نظرية التطابق (وهي النظرية التي تقول بأن الحقيقة هي تطابق ما في العقل مع ما في الواقع والعكس). وليس هناك سبيل — في رأي رورتي — لمعرفة الوقائع التي يفترض أن يتسق معها صدقُ معتقداتنا إلا من خلال معتقدات أخرى. وقد اعتمد في رفضه لوجود أي أساس وطيد للمعرفة على التراث البراجماتي، ثم على بعض الاتجاهات الحديثة التي سارت في الاتجاه نفسه، كما ألح على نقده لفكرة وجود أسس ثابتة يمكن أن تُصدر فيها نظرية المعرفة أحكامًا على المعتقدات بوجه عام، بل وأنكر أيضًا أن يكون أي معتقد أكثر أهمية من أي معتقد آخر. ويخلص رورتي إلى نتيجة — تشكِّل المضمون العام لتفكيره — مفادها أن الفلسفة عاجزة عن أن تؤسس أو تقيم شيئًا. ولذلك شرع في هدم التصور الذي تواضع الفلاسفة — طوال تاريخ الفلسفة — على أن يفهموا به النشاط الفلسفي ودور الفلسفة، واعتمد في هدمه للتصورات التقليدية — التي درج الفلاسفة على الأخذ بها عن تطور الفلسفة وفاعليتها — على فلاسفة ثلاثة هم: هيدجر وفيتجنشتين وديوي، واستلهم أفكارهم وكأنهم مجمع الخالدين الذين عملوا على تقويض المفهوم التقليدي الذي تبنَّاه الفلاسفة التقليديون في نشاطهم الفلسفي.

هل كان نقد رورتي للفلسفة التأسيسية بمثابة دعوة للتخلي عن الفلسفة، أم دعوة — بالإضافة إلى دعوات أخرى سابقة — لتحويل دور الفلسفة في الفكر المعاصر؟ وإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال بنعم، فما هو تصوره لثقافة ما بعد الفلسفة؟ سوف نحاول الإجابة على هذه التساؤلات من خلال محورين أساسيين: الأول هو نقد رورتي للفلسفة التأسيسية. ويتضمن هذا المحور: (١) تقويض المفهوم التقليدي للفلسفة. (٢) نقد النزعة التحليلية. ويدور المحور الثاني حول ثقافة ما بعد الفلسفة، ويتناول: (١) تصور رورتي للدور الجديد للفلسفة في الفكر المعاصر، وذلك بأن يجعل المنظور التاريخي المتغير للمشكلات الفلسفية بديلًا عن المنظور الأبدي لها. (٢) دور اللغة في الفلسفة المعاصرة. (٣) استبدال معرفة إبداع الذات بالمعرفة التقليدية.

(١) نقد رورتي للفلسفة التأسيسية

(١-١) تقويض المفهوم التقليدي للفلسفة

على الرغم من أن رورتي بدأ حياته الفلسفية كفيلسوف تحليلي، إلا أنه تحول منذ أن نشر كتابه «الفلسفة ومرآة الطبيعة» الذي يعتبره بعض المفكرين أهمَّ وأجرأ كتاب نشره فيلسوف أمريكي في العقود الأخيرة: «لم نجد منذ وليم جيمس وجون ديوي مثل هذا النقد المدمر للفلسفة المهنية أو الحرفية professional»،٢ تحول منذ نشره هذا الكتاب إلى مهاجم للنزعة التحليلية التي هي النتاج الشرعي — في رأيه — للفلسفة التأسيسية التي انحدرت إلينا من التراث الديكارتي-الكانطي. وركز رورتي هجومه على الفلسفة التحليلية المعاصرة وأصولها التاريخية والجذور التي استمدت منها أفكارها الأساسية، وخاصة نظريات القرن السابع عشر وما عُرف عنها من اهتمام بنظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا. ويبين رورتي منذ البداية أن هناك خطأً في فهمنا للفلسفة بوصفها نظامًا معرفيًّا يتعامل مع مشكلات أساسية ثابتة، تدل على هذا أول عبارة استهل بها كتابه السالف الذكر: «يعتقد الفلاسفة عادةً أن نظامهم المعرفي يناقش مشكلات دائمة وأبدية، مشكلات تظهر بمجرد تأملها.»٣
يفسر رورتي في مقدمة كتابه لماذا اختار «الفلسفة ومرآة الطبيعة» عنوانًا لمؤلفه بأنه يقدم صورًا أكثر مما يقدم قضايا، ويطرح استعارات ولا يطرح عبارات تقريرية من النوع الذي يحدد طابع معتقداتنا الفلسفية. وهو يؤكد على أن الصورة التي تأسر الفلسفة التقليدية وتقيدها بأغلالها هي صورة العقل كمرآة كبيرة تحتوي على تمثلات متنوعة بعضها دقيق وبعضها غير دقيق، وهي في مجموعها قابلة لأن تُدرس وتُفحص عن طريق المناهج غير التجريبية. ولولا فكرة العقل كمرآة لما وجدت فكرة المعرفة — بوصفها تمثلات دقيقة — ولولا هذه الفكرة الأخيرة (أي المعرفة) لما كان هناك ثمة معنى لجهود ديكارت وكانط في الوصول إلى تمثلات دقيقة أو واضحة متميزة — بتعبير ديكارت — عن طريق فحص المرآة والعكوف على صقلها. وبدون فكرة العقل كمرآة أيضًا ما كان هناك ثمة معنى للمزاعم الحديثة بأن الفلسفة هي «تحليل تصوري» أو «تحليل فينومينولوجي» أو «تفسير للمعاني» أو «اختبار لمنطق لغتنا» أو «بناء تكويني لنشاط الوعي»، وهي المزاعم التي تهكم عليها فيتجنشتين في بحوثه الفلسفية.٤
لقد قام فيتجنشتين بتفكيك هذه الصور المرآوية، ولكنه كان يفتقر إلى الوعي التاريخي، ومن هنا تأتي عظمة إسهام هيدجر الذي أعاد النظر في تاريخ الفلسفة كله ليبيِّن الجذور التاريخية المرآوية للفلسفة ابتداء من أفلاطون حتى أعلام الفلسفة الحديثة، ولكن كلَا الفيلسوفَين عجز — في رأي رورتي — عن توضيح مدى سيطرة الصور المرآوية البصرية على العقل الغربي في إطار منظور اجتماعي. لقد اهتم كلاهما بالأفراد أكثر من اهتمامهما بالمجتمع. وفي الجانب الآخر نجد ديوي يستنبط حججَه ضد الصور المرآوية من داخل رؤيته لمجتمع جديد، وعلى الرغم من افتقاده لمنطق فيتجنشتين الدقيق وللنظرة التاريخية الشاملة عند هيدجر، فلم تَعُد الثقافة في المجتمع المثالي الجديد الذي رسمه ديوي معرفة موضوعية، بل أصبحت خبرة جمالية. صحيح أن ديوي قد اتُّهم بالوقوع في النسبية واللاعقلانية، ولكن هذه الاتهامات لن يكون لها وزن — في رأي رورتي — إذا أخذنا نقد ديوي وفيتجنشتين وهيدجر مجتمعين للنزعة المرآوية في الفلسفة التقليدية.٥
يبدأ رورتي نقدَه للنماذج المختلفة لنظرية المعرفة التي أقرَّتها الفلسفة الحديثة بقوله: «يمكن للفلسفة أن تكون تأسيسية بالنسبة لبقية الثقافة culture؛ لأن الثقافة هي حشد لمزاعم المعرفة، والفلسفة تحكم على هذه المزاعم. إنها تفعل هذا لأنها تفهم أسس المعرفة، وتجد هذه الأسس في دراسة الإنسان ككائن عارف للعمليات العلمية، أو في فاعلية التمثل activity of representation التي تجعل المعرفة ممكنة، فأن تعرف هو أن تتمثل على نحو دقيق ما هو خارج العقل، ومن ثمة فلكي تفهم إمكانية وطبيعة المعرفة معناه أن تفهم الوسيلة التي يكون بها العقل قادرًا على تشكيل أو بناء مثل هذه التمثلات. إن ما تهتم به الفلسفة بشكل أساسي هو أن تكون نظرية عامة التمثلات. وهناك نظرية تقسم الثقافة إلى مجالات تتمثل الواقع بشكل جيد، وأخرى تتمثله بشكل أقل جودة، وثالثة لا تتمثله على الإطلاق (على الرغم من تظاهرها بأنها تفعل هذا)»،٦ وهذا المفهوم للفلسفة الذي يبدو أنه حدسي وواضح كل الوضوح، هو في الحقيقة في رأي رورتي مفهوم معقد ومحرف للفلسفة، وهو المفهوم الذي أحال الفلسفة كلها إلى نظرية للمعرفة. ويعود الفضل في هذا المفهوم إلى مؤسسي الفلسفة الحديثة ديكارت ولوك وكانط: «نحن ندين بفكرة نظرية المعرفة القائمة على فهم العمليات العقلية إلى القرن السابع عشر — وخاصة للوك — وندين بفكرة العقل، بوصفه كيانًا entity منفصلًا تحدث فيه هذه العمليات العقلية، إلى نفس القرن — وخاصة لديكارت — كما ندين بفكرة الفلسفة بوصفها محكمة للعقل الخالص الذي بإمكانه أن يؤيد أو يدين مزاعم الثقافة إلى القرن الثامن عشر — وخاصة لكانط — لكن هذه الفكرة الكانطية تفترض مسبقًا تصديقًا عامًّا لأفكار لوك عن العمليات العقلية وأفكار ديكارت عن الجوهر العقلي.»٧
ويرفض رورتي — شأنه شأن سائر البراجماتيين — فكرة أن تكون هناك طبيعة جوهرية للإنسان، أو أن تكون هناك طبيعة باطنة للأشياء غير معروفة لنا، تمثلت في تاريخ الفلسفة على صورة «الروح» عند أفلاطون، و«الشيء في ذاته» عند كانط، بل ويرى أن ديفيدسون٨ ساعدنا على أن: «نُنحِّي جانبًا فكرةَ أن كلًّا من الذات والواقع ينطويان على طبيعة باطنة، طبيعة بعيدة تنتظر أن نعرفها»،٩ فإذا سلمنا بما يقوله رورتي بأنه لا توجد طبيعة جوهرية ثابتة للإنسان، فإنه يترتب على هذا أن على كل شخص مهمة إبداع ذاته، وكما أننا لا نحتاج أن نقتحم الطبيعة ونفهم لغتها الخاصة لكي نفسر الظاهرة الطبيعية، فكذلك نحن في غنى عن البحث عن طبيعة بشرية جوهرية نسعى لاكتشافها لكي نعرف أنفسنا ونعرف الآخرين معرفة صادقة، فلسنا كائناتٍ معدة سلفًا، وإنما نسعى لاكتشاف أنفسنا، بل نحن نبدع أنفسنا من خلال محاولاتنا للتكيُّف مع التجربة، كما نطور خاصيتنا الفردية كما تظهر في التجربة. ولذلك فإن هدف المعرفة عند رورتي هو إيجاد أفضل الطرق للتوافق مع أنفسنا ومع العالم والأشياء، وهو بهذا المعنى يلتزم بالدور الوظيفي للمعرفة في الفلسفة البراجماتية، والذي يؤكد لا على الأشياء الموجودة سلفًا أو على نسخ صور منها، بل على إعادة تشكيلها بشكل خلَّاق وبنَّاء، بما يعني أن للمعرفة وظيفةً عملية أكثر منها أبستمولوجية، وأنها أداة للتغيير والتعديل وسبيل إلى الإبداع لعالم ما زال في طور التكوين، ولم يتشكل بعد بصورة نهائية، بل إنه عالم مفتوح، وفي عملية صيرورة دائمة، كما يؤكد وليم جيمس أحد أقطاب النزعة البراجماتية، وكما يؤكد أيضًا جون ديوي الذي يمثِّل قطبها الآخر على وظيفة الفلسفة التي لا تتعدى أن تكون خطة للسلوك نحو تغيير العالم الموجود.
ويرفض رورتي أيضًا اختزال الإنسان في ملكة واحدة أساسية هي ملكة العقل، أو أن تكون هذه الملكة بمثابة محكمة لأفكارنا ورغباتنا واعتقاداتنا وموجه لاختياراتنا؛ إذ إننا نعرف أنفسنا من خلال ميولنا واتجاهاتنا وإمكاناتنا. ويؤكد رورتي بهذا نزعتَه البراجماتية التي تتمحور حول إمكانية البشر تنمية نشاطهم ومؤسساتهم وإبداع مبادئهم التي تنظم سلوكهم؛ فالخبرة الإنسانية في الفلسفة البراجماتية هي المنبع الأساسي لكل معرفة. وبهذا المعنى السابق لا تتم معرفة الذات عند رورتي إلا من خلال إبداع الذات، ولا تكون معرفة العالم الخارجي إلا من خلال محاولاتنا العديدة المتكررة للتكيف أو التلاؤم مع الواقع الخارجي. فالمعرفة — كما عند جيمس وديوي وفيتجنشتين — نشاط متجدد، وليست مجرد تأمل. إن المفهوم التقليدي للفلسفة لا يساعدنا على التوصل إلى شيء ما حقيقي في بحثنا عن ماهية الحقيقة، ولا يساعدنا على فعل الخير من خلال بحثنا عن ماهية الخير؛ لذلك تحاول البراجماتية أن تتجاوز التفرقة — التي انحدرت إلينا من التراث الأفلاطوني — بين الحقيقة truth والظن doxa، وهي التفرقة التي تمثلت في خطَّين متوازيين بين الفلسفة المثالية والفلسفة الوضعية. كما ترفض البراجماتية أيضًا فكرة أن الحقيقة هي «التطابق مع الواقع»؛ لأن مئات السنين فشلت في إيجاد معنى لفكرة التطابق. ولذلك فإن الحقيقة أو الفكرة الصادقة هي التي تساعدنا — في رأي رورتي — على التلاؤم أو التوافق — وليس التطابق — مع الواقع. وهو في هذا يعبر تعبيرًا صادقًا عن المذهب البراجماتي الذي يؤكد على أن «الأفكار هي أساسًا خطط ومناهج لإحداث تغييرات معينة في الأشياء الموجودة من قبلُ. وهذه النظرة تعارض المذهب العقلي وما يقول به من نظرية النسخ copy theory؛ فالأفكار من حيث هي كذلك تظل عديمة الفعل وعاجزة ما دامت تعني أنها تعكس حقيقة كاملة»،١٠ ومن هنا تدور فكرة رورتي الأساسية حول رفضه للأفكار كصورة طبق الأصل من حقيقة ثابتة كما تنعكس صورة شخص في المرآة عنه؛ فالحقيقة ليست ثابتة وليست نظامًا كاملًا، بل هي تغيُّر دائم ومستمر.

هكذا يدين رورتي الأفكار التي انحدرت إلينا من القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولعله أراد بنقده هذا أن يُعيد بناء الفلسفة الحديثة، وهي البيئة التي ظهرت فيها الفلسفة التحليلية. ويعتمد نقد رورتي على فكرة مفادها أن النموذج الفلسفي الذي ساد في تلك الفترة التاريخية لم يَعُد يصلح الآن لمعالجة مشكلات فلسفية جديدة. وربما كانت حجتُه في هذا هي أن التفكير الفلسفي في مطلع العصر الحديث قد جاء بنموذج مخالف تمام الاختلاف للنموذج الفلسفي الذي كان سائدًا في التراث المدرسي، مما جعل هذا الأخير ينهار في فترة زمنية ليست بالقصيرة، ولكنها أيضًا ليست ممتدة. ويُفهم من هذا أن التطور أو التغير التاريخي عادةً ما يأتي مصحوبًا بنموذج مختلف، كالنموذج الإرشادي المصاحب للمجتمع العلمي عند كون. ويعني رورتي بهذا أننا نعتقد خطأ أننا نتعامل مع نفس المشكلات الفلسفية الأساسية التي كان يتعامل معها أسلافنا، في حين أنها في واقع الأمر مشكلات مختلفة فرضتْها الظروف التاريخية المتغيرة، وربما كان النموذج الجديد يتعامل مع المشكلات الأساسية بشكل أفضل. ولكي نفهم سير الحركة التاريخية لتراث الفلسفة الحديثة، علينا أن نكشف عن مجموعة الاستعارات والمشكلات التي ميزت اللغة وأشكال الحياة ووضعت نماذج التفلسف، أي علينا باختصار أن نتتبع تاريخ نشأة وسقوط العقل.

(١-٢) نقد النزعة التحليلية

يعود رورتي للوراء للبحث في تاريخ الحدوس الفلسفية التي سبقت الفلسفة التحليلية، تلك الحدوس التي نشأت بمجرد التفكير فيها، فكانت مشكلة العقل والجسم — على سبيل المثال — هي المشكلة الأساسية للفلسفة التي نتجت عن التفرقة الحاسمة بين ما هو عقلي وما هو جسدي، ولكن من أين نشأ هذا الحدس؟ يجيب رورتي: «من وجهة نظري — التي أتفق فيها مع فيتجنشتين — أن الحدس ليس شيئًا أكثر أو أقل من الاعتياد أو الألفة مع لعبة اللغة التي وجدنا أنفسنا نلعبها.»١١ فلو نظرنا إلى مشكلة العقل والجسم في تاريخ الفلسفة، لاتضح لنا كيف اختلفت المشكلة قبل ديكارت وبعده، ولتبيَّن لنا أن ما نعرفه الآن على أنه حدوس أو أفكار واضحة ومتميزة لم تكن معروفة قبل اختراع ديكارت للعقل، فمنذ ذلك الحين أصبحت مشكلة الوعي هي المشكلة الأساسية في كل الفلسفات بعد ديكارت. لقد كان تأكيد ديكارت على العقل كجوهر مفكر لا يمكن الشك في وجوده، إيذانًا بخلق الثنائية في تاريخ الفلسفة، كما أدى إلى صياغة مشكلة العقل والجسم صياغة أبستمولوجية.
لقد بدت المهمة الأولى في التراث الفلسفي هي حل المشكلات الإبستمولوجية، وكأن الفلسفة قد تحولت إلى مجرد نظام معرفي. وظهرت محاولات متأخرة لإنقاذ الإبستمولوجيا مما آلت إليه، تمثلت في إيجاد نُظُم معرفية جديدة، تحل محل المعرفة التقليدية، كعلم النفس التجريبي وفلسفة العقل، أو تسعى من ناحية أخرى للاستجابة للمشكلات الحقيقية التي حاولت الإبستمولوجيا التراثية التعامل معها. وقد وصف رورتي هذه المحاولات بأنها مضللة؛ لأنها لا تخرج — في رأيه — عن إعادة بناء تاريخي للأبستمولوجيا، بل إنها تمثل «الصورة الكانطية لاتحاد التصورات أو المفاهيم مع الحدوس الحسية لإنتاج المعرفة»،١٢ ويستبدل رورتي ما يسميه السلوك المعرفي أو الإبستمولوجي بحدوس وتصورات كانط: «إنني أفسر العقلانية والسلامة المعرفية أو صحة المعرفة، أفسرها بالإحالة إلى ما أدعوه «السلوكية المعرفية»، وهي اتجاه مشترك بين ديوي وفيتجنشتين.»١٣ بهذا المعنى يصبح بإمكاننا أن نفسر معقولية المعرفة وصحتها من خلال ما يعتبره المجتمع صوابًا وخطأ وليس العكس، أي أن اللغة سلوك اجتماعي له قواعده التي تختلف باختلاف اللعبة اللغوية المتعلقة بها كما قال فيتجنشتين في مرحلة تطوره المتأخرة التي اتجه فيها اتجاهًا سلوكيًّا في فهم اللغة. ويترتب على ما سبق أن الحق والصحيح لا يقومان على أساس أنطولوجي، بل يتحددان بما هو موجود في المجتمع: «إن القول بأن الحق والصدق هما مسألتان تتعلقان بالممارسة الاجتماعية يمكن أن يؤديَ إلى الحكم علينا بالوقوع في النسبية التي هي في ذاتها نوعٌ من رد المدخل السلوكي إما إلى المعرفة أو إلى الأخلاق.»١٤ ولكن صورة الفلسفة التقليدية من أفلاطون إلى كانط هي التي صورت لنا أن هناك أسسًا خالدة يستند إليها الصدق والصواب، وأن المعرفة والأخلاق تقومان على هذه الأسس، وهذا هو الوهم الذي عاش عليه ما يُسمى بالفلسفة منذ أفلاطون إلى كانط والاتجاه المثالي كله.
يعتقد رورتي «أن الفلسفة التحليلية بلغت ذروتها عند كواين١٥ وفيتجنشتين — في مرحلته المتأخرة — وسيلرز١٦ وديفيدسون، بحيث يمكن القول إنها تجاوزت ذاتها وألغتها. إن هؤلاء المفكرين زعزعوا التفرقة الوضعية بين ما هو دلالي وما هو براجماتي، وبين التحليلي والتأليفي، وبين اللغوي والتجريبي، وبين النظرية والملاحظة … فالنزعة الكلية عند ديفيدسون تبيِّن كيف تبدو اللغة بمجرد أن نتخلص من الافتراض الأساسي للفلسفة، ألا وهو أن الجمل الصادقة تنقسم إلى قسمين، أعلى وأدنى، أي إلى تلك الجمل التي تتطابق مع شيء ما وتلك التي لا تكون صادقة إلا عن طريق المواضعة والاتفاق.»١٧ وبهذا المعنى يكون الحق والصدق مسألة مرتبطة بمعتقداتنا ومشاعرنا ولغتنا، أي أنهما — الحق والصدق — لا يكونان إلا في حدود معتقداتنا وفي حدود ما نقبله أو ما نرفضه، وفي حدود تعبيراتنا اللغوية أيضًا. أما عن مدخل كواين وسيلرز إلى نظرية المعرفة فيتبيَّن في قولهما إن الصدق والمعرفة لا يمكن الحكم عليهما إلا من خلال المعايير التي يتخذها الباحثون في أيامنا. وهذا المدخل ليس معناه — في رأي رورتي — التقليل من المكانة الرفيعة للمعرفة البشرية أو من أهميتها، وليس معناه القول بأنها مقطوعة الصلة بالعالم كما يتصور البعض. فالواقع أنهما يريدان أن يقولَا أي تبرير — وهو المعيار الذي يبحث في الفلسفة التقليدية عن أساس عقلي متسق — لا يكون له معنى إلا بالإحالة إلى ما نوافق عليه، أو ما نتقبله بالفعل، وأنه ليس هناك من سبيل للخروج من دائرة معتقداتنا أو لغتنا للبحث عن معيار آخر غير التماسك أو الاتساق. ومعنى هذا أنهما — أي كواين وسيلرز — لا يريدان للصدق أو المعرفة أن يكون لهما طابعٌ أبدي، ولا أن يؤسسَا على أساس الاتساق فقط. وهنا تلعب المعتقدات دورًا هامًّا لدى أصحاب هذا الاتجاه؛ فاتخاذنا معتقدًا ما يعني تمسكنا بصدق هذا المعتقد، أي استعدادنا لأن نسلك وفقًا له، بحيث تصبح كلمة العالم مرادفة لمجموع معتقداتنا الموثوق بها، والتي تتألف منها خبراتنا، أي أن مجموعة معتقداتنا هي التي تُعطينا العالم.
أضف إلى هذا أن نظرة ديفيدسون إلى اللغة تجعلنا نتحاشى تعيين اللغة (بمعنى إضفاء صورة عينية عليها) على طريقة التراث الديكارتي، وخاصةً على طريقة التراث المثالي الذي قام على فلسفة كانط؛ وذلك لأن وجهة نظر ديفيدسون: «لا تجعلنا ننظر إلى اللغة كشيء ثالث بين الذات والموضوع، ولا كوسط نحاول فيه أن نكون صورًا للواقع، وإنما نجعلها جزءًا لا يتجزأ من سلوك الجنس البشري. ومن هذا المنطلق، يكون النطق بالجمل أو العبارات هو أحد التصرفات التي يقوم بها البشر لكي يتلاءموا مع بيئتهم. وفي هذا الصدد تعتبر فكرة ديوي عن اللغة كأداة فكرة صحيحة إلى حدٍّ بعيد، لكن هذا لا يفترض أن نفصل الأداة أو اللغة عن مستخدميها، بل يجعلنا نتساءل ونبحث فقط عن مدى كفايتها لتحقيق أغراضنا.»١٨
لقد كان هجوم فيتجنشتين وسيلرز وكواين على التمييزات المختلفة بين فئات الجمل أو أصناف العبارات هو الإسهام الكبير للفلسفة التحليلية، كما كان تأكيدًا للإصرار على كلية اللغة أو على الوجود الكلي للغة — وذلك على خلاف النزعة الأفلاطونية — وهذا الإصرار هو الذي يميز البراجماتية، بل والفلسفة الأوروبية الحديثة. ويورد رورتي بعض العبارات من نصوص الفلاسفة كأمثلة على هذا، منها قول هيدجر: «إن الكلام عن اللغة يكاد بالضرورة أن يجعل منها موضوعًا، عندئذٍ تتلاشى حقيقة اللغة»، وعبارة بيرس التي ينص فيها على أن: «الإنسان يصنع الكلمة، والكلمة لا تعني إلا ما أراد الإنسان أن يقصده بها، وذلك فحسب بالنسبة لإنسان آخر. ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يفكر إلا بواسطة كلمات أو من خلال رموز أخرى، فإن هذه الكلمات أو الرموز يمكن أن تستدير إليه وتقول: إنك لا تعني شيئًا لم نعلمك إياه، وذلك فحسب بقدر ما توجه كلمة تعبر عن تفكيرك … إن الكلمة أو العلامة التي يستخدمها الإنسان هي الإنسان نفسه … وهكذا، فإن لغتي هي المجموع الكلي لذاتي؛ ذلك لأن الإنسان هو الفكر.» وربما يلخص نص بيرس هذا مجمل فلسفته البراجماتية التي تقوم على أن الدلالة العقلية للفظ، أو العبارة تكمن في أثرها في السلوك. ثم يورد رورتي نصَّ دريدا الذي يقول فيه: «إن بيرس يتوغل بعيدًا في الاتجاه الذي وصفته بأنه تفكيك لشارطية المعنى، وهو الذي يمكنه من حين لآخر أن يضع نهاية مؤكدة للإحالة من علامة إلى علامة.» ويستشهد أيضًا بنص من سيلرز عن: «أن النزعة الاسمية السيكولوجية — التي يترتب عليها كلُّ وعي بالأنواع والتشابهات والوقائع أي باختصار كل وعي بالكيانات المجردة، بل كل وعي بالجزئيات — هي مسألة لغوية.» وقول فيتجنشتين: «في اللغة وحدها يستطيع الإنسان أن يعني شيئًا عن طريق شيء آخر.» وقول جادامر أيضًا: «أن الخبرة البشرية هي في جوهرها خبرة لغوية.»١٩

وجميع العبارات السابقة — في رأي رورتي — لا يصح أن تجعلنا نتصور أن هناك شيئًا جديدًا ومثيرًا قد تم اكتشافه عن اللغة، بحيث يؤكد أنها أهم مما كان يعتقد من قبل. فهو يرى أن عبارات الفلاسفة السابقين قد اكتفت بإبداء ملاحظات سلبية، وأنهم يقولون إن كل المحاولات التي بُذلت لتجاوز اللغة إلى شيء يمكن أن يؤسسها، أو شيء تعبِّر به عن نفسها، أو تأمل في أن تكون مكافئة له، ويقولون إن كل هذه المحاولات قد باءت بالفشل.

ويؤكد رورتي على أن «شمولية اللغة مسألة تتعلق باللغة التي تتحرك في فراغات تسبب فيها فشلُ كلِّ الفروض التي أخذت بنقط بداية طبيعية للتفكير، أي نقط بداية سابقة على الطريقة التي تتكلم بها ثقافةٌ معينة ومستقلة عنها. ومن أمثال هذه الفروض والاقتراحات المرفوضة: الأفكار الواضحة المتميزة عند ديكارت، المعطيات الحسية عند التجريبيِّين، ومقولات الفهم الخالص عند كانط، وبناءات الوعي السابقة للغة وما أشبه ذلك.»٢٠ فالفلسفة التحليلية — إذن — تمثِّل تحولًا لغويًّا من جهة أنها ساعدت على طرح أسئلة كانطية بدون أن تتكلم بلغة كانط عن التجربة ولا عن الوعي، أي أن فلسفة التحليل اللغوي قد استطاعت أن تتجاوز الكانطية وتتبنَّى توجهًا طبيعيًّا وسلوكيًّا في اللغة. وهذا الاتجاه أو التوجه قد أدى بها إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها ردُّ الفعل الذي تمثل في فلسفة نيتشه وهيدجر. وهكذا تنتهي الفلسفة إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها تراث نيتشه وهيدجر ودريدا الذي يبدأ بنقد النزعة الأفلاطونية، وينتهي بنقد الفلسفة ذاتها. بمعنى آخر، إن حصيلة الفلسفة التحليلية التي تخطت النزعة الوضعية المنطقية تُشبه الحصيلة التي انتهى إليها تراثُ نيتشه وهيدجر ودريدا، مما يعني أن كلَا التراثَين «التحليلي والأوروبي» يوجدان الآن في مرحلة الشك في وضعهما، وكلاهما يعيش حائرًا بين ماضٍ مرفوض، ومستقبلٍ غامض لفكر ما بعد الفلسفة.

هكذا يكون رورتي قد وضعنا في مأزق شديد بعد أن رسم صورة قاتمة للفلسفة في نهايات القرن العشرين، فبعد أن بخس المشكلات الفلسفية قدرها، أصبح هناك نوعٌ من الفراغ في المشهد الثقافي الذي اختفت منه الفلسفة كنظام معرفي، وانطفأت وخبت شعلتُها بالطريقة التي خبا بها اللاهوت. وإذا كان هذا هو تصور رورتي لوضع الفلسفة في الثقافة، فما هو تصوره لثقافة ما بعد الفلسفة؟ هل ينتج عن هذا ثقافة لا عقلانية بعد أن فقدت الفلسفة زعمها التقليدي بأنها علمية؟ هل ستتحول الفلسفة إلى مجرد تاريخ يقوم المشتغلون بالفلسفة بتدريسه في قاعات الدرس في أعداد قليلة من أقسام الفلسفة؟ أم ستتحول الفلسفة إلى نوع من فلسفة اللغة، خاصةً وأن البراجماتية التي ينتمي إليها رورتي تؤمن بأن المشكلات الفلسفية نشأت في الأساس من فكرة كلية وجود اللغة التي أدت إلى عدم قدرتنا على معرفة أن هذه المشكلات الفلسفية نشأت على وجه التحديد من أن اللغة غير ملائمة للوقائع؟ وإذا كان هذا صحيحًا فهل قامت البراجماتية على سوء فهم للعلاقة بين اللغة والعالم؟

(٢) ثقافة ما بعد الفلسفة

(٢-١) دور الفلسفة في الفكر المعاصر

أراد رورتي من نقده للفلسفة التقليدية أن يتخلص من الحصار الديكارتي الذي طوق تاريخ الفلسفة، والذي يتلخص في عبارة إما/أو التي عبَّرت عن الثنائية التي اتسم بها العصر الديكارتي والعصور التالية له، ووضعت الإنسان أمام خيارَين لا بديل لهما، إما أن يُسلم بوجود أسس ثابتة، أو أن يواجه بالفوضى العقلية. لذلك كان هدف رورتي من نقده للتراث الفلسفي هو أن يحرره من هذه الثنائية، بحيث نحتاج — لكي نفهم الأمور التي أراد لنا ديكارت أن نفهمها — نحتاج أن «نتحول إلى الخارج بدلًا من الداخل، وأن نتجه إلى السياق الاجتماعي للتبرير (justification) العقلي أكثر مما نتجه إلى تمثلات داخلية، وتشجع على اتخاذ هذا الموقف تطورات فلسفية ظهرت في العقود الحديثة للقرن العشرين، ومن أهمها المحاولات التي ظهرت عند فيتجنشتين في بحوثه المنطقية، وعند كون في بنية الثورات العلمية»،٢١ فإذا ما أخذنا في الاعتبار رأيَ هذا الأخير — أعني توماس كون — في أن كل ثورة علمية لا بد أن يصاحبها نموذجٌ إرشادي مغاير للمعرفة العلمية السابقة على هذه الثورة، فإنه يترتب على هذا — وطبقًا لما يعنيه رورتي — أنه ليس هناك نظام معرفي تأسيسي واحد تتمركز حوله الثقافة في أي مجتمع ويهيمن على كل تجلياتها، لا الفلسفة ولا التاريخ ولا العلم ولا أي نظام آخر، فليس هناك جزءٌ من الثقافة أكثر تميزًا من الأجزاء الأخرى، بما يعني أن كل فترة زمنية لها نموذج إرشادي مخالف للفترة السابقة عليها، وأنه ليست هناك أسسٌ أبدية وثابتة تفرضها الفلسفة على الثقافة. وهذا النموذج الإرشادي المتغير يفرضه السياق الاجتماعي والاعتقادات والممارسات الاجتماعية واللغوية في كل فترة تاريخية.

قد يفهم مما سبق أنه من الممكن أن تتشكل الثقافة في أي مجتمع معاصر بدون فلسفة. وإذا كان يصعب علينا أن نتخيل المشهد الثقافي بدون فلسفة، فإنه من الصعب أيضًا أن نتخيل ما يمكن أن تكون عليه الفلسفة بدون الإبستمولوجيا التي وجَّه رورتي لها سهامَ النقد، كما يصعب أيضًا أن نصفَ نشاطًا ما بأنه فلسفي ما لم يتضمن طريقة أو منهجًا للمعرفة. إذن فما هو تصور رورتي للدور الذي يمكن أن تلعبه الفلسفة في الثقافة المعاصرة؟

ربما كانت نقطة البداية عنده هي التخلي عن الفكرة الأساسية في الفلسفة التقليدية، وهي أن للإنسان جوهرًا تنعكس على مِرآته بدقة كلُّ معرفتنا عن العالم الخارجي: «علينا أن نخلص خطابنا تمامًا من كل الاستعارات البصرية، وبخاصة الاستعارات التي تعكس شيئًا داخليًّا أو خارجيًّا»،٢٢ ولكن التخلي عن فكرة المرآة يؤدي إلى التخلي عن الفلسفة بوصفها نظامًا معرفيًّا، مما يترتب عليه التخلي أيضًا عن فكرة الفلسفة المتمركزة حول الإبستمولوجيا؛ ولذلك تكون «السلوكية المعرفية» التي يقول بها رورتي ضد فكرة «الكيانات العقلية» أو العمليات السيكولوجية، وضد الصورة التي تؤكد أن للإنسان ملكاتٍ أسمى، وهي الصورة التي اشترك في تكوينها كلٌّ من ديكارت ولوك، ولكن آثار هذه الصورة تم محوها في رأي رورتي من قِبَل عددٍ من الفلاسفة مثل ديوي وأريل وأوستن وفيتجنشتين وسيلرز وكواين. ومن ثم تكون «السلوكية المعرفية» هي ردُّ الفعل على نظرية المعرفة التي حصرت نفسها في إطار أسس ثابتة وتمثلات عقلية (فلكي نكون عقلانيين وأبستمولوجيين لا بد أن نبحث عن أسس مشتركة ومتفق عليها بيننا وبين الكائنات البشرية الأخرى)، ويفترض رورتي أن سيلرز وكواين على وجه التحديد «جعلانا نملك نوعًا جديدًا وأفضل من الإبستمولوجيا السلوكية، ولكن بعد التخلي عن الإبستمولوجيا التأسيسية بدا هناك نوعٌ من الفراغ بحاجة إلى أن يُملأ.»٢٣
كان من الطبيعي أن تظهر بعضُ العلوم البديلة التي تحاول ملءَ هذا الفراغ. وقد كانت الهرمنيوطيقا أحدَ هذه العلوم. ويوضح رورتي أنها — أي الهرمنيوطيقا —: «ليست اسمًا لنظام معرفي، ولا هي منهج يحقق نوعًا من النتائج التي فشلت الإبستمولوجيا في تحقيقها، ولا هي برنامج للبحث، ولكنها على العكس من ذلك تعبير عن الأمل الذي خلفه الفضاء الثقافي ولا تملؤه الإبستمولوجيا»،٢٤ وهذا هو الذي أكده جادامر أيضًا في كتابه «الحقيقة والمنهج» حيث قال إنها — أي الهرمنيوطيقا -: «ليست منهجية للعلوم الإنسانية، بل محاولة لفهم ما هي العلوم الإنسانية على حقيقتها وما وراء وعيها الذاتي بشكل منهجي، وماذا يربط هذه العلوم بتجربتنا في العالم»،٢٥ وإذا كان تاريخ الفلسفة قد تشكَّل من خلال البحث عن القياسية أو المعيارية، وهي التي تبلورت في الفلسفة الحديثة وميزت الإبستمولوجيا، فإن رورتي برفضه لهذا التراث ولكل ما هو قياسي لا يفهم الهرمنيوطيقا بوصفها منهجًا جديدًا أو نظامًا معرفيًّا أو وسيلة جديدة لتحقيق القياسية.
يعيب رورتي على الفلاسفة التقليديين هروبَهم من التاريخ، بمعنى أنه يعيب عليهم تناولهم للمشكلات الفلسفية من منظور غير تاريخي، ويأخذ عليهم رؤيتهم للعالم «من منظور الأبدية» على حدِّ تعبير اسبينوزا، وينظر للمشكلات الفلسفية من منظور زماني تاريخي متغير. إنه لا يريد إيجاد بديل للنظم المعرفية الإبستمولوجية — على الرغم من أنه لا ينكر الدور الهام الذي قامت به الإبستمولوجيا في التقدم العلمي وفي المشهد الثقافي في الفلسفة الأوروبية — بل يريد تحويلًا أو تغييرًا في اتجاه الفلسفة ذاتها في الفكر المعاصر. إن ما «يريد رورتي أن يقوله لنا هو أن تاريخ الفلسفة، مثله مثل كل ثقافة، هو سلسلة من المصادفات أو العرضيات، هو تاريخ نشأة وزوال ألعاب اللغة المختلفة وأشكال الحياة»،٢٦ كما أن فهمه للفلسفة يُسقط الفكرة الأساسية التي تزعم أن الفلاسفة هم الصفوة العارفة بأشياء لا يعرفها غيرهم من البشر، أي أنه يسقط زعم الفلاسفة بأنهم ملاك الحقيقة.
والواقع أن رورتي يقسم الفلاسفة إلى قسمين: فلاسفة نسقيين، وهم الذين يزخر بهم تاريخ الفلسفة، وفلاسفة يُطلق عليهم اسم فلاسفة الهداية. وهو يفضل استخدام هذه الكلمة عن كلمة التربية education التي يجدها شديدة التسطح، وعن كلمة Bildung (التي تعني التثقيف أو التكوين) التي تبدو شديدة الغرابة: «سوف استخدم كلمة edification (الهداية أو الإرشاد) لكي تعبر عن مشروع إيجاد طرق أفضل وأكثر جدة وأكثر تشويقًا وأكثر نفعًا في الكلام speaking. إن محاولة الإرشاد لأنفسنا وللآخرين ربما تساعدنا بالمعنى الهرمنيوطيقي أو التأويلي على إقامة روابط بين ثقافتنا وثقافة أخرى غريبة، أو بينها وبين مرحلة تاريخية معينة، أو في محاولة إقامة صلة بين نظامنا نحن (في القول والتفكير) وبين نظام آخر يبدو أنه يترسم أهدافًا أو غايات بعيدة بلغة غير مألوفة»،٢٧ أعود فأقول إن هؤلاء الفلاسفة الهداة أخذوا على عاتقهم الشك في الفلسفة القائمة على القواعد القياسية، ومن هؤلاء الفلاسفة ديوي وفيتجنشتين وهيدجر الذين يعتبرهم رورتي من أعظم فلاسفة القرن العشرين: «في عصرنا ثلاثة من كبار المفكرين الهداة edifying هم ديوي وفيتجنشتين وهيدجر، لقد بذلوا أقصى جهدهم لكي يجعلوا من الصعب علينا أن نعتبر فكرهم تعبيرًا عن المشكلات الفلسفية التقليدية، وأن نتصور خطأً أنهم يقيمون اقتراحات بنائية للفلسفة.»٢٨
ومحاولة الهداية أو الإرشاد لأنفسنا يمكن أيضًا أن تقوم على فعل لغوي يبدع أهدافًا جديدة وكلمات جديدة وأنظمة جديدة مخالفة لما هو متبع في المنهج التأويلي، أي محاولة تفسير كل ما يحيط بنا وما هو مألوف لنا من خلال المصطلحات غير المألوفة لابتكاراتنا أو إبداعاتنا الجديدة. وفي الحالتين (أي في حالة الموافقة أو المخالفة مع المنهج التأويلي) تقوم هذه العملية بالهداية أو الإرشاد بغير أن تكون إنشائية، على الأقل إذا كان المقصود بما هو إنشائي أو بنائي هو ذلك النوع من التعاون لإنجاز برامج بحثية على نحو ما يتم في الخطاب العادي أو الكلام العادي. ذلك لأن الخطاب الإرشادي يفترض فيه أن يكون غير مألوف، وأن يأخذنا بعيدًا عن ذواتنا القديمة بفضل ما فيه من غرابة شديدة، وأن يساعدنا على أن نصبح كائنات جديدة. فإذا كان الفلاسفة النسقيون العظام — شأنهم شأن العلماء العظام — يبنون نظمهم من أجل الأبدية، فإن الفلاسفة الهداة يقومون بالهدم، أو يمارسون عمليات الهدم لصالح جيلهم الحاضر، وهم يفزعون من تصور أن لغتهم يمكن أن تصبح مؤسسية أو أن كتاباتهم يمكن أن تقاس على الكتابات التراثية: «إن الفلاسفة النسقيين العظام هم فلاسفة إنشائيون ويقدمون حججًا وبراهين، أما الفلاسفة الهداة العظام فهم فلاسفة رد فعل، ويقدمون ألوانًا من السخرية والتهكم ومن الحكم الموجزة، وهم يعلمون أن أعمالهم ليست أبدية، وأنها قد تنتهي بانتهاء العصر الذي كانوا يقاومونه. إنهم يبدون وكأنهم يتعمدون أن يكونوا فرعيين أو هامشيين ومختلفين عن الفلاسفة النسقيين العظام الذين يبنون للأبدية. إنهم — أي الفلاسفة الهداة — يهدمون من أجل جيلهم الذي يعيشون فيه ولا يهدفون كما يفعل الفلاسفة النسقيون أن يضعوا فلسفاتهم على طريق العلم المأمون. إنهم يريدون أن يفتحوا كل السبل أمام الإحساس بالدهشة الذي يستطيع الشعراء في بعض الأحيان أن يُحدثوه. وهي الدهشة أو العجب من أن هناك شيئًا جديدًا تحت الشمس، شيء ليس مجرد تمثيل دقيق لما كان موجودًا من قبل، شيء لا يمكن تفسيره ولا يكاد يوصف وصفًا دقيقًا.»٢٩
لم يقرر الفلاسفة الهداة الذين يمجدهم رورتي حقائق نهائية، ولم يسيروا في الفلسفة على طريق العلم الموضوعي المأمون. قد يُفهم من هذا أن رورتي ضد الحقيقة الموضوعية، وربما يكون هذا صحيحًا إلى حدٍّ كبير، ولكن لا بد من توضيح أنه — شأنه شأن بعض الفلاسفة الوجوديين — ليس ضد الحقيقة الموضوعية كما هي في العلوم الطبيعية وفي التاريخ، ولكنه يقرُّ بأنها طريقة واحدة من بين طرق أخرى عديدة يمكن أن توصلنا إلى وصف أنفسنا، وإن كان من الممكن أن تخدعنا وتحول دون إتمام عملية الهداية أو الإرشاد. وتعود أهمية الرأي الذي يُقرُّ بأننا لا نملك ماهية ثابتة إلى أنه «يسمح لنا بأن ننظر إلى أوصافنا لأنفسنا كما نجدها في واحد من العلوم الطبيعية أو فيها مجتمعة، كما يسمح لنا بأن نعتبر هذه الأوصاف متكافئة مع الأوصاف البديلة المتعددة التي يقدمها الشعراء والروائيون وعلماء النفس التحليلي والنحاتون وعلماء الأنثروبولوجيا والمتصوفة. والخلاصة أن هذه الأوصاف أو التمثلات لا يصح أن نعتبرها تمثلات تفوق غيرها بحجة أن العلوم يتم الإجماع فيها أكثر مما يتم في الفنون والآداب، فالواقع أنها مجرد أوصاف ضمن رصيد كبير من الأوصاف الذاتية الممكنة.»٣٠
بهذا المعنى السابق يجب أن ننظر إلى الفلسفة الإرشادية باعتبارها حبًّا للحكمة، ودعوة للحوار، أو «محاولة للحيلولة دون تحوُّل الحوار إلى بحث. إن الفلاسفة الهداة لا يمكنهم أن ينهوا الفلسفة، ولكنهم يساعدون على منعها من أن تسير على طريق العلم الموضوعي والنهائي.»٣١ بهذا المعنى يدخل الفلاسفة الهداة في محادثة، وينظرون للفلسفة على أنها حكمة عملية ضرورية للمشاركة في الحوار، ولا يقرون حقائق نهائية ثابتة. وهذا هو ما يعنيه رورتي على وجه التحديد، فإذا نظرنا إلى عملية المعرفة لا باعتبارها تحصيلًا لماهية يمكن أن يصفها العلماء أو الفلاسفة، «فإننا نكون قد وضعنا أنفسنا بذلك على طريق النظر إلى الحوار أو المحادثة باعتبارها السياق النهائي الذي يمكن أن تفهم المعرفة من خلاله. ومن ثَم يتحول اهتمامنا من التركيز على العلاقة بين البشر والموضوعات التي يبحثونها إلى التركيز على العلاقة القائمة بين المعايير المختلفة للتبرير، ومن ثَم إلى التغيرات الفعلية التي تعتري هذه المعايير التي تصنع التاريخ العقلي.»٣٢

ومع ذلك فإن التقابل بين الرغبة في الهداية (التي هي هدف فلاسفة رورتي المفضلين)، والرغبة في الحقيقة (التي هي هدف الفلاسفة النسقيين) لا يُعدُّ في رأي رورتي — وهو الرأي الذي يتفق فيه مع جادامر — تعبيرًا عن توتر يحتاج إلى حل أو توفيق. وإذا كان هناك ثمة صراع بين الضدين فهو صراع بين النظرة الأفلاطونية — الأرسطية التي ترى الطريق الوحيد للهداية «إلى الحقيقة» هو أن نعرف ما يوجد في الخارج، أي نعكس الوقائع بدقة ونحقق ماهيتنا عن طريق معرفة الماهيات، وبين وجهة النظر التي ترى أن البحث عن الحقيقة هو أحد الطرق الكثيرة التي يمكن أن توجهنا وترشدنا. ويرى رورتي أن جادامر كان محقًّا عندما أشاد بنجاح هيدجر في استخلاص طريقة في البحث عن المعرفة الموضوعية (التي بدأها الإغريق واستخدموا فيها الرياضيات كنموذج) باعتباره مشروعًا بشريًّا من بين مشاريع أخرى كثيرة.

هكذا يفترض رورتي — كسائر البراجماتيين — أنه لا يجب السؤال عن طبيعة الحقيقة أو الخير أو الدخول في مثل هذه الموضوعات الغامضة. إنه يريد تغيير موضوع الفلسفة، وبمعنى أكثر دقة يريد أن تنفتح الفلسفة على ميادين ونُظُم أخرى غير فلسفية، ولكن ليس معنى هذا أنه يطالب الفلاسفة بأن يتخلوا عن صرامة التفكير أو دقته، بل إن اتساع دائرة الفلسفة بالتفاعل مع الأنظمة والميادين الأخرى ومع علوم أخرى مختلفة، سيجعلها تؤسس علاقة حميمة بين الفكر والحياة وخلْق نوعٍ من التوازن بينهما يساعد على إيجاد أفضل الطرق للتعامل مع التجربة، بحيث يكون للنشاط العقلي نتائج عملية متصلة بالسلوك. من هنا كان هجومه (أي رورتي) على البعد الإبستمولوجي للتفكير الفلسفي الذي تجاهل الأبعاد الأخرى لمظاهر التجربة الإنسانية. وعندما تتخلى الفلسفة عن انشغالها التقليدي بالبحث عن الحقيقة، وتهدم مفرداتها البالية القديمة التي لم تَعُد تخدم الحاضر، عندئذٍ سيبرز الدور الجديد للفلسفة الذي يتلخص في اختراع نظريات ومفردات جديدة، وهو دور ليس مقصورًا على الفلاسفة وحدهم، بل من الممكن أن يشارك فيه باحثون من ميادين ونظم أخرى. والسؤال الآن: ما هي سمات الدور الجديد للفلسفة كما يتصوره رورتي؟ وما هي علاقة هذا الدور الجديد بالواقع؟

(٢-٢) دور اللغة في الفلسفة المعاصرة

يربط رورتي بين الدور الجديد للفلسفة في الفكر المعاصر وبين اللغة، وهو في رأيه هذا يساير الاتجاه إلى فلسفة اللغة الذي ساد جلَّ الفلسفات المعاصرة، والذي لا يرى أهمية ولا قيمة لأي موضوع فلسفي سوى فلسفة اللغة بما تتضمنه من البحث في مشكلات لغوية ونحوية تهم علماء اللغة، ومشكلات فلسفية تهتم بوضع نظريات في المعنى. ويؤكد رورتي أن التحرر من أسْر الفلسفة التراثية يساعدنا إلى حدٍّ كبير على إدراك دور الفلسفة في التعامل اللغوي أو التخاطب مع الجنس البشري؛ فالتغير التاريخي يأتي بواقع جديد يصاحبه معرفة جديدة بمفردات جديدة. ولا يتم هذا على مستوى الظروف التاريخية والاجتماعية للمجتمع البشري فحسب، بل على مستوى المجتمع العلمي أيضًا؛ فالاكتشافات العلمية الجديدة لا يتم شرحها بمفردات نظريات سابقة، بل تستحدث مفردات جديدة كتلك المفردات التي فرضتها النظريات العلمية الحديثة — مثل الذرَّة، الجزَيء … إلخ — لأن الحقائق الجديدة ولدت أوصافًا ونظريات جديدة. من هنا تأتي أهمية اللغة المصاحبة لنمو المعرفة، مما يترتب عليه أن التغيرات الجديدة يصحبها تغيرٌ لغوي، بل إن هذه التغيرات هي التي توسع آفاق المعرفة. ومن هنا فإن اللغة تؤدي دورًا هامًّا في ثقافة ما بعد الفلسفة.

والواقع إن ما يسمى بالتحول اللغوي في الفلسفة جاء على أيدي العديد من الفلاسفة. فقد ظهرت بوادره الأولى عند بيرس في نظريته عن العلامات، ثم كان فيتجنشتين هو نقطة التحول والمنعطف الجديد في الفلسفة المعاصرة عندما رد الفكر إلى اللغة وردَّ العالم الخارجي إلى وقائع، وسار في اتجاه التحول اللغوي الذي تابعه بعد ذلك رايل وأوستن. وقد كان لفيتجنشتين — في فلسفته المتأخرة — تأثيرٌ كبير على الفكرة الأساسية عند رورتي التي تدور حول ربط الفكر بالحياة أو الواقع عن طريق اللغة، فهذه الأخيرة — أي اللغة — تساعدنا على التلاؤم أو التوافق مع العالم عن طريق الاستخدام الناجح لها. وهذا هو الدور الجديد الذي على الفلسفة أن تضطلع به في الفكر المعاصر. كما كان الاتجاه السلوكي في فهم فيتجنشتين للغة ووظيفتها الذي تبيِّنه هذه العبارة: «إننا في الواقع نفعل أشياء كثيرة بالجمل التي نقولها»،٣٣ أقول كان لهذا الاتجاه السلوكي أثرُه على رورتي عندما أكد على المكانة التي تحتلها اللغة في الفكر المعاصر وكيف تتحول إلى ما يمكن أن نسمِّيَه بالسلوكية اللغوية. لقد كان فيتجنشتين هو أحد الفلاسفة الذين ساعدوا رورتي على السير في هذا الاتجاه؛ فتقرير فيتجنشتين عن كيفية حصولنا على الكلمات الدالة على الألوان تُشير إلى طريقة أخرى في وصف علاقتنا بالواقع. إنه يرى أن معرفتنا بالألوان تتجلى في السلوك الذي نقوم به تجاه الألوان، وجزء من هذا السلوك لغوي، أي أنه يقوم على تحديد الألوان وتصنيفها، والقدرة على التقاط الأشكال الملونة والإشارة إليها بشكل صحيح، ورؤيتنا للألوان بشكل واقعي تتجلى في الأداء الناجح للأنشطة مصحوبة بالكلمات الملائمة. وهذا هو السبب الذي جعل فيتجنشتين يقول بصورة حادة إن الإجابة الصحيحة على السؤال كيف تعرف أن هذا اللون أحمر؟ هي أنني تعلمت اللغة الإنجليزية.٣٤ والمغزى من هذه العبارة السابقة هو أن اللغة هي المرجع والمدخل الذي نثق به للولوج إلى الواقع، وعندما نقول إن الواقع هو ذلك الذي نعتمد عليه أو نثق به، فإننا بهذا القول نعترف بأننا نؤديَ الوظيفة اللغوية بشكل صحيح؛ فكينونة العالم الواقعي أو واقعية العالم تتكشف من خلال الاستخدام الناجح للغة.
ويؤكد رورتي وجهَ نظر فيتجنشتين التي يقرر فيها أننا لا نستطيع أبدًا أن نهرب من متاهة اللغة فيقول: «إن العالم هناك في الخارج، أما أوصافنا للعالم فليست كذلك؛ لأن العالم لا يتكلم، ولكننا نفعل ذلك.»٣٥ يُفهم من هذه العبارة أن أوصاف العالم ليست سوى سلوك لغوي نقوم نحن به. وربما كان هدف رورتي من هذه العبارة هو معارضته لكل محاولة للربط بين أيِّ تعبير لغوي أو أية فكرة وبين شيء آخر غير لغوي في إطار نظرية الصدق أو التطابق المزعومة. فنحن لا نستطيع — في رأيه — أن نتبيَّن ما تُحيل إليه عبارة أو فكرة أو مفهوم إلا من خلال تعبير لغوي آخر، وليس ثمة سبيلٌ آخر يجعل الفكر يتلمس الواقع: «إن القول بأن الحقيقة أو الصدق ليست في الخارج هو القول ببساطة أنه حيث لا توجد عبارات لغوية فلا توجد حقيقة، وأن العبارات هي عناصر مكونة للغة البشرية، وأن اللغات البشرية هي إبداعات بشرية»،٣٦ إن العبارات الصادقة ليست مجرد إحالات إلى شيء وراءها، وإنما هي تعرض علينا الواقع الذي يتكون منه نسيجُ تجربتنا، فهي لا تعطينا شكل أو صورة الواقع، وإنما تمدنا كذلك بجوهر هذا الواقع. بهذا المعنى تربط اللغة بين التجربة البشرية والواقع. وبمعنى أكثر وضوحًا إن علاقة اللغة بالواقع تعبِّر في الحقيقة عن معتقداتنا وآمالنا ورغباتنا وخبراتنا في هذا الواقع.
إن اللغة — كما يقرُّ بهذا فيتجنشتين وأوستن — ليست مجرد لغة فقط؛ لأن الممارسات اللغوية هي ظواهر جوهرية في حياتنا تمدُّنا بمعتقدات صادقة نوجِّه سلوكنا وفقًا لها. فمن المعروف أن الاعتقاد — إذا ما استبعدنا المدلول الديني لهذه الكلمة — هو اقتناع الإنسان بفكرة أو معتقد أو قضية ما لأسباب يراها المعتقد بهذه الفكرة مبررة ومقبولة لديه، حتى لو لم تكن كذلك بالنسبة للآخرين، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى السلوك وفقًا له. بمعنى آخر إن إيماننا بصدق معتقداتنا يحرك سلوكنا ويعطي لحياتنا معنًى، وبذلك تُصبح المعرفة جزءًا من العملية السلوكية وليست مسألة ميتافيزيقية. والاعتقاد في صدْق القضايا اللغوية يقوم إلى حدٍّ كبير على الاتفاق الجمعي على معاني الكلمات. فالكلمة الدالة على لون من الألوان، أو عضو من أعضاء الجسد، لا تُفهم إلا في ضوء اتفاق مجتمع لغوي ما على معنًى محددٍ لها، وترتيب حياته وسلوكه وفقًا لذلك. معنى هذا أن اللغة أيضًا — مثلها مثل كل الإبداعات البشرية — هي نتاج الزمن والتغير، لم تظهر اللغة لتتلاءم مع بناءات سابقة الوجود، بل يمكننا أن نقول: «إن اللغات أيضًا عرضية contingent بمعنى أن العلاقة التي تربط بين الأصوات والعلامات التي يصنعها مستخدمو اللغة، وما يصاحب هذه الاستخدامات هي مخترعة وغير طبيعية non-natural، أي أن الصوت المستخدم لكي يشير إلى الماء — على سبيل المثال — هو صوت اعتباطي arbitrary، وهذا الصوت وليس صوتًا آخر قد تم تداوله في هذا المجتمع. وربما يكون هذا الصوت مختلفًا في مجتمع لغوي آخر، وهو في حقيقة الأمر مختلف، حتى على الرغم من أنه يشير إلى نفس الجسم وهو الماء.»٣٧
أصبحت المعرفة عند رورتي — مثله في ذلك مثل سائر البراجماتيين الذين يعدُّ امتدادًا لهم — خبرة حيوية نافعة تعرِّفنا بأنفسنا والواقع من حولنا. ولذلك فهو لا يفهم العالم بوصفه مجموعة من المعاني التي لها وجود مسبق، والتي تُكتشف من خلال الفكر؛ لأنه يريد أن يفسح المجال للاكتشافات والمعارف الجديدة والمساهمات الخلاقة من خلال الاستعارات والنظريات الجديدة. فنحن لا نجد العالم سلسلة من الظواهر التي نعبِّر عنها باللغة، وإنما نحن الذين نصنع العالم من خلال اللغة، وما تمسك به اللغة ليس شيئًا وهميًّا؛ لأن الاستخدام اللغوي الناجح يقاس بإضفاء الواقعية والموضوعية على خبراتنا. وبهذا المعنى تكون الظواهر التي نتلاءم معها، والتي تنعكس في سلوكنا قد أحسن صنعها أو إبداعها عندما نجد طريقنا في العالم، ونفهم كلَّ ما يحيط بنا. بذلك يفهم رورتي اللغة فهمًا براجماتيًّا وسلوكيًّا مجاريًا في ذلك ديوي وفيتجنشتين، حيث أصبحت اللغة عندهما صورة من الحياة يطورها الإنسان وفق أغراضه ونشاطه الحيوي. وتكشف اللغة أيضًا — كما نرى عند فيتجنشتين — عن تشكيلات لغوية لألعاب متنوعة تستخدم فيها الكلمات والجمل استخدامات تفرض عليها معانيها، بحيث يتغير هذا المعنى إذا ما اختلفت اللعبة التي ترد فيها: «هناك عدد لا يُحصى من الأنواع المختلفة لاستخدام ما نسميه «بالرموز» أو «الكلمات» أو «الجمل». وهذه الكثرة المتنوعة ليست ثابتة بحيث نعرفها مرة واحدة وإلى الأبد، بل يمكننا القول بأن هناك أنماطًا جديدة للغة، وألعابًا — لغوية جديدة تستحدث، بينما يكون قد توقف استخدام أنماط وألعاب — لغوية أخرى أصبحت مهملة وفي عداد النسيان.»٣٨
إن محاولة رورتي التي تتبعناها فيما سبق للتخلص من الصور المرآوية في تاريخ الفلسفة أو من فكرة المعرفة كمرآة جعلته يستخدم كلمة التلاؤم أو التوافق مصحوبة بحرف الجر «مع» coping with التي لا يقصد بها التلاؤم مع شيء محدد، بل التلاؤم المفتوح على إمكانات كثيرة كالتلاؤم أو التوافق مع النفس ومع الآخر، ومع المشكلات، أو مع التجربة والعالم. وربما يكون الهدف من فكرة «المعية» — التي تحمل دلالات الأنصار أو الاندماج أو الارتباط المباشر بالموضوع — هو تجنُّب التفرقة الثنائية الشهيرة في تاريخ الفلسفة بين الذات والموضوع، والعارف والمعروف، والظاهرة والشيء في ذاته. وعملية التلاؤم مع غير المألوف مهمة شاقة وعسيرة تتطلب منا استحداث أدوات ومفردات جديدة، ونماذج إرشادية جديدة، واستعارات جديدة، ونظريات واعتقادات لم يفسح لها المجال بعدُ. ويعتبر رورتي أن الكتابة هي أحد العوامل الأساسية التي تساعدنا على التلاؤم، وإن كان يرفض تصنيف الكتابة إلى أجناس مختلفة (أدبية أو فلسفية … إلخ)، وينظر إلى كل كتابة إبداعية على أساس أنها نوع من الأدب بما في ذلك الأعمال الفلسفية، وربما تكون حجته في هذا هي اختفاء الحدود الفاصلة بين النظم المعرفية في عصرنا، وتداخل هذه النظم في بعضها البعض يقلل من شأن التصنيف الحاد لأجناس الكتابة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه في الرأي المثير للجدل والخلاف، فإن الكتابة هي أحد أشكال الإبداع البشري التي تساهم بشكل فعال في عملية تلاؤم الإنسان أو توافقه مع نفسه ومع العالم والتجربة.

(٢-٣) استبدال إبداع–الذات بالوعي–الذاتي

يتضح من كل ما سبق رفضُ رورتي للمعرفة التقليدية التي تتم بين ذات عارفة موضوع للمعرفة، بل وذهابه إلى أبعد من هذا عندما وصف الوعي — الذاتي في التراث الديكارتي بأنه نوعٌ من خداع — الذات. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن يثور السؤال. كيف يمكن إذن معرفة الذات؟ إنها في رأي رورتي معرفة تتم عن طريق إبداع — الذات ولكن كيف يمكن أن يكون إبداع — الذات نوعًا من المعرفة؟ وما الهدف منها؟ وكيف تتم؟

يتفق رورتي مع فرويد في اقتناعه بأن الإبداع الذاتي هو الذي يميز الكائنات البشرية عن غيرها من الكائنات الأخرى، كما يتفق معه أيضًا في إعطائه العوامل العرضية أهمية خاصة في عملية إبداع — الذات. إن صنع أو إبداع — الذات هو صراع إنساني هدفه تدبير وسيلة للوجود، وإضفاء المعنى والقيمة عليه. فالإنسان ليس جوهرًا أو ماهية ثابتة سابقة التجهيز، بل إن «حياة الإنسان تُشبه قصيدة غير منتهية»،٣٩ كما أن شبكة اعتقاداته ورغباته وآماله وطموحاته لا يمكن أن تكون مسيرة مكتملة بشكل نهائي. إن اعتقادات ورغبات ومصالح وسلوك الكائنات البشرية تسمح بالتغيرات والتقلبات التي لا يمكن التنبؤ بها، فكما «أن معرفتنا عن العالم تتغير في ضوء الإسهامات العرضية للغتنا المتغيرة، كذلك يتغير مفهومنا عن أنفسنا.»٤٠ وليست الذات الإنسانية مجموعة محكمة من الملكات — كما هي عند كانط — ولكنها تتشكل أيضًا من العديد من العرضيات والمصادفات والمواقف غير المتوقعة أو المتنبأ بها. وهذه الصدفة أو هذه العرضية ليست على مستوى الكائنات البشرية فحسب، بل هي أيضًا على مستوى العالم كما يؤكد وليم جيمس: «إن تشبَّثت بعالم كامل الصنع، فإني لا أزال أعتقد أن عالمًا به صدفة أفضل وأحسن من عالمٍ خالٍ منها»؛٤١ لأن ما يستحق المعرفة هو ما ليس مكتملًا وما يزال مفتوحًا على الصدفة غير المتوقعة. وفي هذه الحالة يصعب أن نتصور وجود نموذج لكائنات بشرية ثابتة، وقد أسهم فرويد في هدم هذه الصورة — أعني صورة وجود شيء بشري حقيقي معدٍّ مسبقًا — عندما بيَّن تأثير الخيال غير الواعي أو اللاشعوري والدور الذي يلعبه في تشكيل الذات الإنسانية، هذا بالإضافة إلى الوعي والتفكير، إلى جانب ردود الأفعال غير المتنبأ بها للاوعي والجوانب الغريزية الغائرة في الكائنات البشرية. الصدفة أو العرضية إذن تلعب دورًا هامًّا في عملية إبداع-الذات، والأفراد المبدعون فقط هم الذين لديهم القدرة والمهارة الكافية للتعرف على — بل وتحديد — العرضيات والإمساك بها وتحويلها إلى وقائع هامة «إذا أمسكنا بالعرضيات الخاصة الحاسمة في ماضينا فسوف نصبح قادرين على صنع شيءٍ ذي شأن لأنفسنا، وإبداع ذوات حاضرة نستطيع أن نحترمها.»٤٢
إن المصادفات والعرضيات تقتحم حياتنا، وبما أننا لا نستطيع التأثير في مجرى هذه المصادفات فعلينا مواجهتها. وإذا كانت حياتنا في بعض جوانبها محكومة بالصدفة التي لا يحكمها قانون، وفي بعضها الآخر بظروف سياسية وتاريخية مفروضة علينا، فإن «الكثير من الأحداث الهامة في حياتنا تنبع من ردود أفعالنا لمواجهات عرضية مع أناس آخرين ومواقف غير متوقعة. فنحن نحدد أنفسنا في مواجهة التحديات التي وضعتْها في طريقنا ظروفٌ بشرية وغير بشرية، أو نحن نفشل في مواجهتها. وهكذا تكون الشخصية الإنسانية شيئًا يصنع، عملًا فنيًّا.»٤٣ ولا مهرب لنا من أن نأخذ في حسابنا المصادفات أو العرضيات والأخطار، بل والفروض التي تظهر في حياتنا على غير توقع، وإذا كنا لا نستطيع أن نتجنب مثل هذه الأمور فإن مهمتنا هي الوعي بها ومواجهتها كما سبق القول.
لكن هل يملك جميع الناس هذا الوعي بعرضيات الحياة؟ حقيقة الأمر أن الأفراد الأقوياء فقط هم القادرون على إدراك مثل هذه العرضيات والإمساك بها لتساعدهم على إبداع ذواتهم، ومن هؤلاء — في رأي رورتي — نيتشه والشعراء النوابغ الذين استطاعوا أن يحولوا حياتهم إلى إبداعات أدبية، وأن يُبدعوا استعاراتٍ وأوصافًا جديدة، ويحولونها من السياق الخاص إلى السياق العام: «إن التقدم الشعري، والفني، والفلسفي، والعلمي أو السياسي ينتج من الصدفة العرضية لهاجس خاص مع حاجة عامة.»٤٤ وعملية إبداع الذات هي مهمة كلِّ فرد وليست مقصورة فحسب على الشعراء الموهوبين الذين يملكون القدرة على خلق استعارات ومفردات جديدة. وإذا كنا قد أكدنا من قبل أن اللغة متغيرة، وأنها نتاج الزمن والظروف التاريخية، فإنه يترتب على ذلك أن كل تغيُّر تاريخي يصاحبه تحولٌ لغوي، وأن الاكتشافات غير المتوقعة تساعد على إيجاد مفردات جديدة، حيث تُصبح المفردات الموجودة بالفعل بالية وغير كافية. كما أن وضْع نظريات جديدة يستدعي التغلغل في جوانب غير معروفة للظاهرة موضوع البحث، بحيث تنمو المعرفة من صراع المفردات الجديدة مع القديمة، وتنمو المعرفة وتتطور مع نمو وتطور الجنس البشري.

بهذا المعنى السابق نكون نحن جميعًا شعراء في إبداع الذات، ولكن بعضنا فقط هم الشعراء العظام، أي أن كلًّا منَّا يُبدع ذاته بشكلٍ مختلف. ومعنى هذا أن رأْيَ رورتي في الذات الإنسانية ليس رأيًا نخبويًّا، أي أنه لا يتحدث عن نخبة أو صفوة من البشر لديهم مواهب أو قدرات خاصة لإبداع-الذات، وحديثة عن إبداع مفردات واستعارات جديدة ليس مقصورًا على فئة الشعراء فحسب — باعتبارهم الفئة التي تربطها باللغة علاقة خاصة تساعدهم على إبداع مفردات واستعارات جديدة — بل إن كل الكائنات البشرية قادرة على إبداع استعارات جديدة في ردود أفعالهم على عرضيات الحياة ومصادفات التجربة. ولذلك يؤكد رورتي أن ما يفعله الشعراء بكلماتهم، يمكن للآخرين أن يفعلوه بحياتهم، بزواجهم وأطفالهم، بتجارتهم، وحسابات أعمالهم وما يمتلكون في بيوتهم، بالموسيقى التي يسمعونها، والرياضة التي يمارسونها أو يشاهدونها، والأشجار التي يمرون عليها في طريقهم إلى العمل، وأيضًا في كل نظرية علمية جديدة … وهكذا.

لا شك أن كلمة إبداع تحمل مدلولًا إيجابيًّا لدى السامع، فعندما نتحدث عن إبداع-الذات ينصرف الذهن إلى التفكير في شيء له قيمة، أو هدف ينطوي على شيء خير، ولكن ليس هناك ضمان أن يتحرك إبداع-الذات دائمًا في هذا الاتجاه، وهذا ما بيَّنه رورتي في تحليله للرواية اليوتوبية لجورج أورويل٤٥ (١٩٨٤م). وقد ألقى هذا التحليل٤٦ الضوء على عملية إبداع أوبرين (أحد شخصيات الرواية) لذاته التي أثمرت كائنًا يستمتع ويبتهج بقدرته على تدمير عقل (ونستون) بطل الرواية، وينتهي من هذا التحليل إلى أن التاريخ البشري يكتظ بمثل هذه النماذج. هنا يأتي ما نسميه بالاعتبارات الأخلاقية في عملية إبداع-الذات. فهل ينطوي هذا الإبداع على تلبية احتياجات ومصالح الذات المبدعة نفسها، أم لا بد أن ينطويَ اختيار فعل الإبداع على تلبية وتحقيق مصالح الآخرين أيضًا؟ بمعنى آخر هل ما يختاره الفرد من أفعال يبدع من خلالها ذاته ويحقق الخير لنفسه تحقق بالضرورة الخير للآخرين؟ مرة أخرى ليس هناك ضمان لأن تسير العملية الإبداعية في هذا الاتجاه، فما يختاره الشخص لنفسه ليس من الضروري أن يكون خيرًا للآخرين، والعكس أيضًا صحيح؛ أي أن ما يختاره الفرد ليحقق الخير لنفسه ليس بالضرورة ضارًّا بالآخرين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ربما يكون شيءٌ ما خيرًا للفرد بدون أن يكون بالضرورة خيرًا ولا شرًّا للآخرين، فهذه مسألة خلافية ولا يمكن حسمها بسهولة في هذا المجال، ولكنها تؤكد أن الجانب الأخلاقي هو أحد الجوانب الهامة في عملية إبداع-الذات؛ لأنها تحدد العلاقة النهائية بين الذات المبدعة والآخرين. كما أن هذه العلاقة أيضًا تساهم من جانب آخر في عملية الإبداع ذاتها؛ فعلى الرغم من أن الكائنات البشرية محكومة بوحدة طبيعية مشتركة (كالوحدة البيولوجية) إلا أنها تتسم بالتنوع الثقافي الهائل الذي يسمح بوجود سياقات اجتماعية مختلفة، تساهم بشكل كبير في إثراء عملية إبداع-الذات.
ولا شك أيضًا أن عملية إبداع-الذات تنطوي في النهاية على محاولات الذوات البشرية لصنع شيء ذي قيمة لأنفسهم، ولإضفاء المعنى على وجودهم، ولكن ما هي الظروف التي يجب أن تتوافر لكي تؤتيَ هذه المحاولات ثمارها، ولكي تتم عملية صنع-الذات بصورة أفضل؟ إن عملية إبداع-الذات تستمد مادتها الأساسية من الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها الإنسان الذي أُلقيت على عاتقه مهمة إبداع-ذاته. فإذا كانت هذه الظروف صارمة وتفرض قيودها الظالمة على مواطنيها، فإن مثل هذه الظروف والنظم تجلب المعاناة على أفرادها، بينما نجد في المقابل أن المجتمعات التي يسودها قِيَم كالحرية والتسامح والديمقراطية تفسح المجال للأفراد لإبداع-الذات بصورة أفضل. وتلعب الحرية دورًا خاصًّا في صنع-الذات، والحرية كما يقول رورتي هي «إدراك أو التعرف على العرضية Freedom as recognition of contingency»٤٧ فلكي نستجيب لعرضيات الحياة علينا أن نحسب حساب القيود المفروضة علينا من قِبَل الظروف الاجتماعية والسياسية؛ فالتعصب السياسي والقيود الاجتماعية الصارمة تُشكِّل عقبة في طريق نمو وتطور الأفراد، وهي أحد العوائق التي تحول بين الفرد وبين إبداع-ذاته، لا سيما أن هذه العملية الأخيرة (أي إبداع-الذات) ليست بالمهمة اليسيرة، بل هي عمل شاقٌّ يتطلب أن يتمتع الفرد بقوة الشخصية لتكون لديه القدرة على مواجهة الظروف المعاكسة والمعوقة لتحقيق ذاته. ومما لا شك فيه أن توافر مناخ خاص مثل الحرية والتسامح والديمقراطية في مجتمع ما هو من الأمور الأساسية التي تفسح مجالًا لعملية إبداع-الذات.

•••

والآن وبعد أن عرضنا — بالقدر الذي تسمح به حدودُ هذا البحث — نقدَ رورتي للفلسفة التقليدية، وتصوره للمشهد الثقافي لمرحلةٍ ما بعد الفلسفة، ما هي الخلاصة التي يمكننا أن نخرج بها من الجانبَين؛ أعني جانب هدمه للتراث الفلسفي من ناحية وتصوره للحياة الفلسفية بعد أن أعلن نهاية الفلسفة من ناحية أخرى؟ بمعنى آخر ما هو المشروع الفلسفي الذي يريد رورتي تقديمه من خلال هذا الهدم وذلك التصور؟

لن نبالغ إذا وصفنا مشروع رورتي الفلسفي — إذا جاز لنا أن نُطلق كلمة مشروع على التصور الذي وضعه — بأنه يغلب عليه جانب الهدم والنقد أكثر مما يقدم بديلًا لكل ما تناوله بالنقد، وأنه لم يؤسس مشروعًا فلسفيًّا بديلًا عن الفلسفة التراثية. لقد أسهب طويلًا في نقد التراث الفلسفي من أفلاطون حتى كانط والفلسفة التحليلية، بحيث لم يُفسح مجالًا كبيرًا لجانب البناء على الأقل حتى الآن (لا يغيب عنا أننا نتحدث عن فيلسوف معاصر، تنظر إليه الأوساط الثقافية الأمريكية الآن على أنه الفيلسوف الأول فيها)، فهو ما زال يواصل العطاء، وما زال قادرًا على استكمال جوانب النقص والقصور في تفكيره — ولا أقول فلسفته تمشيًا مع رأيه بأنه لم يَعُد هناك ما يمكن أن نسمِّيَه فلسفة بالمعنى التقليدي للكلمة. إن قولنا بإخفاق رورتي في وضع تصور متكامل لمشروع فلسفي بديل قول ليس فيه تجنِّي عليه، فقد اعترف هو نفسه بذلك في نهاية كتابه «الفلسفة مرآة الطبيعة» عندنا قال: «لقد حاولت أن أبيِّن أن محاولة الفلاسفة للوصول إلى الأصل أو المبدأ الأول للخطاب تمد جذورها في اهتمامهم بأن ينظروا إلى الممارسات الاجتماعية للتبرير على اعتبار أنها أكثر كثيرًا من أن تكون مجرد ممارسات. وقد ركزت بشكل أساسي على التعبيرات التي تمت في كتابات الفلسفة التحليلية، والنتيجة أنني لم أقدِّم إلا مقدمة، مجرد مقدمة أو تمهيد والمعالجة التاريخية بالمعنى الدقيق تقتضي اطلاعًا ومهارات، وربما لا أملكها، ولكن ربما كانت هذه المقدمة كافية لكي تجعلنا نرى أن الموضوعات المعاصرة للفلسفة هي أحداث تدخل في مرحلة معينة من الحوار، وهو حوار لم يكن يعرف شيئًا عن هذه الموضوعات أو القضايا، وربما لا يعود في المستقبل إلى معرفة شيءٍ عنها.»٤٨

إن دعوة رورتي لتحول دور الفلسفة في الفكر المعاصر ليست جديدة كل الجدة، فهو في هذا يتسق مع تراثه البراجماتي الذي يحاول تغيير موضوع الفلسفة والغاية منها، بل ويسعى لوضع أفكار مضادة للفلسفة وبلغة غير فلسفية؛ لأن اللغة الفلسفية — في زعم البراجماتيين — تجسِّد الافتراضات الأفلاطونية التي لا تُقرُّ البراجماتية بنتائجها. وبذلك تُصبح الفلسفة موضوعًا شائكًا ومعقدًا، بل وغامضًا أيضًا، وربما لهذا السبب انتهى الأمر برورتي إلى الدعوة إلى اختفاء ما يسميه بطبقة الفلاسفة أو الصفوة، وإلى التوقف عن التفكير في المشكلات الفلسفية الخالصة، ووقف التعامل بالمصطلحات الفلسفية المألوفة. فقوله بالسلوكية المعرفية ورفضه للصور المرآوية يستلزم بالضرورة التخلي عن فكرة احتراف الفلسفة، بل يصل به الأمر إلى اعتبار أن غاية التفلسف هي عدم ممارسة الفلسفة على الإطلاق … أراد رورتي للفلسفة إذن أن تكون صوتًا في محادثة أو مخاطبة الجنس البشري، وأن تنصرف عن كونها موضوعًا لبحث مهني أو حِرَفي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تتسق دعوته لتحول دور الفلسفة مع تيارات أخرى مختلفة خاصة بعد أن ألقت الفلسفة المعاصرة الضوء على الاهتمام الشديد بالحياة اليومية واللغة العادية مما جعل فكرة التحول اللغوي التي ينشدها لا تنطوي في الحقيقة على طرح جديد في الفكر المعاصر. ذلك أن الاتجاه السائد في معظم فلسفات النصف الثاني من القرن العشرين، قد أكَّد على أهمية فلسفة اللغة، فظهرت نظريات وتفسيرات وتيارات متنوعة في هذا المجال. هذا بالإضافة إلى أن كل ما قدَّمه رورتي من آراء وأفكار عن أهمية دور اللغة في الفلسفة المعاصرة مستمدٌّ بشكل أو بآخر من فيتجنشتين (وبصفة خاصة من فكرته عن ألعاب اللغة)، ومن كواين وديفيدسون وسيلرز وغيرهم من فلاسفة اللغة.

يتفق رورتي مع تراثه البراجماتي — وخاصةً مع ديوي — الذي يقر بأنه ليس هناك مشكلات أبدية للفلسفة، وأن الفلاسفة ليست لديهم معرفة خاصة ولا هم صفوة الحكماء؛ ولذلك دعا إلى تحوُّل دور الفلسفة في الفكر المعاصر. وإذا صح أن رورتي محقٌّ في دعوته هذه، أي في هدمه للتراث الفلسفي كفكرٍ متعالٍ على الواقع، فلا شك أن هذا حدث في فترات معينة من تاريخ الفلسفة مما جعلها تنفصل عن الواقع، ولا تؤثر فيه تأثيرًا كبيرًا، الأمر الذي دعا رورتي إلى المطالبة بتطوير دورها في التفاعل مع الحياة والنظم المعرفية الأخرى. وقد حالفه الصواب في هذه الدعوة الأخيرة، فلم يَعُد من الممكن الحديث عن المشاكل التقليدية في الفلسفة دون النظر في نتائج العلوم الأخرى في عصر يموج بمتغيرات هائلة على جميع المستويات. أقول إذا كان هذا صحيحًا، فإنه من الصحيح أيضًا أن رورتي قد جانبه الصواب عندما تصور أنه يستطيع أن يخلع الفلسفة عن عرشها، كتأمل ونظرة كلية شمولية تُعدُّ أهمَّ سمات الفلسفة، كما أننا نشك في أنه استطاع أن يجردها من مهمتها الأزلية التي هي السؤال عن الأساس والجوهر، وأن ينزع عنها تفردها بالبحث عن الجذور وعن المعنى والحقيقة.

وإذا كان رورتي بدعوته إلى تحوُّل دور الفلسفة يعارض المذاهب والبناءات الشامخة، فإن هذه المذاهب ذاتها إنما تعبر عن تحولات فلسفية للمشكلات الأبدية للفلسفة مع الاحتفاظ بماهية الفلسفة. وإذا كان يطالب بتحول دور الفلسفة في الفكر المعاصر، بحيث تتعاون مع مختلف العلوم والنظم المعرفية الأخرى، مما قد يُفهم منه أن الفلسفة لا وجود لها بغير هذه العلوم وتلك النظم، فإن العلوم الأخرى بدورها لا غنى لها عن الفلسفة، ولا عن أسئلة الفيلسوف التي من الممكن أن تبدأ بها مرحلة جديدة من مراحل التطور العلمي لا ليحدد بها الحاضر فقط، بل المستقبل أيضًا، وإذا كانت العلوم الأخرى ممعنة في التخصص ويستغرقها البحث في الجزئيات، فلا غنى لهذه العلوم عن النظرة الكلية الشاملة للفلسفة؛ فالفلسفة هي التي تحدد فائدة العلوم لمسيرة الجنس البشري، خاصةً بعد التقدم العلمي الهائل وما أحدثه من تدمير للبيئة الطبيعية والحياة الإنسانية على السواء، وما أحدثته التكنولوجيا من تطبيقات غير إنسانية، وما أحدثته الحروب من دمار، وكلها مشكلات تصدَّى لها الفلاسفة (تلك الفئة التي يريد لها رورتي أن تختفيَ) بما استحدثوه من علوم مثل الأخلاق الطبية وفلسفة البيئة وغيرها لمواجهة الأخطار الناجمة عن استخدامات العلم وتطبيقاته، بحيث يصدق قول أفلاطون عن الفلسفة بأنها حارسة المدينة؛ إذ تواجه كل الأخطار اللاعقلانية والأساطير المدمرة، تمامًا كما واجه الفلاسفة النظم الفاشية والنازية؛ لأن مهمة الفلسفة ستبقى في النهاية هي المحافظة على العقل البشري وكرامة الإنسان أيضًا.

لقد أراد رورتي من هجومه على الإبستمولوجيا استبدال الممارسة الاجتماعية بنظرية المعرفة؛ فقوله: «أن الحق والصدق مسألتان تتعلقان بالممارسة الاجتماعية»، هو تعبير عما يسميه السلوكية المعرفية، ولكن ألا تحتاج الممارسة الاجتماعية إلى تنظير يعرف ماهية الخير والشر؟ وهل هناك ممارسة اجتماعية لا يهديها النظر ويحول بينها وبين التحول إلى ما يمكن أن يكون ممارسات عشوائية. ووفق التفسير الذي يتبعه رورتي، فإن هذه الممارسات الاجتماعية تخضع أيضًا للتغير التاريخي؛ ففي كل فترة تاريخية تظهر مجموعة من الممارسات الاجتماعية تتنافس وتتصارع، فكيف يتم التمييز بين أفضل هذه الممارسات وأسوأها؟ وكيف نحكم على ما يحتاج منها — أي الممارسات — إلى الإبقاء عليه وما يتطلب التخلص منه أو التخلي عنه؟ إن الفيلسوف هو الشخص الذي تقع هذه المهمة على عاتقه، أي أن جوهر عمله هو متابعة نمو واستمرار وزوال أو بقاء هذه الممارسات وتناولها بالنقد، هذا النقد نفسه هو لبُّ وجوهر التفكير الفلسفي الذي أعلن رورتي نهايته.

لقد أراد رورتي للفلسفة أن تتحول إلى ما أطلقنا عليه اسم اللغوية السلوكية، أي أن تكون صوتًا في محادثة أو مخاطبة الجنس البشري. بهذا المعنى تصبح اللغة هي وسيلتنا للدخول إلى الواقع، وتكون أوصاف العالم هي السلوك اللغوي الذي نقوم به نحن، مما يترتب عليه أن الاستخدام الصحيح للغة يزيد من خبرتنا بالعالم. ولا جدال في أن ما نفهمه من الواقع هو ذلك الكم الهائل من الوقائع المألوفة المعترف بها في عبارات لا خلاف حولها، ولكن هل يعني هذا أن تتحول الفلسفة إلى مجرد سلوك لغوي أو مسألة لغوية فقط؟ إن هذا بطبيعة الحال غيرُ كافٍ؛ فإذا كانت الفلسفة بصفة عامة تمثل رؤية الإنسان الكلية الشاملة للعالم أو الكون، فإن اللغة هي أحد جوانب هذه الرؤية فقط، وليست هي الرؤية كلها.

وأخيرًا فلعل فكرة إبداع-الذات أن تكون من أكثر أفكار رورتي أهمية وجاذبية. ومع أن هذه الفكرة مسبوقة بصورة أو أخرى عند فلاسفة الوجود من نيتشه وكيركيجورد إلى هيدجر وسارتر، فإن ذلك لا ينفي أن لرورتي الفضل في إلقاء المزيد من الضوء على هذه الفكرة الهامة وتعميمها وإعطائها أبعادًا اجتماعية وإنسانة أكثر بكثير من فلاسفة الوجود. والواقع أن تأكيد رورتي على أننا لسنا ذواتٍ سابقة التجهيز نسعى لاكتشاف ذاتها من خلال الوعي الذاتي، ورفضه لفكرة أن العالم له وجود مسبق نكتشفه من خلال الفكر؛ يعني أننا نحن الذين نُبدع أنفسنا، ونحن الذين نُبدع العالم أيضًا. وبقدر ما تحثنا هذه الفكرة على العمل الخلَّاق بقدر ما تنم عن تمجيد لقدرات الكائن البشري على الإبداع والابتكار.

وأخيرًا لا يضيف نقدُ رورتي للفلسفة التراثية أو التأسيسية إلا القليل لنزعات نقدية أخرى سابقة؛ فمحاولته للنفاذ إلى القشرة الصلبة للفلسفة التقليدية سبقه إليها فلاسفةٌ آخرون (مثل نيتشه وهيدجر وغيرهما)، ولا يغيب عن بالنا أن تلك النزعات النقدية نفسها هي نوع من الممارسة الفلسفية — سواء أراد رورتي ذلك أو لم يُرد — وأن الهجوم على التراث الفلسفي لا يهدمه بقدر ما يُثريه ويحدثه، ويصحح مساره ويجدد قضاياه ومشكلاته، وإلا أصبح حاضرُنا معلقًا في الهواء. ومع ذلك فإن أهمية نزعته النقدية التي تُعلن نهاية الفلسفة تأتي من أنها تضع حدودًا للدور الأبدي القديم للفلسفة الذي لم يَعُد يواكب عصرَ الاتصالات والمعلومات الآن. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لعل دعوته — التي تؤكدها نزعتُه النقدية — لتحول دور الفلسفة في اتجاهٍ مغاير تمامًا لدورها التقليدي ومشاركتها في الحوار الثقافي والاجتماعي والعلمي العام، وانخراطها في السياق الاجتماعي والممارسات العملية واللغوية، لعلها أن تكون أكثرَ أفكاره تميزًا، لا سيما إذا تذكَّرنا أن كثيرين غيره قد سبقوه للدعوة إلى نقد التراث الفلسفي التقليدي، بل والمطالبة بتجاوزه.

١  The Oxford Companion to Philosophy. Ed. By Ted Honderich. Oxford University Press. 1995. art. New Pragmatism. p. 614.
٢  Bernstein, Richard. J: Philosophical Profiles. Essays in a Pragmatic Mode. Philadelphia University of Pennsylvania Press. 1986. p. 21.
٣  Rorty, Richard: Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton, New Jersey. Princeton University Press. 1979. p. 3.
٤  Ibid. p. 12.
٥  Ibid. p. 12-13.
٦  Ibid. p. 3.
٧  Ibid. p. 4.
٨  Davidson Donald (1917-…) فيلسوف أمريكي طوَّر نظرية في فلسفة اللغة والعقل، كان لها تأثيرٌ واسع. وقد كان للفيلسوف اللغوي المنطقي كواين تأثيرٌ كبير عليه؛ إذ يشاركه الالتزام بأهمية المنطق بالنسبة للميتافيزيقا، كما يشاركه في الشك فيما يسمى بالكيانات أو الحقائق المفهومية مثل المعاني والقضايا والخصائص والصفات. جمع أهم أبحاثه في كتابه «مقالات عن الأحداث والأفعال» عام ١٩٨٠م، و«بحوث في الصدق والتفسير» عام ١٩٨٤م.
٩  Rorty, Richard: Contingency, irony, and solidarity. Cambridge University Press. 1989. p. 11.
١٠  أحمد فؤاد الأهواني: جون ديوي، دار المعارف بمصر، ١٩٥٩م، ص٩٨.
١١  Rorty, R: Philosophy and the Mirror of Nature. p. 34.
١٢  Ibid. p. 168.
١٣  Ibid. p. 174.
١٤  Rorty, R: Philosophy and the Mirror of Nature. p. 178.
١٥  Quine, Willard Van Orman (1908–…) من أهم الفلاسفة الأمريكيين المعاصرين، قضى سنوات دراسته في هارفارد تصور كتاباته تطور الفلسفة الحديثة، بصفة خاصة في المنطق، وفلسفة اللغة، والإبستمولوجيا والميتافيزيقا. وبعد حصوله على الدكتوراه، زار حلقة فيينا ووقع تحت تأثير رودلف كارتاب. وعلى الرغم من نقده للمذاهب الأساسية، ظل كواين تحت تأثير الروح الوضعية المنطقية، وشارك في التزامها بالنزعة التجريبية والاعتقاد بأن الفلسفة يجب أن تكون جزءًا من العلم. أكَّد كواين نزعتَه الطبيعية في كتابه «الكلمة والموضوع أو الشيء»، والمذاهب الذي يجب أن تتبعه الفلسفة كجزء من العلم، ودافعت أبحاثه التي نُشرت من وجهة نظر منطقية عام ١٩٥٣م عن اللغة والأنطولوجيا، وتحدَّت الافتراضات المسيطرة بعد عام ١٩٦٠م.
١٦  Sellars, Wifrid (1912-1989) فيلسوف أمريكي اشتهر بأبحاثه العميقة في الميتافيزيقا وفلسفة العقل، يميز بين الصورة الظاهرة للإنسان بوصفه كائنًا مزودًا بمعتقدات ورغبات ومقاصد، وبين الصورة العلمية المتخيلة له بوصفه كائنًا متجسدًا يخضع للدراسة الفيزيائية والفسيولوجية، ويعد التوفيق بين هاتين الصورتين هي المشكلة الرئيسية في فلسفة العقل. ومن أهم ما يميز هذا الفيلسوف هو أسلوبه في حل هذه المشكلة من خلال فهمه اللغوي والسلوكي للتفكير في المعنى في إطار الدور الوظيفي للغة. والتفكير عنده هو حديث باطني على نموذج الحديث المفتوح الذي هو ممارسة القدرة على استخدام الكلمات والجمل بصورة صحيحة في تكوين العلاقة بالعالم وبالآخرين.
١٧  Rorty, R: Consequences of Pragmatism (Essays: 1972-1980). University of Minnesota Press, Minneapolis. 1982, p. xviii.
١٨  Ibid. p. xviii-xix.
١٩  p. xx وردت نصوص هؤلاء الفلاسفة في المرجع السابق.
٢٠  Ibid. p. xx.
٢١  Rorty, R: Philosophy and the Mirror of Nature. p. 210.
٢٢  Ibid. p. 371.
٢٣  Ibid. p. 315.
٢٤  Ibid. p. 315.
٢٥  p. 357-358 ورد نص جادامر في المرجع السابق.
٢٦  Bernstein, R, J: Philosophical Profiles. p. 49.
٢٧  Rorty, R: Philosophy and the Mirror of Nature. p. 360.
٢٨  Ibid. p. 368.
٢٩  Ibid. p. 369-370.
٣٠  Ibid. p. 362.
٣١  Ibid. p. 372.
٣٢  Ibid. p. 389-390.
٣٣  فيتجنشتين، لودفيج: بحوث فلسفية. ترجمة وتعليق د. عزمي إسلامي، مراجعة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، الكويت، مطبوعات جامعة الكويت، ١٩٩٠م، القسم الأول، فقرة ٢٧، ص٦٢.
٣٤  Kolenda, Konstantin: Rorty’s Humanistic Pragmatism Philosophy Democratized. University of South Florida Press. p. 4-5.
٣٥  Rorty, R: Contingency, irony, and solidarity. p. 5-6.
٣٦  Ibid. p. 5.
٣٧  Kolenda, K: Rorty’s Humanistic Pragmatism p. 12.
٣٨  فيتجنشتين، لوديج: بحوث فلسفية، القسم الأول، فقرة ٢٣، ص٥٩.
٣٩  Rorty, R: Contingency, irony, and solidarity. p. 42.
٤٠  Kolenda, K: Rorty’s Humanistic Pragmatism p. 14.
٤١  ورد نص جيمس في كتاب د. محمود زيدان، وليم جيمس، دار المعارف بمصر، ١٩٨٠م، ص١٣٥.
٤٢  Rorty, R: Contingency, irony, and solidarity. p. 33.
٤٣  Kolenda, K: Rorty’s Humanistic Pragmatism p. 28.
٤٤  Rorty, R: Contingency, irony, and solidarity. p. 37.
٤٥  جورج أورويل (١٩٠٣–١٩٥٠م) كاتب إنجليزي، (١٩٨٤م) هي أشهر رواياته اليوتوبية التي تصور ما يحدث في المجتمعات الاشتراكية وهيمنة الحزب الشيوعي على كل شيء (حتى على تفكير الإنسان) وقضائه على أولى مبادئ الحرية، وممارسة الإرهاب والتعذيب والتسلط. عبر الكاتب عن ذلك على لسان أوبرين — إحدى شخصيات روايته — «إن السلطة هي ممارسة السلطة فوق بني الإنسان، فوق أجسامهم بل فوق عقولهم قبل كل شيء.»
٤٦  تفاصيل التحليل النفسي للرواية في المرجع السابق، ص١٧٥–١٨١.
٤٧  Ibid. p. 46.
٤٨  Rorty, R: Philosophy and the Mirror of Nature. p. 390-391.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١