الفصل الثاني عشر

دولة المماليك الثانية

من سنة ٧٨٤–٩٢٣ﻫ/١٣٨٢–١٥١٧م

(١) منشأ المماليك الشراكسة

دعيت هذه الدولة بدولة المماليك الشراكسة نسبة إلى منشأ سلاطينها، فإنهم من الشعب الشركسي، ويدعى أيضًا كركس أو جركس أو كرغز، وهم لم ينشَئوا في آسيا العليا إنما جاءوا إليها من سيبيريا، ونواحي بحيرة بيقال منذ القرن السادس للميلاد. ثم هاجروا إلى غربي بحر قزوين يُحملون من بلادهم للاتجار بهم في جهات العالم، فاقتنى منهم سلطان المماليك البحرية الأخير عددًا وافرًا، فضلًا عن المماليك البحرية اقتداء بأسلافه.

وكانوا يستخدمونهم في مصالح الدولة، فارتقوا فيها تبعًا لما خصتهم به الطبيعة من الجمال والذكاء، حتى صارت إليهم حماية الحصون والقلاع، فجعلوا سكناهم في الأبراج فلقبوا بالبرجية، وما زالوا يزدادون عددًا وقوة ومنعة حتى تاقت نفوسهم إلى تسلق كرسي الملك يجعلونه إرثًا لنسلهم، وقد رأينا أنهم تمكنوا مما أرادوا فخلعوا حاجي بن شعبان، وبايعوا برقوق.

وأما برقوق فهو ابن مرتد شركسي اسمه أنس من قبيلة كسا استملك في شركاسيا، وقِيد إلى القرم فاشتراه رجل مسلم يقال له: عثمان، وجاء به إلى مصر سنة ٧٦٢ﻫ وباعه للأمير يلبغا فجعله في عداد مماليكه، إلا أن نباهة برقوق وجماله ومهابته استلفتت انتباه سيده، فبالغ في ترقيته حتى أدخله في بطانته، ولقبه بالشيخ إشارة إلى براعته بالفقه وسائر العلوم الإسلامية، وجعله في مصاف الأمراء، وكان يلقب بالعثماني واليلبغاوي، وما زال في خدمته إلى أن قضى الله على يلبغا بما قضى، وتشتت مماليكه، فبقي برقوق وأمير آخر يقال له بركة؛ لأنهما كانا في السجن، ثم أطلقا فدخلا في خدمة منجك صاحب دمشق. ثم عادا إلى مصر بطلب الملك الأشرف شعبان، فتمكن برقوق بوسائط مختلفة من الحصول على رتبة باش أمير ياخور، وقيادة ألف رجل، فأصبح من الذين يطمعون في نيابة الملك فتولاها، ولقب بأتابك الجيوش، وتولى رفيقه بركة رئاسة الأعمال (المديريات) وما زالت الحال كذلك حتى خُلع الملك الصالح حاجي. فتمكن برقوق بمساعدة أحزابه أن يتسلق كرسي الملك في ١٩ رمضان سنة ٧٨٤ﻫ كما رأيت.

(٢) سلطنة الملك الظاهر برقوق (من سنة ٧٨٤–٨٠١ﻫ/١٣٨٢–١٣٩٨م)

فأقرَّ الخليفة المتوكل على الله تولية برقوق، وبايعه جميع القضاة والمشايخ والعلماء والأمراء، ولقبوه بالملك الظاهر، وهو لقب أعظم من حكم مصر من دولة المماليك الأولى نعني به ركن الدين بيبرس البندقداري، وأول شيء خالف فيه أسلافه أنه أبطل حمل القبة والطير على رأس السلطان عند توليه، وأبطل ما كان يعمل في يوم النيروز أول السنة القبطية، ومما كان يعمل في ذلك اليوم بالديار المصرية أنه كان يجتمع السواد الأعظم من الناس الأسافل فيقفون على أبواب الأكابر من أعيان الدولة، فيكتب أمير النيروز وصولًا بالجمل الثقال، وكل من امتنع عن الإعطاء من الأكابر سبوه سبًّا قبيحًا، ولا يزالون قائمين على بابه حتى يأخذوا منه ما يقرُّون عليه من الدراهم بحسب ما يقرره عليه أمير النيروز. فيأخذون منه ذلك غصبًا ويمضون، وكان ذلك السواد الأعظم العياق يقفون في الطرق ويتراشون بالماء المتنجس، ويتراجمون بالبيض النيئ في وجوههم، ويتصافعون بالأنطاع والأخفاف، ويقطعون الطريق حتى يمتنع الناس من الخروج إلى الأسواق، وتغلق في ذلك اليوم أيضًا أسواق القاهرة ودكاكينها، وكل من ظفروا به في الطرق سبوه.

وكان تيمور لنك القائد التتري الشهير إذ ذاك قد ملأ الأرض بافتتاحاته حتى سُمع دويُّها في سوريا؛ إذ جاء يهدد حدودها، فنهض إليه برقوق في جيش عظيم فأوقفه عند حده، لكنه لم يكد يتخلص منه حتى ظهر له عدوٌ في بيته، نعني به الخليفة المتوكل على الله، فإنه دعا إلى خلع برقوق، فالتف حوله دعاة عديدون، فاجتمع برقوق بالمشايخ والأئمة والعلماء، وأجمع معهم على خلع الخليفة فخلعه، وحبسه في القلعة سنة ٧٨٧ﻫ ونصب عمرًا أخا إبراهيم ولقبه بالواثق بالله.

ثم توفي الواثق في ١٩ شوال سنة ٧٨٨ﻫ فنصب أبا يحيى زكريا عمر بن الخليفة المستنصر بالله، وهذا لم يلبث طويلًا؛ لأنه أساء إلى السلطان برقوق فخلعه في جمادى الأولى سنة ٧٩١ﻫ وأعاد المتوكل على الله، لكنه ندم بعد ذلك لما رأى من سعيه في خلعه، فحاول تنزيله ثانية فلم يستطع؛ لأن المتوكل كان قد تواطأ مع أحد الأمراء المسمى منطاش على خلعه، ووافقهما سائر الأمراء ورجال الدولة فخلعوه بعد أن حكم ست سنوات وسبعة أشهر وبضعة أيام، وأرسلوه منفيًّا إلى قلعة الكرك منفى السلاطين في تلك الأيام، واستقدموا السلطان حاجي آخر سلاطين دولة المماليك البحرية وهو الذي خلعه برقوق. فبايعوه في ٦ جمادى الأخرى سنة ٧٩١ﻫ، وكان يلقب بالملك الصالح فأبدله بالملك المنصور، لكنه لم يهنأ بهذه التولية الثانية؛ لأن المتوكل ومنطاش بعد أن سعيا في توليته ندما فأنزلاه، وأعادا برقوق في ٤ صفر سنة ٧٩٢ﻫ فتعلم برقوق هذه المرة كيف يستبقي الملك في يده، فبادر حالًا إلى المنصور حاجي وأماته، وقتل كل من كان على دعوته منعًا لدسائسهم. ثم عمد إلى الخارجية فوطد الأمن في أنحائها، ولم يكن يثق بمقاصد أعوان الخلفاء فدخل في أحزابهم يتحد تارة مع هؤلاء، وطورًا مع هؤلاء؛ ليدوم الشقاق بينهم فلا يتفقوا على خلعه.

fig052
شكل ١٢-١: تيمور لنك القائد التتري.

وفي سنة ٧٩٤ﻫ أهداه قرا يوسف أمير فارس مدينة تبريز فبعث إليه برقوق خُلعةً، وفوَّض إليه أن يفتتح ما استطاع من المدن على أن يكون واليًا عليها. لكنه ما لبث أن جاء القاهرة في السنة التالية مع أحد محالفيه أحمد بن أويس فارين من وجه تيمور لنك، وكانا قد التجآ إلى منويل إمبراطور القسطنطينية فلم يؤمنهما؛ لأنه كان في ريب من أمره مع دولة أخرى قارب صبحها الانفجار، وهي الدولة العثمانية نسبة إلى عثمان الغازي أول سلاطينها، وجرى ذلك في عهد بيازيد بن مراد رابع سلاطين هذه الأسرة الظافرة، وكان قد غزا معظم إيالات المملكة الرومانية الشرقية (مملكة الروم) وأعظمها حتى هدد القسطنطينية، فجاءه التتر من ورائه بقيادة تيمور لنك فأوقفوه عن مقصده، وأصبحت قارة آسيا بين مناظرين عظيمين يتنازعانها، وكل منهما ذو بأس شديد، وهما: تيمور لنك التتري، وبيازيد التركي، فتلاطمت الزوبعتان فارتعدت لهما أفريقيا، واضطربت مصر من دويهما.

وطمحت أنظار هذين الفاتحين إلى مصر، فبعث كلٌّ منهما وفدًا إلى القاهرة فطلب وفد بيازيد إلى برقوق أن يعاهده على السلم، وإلى الخليفة المقيم في القاهرة أن يقر بيازيد رسميًّا على سلطنة الأناطول فأجابهم إلى ما طلبوه.

أما وفد تيمور لنك فاتخذوا خطة أخرى؛ لأنهم استعملوا الخشونة والفظاظة في أقوالهم ومطالبهم؛ فطلبوا إليه أن يسلم لهم قرا يوسف وأحمد بن أويس اللذين قد التجآ إليه. فطيب برقوق خاطرهم، وأخذهم بالملاينة، فازدادوا فجورًا فأمر بقتلهم. فشق ذلك على تيمور لنك فساق جيشه، وقدم للانتقام فمر بالرها فافتتحها وقتل من فيها، ثم جاء حلب فأنكى فيها. ثم توقف عن مسيره لغرض في نفسه؛ ليسهل عليه افتتاح مصر. فلم يغفل برقوق عن ذلك، فأكثر من الجند والسلاح وتأهب للدفاع أو الهجوم، لكنه لم يكد يتم هذه التأهبات حتى أدركته الوفاة بداء الصرع في يوم الجمعة ١٥ شوال سنة ٨٠١ﻫ وعمره ستون سنة، فأسف عليه الناس أسفًا شديدًا؛ لما كان من عدله، ويقظته، ورفقه برعيته.

(٢-١) أعماله

ومن أدلة ذلك أنه خفف ضرائب الحبوب، وأبطل الضرائب التي كانت تؤخذ على الأثمار والفواكه الواردة عن طريق بولاق، وكان كثير التصدق على الفقراء محبًّا للعلم والعلماء؛ فبنى مدرسة دعاها المدرسة الظاهرية نسبة إليه، وابتنى جامعًا لا يزال معروفًا باسم جامع السلطان برقوق بجانب جامع الملك الناصر في شارع النحاسين، وكان له ولع خاص في اقتناء الأسلحة والخيول الجياد، والاستكثار من المماليك الشراكسة؛ فنظم منهم فرقة يركن إليها عند الحاجة.

وقد رتب مراتب الدولة في أيامه على هذه الصورة:
  • (١)

    أتابك العساكر.

  • (٢)

    رأس نوبة الأمراء.

  • (٣)

    أمير السلاح.

  • (٤)

    أمير المجلس.

  • (٥)

    أمير الياخور.

  • (٦)

    دوادار.

  • (٧)

    رأس النوبة الثاني.

  • (٨)

    حاجب الحجاب.

  • (٩)

    النائب.

وكانت مقاليد الحل والعقد بيد هؤلاء التسعة فإذا أجمعوا على أمر أنفذوه، ولا مرد لقضائهم.

ومما أنشأه في أيامه من العمائر: جسر الشريعة بالغورية، وجدد بناء خزائن السلاح بثغر الإسكندرية، وجدد عمارة زريبة البرزخ بثغر دمياط بعد أن ظهر منها عظام الشهداء، وبنى سورًا على مدينة دمنهور، وعمَّر قناة العروب بالقدس، وجدد عمارة المجراة التي تجر الماء من بحر النيل إلى قلعة الجبل.

(٣) سلطنة فرج بن برقوق (أولًا) (من سنة ٨٠١–٨٠٨ﻫ/١٣٩٨–١٤٠٥م)

فلما توفي السلطان برقوق بايعوا بكر أبنائه فرج زين الدين الملقب بأبي السعادات، وسنه ست وعشرون سنة، ولقبوه بالملك الناصر، وفي أول حكمه ثار الأتابك أيتمش وتنم الفرساني حاكم سوريا، فتواطأ هذا الأخير مع يلبغا السالمي حاكم حلب فاستولى على مضايق فلسطين على نية الاستيلاء على سائر مدنها. إلا أن حدسه لم يتحقق فأخذت منه المضايق، وضويق عليه حتى قيد أسيرًا، وقتل هو وكل دعاته.

ولم تكد تنجو مصر من هذه النازلة حتى داهمتها نازلة أشد وطأة وأصعب مراسًا. فإن تيمور لنك بعد أن أتم حروبه في الهند وبغداد وسيواس وملاطية سنة ٨٠٣ﻫ أمعن في سوريا فاستولى على حلب وحمص بعد حروب شديدة، وفر فرج إلى مصر فجمع إليه رجاله، وتأهب للدفاع، فبلغه أن عدوه شُغل عنه بمحاربة بيازيد في الأناضول فسكن روعه، ثم جاءته الأنباء بفوز تيمور، وانكسار بيازيد وأسره سنة ٨٠٤ﻫ في وقعة أنقرة فخارت قواه، ويئس من الفرج. فبعث إليه تيمور لنك فيلًا هنديًّا، وطلب إليه أن يبايعه ويبعث إليه بأحمد وقرا يوسف حالًا. فلم يسع فرج إلا الإذعان لقضاء الله. فأجابه إلى طلبه صاغرًا وأهداه زرافة حبشية، وبايعه واعترف بسيادة التتر على مصر، وأنه قائم بأحكامها بالنيابة عنهم. أما أحمد وقرا يوسف فقال: إنهما احتميا به، وحقوق الضيافة تمنعه من تسليمهما فيكون هو الجاني عليهما، لكنه وعد أن يسجنهما عنده فاستقرت سيادة تيمور على مصر.

وفي سنة ٨٠٦ﻫ شرقت مصر بقصور النيل فدهي أهل الصعيد من ذلك بما لا يوصف حتى إنه مات في مدينة قوص وحدها ١٧ ألف إنسان، ومات في مدينة أسيوط ١١ ألفًا، ونحو ذلك في مدن أخرى، وفي ١٧ شعبان من السنة التالية أدرك تيمور القضاءُ المبرم في أوترار، وتخاصم أبناؤه على الملك، فتخلصت مصر من سلطة التتر، وذهب الحذر عن أحمد وقرا يوسف فأفرج عنهما فسارا إلى بلادهما.

ثم أخذ فرج بالتأهب لاسترجاع سوريا بنفسه، فلم يكد يتم الاستعداد حتى ضويق عليه في قصره؛ لأن المصريين لما رأوا إذعانه لتيمور، وتسليمه بسيادته حسبوا ذلك خيانة وضعفًا، وأيقنوا أنه لا يصلح لإدارة الأعمال فأقروا على خلعه، وتولية أخيه عز الدين عبد العزيز، وكان أعظم في عيونهم منه. فاجتمعوا تحت لوائه، وساروا لمحاصرة أخيه في قصره في ١٦ ربيع أول سنة ٨٠٨ﻫ ومازلوا يهددونه حتى تنازل حفظًا لحياته، وقد حكم ست سنوات وخمسة أشهر و١١ يومًا.

وكانت أيامه كثيرة الفتن والشرور؛ فقد طرق الشام فيها تيمور لنك — كما رأيت — فأخربها وأحرقها، وعمها بالقتل والنهب والأسر حتى فُقد منها جميع أنواع الخيرات، وتفرق أهلها في جميع أقطار الأرض، ثم دهمها بعد رحيله عنها جراد لم يترك بها خضراء؛ فاشتد بها الغلاء على من تراجع إليها من أهلها، وشنع موتهم، واستمرت بها مع ذلك الفتن، وقصر مد النيل بمصر حتى شرقت الأرض إلا قليلًا، وعظم الغلاء والفناء، فباع أهل الصعيد أولادهم من الجوع وصاروا أرقاء مملوكين، وشمل الخراب الشنيع عامة أرض مصر وبلاد الشام من مصب النيل عند الجنادل إلى حيث مجرى الفرات.

(٤) سلطنة عبد العزيز بن برقوق (من سنة ٨٠٨-٨٠٩ﻫ/١٤٠٥-١٤٠٥م)

ثم خرج من قصره واختفى في مكان غير معلوم، فظن الناس أنه قتل من الضوضاء والازدحام فبايعوا أخاه، ولقبوه بالملك المنصور، ولم يمض شهران على توليته حتى تحققوا خيبة ظنهم به فملوا من طاعته، ومالوا بكليتهم إلى سلفه فاتصل ذلك بفرج، فخرج من خبائه فتقدم إليه الناس ورجال الدولة أن يعود إلى منصبه، فعاد في جمادى الآخرة، ونفى أخاه عز الدين إلى الإسكندرية فعاش فيها أشهرًا قليلة، وتوفي في ٧ ربيع آخر سنة ٨٠٩ﻫ.

(٥) سلطنة فرج بن برقوق (ثانية) (من سنة ٨٠٩–٨١٥ﻫ/١٤٠٥–١٤١٢م)

فلما عاد فرج إلى منصبه وجه انتباهه خصوصًا إلى استرجاع ثقة الأهلين فيه فغزا دمشق وافتتحها، ثم فتح غيرها من مدن سوريا، واهتم براحة الرعية فخيم الأمن وسكنت القلوب. فإذا كانت سنة ٨١٣ﻫ ظهرت في القاهرة ثورة دينية ذهبت بحياته، وذلك أن أحد أمراء المماليك المدعو أبا نصر الملقب بالشيخ المحمودي الظاهري نسبةً إلى سيده الأمير محمود أحد أمراء الملك الظاهر برقوق، وكان الملك الظاهر قد أعتقه، ووعده بالمناصب الحربية، فطمحت أبصاره إلى السلطنة، فاستخدم لهذه الغاية الخليفة المستعين بالله، وكان قد ولي الخلافة بعد الخليفة المتوكل على الله منذ خمس سنوات، وكان الخلفاء العباسيون منذ استئصال شوكتهم من بغداد وانتقالهم إلى القاهرة لا يخرجون في اعتبار الأهالي عن حد السلطة الدينية، وكانوا يلقبونهم بالأئمة. فأسرَّ الشيخ المحمودي إلى المستعين أنه يقدر أن يعيد السلطة السياسية كما كانت لأسلافه، وقال له: «إن الناس ميالون إلى ذلك بكليتهم، وهم مستعدون لمبايعتكم، وتنفيذ أوامركم.» فتنبه في قلب الخليفة حب السيادة فوافق الشيخ المحمودي، وكان فرج إذ ذاك في دمشق فاتفقا على استقدامه فأنفذا إليه أولًا أن يتنازل عن الملك، فأجاب أن لا جواب عنده غير السيف، وأخذ في إعداد مهمات الحرب، ومثل ذلك فعل الخليفة والشيخ المحمودي، وتقدم الجيشان لكنهما لم يتلاحما حتى أصدر أمرًا بتوقيعه فجاء بما لا يجيء به السيف، ونصه: «من الإمام أبي الفضل المستعين بالله أمير المؤمنين إلى أهل مصر. اعلموا أننا قد خلعنا فرج بن برقوق عن سلطنة مصر والشام؛ لأن سيدهما الحقيقي إنما هو الخليفة خليفة الرسول فويل لمن خالفه.»

فلما دار ذلك بين الجيوش أعرضوا عن فرج، ولم يبق له نصير فحاول الفرار فلم ينجُ فقبض عليه، وقيد إلى الخليفة فانتحل له ذنبًا يستوجب عليه المحاكمة، وهو أنه قد اضطر لكثرة ما أنفقه في محاربة التتر أن يضرب ضرائب فوق العادة فرفعت عليه عرائض التشكي إلى مجلس الأئمة والفقهاء أنه اختلس الأموال، وخرب البلاد، وأنه تمرد على الخليفة ظل الله على الأرض، فاتخذ الخليفة ذلك ذريعة للحكم على فرج بالإعدام، فقتلوه في ٢٥ محرم سنة ٨١٥ﻫ خارج أسوار دمشق، وتركوا جثته ملقاة على دمنة هناك.

(٦) سلطنة الإمام المستعين بالله (من سنة ٨١٥-٨١٥ﻫ/١٤١٢-١٤١٢م)

فاجتمعت السلطتان الروحية والسياسية للمستعين بالله فبايعه الأمراء وقواد الجند، ولقبوه بالملك العادل فاستلم مقاليد الأحكام، وجعل الشيخ المحمودي أتابك العساكر ومدبر المملكة، وأخذ في إصلاح الأحوال، ووجه انتباهه إلى ما يكتسب قلوب الرعية، فأعاد الأمن إلى البلاد بمقاصة المعتدين، وأظهر لياقته لما عهد إليه فشرع في تنظيم الأحكام، وإنصاف المظلومين، وبذل العطاء فأحبه الناس.

أما الشيخ المحمودي فإنه قام بهذه الثورة خدمة لأغراضه، وليس للخليفة فرأى أنه أصبح آلة بيده فأضمر له شرًّا، ونوى على خلعه، لكنه استخدم الحزم والتأني واغتنام الفرص خوفًا من الوقوع في شر أعماله، فعمل على توطيد العلاقات الودية بينه وبين أمراء المماليك، والتقرب منهم، وإقناعهم تحت طي البساطة والإخلاص أن في هذا الخليفة شيئًا من ضعف الرأي والخمول فضلًا عن كونه غريبًا عنهم. فاستمال قلوبهم، واشتد أزره بهم، فأخذ يشكو من منصبه فولاه الخليفة نيابة الملك في ٨ ربيع أول من تلك السنة، فصار أقدر على تنفيذ مآربه، وما زال ساعيًا إلى مطمح أنظاره حتى كثرت أحزابه، وأصبحت أزمة البلاد في يده، فأجبر الخليفة على مشاركته في السلطة فأجاب، ولقبه بالملك المؤيد، ثم خطا خطوة أخرى فخلع الخليفة، وحبسه في بعض غرف القصر.

(٧) سلطنة الشيخ المحمودي (من سنة ٨١٥–٨٢٤ﻫ/١٤١٢–١٤٢١م)

فلم يستطع المستعين بالله مقاومةً، لكنه كتب سرًّا إلى نوروز أحد أصدقائه القدماء، وكان قد ولاه سوريا يستنجده، فقدم نوروز مسرعًا إلى القاهرة في جيش، فرأى أنه يقصر عن مناوأة المحمودي فأوعز إلى الخليفة أن يستخدم الوسائط الدينية كما فعل المرة الماضية، وكان الشيخ المحمودي في دمشق، فأصدر منشورًا بخلعه، فاغتنم المشايخ والأمراء فرصة غيابه وجاهروا بخلعه، وبلغ ذلك الشيخ المحمودي فأسرع إلى القاهرة فخافه المشايخ والعلماء وأنكروا خلعه، وقالوا: إن الخليفة أولى بذلك الخلع، وألحوا على معاقبته؛ لأنه تمرد على سلطانهم فخلعوه من السلطنة والخلافة وسجنوه، ثم نفوه إلى الإسكندرية سنة ٨١٨ﻫ وأقاموا أخاه داود خليفة مكانه، ولقبوه بالإمام المعتضد بالله.

فعاد الشيخ المحمودي إلى كرسي السلطنة، وأخذ يسعى في اكتساب ثقة الأهلين، فاتبع خطة الخليفة المستعين فأنصف ورفق فأمنت الرعية وسعدت البلد، وما زالت الحال كذلك ثماني سنوات وخمسة أشهر، وفي ٩ محرم سنة ٨٢٤ﻫ توفي السلطان الشيخ المحمودي، وكان محبًّا للعلماء يكرم مثواهم، وله بنايات جميلة من جملتها الجامع المسمى جامع المؤيد بالقرب من باب زويلة، وقد جُدد بناؤه، وهو كثير النقوش، ولم يبق من البناء القديم إلا إيوان القبلة، وبعد وفاته عادت الأمور إلى مجراها الأول من القلاقل، فتولى السلطنة بعده ثلاثة سلاطين لم يحكموا إلا مدة قصيرة.

(٨) سلطنة أحمد بن المحمودي ثم سيف الدين ططر ثم محمد بن ططر (من سنة ٨٢٤-٨٢٥ﻫ/١٤٢١-١٤٢٢م)

أولهم: ولده شهاب الدين أحمد الملقب بالملك المظفر، وفي شوال من تلك السنة تخلى عن الملك لوصيه وحميه سيف الدين ططر الملقب بالملك الظاهر، وهذا توفي في ذي الحجة من السنة المذكورة، فبويع ابنه ناصر الدين محمد، ولُقب بالملك الصالح، وبعد أربعة أشهر خلعه وصيه سيف الدين برس باي فقضى باقي حياته في الشقاء.

(٩) سلطنة الملك الأشرف برس باي (من سنة ٨٢٥–٨٤١ﻫ/١٤٢٢–١٤٣٧م)

وبعد خلعه اختلف الأمراء في من يخلفه فتنحى برس باي حتى أهلك الأحزاب بعضها بعضًا، فالتقم السلطنة غنيمة باردة. فبويع في ٨ ربيع آخر سنة ٨٢٥ﻫ ولقب بالملك الأشرف، وقد كان برس باي مملوكًا أحبه سيده الملك الظاهر ططر فأعتقه، ورقاه حتى جعله وصيًّا على ابنه، وفي أول حكمه فاض النيل حتى غمر الأرض بالخيرات فكثرت الحبوب وشبع الفقراء، وكان برس باي كالشيخ المحمودي حكمة ورفقًا، وقد رمم عدة مدن، وشاد في القاهرة عدة بنايات منها الجامع المعروف بجامع الأشرفية تجاه سوق العطارين ابتدأ في بنائه سنة ٨٢٦ﻫ.

وقد تمكن برس باي لحسن سياسته وحزمه من استبقاء السلطة بيده مدة طويلة، والبلاد في سكينة إلا في سنة ٨٢٧ﻫ إذ ثار الأمير بنيق النجاشي نائبه في دمشق. غير أن تلك الثورة ما لبثت أن ظهرت حتى اضمحلت، وعوقب الثائرون بمساعدة أمير زنجي يقال له: عبد الرحمن، فولاه برس باي على سوريا بدلًا من النجاشي، وكانت هذه الثورة أول القلاقل وآخرها في أيامه.

أما محارباته مع الدول الأخرى فجديرة بالاعتبار؛ لأنه جرد على الإفرنج عدة تجريدات، وتغلب عليهم فأخضع جزيرة قبرص، وحمل الملك جان لوسينيان الثالث على الاعتراف بسلطانه وأداء الجزية، وعقد مع ملوك الصليبيين وسلطان آل عثمان إذ ذاك مراد بن محمد معاهدات سلمية تدل على عظيم شوكته. فكانت مصر في أيامه سعيدة داخلًا وخارجًا، وقال بعض المؤرخين: إن الملك الأشرف برس باي أجدر الملوك الشراكسة بالمدح؛ لأنه كان أعلاهم همة، وأشدهم عزيمة، وأكثرهم تدرُّبًا في الأحكام، ومما يمتدح عليه أنه أبدل جميع التذللات التي كانت تقدم للملوك قبله بتقبيل اليد فقط.

لكنه أصيب في أواخر أيامه بمرض في عقله كما أصيب الحاكم بأمر الله فأصدر أوامر غريبة، منها: أنه أمر بنفي الكلاب إلى بر الجيزة. فصار كل من أمسك كلبًا يأخذ نصف فضة من صيرفي باب السلسلة، فأمسك العياق من الكلاب نحو ألف كلب فنفوها إلى بر الجيزة. ثم إنه أمر بأن لا تخرج امرأة من بيتها إلا بإذن من الحكومة، فكانت الغاسلة إذا أرادت التوجه إلى ميتة تأخذ ورقة من المحتسب تجعلها في رأسها وتمشي في السوق. ثم إنه نادى في القاهرة بأن لا يلبس الفلاحون زمطًا مطلقًا فامتثل الناس أمره. ثم إنه رسم بتوسيط الحكماء فوسط الرئيس خضر، ووسط الرئيس شمس الدين بن العفيف، واستمر على أمثال ذلك إلى أن مات بعد أن حكم ١٧ سنة و٨ أشهر و٦ أيام. قضى يوم السبت ١٣ ذي الحجة سنة ٨٤١ﻫ وعمره ستون سنة.

(١٠) سلطنة يوسف بن برس باي (من سنة ٨٤١-٨٤٢ﻫ/١٤٣٧-١٤٣٨م)

فبويع ابنه جمال الدين يوسف الملقب بأبي المحاسن، ولقب بالملك العزيز، وبعد ثلاثة أشهر من مبايعته تخاصم مماليكه وسيف الدين جقمق أتابك جيشه خصامًا انتهى بعزله، ومبايعة جقمق في ١٩ ربيع أول سنة ٨٤٢ﻫ.

(١١) سلطنة الملك الظاهر جقمق (من سنة ٨٤٢–٨٥٧ﻫ/١٤٣٨–١٤٥٣م)

وكان سن جقمق إذ ذاك ٦٩ سنة، ولقب بالملك الظاهر، وبعد سنتين من حكمه أصيبت مصر بطاعون تفشى في أنحائها، وفي سنة ٨٤٦ﻫ توفي الإمام المعتضد بالله، وكان بارًّا نقيًّا، وأوصى بالخلافة بعده لأخيه بالرحم فبايعوه، ولقبوه بالمستكفي بالله، وكان صديقًا للسلطان جقمق، وبعد ثماني سنوات من خلافته توفي سنة ٨٥٤ﻫ وكان كأخيه تقيًّا وبرًّا حتى تخاصم الأعيان والكبراء في المسابقة إلى حمل نعشه وقت الجنازة حتى السلطان جقمق فإنه حمل به على منكبيه.

فبويع أخوه، ولقب بالقائم بأمر الله، وكان سير هذا الخليفة مغايرًا لسير أسلافه فأبغضه السلطان، وخاف دسائسه، وكان قد تجاوز الثمانين من سنه، ولم تبق فيه عزيمة على مقاومة الدسائس، فتنازل عن السلطة لابنه فخر الدين عثمان، وتوفي في ٢٩ صفر سنة ٨٥٧ﻫ وهي السنة التي فتح فيها السلطان محمد الثاني القسطنطينية.

(١٢) سلطنة عثمان بن جقمق (من سنة ٨٥٧-٨٥٧ﻫ/١٤٥٣-١٤٥٣م)

وبويع فخر الدين عثمان، ولُقب بالملك المنصور. أما الخليفة فلم ينفك عن دسائسه طمعًا بالسلطة؛ فدعا إليه زمرة من الأمراء، وحملهم على نبذ طاعة الخليفة على أمل أن ينال بذلك ما ناله المستعين بالله فانتشبت الثورة، وخلع الملكَ المنصورَ عثمان في غرة شهر ربيع آخر من تلك السنة بعد أن حكم شهرًا ويومًا. أما الخليفة فخاب انتظاره، وحبطت مساعيه فغادرته الأحزاب، وبايعوا مملوكًا مسنًّا اسمه أبو النصر إينال، ولقبوه بالملك الأشرف.

(١٣) سلطنة الملك الأشرف إينال (من سنة ٨٥٧–٨٦٥ﻫ/١٤٥٣–١٤٦٠م)

فقال الخليفة في نفسه: إن هذا السلطان شيخ فلننتظر وفاته، إنه لا يلبث أن يصيب حتفه. فانتظر ست سنوات فلم يمت فعمد إلى الدسيسة فاتصل ذلك بالوزير بلجيوني فأعلم السلطان بأمره فاستحضر الخليفة وقرَّعه، ثم أمر بخلعه عن الخلافة. فقال الخليفة: «من أين لك أن تخلع الخلفاء ولهم وحدهم أن يولوا ويعزلوا؟» فلم يجبه إلا بالنفي إلى الإسكندرية فبقي فيها مدة ثم مات. فبايعوا يوسف أخا المعتضد بالله، ولقبوه بالمستنجد بالله، وكان حكيمًا معتدلًا، وعاش السلطان إينال بعد ذلك سنتين ولَّى وعزل في أثنائهما كثيرًا من الوزراء، ثم توفي يوم الخميس ١٥ جمادى الأولى سنة ٨٦٥ﻫ بعد أن حكم ٨ سنوات وشهرين وستة عشر يومًا.

(١٤) سلطنة أحمد بن إينال (من سنة ٨٦٥-٨٦٥ﻫ/١٤٦٠-١٤٦١م)

فتولى بعده ابنه شهاب الدين أحمد الملقب بأبي الفتح، وكان قد تعاطى الأحكام في آخر أيام أبيه.

وترى في شكل ١٢-٢ صورة نقود مضروبة في عهد شهاب الدين أحمد يوم كان يتعاطى الأحكام في حياة أبيه، فلما بويع لقب بالملك المؤيد، ولكنه لم يحكم إلا أربعة أشهر، فعزل في ١٨ رمضان من تلك السنة، وبويع سيف الدين خوش قدم، ولُقب بالملك الظاهر.
fig45
شكل ١٢-٢: نقود أبي الفتح والأشرف.

(١٥) سلطنة الظاهر خوش قدم (من سنة ٨٦٥–٨٧٢ﻫ/١٤٦١–١٤٦٧م)

ويعرف خوش قدم هذا بالرومي؛ لأنه كان يوناني الأصل، وبالناصري؛ لأنه كان من مماليك الملك الناصر، وكان محبًّا للآداب اليونانية محافظًا عليها، وكان حكيمًا بارًّا حليمًا محبًّا لرعيته ساهرًا على راحتهم، ولم يكن يستوزر إلا الذين اختبر نزاهتهم ونشاطهم، فأحبته الرعية، وأجمعوا على طاعته، والإخلاص له، ويقال بالجملة: إن هذا السلطان من أفضل سلاطين مصر، وقد اقتدى به رجال دولته. أما الخليفة فلم يكن يتجاوز سلطته الدينية، فحكم خوش قدم ست سنوات ونصف كلها سلام ونعيم، وتوفي في ١٠ ربيع أول سنة ٨٧٢ﻫ وسنه ستون سنة فأسف عليه الناس كثيرًا.

وكان حسن الشكل معتدل القامة مترك الوجه أحمر اللون مستدير اللحية ضخم الجسم شائب اللحية فصيح اللسان بالعربية، وكان ماشيًا على النظام القديم تابعًا لطريقة الملوك السالفين في إقامة المواكب في القصر الكبير والمبيت به في كل ليلة، وكان سائرًا على خطة أستاذه الملك المؤيد شيخ في كسر السد بنفسه، ولبس الصوف في المطعم، وكان كثير الرمايات في كل سنة، ويشق في القاهرة المواكب الجليلة، وكان يطيف المحمل في كل سنة في رجب، وتسوق الرماحة على جاري العادة أربعين يومًا، ثم يلبسون الأحمر، وتُزين القاهرة ثلاثة أيام، ويخرج الناس في ذلك عن الحد بالقصف والخلاعة، وكانت أيامه كلها لهوًا، ولم يجئ في أيامه الطاعون بمصر، ولا جرد تجريدة إلى البلاد الشامية، وكان متأنفًا في ملبسه فصنع ركبًا ومهاميز من ذهب، وكان يلبس السمور الأسود بلون الحبر، وكان يلبس القباء الصوف الفاخر، ويبطنه بالمخمل الأحمر الكفوي.

(١٦) سلطنة الملك الظاهر بلباي ثم الظاهر تمر بغا (من ٨٧٢-٨٧٢ﻫ/١٤٦٧-١٤٦٧م)

فبايعوا أبا سعيد بلباي، ولقبوه بالملك الظاهر، فكان سميًّا لسابقه بالاسم لا بالفعل، فجاء من السيئات أكثر مما جاء من الحسنات؛ لأنه كان مستبدًّا عاتيًا لا يغادر كبيرًا ولا صغيرًا، فكرهته الناس، ولم يمض ٦٦ يومًا من توليته حتى خلعوه، وذلك في ١٧ جمادى الأولى من تلك السنة.

وبايعوا الأمير أبا سعيد تمر بغا الملقب بالظاهري، ولقبوه بالملك الظاهر أيضًا، فكان حظه من الملك كحظ سلفه؛ لأنه خُلع بعد شهرين من توليته، وبايعوا الأمير قايت باي الملقب بالمحمودي وبالظاهري، ولقبوه بالملك الأشرف.

(١٧) سلطنة الملك الأشرف قايت باي (من سنة ٨٧٢–٩٠١ﻫ/١٤٦٧–١٤٩٥م)

فتوالى على مصر في سنة ٨٧٢ﻫ أربعة سلاطين. أما السلطان الأخير فمكث على سرير السلطنة مدة طويلة رغم ما كانت عليه البلاد من الاضطراب، وكان قايت باي مملوكًا محررًا من مماليك جقمق، وكان لعلو همته وحسن سياسته قابضًا على أزمة الأحزاب، فكانت البلاد آمنة مطمئنة، إلا أنها اضطربت بخبر انتصار محمد الثاني العثماني على أوزون حسن ملك الفرس، وكان بين الفرس والمصريين تحالف؛ فتنبأ قايت باي أن ذلك التحالف سيكون سببًا لعزم العثمانيين على فتح سوريا. فأرسل حامية كبيرة إلى الحدود، فأجل العثمانيون عزمهم؛ لاشتغالهم بحروبهم في أوروبا.

أما قايت باي فخاف سوء العقبى، ولم ير سبيلًا لرفع التبعة عنه إلا بالتنازل عن الملك، فأدرك الأمراء شدة احتياجهم إليه في مثل تلك الأحوال فأجبروه على قبول السلطنة، ولم يكد يعلوها حتى جاءته الأنباء بانتصار محمد الثاني على الإفرنج، وعزمه على فتح سوريا، وذلك سنة ٨٨٥ﻫ، لكنه لم يخرج من بر الأناضول حتى داهمته المنية في مدينة طيقور جابر، وتخاصم ابناه بيازيد وجم (أوزيزم) على الملك فشغلا عن الفتح فاغتنم قايت باي تلك الفرصة، وانسحب بجيشه إلى مصر.

وما زال الخصام يتعاظم بين ابني محمد حتى كانت بينهما واقعة يكي شهر فانهزم جم حتى أتى مصر فالتجأ إلى قايت باي فأكرم وفادته، ثم علم أن ذلك الإكرام يهيج حاسة الانتقام في بيازيد. فقال في نفسه: «إذا كان لا بد لنا من محاربة العثمانيين فلنكن مهاجمين أولى من أن نكون من مدافعين.» فجعل يناوئ الأتراك، ويقطع السبل على قوافلهم الناقلة الحجاج إلى الحرمين حتى قبض على وفد هندي مرسل في مهمة سياسية إلى بيازيد، واستولى على أدنة وترسوس، وكانتا في حوزة العثمانيين.

أما بيازيد فكان واقفًا بالمرصاد ينتحل حجة لمهاجمة المصريين، فجاءت تلك الإجراءات طينة على عجينة، إلا أنه رأى أن يأتيهم من باب الحزم، فأنفذ إليهم رسلًا في طلب التعويض عما سببوه من الخسائر والأضرار. فأرجع قايت باي الرسل، وبعث يهاجم الجيوش العثمانية فقاومته أشد مقاومة، وأرجعت جيشه إلى ملاطية، فأنجدهم قايت باي بخمسة آلاف رجل، فعادوا إلى العثمانيين وهم في مضايق الجبال فهجموا عليهم بغتةً، وذبحوا منهم عددًا كبيرًا، وفر الباقون وتحصنوا في ترسوس وأدنة. فاتصل ذلك بقايت باي فأرسل الأمير الأزبكي في نجدة لإخراج العثمانيين من تينك المدينتين، فسار وحارب وفاز.

فشق ذلك على بيازيد، وآلى على نفسه إلا أن يسترجع ترسوس وأدنة؛ فأنفذ جيشًا كبيرًا تحت قيادة صهره أحمد وهو ابن أمير البوسنة — ولد في ألبانيا، ثم أسلم، وأخذ يرتقي في أعمال الدولة حسب استحقاقه حتى تمكن مع صغر سنه، وكونه غير مولود في الإسلام من قيادة هذه الحملة لمحاربة الجيوش المصرية — فلما وصل إلى معسكر الأزبكي اقتتل الجيشان فهجم أحمد هجمة قوية، لكن رجاله لم يستطيعوا الثبات ففازت الجيوش المصرية، وأُسر أحمد بعد أن جاهد جهادًا حسنًا، فعاد الأزبكي بأسيره إلى مصر ظافرًا فبنى جامعه المشهور المعروف بجامع الأزبكية، وكانت في أيامه بركة يتجمع إليها الماء في أيام الفيضان، وستأتي كيفية تحويلها إلى ما هي عليه الآن.

فلما بلغ بيازيد ما كان من انكسار جيوشه استشاط غضبًا، وجند جندًا كبيرًا جعله تحت قيادة علي باشا؛ لمحاربة المصريين، فسارت تلك الحملة من الأستانة فعبرت البوسفور في ٣ ربيع آخر سنة ٨٩٣ﻫ ونزلت في قرمان. فاتصل خبرها بقايت باي فأوجس خيفة فعمد إلى المصالحة؛ فأنفذ إلى بيازيد صهره أحمد واسطة لعقد شروط المصالحة. فرفض بيازيد ذلك رفضًا كليًّا، وسار حتى التقى بالمصريين في أدنة وترسوس فحاربهم وفاز عليهم، واسترجع المدينتين الواحدة بعد الأخرى بعد أن أهرق دماءً غزيرة. ثم سار إلى أرمينيا وأخضعها، وحاصر عاصمتها فافتتحها بعد أن دافعت دفاعًا قويًّا، وأسر حاكمها، وأرسله بعد ذلك إلى مصر بدلًا من الأمير أحمد.

فبعث قايت باي الأزبكي ثانية لدفع العثمانيين فواقعهم في ترسوس فغلبوه أولًا، ثم عاد إليهم وفاز بهم وأعادهم القهقرى، وعاد إلى القاهرة ظافرًا فخلع عليه قايت باي. ثم رأى أن يغتنم كونه ظافرًا لمصالحة العثمانيين؛ فبعث إلى بيازيد في ذلك فأجابه مهددًا، وطلب إليه أن يتنازل له عن ترسوس وأدنة، وأنه إذا لم يفعل يدعو الناس إلى الجهاد، فيجتمع تحت لوائه كل من يدعو لآل عثمان فيجيء مصر ويفتحها فتحًا مبينًا. فخاف قايت باي، وتنازل عن المدينتين اكتفاء بأهون الشرين، وكان ذلك سنة ٨٩٦ﻫ.

وعاش قايت باي بعد مصالحة الدولة العثمانية خمس سنوات، وتوفي في ٢٢ ذي القعدة سنة ٩٠١ﻫ بعد أن حكم ٢٩ سنة وأربعة أشهر وعشرين يومًا فبكاه الناس، ومن آثاره: جامعه المعروف باسمه إلى هذا العهد في القرافة خارج القاهرة، وفيه مقام قايت باي، وهو مثال لما بقي من مدافن المماليك في تلك الجهة، وبنى قايت باي جامعًا في جزيرة الروضة لا يزال يشاهد هناك إلى هذا اليوم.

(١٨) سلطة محمد بن قايت باي ثم قنسو خمسمائة ثم قنسو أبي سعيد ثم قنسو جانبلاط ثم الملك العادل طومان باي (من سنة ٩٠١–٩٠٦ﻫ/١٤٩٥–١٥٠١م)

وتولى بعد قايت باي ابنه أبو السعادة محمد، ولقب بالملك الناصر، ولم يجلس على سلطنة مصر رجل أقل لياقة لها منه، فإنه كان أحمق جبيصًا وحشيًّا لا ديدن له إلا الانغماس في الملذات الحيوانية، ولو كلفه ذلك ارتكاب شر الآثام، وقد زادت قحته حتى سلخ جلد أحد مماليكه حيًّا، فثار عليه المماليك وخلعوه بعد أن حكم ستة أشهر.

وبايعوا الأمير قنسو الملقب بخمسمائة؛ لأنه ابتيع بالأصل بخمسمائة دينار، ولقبوه بالملك الأشرف، وبعد خمسة أشهر تنازل عن الملك عجزًا، فأعادوا الملك الناصر محمد ثانية لكنه لم يبق إلا ١٨ شهرًا ونصف فذبحه المماليك في ١٦ ربيع أول سنة ٩٠٤ﻫ.

وبايعوا عم قنسو واسمه قنسو الثاني، الملقب بأبي سعيد، ولقبوه بالملك الظاهر، ولم يقبل هذا المنصب الخطر إلا بالرغم عنه، وبعد عشرين شهرًا وبضعة أيام عزلوه، وبايعوا قنسو الثالث جانبلاط ولقبوه بالملك الأشرف، ولم يحكم إلا سبعة أشهر، ثم خلع في ١٨ جمادى الآخر سنة ٩٠٦ﻫ.

فأقام أمراء دمشق الأمير سيف الدين طومان باي، وكان من مماليك قايت باي، ولقبوه بالملك العادل. فوافقهم أمراء القاهرة على ذلك، وبعد ثلاثة أشهر أضمر له المماليك مكيدة يقتلونه بها، فعلم هو بذلك ففر طلبًا للنجاة، فأوى إلى مكان ظنه ملجأ حصينًا مكث فيه أربعين يومًا، ثم اكتشف عليه المماليك، وقتلوه في ذي القعدة سنة ٩٠٦ﻫ.

ثم اجتمع المماليك والأعيان وأرباب الدولة، وتداولوا فيمن يجب أن يختاروا؛ ليحكم فيهم من أهل اللياقة، فأقروا على الأمير قنسو الرابع الملقب بالغوري، وكان هو أيضًا من مماليك قايت باي، وكان رجلًا تقيًّا مخلصًا محترمًا عفيفًا غير عالم بما كان يتخاصم عليه الأمراء، وما كانوا يدسونه من الدسائس. فلما بلغه أمر مبايعته انذهل ورفض قائلًا للذين انتخبوه: «لا أخالف لكم أمرًا، إنما أراني غير لائق بهذا المنصب؛ لأني لم أعتد معاناة الأحكام، والأمر والنهي.» فأجابوه أن صدق نيته، وإخلاصه، وثقة الناس فيه كافية لاستحقاقه هذا المنصب. فلم ير بدًّا من القبول لكنه قال لهم: «أكون في غاية السرور إذا جئتموني يومًا تنبئونني بالإقالة من هذا المنصب، فأرجع إلى ما اعتدته من معيشة السكينة.» فولوه في غرة شوال من تلك السنة، ولقبوه بالملك الأشرف أيضًا.

(١٩) سلطنة قنسو الغوري (من سنة ٩٠٦–٩٢٢ﻫ/١٥٠١–١٥١٦م)

فاستلم الغوري مقاليد الأحكام، وأخلص في الحكم؛ فاطمأنت البلاد، وسكن حالها فأخذ في إصلاح شأنها؛ فابتنى في القاهرة جامعًا، ومدرسة ينسبان إليه، وهما: مدرسة الغورية، وجامع الغورية في أول شارع الغورية في السكة الجديدة كل منهما إلى جانب من الطريق. فإلى الشرق البناية التي كانت فيها المدرسة، ويليها إلى الجنوب مدفن فيه مقام بعض أهله، وإلى الغرب الجامع، ويظهر للناظر عندما يشرف عليه أنه هائل، وهو مبني على مثال جامع قايت باي، وعلى القبلة كتابة كوفية، وقد رمم بمساعي جمعية حفظ الآثار، وإلى الشمال سبيل جميل. ثم كانت الحوادث السياسية فتوقف الغوري عن إتمام ما كان يقصده من البناء والتحسين، فإن البرتغاليين لما استولوا على بعض بلاد الهند أثقلوا على العلاقات التجارية بينها وبين مصر؛ فجهز قنسو الغوري إلى محاربتهم حملةً عظيمةً ذهبت غنيمة باردة لجيوش الإفرنج في البحر الأحمر.

وفي سنة ٩١٨ﻫ جاء كركود أخو السلطان سليم بن بيازيد «سليم الأول» إلى مصر ملتجئًا إليها بعد أن تخاصم مع أخيه على الملك كما حصل بجم وبيازيد المتقدم ذكرهما، فرحب به قنسو الغوري ترحابًا عظيمًا، وجهزه بعشرين بارجة بحرية؛ لافتتاح القسطنطينية، فذهبت هذه العمارة غنيمة لمراكب أورشليم في البحر المتوسط، ولم تكن النتيجة إلا إثارة غضب السلطان سليم على مصر فجهز إليها، وابتدأ بافتتاح الحدود السورية، وأرسل إلى مصر رسائل التهديد. فاتحد الغوري مع ملك الفرس إسماعيل شاه على قهر العثمانيين، وكان الفرس في حربٍ معهم إلا أن الجيوش العثمانية لم تبال بكثرة العدد؛ فشتتت الجيشين وأي تشتيت.

فعمد قنسو الغوري إلى مخابرة العثمانيين بأمر الصلح على أي وجه كان، وبعث إلى السلطان سليم بذلك، فسارت الرسل حتى أتوا السلطان سليم فخروا ساجدين، وخاطبوه بأمر الصلح، فقال لهم وقد استشاط غيظًا: «لقد فات الأوان، انهضوا وارجعوا إلى سلطانكم، وقولوا له: إن الرجل لا تعثر بحجر واحد مرتين، وها أنا ذاهب إلى القاهرة فليستعد للدفاع إن كان له أهلًا.»

فعادوا وأخبروا بما كان، فجمع إليه رجاله، وسار لملاقاة الجيوش العثمانية فالتقى بها في مرج دابق قرب حلب فانتشبت الحرب هناك، وأظهر الغوري بسالة وإقدامًا عظيمين حتى أوشكت رجاله أن تستظهر فمنعتها مدافع العثمانيين من ذلك، ولم يكن سلاح المصريين إلا الرماح والحراب والسيوف؛ فتشوش نظامهم، ووقع الرعب في قلوبهم، وانحاز قائد جناحيهم إلى العثمانيين، وكان الغوري قائدًا لقلب الجيش فاضطر إلى الفرار، فحول شكيمة جواده فسقط عنه لشدة الازدحام، وذهب قتيلًا تحت أرجل الخيل في ٢٥ رجب سنة ٩٢٢ﻫ بعد أن حكم ١٥ سنة وتسعة أشهر و٢٥ يومًا.

(٢٠) سلطنة الملك الأشرف طومان باي (من سنة ٩٢٢-٩٢٣ﻫ/١٥١٦-١٥١٧م)

وكان السلطان قنسو الغوري قبل خروجه من القاهرة هذه المرة قد استخلف عليها ابن أخيه طومان باي (الثاني) فلما اتصل خبر تلك الموقعة بالأمراء بايعوا طومان باي، ولقبوه بالملك الأشرف، وكان حازمًا باسلًا. فلما وصلت بقية الجيوش المنهزمة إلى القاهرة أمر بإعداد حملة أخرى لمحاربة العثمانيين، وكان العثمانيون في سوريا قد توقفوا للاستراحة، فظن طومان باي أن الرمال المتراكمة بين سوريا ومصر تحول بين العثمانيين وما يريدون. إلا أن الأمر لم يكن كما ظن؛ لأنه لم يكد يتم إعداده حتى أتاه كتاب السلطان سليم إلى القاهرة، ونصه:

من السلطان سليم خان بن السلطان بيازيد خان، سلطان البرين وخاقان البحرين السلطان … إلخ. إلى طومان باي الشركسي: الحمد لله، أما بعد، فقد تمت إرادتنا الشاهانية، وباد إسماعيل شاه الهرطوقي. أما قنسو الكافر الذي حملته القحة على مناوأة الحجاج فقد نال جزاءه منا، ولم يبق لدينا إلا أن نتخلص منك، فإنك جارٌ معادٍ، والله — سبحانه وتعالى — يساعدنا على معاقبتك، فإذا أردت اكتساب رحمتنا الملوكانية اخطُب لنا، واضرب النقود باسمنا، وتعالَ إلى أعتابنا، واقسم على طاعتنا، والإخلاص لنا وإلا …

fig053
شكل ١٢-٣

فلما قرأ طومان باي الكتاب، وما في ذيله من التهديد المستتر استشاط غيظًا، وأصر على المقاتلة، وكان عالمًا بعجزه، لكنه فضل الموت في ساحة الحرب على التسليم. فزاد في حصون دمياط وغيرها من الحدود السورية، وجمع كل ما أمكنه جمعه من الرجال، وسار حتى أتى الصالحية فعسكر هناك. أما السلطان سليم فسار من مرج دابق، وافتتح غزة والعريش والقطيعة، ثم علم بمقر الجيوش المصرية في الصالحية، وما هم فيه من العزم على المدافعة؛ لشدة اليأس فعرج بجيشه تاركًا الصالحية عن يمينه، وسار حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة.

فلما بلغ طومان باي تقدم العثمانيين إلى هذا القدر عاد بجيشه لمهاجمتهم من الوراء، فالتقى الجيشان في سهل قرب بركة الحج يوم الجمعة في ٢٩ ذي الحجة سنة ٩٢٢ﻫ واقتتلا طويلًا، والمصريون يحاربون ببسالة شديدة، لكنهم لم يكونوا يعرفون البارود، ولا المدافع — كما قدمنا — فكانت الغلبة للعثمانيين، ففر المصريون إلى القاهرة، وعسكر العثمانيون في الروضة.

فجمع إليه طومان باي عددًا كبيرًا من العربان بعد أن أرضاهم بالمال، وهجم على معسكر السلطان سليم هجمة اليأس، فلم ينل هذه المرة غير ما نال في المرات الماضية، فعاد إلى القاهرة على نية الحصار، فزاد في حصونها واستحكاماتها، وحصن القلعة تحصنيًا عظيمًا، وأقام في كل شارع وفي كل بيت طابية للدفاع، وحمل السلاح كل من يستطيع حمله للمدافعة عن الوطن، ولكن رغم كل هذه الإعدادات، وما عما أظهره طومان باي من البسالة والإقدام، وما سعى إليه أمراؤه لم تنج القاهرة من يد العثمانيين فإنهم دخلوها عنوة، وأمعنوا فيها قتلًا ونهبًا وحرقًا، واستلموا القلعة.

أما طومان باي فتمكن من الفرار على معدية قطع بها إلى الجيزة، ثم سار منها قاصدًا الإسكندرية، فقبض عليه بعض العربان الرحل، وباعوه للعثمانيين. فاستحضره السلطان سليم مغلولًا، ونظر إليه فإذا هو في حالة الكدر، وقد علا وجهه القنوط لما حل ببلاده من الذل والدمار، فتحركت عواطف السلطان سليم؛ فأمر بأن تحل قيوده، وأن يُؤذن له بالحضور في مؤتمرات كان يعقدها السلطان سليم؛ لأجل المداولة في أمر البلاد، فكان يسأله مسائل كثيرة تتعلق بمحصولات البلاد، وخراجها، وإدارتها، وبقي الحال كذلك نحو عشرة أيام، وفي اليوم العاشر رأى السلطان سليم أنه لم يعد في احتياج إلى مشورة طومان باي فأمر بشنقه في ١٩ ربيع أول سنة ٩٢٣ﻫ، فعلقوه تحت رواق باب زويلة بكلّاب من حديد كان باقيًا هناك إلى عهد قريب.

وبقتل طومان باي انتهت دولة المماليك الشراكسة أو البرجية بعد أن تسلطوا نحو ١٣٩ سنة، وأصبحت مصر إحدى الإيالات العثمانية الكبيرة، وبقيت جثة طومان باي ثمانية أيام معلقةً؛ ليراها الناس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢