الفصل الثالث

الدور الإسلامي

دولة الخلفاء الراشدين

(١) خلافة عمر بن الخطاب (من سنة ١٣–٢٣ﻫ أو ٦٣٤–٦٤٤م)

(١-١) مبدأ الدولة الإسلامية

وفي خلال تلك الانقسامات الدينية في مصر كانت نشأة حضرة صاحب الشريعة الإسلامية محمد الهادي بن عبد الله القرشي، ولد في مكة المشرفة نحو سنة ٥٦٩ لميلاد المسيح، وهاجر إلى المدينة في ١٦ يوليو (تموز) سنة ٦٢٢، ومن هذا اليوم يبتدئ التاريخ الإسلامي، وهو تاريخ الهجرة النبوية المعول عليه الآن، وفي آخر السنة السادسة للهجرة كتب إلى الإمبراطور هرقل ملك القسطنطينية كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، وكتب مثل ذلك إلى سائر ملوك العرب والعجم، وفي جملتها كتاب إلى المقوقس يوحنا بن قرقت حاكم مصر من قبل ملك الروم، فبعث إليه المقوقس أربع جوارٍ منهن مارية أم إبراهيم ابنه، فكان ذلك أول الصلات بين دولة العرب ومصر.

ثم كانت الغزوات والفتوح المشهورة حتى السنة الحادية عشرة، فتوفي صاحب الشريعة، وبويع الخليفة أبو بكر الصديق، فعمل على استمرار الفتوح حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٣ﻫ أو ٦٣٤م.

فما لبث الإسلام أن ظهر في شبه جزيرة العرب حتى انتشر بسرعة غريبة إلى العراق وفارس والشام وفلسطين وغيرها، جهادًا في سبيل الدين في مدة لا تتجاوز ثماني عشرة سنة.

فلما رأى الإمبراطور هرقل ما كان من افتتاح العرب لسوريا وغيرها من بلاده عنوة أوجس خيفة على باقيها ولا سيما مصر، إلا أنه لم يكن في حسبانه أن العرب يقدمون إلى مصر مفتتحين حالًا على إثر فتوحهم الكثيرة، فعقد بينه وبين الخليفة عمر بن الخطاب معاهدة مآلها أن يدفع جزية سنوية معلومة لخزينة المسلمين قبالة إغضائهم عن فتح مصر. إلا أن هذه الجزية لم تكن تدفع في حينها وبالقدر المعين فاعتبر الخليفة تلك المعاهدة منقوضة.

fig022
شكل ٣-١: النسخة الأصلية لكتاب النبي إلى المقوقس زعم بعض المستشرقين أنه وجدها في الصعيد (راجع الهلال سنة ١٣ صفحة ١٠٣ و١٦٠).

(١-٢) فتح مصر سنة ١٨ﻫ أو ٦٤٠م

وكان عمرو بن العاص لا يفتر عن ترغيب الخليفة عمر بن الخطاب في مصر وافتتاحها؛ لأنه كان قد جاءها قبل أن يعتنق الإسلام، ورأى فيها من العظمة والمجد ما جعله شديد الرغبة في افتتاحها، وكان يقول له: «إنك إن افتتحتها كانت قوة للمسلمين، وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالًا، وأعجز عن القتال والحرب.» وكان الإمام عمر يتخوف من ذلك، ولا سيما بعد أن عقد المعاهدة بينه وبين هرقل، لكنه بعد أن نقضت — على ما تقدم — رأى أن يجيب طلبه فأنفذ إليه أن يسير بأربعة آلاف رجل أشداء، وقال له: «سر إني مستخير الله في سيرك، وسيأتيك كتابي قريبًا — إن شاء الله تعالى — فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئًا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.» وكان ذلك بعد افتتاح بيت المقدس بأيام.

فسار عمرو بن العاص ومن معه قاصدًا مصر، وهو يكاد لا يصدق أن أذِنَ له بذلك. فلما بلغ رفح «وهي قرية تدعى الآن رفع تبعد نحو عشر ساعات عن العريش» حتى أدركه رسولٌ من عمر، ودفع إليه كتابًا فخاف أن يكون ذلك الكتاب مؤذنًا بالانصراف عن مصر وهو لم يدخلها بعدُ، فأجل فتحه حتى يدخل أرضها، وكان إذ ذاك على مسافة يسيرة منها، فأمر بجد السير حتى أمسى المساء فسأل: أين نحن؟ فقيل له: في العريش، فعلم أنه دخل أرض مصر فأمر بالمبيت هناك، وعند الفجر نهض القوم للصلاة، وبعد إتمامها وقف عمرو وفي يده كتاب الخليفة ففضه بكل احترام وتلاه على الجمهور بصوت عالٍ، وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم من الخليفة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص عليه سلام الله تعالى وبركاته. أما بعد، فإن أدركك كتابي هذا وأنت لم تدخل مصر فارجع عنها، وأما إذا أدركك وقد دخلتها أو شيئًا من أرضها فامض واعلم أني ممدُّك.» فالتفت عمرو إلى من حوله قائلًا: «أين نحن يا قوم؟» فقالوا: «في العريش.» فقال: «وهل هي من أرض مصر أم الشام؟» فأجابوا: «إنها من مصر.» فقال: «هلم بنا نعبر على خيرة الله تعالى.» وهكذا دخل عمرو بن العاص أرض مصر في أربعة آلاف رجل في السنة الثامنة عشرة للهجرة، وجعلوا يخترقونها جنوبًا في قسمها الشرقي، وعددهم يزيد كل يوم ممن كان ينضم إليهم من القبائل البدوية التي كانوا يمرون بها في طريقهم.

فكان أول موضع قوتل فيه الفرما؛ قاتلت الروم قتالًا شديدًا نحوًا من شهر، ثم فتح الله على المسلمين، وكان عبد الله بن سعد على ميمنة عمرو منذ توجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه. ثم تقدم عمرو وهو لا يقاتل إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه فيها نحوًا من شهر حتى فتح الله عليه، وكان في بلبيس أرمانوسة بنت المقوقس حاكم مصر من قبل الروم، فأحب عمرو ملاطفة المقوقس استجلابًا لوده فسيَّر إليه ابنته مكرمة في جميع ما لها، فسر أبوها بقدومها كثيرًا.

ثم سار عمرو وما زال حتى مر بجانب الجبل المقطم فأشرف على حصن بابل أو بابليون القائم على ضفة النيل الشرقية مقابل الأهرام العظيمة، وكان حصنًا منيعًا رفيع العماد١ إلى شرقيه جبل المقطم راسخ، وعلى وجهه تجعدات تدل على قديم عهده، وبين الجبل والحصن بقعة من الأرض لا شيء من العمارة فيها إلا بعض الأديرة والكنائس.

ثم نظر إلى الغرب فإذا بالنيل منحدر أمام ذلك الحصن فيزيده مناعة، وإلى ما وراء النيل أرض قد كستها الطبيعة من جمالها حلة خضراء بين أعشاب وأشجار خصبة، وهي جزيرة الروضة، وكانت تعرف بجزيرة مصر، والماء محيط بها مدار السنة، ويقطع النيل بين الحصن وهذه الجزيرة جسرٌ من خشب، وكذلك فيما بينها والجيزة يمر عليهما الناس والدواب من البر الشرقي إلى الجزيرة، ومن هذه إلى البر الغربي، وكان هذان الجسران مؤلفين من مراكب بعضها بحذاء بعض، وموثقة بسلاسل من حديد، وفوق المراكب أخشاب ممتدة فوقها تراب، وكان عرض الجسر الواحد ثلاث قصبات.

fig47
شكل ٣-٢: حصن بابل كما كان لما حاصره العرب.

وتطلع عمرو إلى ما وراء الجزيرة؛ فإذا بالأهرام العظيمة راسخة كالجبال، وقد أثقلت كاهل الدهر فعجز عن هدمها. ثم رمى بنظره إلى جنوبي الأهرام فرأى ببقايا منف العظيمة ترهب القلوب؛ لما يتجلى فيها من العظمة والفخامة، ومن جملتها أهرامها المعروفة الآن بأهرام سقارة.

فأمر عمرو أن تنصب الخيم فيما بين الحصن والمقطم لجهة الشمال قرب مصر القديمة اليوم، ولم يكن هناك إلا بعض المزارع والغياض، وجعل يسرح نظره ويتأمل بما يهدده من الأخطار في مقاومة هذا الحصن. ثم نظر إلى وادي النيل فإذا هو يانع خصب يشتهيه النظر يخترقه النيل المبارك. على غربيه آثار منف والأهرام، وعلى شرقيه ذلك الحصن وفيه قد حُشدت جنود الروم متأهبين للدفاع، ولم يكن قد رأى شيئًا من ذلك فيما مر به من البلدان، فعظم عليه الأمر إلا أنه عاد إلى عزمه عندما تصور ما يلحق به من العار إذا عاد خائبًا، وما يقع في يده من الخيرات إذا فاز بالنصر بعد الجهاد الحسن، وإذا لم يفز في جهاده هنا واستشهد ففي الآخرة ما هو أفضل مآبًا.

وكان في الحصن المقوقس، وقد تقدم أنه حاكم من قبل دولة الروم على مصر العليا والسفلى ومعظم سكانها من القبط، وكانت عاصمة حكومته منف على الضفة الغربية، وأما هذا الحصن فقد اتخذه مركزًا حربيًّا ليمنع العرب من المرور إلى عاصمته، وكان المقوقس من حزب الوطنيين، ويقال: إنه كان بينه وبين الرسول مكاتبة، وعلى كلٍّ فإنه لم يكن له أن يفعل ما يشاء.

فلما علم بقدوم جيوش المسلمين جهز جندًا تحت قيادة أحد كبراء جيشه المدعو الأعيرج، وجاءوا بما لديهم من العدة والسلاح، وتحصنوا في ذلك الحصن.

أما عمرو فأخذ في المهاجمة مدةً فأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى الخليفة يستمده؛ فأمده بأربعة آلاف رجل عليهم أربعة من كبار القواد، وهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وقيل: إن الرابع خارجة بن حذافة دون مسلمة، وورد معهم خطاب أمير المؤمنين ونصه: «إني قد أنفذت إليك أربعة آلاف على كل ألف منهم رجل مقام ألف.»

فأنفذ عمرو أحد قواده — ولعله حذافة — بخمسمائة فارس إلى الجهة الثانية من الحصن من وراء الجبل، فساروا ليلًا، وكان الروم قد خندقوا خندقًا، وجعلوا له أبوابًا وبذروا في أقنيتها حسك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا فانهزم المصريون حتى دخلوا الحصن، فصارت العرب محيطة بالحصن من كل الجهات إلا النيل، وكان حول ذلك الحصن الخندق فلم يستطع العرب الهجوم عليه، واستمر رمي السهام صباحًا ومساء، ثم تشاور عمرو والزبير بشأن ذلك فأقرَّا على تشديد الحصار، ففرقا الرجال حول الخندق، وألح عمرو على الحصن بالمنجنيق، ثم خابر القوم بشأن التسليم فلم يفعلوا، وكان المقوقس يريد التسليم تخلصًا من نير الروم لما بينه وبينهم من الضغائن الدينية وإن لم يتجرأ على التصريح ببغيته؛ لأن رجاله لم يكونوا كلهم من حزبه ولا سيما الأُعيرج، ولما رأى من إقدام العرب وصبرهم على القتال ورغبتهم فيه خاف أن يظهروا على رجاله فتكون الخسارة مزدوجة؛ فعمد برجاله إلى باب الحصن الغربي على ضفة النيل، وعبر بهم على الجسر إلى الجزيرة، ثم تبعه الأُعيرج، ولم يترك في الحصن إلا نفرًا قليلًا من رجاله، والعرب غير عالمين.

ولما أبطأ الفتح قال الزبير: «إني أهب الله نفسي، وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين.» فعبر الخندق، ثم وضع سلمًا إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، وأخبر عَمرًا أنهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعًا، فما شعر إلا والزبير على رأس الحصن يكبر والسيف في يده، فتحامل الناس على السلم حتى كادوا يكسرونه لكثرتهم فنهاهم، ثم كبر وكبر الناس معه، وأجابهم من كان خارجًا، فظن من كان باقيًا في الحصن من الروم أن العرب جميعهم هاجمون فهربوا، وعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحموا الحصن وتملكوه، ثم عمدوا إلى الجسر فتعقبوا القبط إلى الجزيرة، وأما هؤلاء فساروا إلى منف عاصمة ولايتهم، وبعد أن عبروا النيل رفعوا الجسر عنه فتوقف العرب عن تعقبهم؛ إذ لم يكونوا يستطيعون عبور النيل، فأصبحوا محاطين بالماء من كل الجهات.

(أ) المخابرة بشأن الصلح

فلما رأى المقوقس ذلك أنفذ إلى عمرو كتابًا نصه: «إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالًا منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا يُقدر عليها، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفًا لطلبتكم ورجائكم فابعثوا إلينا رجالًا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء.»

فلما أتى رسل المقوقس إلى عمرو حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، وإنما أراد بذلك عمرو أن يروا حال المسلمين.

وعند ذلك رد عمرو الرسل وكتب إلى المقوقس: «إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال؛ إما إن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما إن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين.»

فلما جاءت رسل المقوقس إليه قال: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: «رأينا قومًا الموت أحبُّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبُّ إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة؛ إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، لا يُعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم.»

فأقسم المقوقس قائلًا: «لو أن هؤلاء التقوا الجبال لأزالوها، ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لن يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من مواضعهم.» وما زال على رجال حكومته حتى وافقوه على طلب الصلح، فكتب إلى عمرو: «ابعثوا إلينا رسلًا منكم نعاملهم ونتداعى، وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.»

(ب) الوفد إلى المقوقس

فبعث عمرو عشرة نفر؛ أحدهم عبادة بن الصامت، وكان رابط الجأش، هائل المنظر، أسود اللون، طوله عشرة أشبار، وجعله متكلم القوم، وأمره أن لا يجيبهم إلى شيء دعوه إلا إحدى هذه الثلاث خصال قائلًا: «إن أمير المؤمنين قد تقدم إليَّ في ذلك، وأمرني أن لا أقبل شيئًا سوى خصلة من هذه الثلاث» فركبوا السفن حتى أتوا المقوقس، ودخلوا عليه، فتقدم عبادة في صدر أصحابه فهابه المقوقس لسواده وعظم جثته، وقال: «نحوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني.» فأجابوا: «إن هذا أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمرنا الأمير أن لا نخالف له أمرًا.» فقال المقوقس: «وكيف رضيتم أن يكون هذا مقدمًا عليكم وهو أسود، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟!» فقالوا: «كلا وإن كان أسودَ فهو أفضلنا.»

فقال المقوقس لعبادة: «تقدم يا أسود، وكلمني برفق فإني أهاب سوادك.»

فتقدم، وقال: «قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود، كلهم أشد سوادًا مني، وأفظع منظرًا، وجميعهم أشد هيبة مني، وأنا قد وليت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك — بحمد الله — ما أهاب مائة رجل، وذلك إنما هو لرغبتنا وهمتنا في الجهاد في الله، واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في الدنيا، ولا طلب الاستكثار منها إلا أن الله — عز وجل — قد أحلَّ لنا ذلك، وجعل ما غنمنا منه حلالًا، وما يبالي أحدنا إن كان له قنطار ذهب أو كان لا يملك إلا درهمًا؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها ليسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في سبيل الله واقتصر على هذا الذي في يده، ويبلغه ما كان في الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس نعيمًا، ورخاءها ليس رخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك به جوعه، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوه.»

فلما سمع المقوقس منه هذا الكلام قال لمن حوله بلسانهم: «هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب. إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها.» ثم أقبل على عبادة، وقال له: «أيها الرجل الصالح قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة والشدة ما يبالي أحدهم بمن لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرًا وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به.»

(ﺟ) خطاب عبادة بن الصامت

فقال عبادة: «يا هذا لا تغرنّ نفسك ولا أصحابك … أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا الذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، وإن كان ما قلتم حقًّا فلذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما شيء أقرُّ لأعيننا ولا أحب لنا من ذلك، وإننا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين: إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، ولأنها أحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله — عزو جل — قال في كتابه: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، وما منا رجل إلا ويدعو ربه صباحًا ومساءً أن يرزقه الشهادة، وأن لا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل منا ربه أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا.

وأما قولك: إننا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه، فانظر الذي تريده فبيِّنه، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث خصال، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل. بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله من قبلُ إلينا.

أما إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين القيم الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم، ولا التعرض لكم.

وإن أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وإن نعاملكم على شيء نرضى نحن وأنتم في كل عام أبدًا ما بقينا وبقيتم ونقاتل عنكم من ناوأكم، وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا.

وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره فانظروا لأنفسكم.»

فأعظم المقوقس ذلك، وقال: «هذا ما لا يكون أبدًا ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيدًا ما كانت الدنيا.»

فقال عبادة: «هو ذاك فاختر لنفسك ما شئت.»

فقال: «أفلا تجيبونا إلى غير هذه الثلاث الخصال.»

فرفع عبادة يديه إلى السماء، وقال: «لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء ما لكم عندنا خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم.»

فالتفت إذ ذاك المقوقس إلى أرباب مجلسه، فقال: قد فرغ القوم، فما تريدون؟ فقالوا: «أيرضى أحد بهذا الذل؟ أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا لا يكون ابدًا أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دينٍ غيره لا نعرفه، وأما ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدًا فالموت أيسر من ذلك، فلو رضوا أن نضاعف لهم ما أعطيناهم مرارًا كان أهون علينا.»

فقال المقوقس لعبادة: «قد أبى القوم، فما ترى؟ فراجع أصحابك على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.»

فقال عبادة وأصحابه: «لا.» فقال المقوقس لأصحابه: «أطعيوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث فوالله ما لكم بهم طاقة، ولئن لم نجبهم إليها طائعين لنجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين.»

فقالوا: «وأي خصلة نجيبهم إليها» قال: «إما دخولكم في غير دينكم فلا يسلم أحدكم به، وإما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقدروا عليهم ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة» قالوا: «فنكون لهم عبيدًا أبدًا؟» قال: «نعم تكونون عبيدًا مسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، فأطيعوني قبل أن تندموا.» فرضوا بالجزية على صلحٍ يكون بينهم يعرفونه.

فقال المقوقس لعبادة: «أعلم أميرك أني لا أزال حريصًا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسل إلي بها فليعطني أن أجتمع به أنا في نفر من أصحابي، وهو في نفر من أصحابه؛ فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك جميعًا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.»

فرجع عبادة إلى عمرو وأخبره بما كان، فاستشار أصحابه، فقالوا: «لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير الأرض كلها لنا فيئًا وغنيمة كما صار لنا الحصن وما فيه.» فقال عمرو: «قد علمتم ما عهد إليّ أمير المؤمنين في عهده فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليّ فيها أجبتهم وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم» فوافقوه.

(د) عهد الأمان للمصريين

فاجتمع عمرو والمقوقس، واتفقا على الصلح بأن يعطي الأمان للمصريين وهم يدفعون الجزية، وهاك نص الشروط:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر من الأمان على أنفسهم ودمهم وأموالهم وكافتهم وصاعهم ومدهم وعددهم، لا يزيد شيء في ذلك ولا ينقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليه ممن جنى نصرتهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزية بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله ما لهم وعليه ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سلطاننا، وعليهم ما عليهم أثلاثًا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا فرسًا، على أن لا يغزوا، ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر، هذا نص الكتاب.

ولما تم الصلح على هذه الصورة كتب المقوقس إلى ملك الروم كتابًا يعلمه بالأمر كله، فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه، ويعجزه، ويرد عليه ما فعل، ويقول في كتابه: «إن ما أتاك من العرب اثنا عشر ألفًا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبواء أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا فإن عندكم بمصر من الروم وبالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف فارس معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم في حال القبط أذلاء، فقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة. ناهضهم القتال، ولا يكن لكم رأي غير ذلك.» وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابًا إلى جماعة الروم.

فأقبل المقوقس على عمرو فقال له: «إن الملك قد كره ما فعلت، وعجزني، وكتب إليّ وإلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاهدتك عليه، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تم صلح القبط مما بينك وبينهم، ولم يأت من قبلهم نقض، وأنا متمٌّ لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاقبتهم، وأما الروم فإنا منهم براءٌ، وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال؛ الأولى: ألا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم متمون لك على ما تحب، وأما الثانية: فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئًا وعبيدًا فإنهم أهل لذلك؛ لأني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت إليهم فاتهموني، وأما الثالثة: فإني أطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنوني بجسر الإسكندرية.» فأجابه إلى ما طلب على أن يضمنوا له الجسرين جميعًا، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق في طريقهم إلى الإسكندرية، ففعلوا وصارت القبط لهم أعوانًا.

(ﻫ) وصف مصر

فأنفذ عند ذلك عمرو إلى الخليفة رسولًا بكتاب يخبره بما تم بينه وبين المقوقس فأجابه منشطًا، وسأله أن يصف له مصر فكتب إليه:

ورد إلي كتاب أمير المؤمنين — أطال الله بقاءه — ويسألني عن مصر، اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، يكتنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها النيل المبارك الغدوات، ميمون الروحات، تجري فيه الزيادة والنقصان لمجاري الشمس والقمر. له أوان يدرُّ حلابه، ويكثر عجاجه، وتعظم أمواجه فتفيض على الجانبين، فلا يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن المخايل ورقُّ الأصايل. فإذا تكامل في زيادته نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطمى في درته. فعند ذلك تخرج ملة محقورة، وذمة مخفورة؛ يحرثون بطون الأرض، ويبذرون بها الحب؛ يرجون بذلك النماء من الرب لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم. فإذا أحدق الزرع وأشرق، سقاه الندى وغذاه من تحت الثرى؛ فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة زرقاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء، الذي يصلح هذه البلاد، وينيرها، ويقرُّ قاطنها فيها أن لا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وأن لا يستأدي خراج الثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وتراعها. فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل.

(و) فتح الإسكندرية سنة ٢٠ﻫ

ولما تم التعاقد بين المسلمين والقبط على ما تقدم هاجر جميع من كان بين هؤلاء من الروم إلى الإسكندرية. أما عمرو فأقام في الحصن حامية، وقام برجاله نحو الإسكندرية على نية الفتح، وسار معه جماعة من رؤساء القبط يصلحون له الطريق، ويقيمون الجسور والأسواق، وكانت خيام العرب مضروبة بين النيل والجبل على ما تقدم، فأمر عمرو بتقويضها والاستعداد للمسير، فإذا بيمامة قد باضت في أعلاه، فقال: «لقد تحرمت بجوارنا أقروا الفسطاط حتى يطير فرخها» فأقروا الفسطاط في موضعه، وأوصى به صاحب القصر.

fig023
شكل ٣-٣: فسطاط عمرو بن العاص وقد عشش اليمام في أعلاه.

ولا يخفى ما كان لهذه الحادثة من التأثير الحسن في قلب من سمعها من الوطنيين فتركوها وساروا في سبيلهم قاصدين الإسكندرية، متخذين ضفة فرع النيل الغربي خطة مسيرهم، فلاقاهم في الطريق بعض من هاجر من منف من الروم، فقاتلوهم يسيرًا، وكان من هؤلاء فئة تحصنت في كوم شريك، وأخرى في مريوط، فتغلب عليهما عمرو واحتلهما. أما القبط فكانوا أعوانًا للمسلمين في كثير من احتياجاتهم حسب أمر المقوقس، فلما بلغ ذلك جماعة الروم في الإسكندرية اشتد غيظهم، فأصروا على الحرب، وأخذوا يعدُّون مهمات الدفاع.

أما عمرو فما زال يتقدم بجيشه إلى الإسكندرية، وكانت هي قاعدة القطر المصري إلى ذلك العهد، وفيها من عظمة الروم ورهبتهم ما يرهب الأبطال، وحاصرها برًّا، أما بحرًا فكانت الطريق مفتوحة بينها وبين القسطنطينية؛ يأتيها منها ما تحتاج إليه من المؤن والزخائر، فطال الحصار رغم الوسائل التي اتخذها العرب، فضجر عمرو فجمع إليه رجاله وخطب فيهم؛ فهاجموا الأسوار، وهو في مقدمتهم فخرقوها، ودخل عمرو واثنان من قواده هما مسلمة بن مخلد ووردان، إلا أنهم لم يكادوا يطأونها حتى أقفلت الأسوار وراءهم، وألقي القبض عليهم، وأحضروا أمام البطريق (الحاكم) فخاطبهم قائلًا: «هو ذا أنتم أسرى في أيدينا، فأخبرونا ما الذي جاء بكم إلينا، وما الذي حملكم على قتالنا؟» فأجابه عمرو بقلب لا يهاب الموت: «قد أتيناكم ندعوكم إلى الإسلام، فيكون لكم ما لنا، أو أن تؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فإننا نقاتلكم إلى أن نفيء لأمر الله.» فبهت الحاكم، وداخله الريب، فقال لمن في مجلسه من الروم باللغة اليونانية: «يظهر أن هذا الرجل من وجوه العرب، ولعله أمير القوم، فينبغي أن نضرب عنقه.» وكان وردان عارفًا باللغة اليونانية، ففهم ما قاله البطريق، ولكي يطلع عمرًا على ذلك لكمه مستهزئًا، وناداه منتهرًا «ما لك ولهذا القول، وأنت أدنى من في الجماعة وأقل، فاترك غيرك يتكلم.»

فاختلف ظن البطريق، وقال: «لو كان هذا أمير القوم ما كان يفعل به هكذا.» فقال مسلمة: «إن أميرنا كان عازمًا على الانصراف عنكم، وأراد أن يسيِّرَ من أكابر القوم من يتفق معكم على شيء تتراضون عليه، فإن أطلقتمونا مضينا وعرفناه ما صنعتم بنا من الجميل، ويتفق الأمر بينكم وننصرف عنكم.»

فتوهم البطريق أن الأمر كذلك فأطلقهم، فلما خرجوا قال مسلمة لعمرو: «قد خلصتك لكمة وردان» فوصلوا إلى المعسكر وهم على نية تشديد الحصار إلى أن يقضي الله بما يشاء.

وكان الإمام عمر قد استبطأ فتح الإسكندرية. فكتب إلى عمرو: «أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر. إنكم تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، فإن الله — تبارك وتعالى — لا ينصر قومًا إلا بصدق نياتهم، وقد كنتُ وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف إلا أن يكونوا قد غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب في الناس، وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومُر الناس جميعًا أن يكونوا لهم صدمة واحدة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة؛ فإنها ساعة تنزل الرحمة، ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله، ويسألوه النصر على عدوهم.» فجمع عمرو رجاله، وتلا عليهم كتاب أمير المؤمنين، فأثر فيهم تأثيرًا عظيمًا، وعزموا على القيام به.

وفي خلال ذلك توفي هرقل ملك القسطنطينية، وعقب موته حدثت انقسامات داخلية، وحروب أهلية، سفكت فيها الدماء بسبب ادعاء الملك من هم من غير الأسرة الملوكية، وانتهى الأمر بأن أفضى الملك لولده هرقل الثاني أو قسطنطين الثالث، وهذا لم يمض عليه مائة يوم من جلوسه حتى قضى مسمومًا بيد مارتين امرأة أبيه، ثم بمساعي بطريرك القسطنطينية عقد على الملك بعده لهرقلينة ابنة مارتين المذكورة، وبعد بضعة أشهر نصب قسطان بن هرقل الثاني. فيقال إجمالًا: إنه كان على القسطنطينية ثلاثة ملوك في وقت واحد؛ فازداد الانشقاق، وتعاظم الخصام، فضعفت همم الإسكندريين، وتضاعف يأسهم، فهاجر بعضهم بحرًا، ولبث البعض الآخر في المدينة يريدون دفاعًا لم يقووا عليه، فدخلها عمرو يوم الجمعة غرة شهر محرم سنة ٢٠ للهجرة (أو ٢٢ ديسمبر سنة ٦٤٠ للميلاد) وأقام فيها احتفالًا عظيمًا؛ تذكارًا لما أوتيه من الفتح المبين، ثم كتب إلى أمير المؤمنين كتابًا ونصه:

إلى الخليفة عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، عليك سلام الله تعالى وبركاته، أما بعد، فقد فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة ملعب للملوك، واثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر.

وبعد أن استلم عمرو زمام الأحكام أخذ في استجلاب قلوب الأهلين؛ فجعل يقرب منه سراة القوم ووجوههم، ويحكم في الناس بالقسط، ويجيب التماسهم في كل ما كانوا يسألونه منه حتى أجمع الكل على الميل إليه، والإذعان لأمره.

(ز) مكتبة الإسكندرية

وذكر ابن القفطي وأبو الفرج الملطي وغيرهما أن عمرًا لما فتح الإسكندرية كان في جملة علمائها رجل اسمه يحيى الغراماطيقي، فدخل على عمرو، وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو، وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله ففتن به، وكان عمرو عاقلًا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه. ثم قال له يحيى يومًا: «إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية، وختمت على كل الأصناف الموجودة بها، فما لك به انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به.»

فقال له عمرو: «ما الذي تحتاج إليه؟» قال «كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية.» فقال له عمرو: «هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.» فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: «وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنها غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها، فتقدم بإعدامها» فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب. ا.ﻫ.

على أن بعض الكتبة ينزهون الإمام عمر بن الخطاب عن تلك الفعلة، وكنا قد جاريناهم في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، ثم تبين لنا بالبحث ترجيح صحتها، وقد فصلنا الأدلة على ذلك في الجزء الثالث من تاريخ التمدن الإسلامي، ولا نزال عليه حتى يتبين لنا ما ينقضه، ونحن موالون البحث في هذا الشأن؛ إذ لا غرض لنا غير تقرير الحقيقة.

(ﺣ) بناء الفسطاط

ثم كتب عمر إلى الخليفة يستفتيه في السُّكنى بالإسكندرية، فسأل الخليفةُ الرسولَ: «هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل.» فكتب إلى عمرو: «إني لا أحب أن تُنزل المسلمين منزلًا يحول الماء بيني وبينهم شتاءً ولا صيفًا، فمتى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم إليكم قدمت.» وتلك كانت قاعدة عمر في جمع المسلمين في بقعة لا يحول بينهم وبينه ماء. كذلك فعل ببناء البصرة والكوفة. فاستخلف عمرو في الإسكندرية حامية، وأمر فشدت الرحال إلى حصن بابل، فلما بلغوا المكان حيث خيمة الأمير رأوها لا تزال منصوبة، وفيها اليمام، فنزلوا فيها، وجعلوا تلك الخيمة مركزًا لمعسكرهم. ثم انضمت القبائل بعضها إلى بعض، وأخذوا في بناء البيوت لسكنى الجيوش، فاختط عمرو مدينة شمالي الحصن دعاها الفسطاط باسم الخيمة، فيها نحو عشرين حارة دعاها خططًا، وأقام أربعة من كبار رجاله ينزلون الناس في الخطط المذكورة بحسب أحزابهم وقبائلهم.

(ط) حصن بابل أو دير النصارى

وفي مكان حصن بابل اليوم كنائس قبطية قديمة العهد، يدعون مجملها قصر الشمع، أو دير النصارى، أو دير ماري جرجس. فإذا تجاوزت جامع عمرو مسافة بضع دقائق ومصر العتيقة إلى يمينك؛ رأيت إلى يسارك بناءً كبيرًا يظهر أنه مؤلف من عدة أبنية عليها ملامح الشيخوخة، وكأنها محاطة بسور كبير من القرميد الأحمر، عند أسفله باب قديم مفصح بالحديد الغليظ يتصل إليه بانحدار لا يقل عن ثلاثة أذرع، هو أحد أبواب الحصن، وتدخل من هذا الباب في زقاق ضيق تتصل منه إلى أزقة كثيرة كلها ضيق من النمط القديم تستطرق إلى عدة كنائس قبطية منها كنيسة السيدة العذراء، وكنيسة أبي سرجة، وكنيسة ماري جرجس، وكنيسة القديسة بربارة، وكنيس لليهود (كان في الأصل كنيسة على اسم القديس ميخائيل) وغير ذلك، وقد زرت جميع الكنائس؛ فرأيت أنها مع تقادم عهدها في البناء قد جُدِّد فيها قسم عظيم، وجميعها داخلة في بناء الحصن.

ومما يستحق الانتباه أني شاهدت تحت كنيسة أبي سرجة مغارة ينزل إليها بعدة درجات، يقولون: إنها كانت مقامًا للسيدة مريم العذراء عند قدومها إلى مصر، ويلوح لي أنها كنيسة من الكنائس التي كان يصلي فيها المسيحيون في أيام الاضطهاد الشديد؛ لأنها تظهر للمتأمل مبنية على مثال الكنائس الحاضرة، ففي صحنها إلى كل من الجانبين عدة أعمدة بينها نقر في جدار المغارة أشبه بالمذابح، وفي المغارة جرن للعمادة.

أما الحصن فإذا تأملت جدرانه الباقية من الخارج رأيتها على نمط البناء الروماني، وترى أحدها — وهو الجنوبي — لا يزال عبارة عن برجين كبيرين في أحدهما كنيسة العذراء المعروفة بالمعلقة، سميت كذلك لارتفاعها، وقد جُدد بناؤها منذ بضع سنين، وبين البرجين باب مسدود، وقد طمرت الأتربة جزءه السفلي، ويشاهد في جدران أخرى آثار مثل هذين البرجين، وتشير هذه الأبراج إلى ما كان عليه هذا الحصن من المناعة (انظر شكل ٣-٢) فلا غرو إذا امتنع على العرب سبعة أشهر.

أما محلة نابليون التي قد أقيم فيها هذا الحصن فلا يمكن معرفة حدودها الآن، ولكن يشاهد إلى جنوبي الحصن ببضع مئات من الأمتار دير يقال له: دير بابليون يدخل إليه من باب ضيق مصفح بالحديد، وفيه إلى الآن كنيسة السيدة مريم يجتمع إليها بعض المسيحيين للصلاة، وبناء هذا الدير أشبه ببناء الحصون منه بالأديرة، وهو قائم في منخفض بين تلين يقال لهما تل غراب، ولم يبق الآن غير هذا الدير حاملًا لاسم تلك المحلة.

أما الفسطاط: فقد خربت، ولم يبق منها إلى آكام من الأتربة فيما بين القاهرة ومصر العتيقة، يحدها شمالًا أطراف القاهرة، وجنوبًا السبع السواقي ومصر القديمة، وشرقًا آكام من الأتربة متصلة بالقرافة، وغربًا مدافن النصارى.

وجعل عمرو الفسطاط عاصمة الديار المصرية، ومركز الإمارة، وجعل على الوجه القبلي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وتولى بنفسه صلات مصر وخراجها، فكان يجبي منها ١٢ مليونًا من الدنانير سنويًّا.

وكان في جملة القبائل التي شهدت فتح مصر وجاءت لاحتلالها قبيلة همذان، فهذه أحبت النزول في الجيزة مع من والاها من المسلمين، فاستأذنوا عمرو بن العاص، فقال: مهلًا ريثما أستشير أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بما فتح الله عليهم، وبما أرادت همذان، فأجابه يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: «كيف رضيت أن تفرق أصحابك بأن يحول بينك وبينهم بحر، ولا تدري ما يفجؤهم، فلعلك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره، فاجمعهم إليك، فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم بالجيزة، وأحبوا ما هنالك فابن عليهم من فيء المسلمين حصنًا.» فعرض عليهم عمرو ذلك فأبوا وأعجبهم موضعهم، فبنى لهم حصنًا يقيهم إذا فاجأهم أمر.

ثم سار عبد الله بن سعد إلى الوجه القبلي لتدويخ البلاد فلم يلق معارضًا، وما زال حتى أتى بلاد النوبة ففتحها كلها.

(ي) إصلاح البلاد وتنظيمها

وأخذ عمرو من ذلك الحين في تنظيم البلاد؛ فقسم القطر المصري إلى كور أو أعمال، يرأس كلًّا منها حاكم قبطي تأتيه القضايا فينظر فيها، ويصدر أحكامه إلى من هم تحت حكمه رأسًا، فحصل الأهلون على راحة لم يكونوا رأوها منذ أزمان، وساد الأمن في بلادهم.

فأمر عمرو بترميم مقاييس النيل التي كانت قد تعطلت؛ منها مقياس أسوان، ومقياس أرمنت، ومقياس منف … وغيرها، وكان من عادة المصريين قبل الفتح الإسلامي أنه إذا مضى ١٢ يومًا من شهر بئونة يعمدون إلى جارية بِكر من أبويها فيرضونهما، ويجعلون عليها من الحلي أفضلها، ثم يلقونها في النيل ضحية له، فأبطل عمرو هذه العادة، وعوَّض عن الجارية بتمثال من طين.

وقد ذكر بعض المؤرخين هذه الحقيقة في سياق حكاية لا بأس من ذكرها، وهي أنه اتفق للنيل في السنة التالية للفتح أنه لم يرتفع الارتفاع اللازم للري، ولما دخل شهر بئونة القبطي، قال له أهل البلاد: «أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنَّة لا يجري إلا بها.» فقال لهم: وما ذلك؟ فقالوا: «إذا كان اثنتا عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل.» فقال لهم عمرو: «إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله.» فمضى بئونة وأبيب ومسرى، وهو لا يجري قليلًا ولا كثيرًا حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى أمير المؤمنين عما كان فأجابه: «إنك قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي.»

فلما قدم الكتاب إلى عمرو فتح البطاقة، فإذا فيها: «من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري بأمرك فلا تجر، وإذا كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك بأمره فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك.» فألقى عمرو البطاقة في النيل، وقيل: إن ذلك كان قبل عيد الصليب بيوم، وقد هَمَّ أهل مصر بالخروج منها؛ لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله تعالى ١٦ ذراعًا، فلما رأى المصريون ذلك تعجبوا، ووقع في قلوبهم الرعب، وزاد احترامهم للخليفة وأوامره، وأبطلوا تلك العادة القبيحة، واسْتَبْقَوْا رمزًا عنها تمثالًا من طين يصنعونه كل سنة عند فتح الخليج يسمونه العروسة، فيلقونه في الخليج، وما زال ذلك جاريًا إلى عهد غير بعيد أثرًا لما كان يرتكبه المصريون القدماء من العسف كل سنة في شأن الفيضان.

fig024
شكل ٣-٤: ضحية النيل.

ثم أخذ عمرو في تنظيم القضاء، وكانت أمورها إلى ذلك العهد منوطة بنواب ماليين أو جهاديين من قبل حكومة الروم يستبدُّون بالرعية كيف شاءوا وليس من ينصف، فأوجد لهم عمرو المحاكم النظامية، وقسمها إلى مجالس دائمة وزمنية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة ومقام رفيع عند الأهلين، ولا بد لنا من ذكر فضل هذا الفاتح بأنه أول من أوجد هذه المحاكم بمصر تحت اسم دواوين. أما أعضاؤها فينتخبون من الأهالي، والأحكام تجري بمقتضى عدل القضاة، وتستأنف عند الاقتضاء لنقضها أو إبرامها، ولم تكن أحكام القضاة المسلمين تجري إلا على المسلمين باعتبار كونهم من جيش الاحتلال، والقضايا التي فيها أحد الخصمين قبطي كان لنواب القبط حق الدخول فيها، والعمل بمقتضى قوانينهم الدينية والأهلية.

أما أُعطيات الجيش فكانت تصرف مما يجبى من أموال الخراج، وتوزع في الديوان على الأمراء والعمال والأجناد على قدر مراتبهم، وبحسب مقاديرهم، ويحمل ما يفضل إلى بيت المال، وكان يقال لذلك في صدر الإسلام: العطاء، وما زال ذلك جاريًا في الدول الإسلامية إلى آخر الدولة الفاطمية، ثم صارت منذ أيام صلاح الدين تعطى إقطاعات تفرق على السلطان، وأمرائه، وأجناده.

وما فتئ عمرو يتخذ الوسائل الممكنة لاكتساب ثقة المصريين، ولم يدع فرصة تفوته في اكتسابها. قيل: إن البطريرك بنيامين كان من الطائفة اليعقوبية، وقد اضطهده هرقل ملك الروم اضطهادًا عظيمًا لمحافظته على خطته الدينية، وهو لا يبالي بما كان يهدده من المخاوف والأخطار، فشدد هرقل عليه النكير، ومنعه من السلطة الدينية، وهدده بالقتل، ففر يطلب ملجأ في بعض الأديرة، فأقام هرقل مقامه في زمن الحصار رجلًا كان بيد المجلس آلة يديرونها كيف شاءوا، وكانت مصر حينئذ منقسمة — كما تقدم — إلى قسمين دينيين ملكيين ويعقوبيين، وكان على رئاسة الطائفة الأولى — وهي الأصغر — هذا البطريرك الجديد، وعلى الطائفة الثانية بطريرك وأساقفة أقامهم هرقل باختياره، غير أن الشعب كان يعاملهم بالاحتقار، ولم يكن يعتبر الرئاسة الحقيقية إلا لبنيامين المختار قديمًا منهم.

فعندما بادت سلطة الروم، ورأى القبط من الإسلام ميلًا ورفقًا عرضوا أمرهم إلى عمرو يلتمسون استرجاع بطريركهم القديم، فاستدعاه عمرو وطيب خاطره، وأقامه في منصبه، وخلع الذين كانوا بمكانه؛ فحسب القبط هذا الأمر منة وفضلًا، وازدادوا ثقة وميلًا للمسلمين، ولا سيما لما رأواهم يفتحون لهم الصدور، ويبيحون لهم إقامة الكنائس والمعابد في وسط الفسطاط، بل وفي وسط جيش الإسلام على حين أنه لم يكن للإسلام معبد؛ فكانوا يصلون، ويخطبون في الخلاء.

fig025
شكل ٣-٥: جامع عمرو.

ثم عمد عمرو إلى بناء جامع على مثال جامع مكة سعةً وشكلًا، فبناه في الفسطاط قرب حصن بابل، وكان في موضعه خان استولى عليه أحد رجال عمرو عند الفتح، فلما عادوا من الإسكندرية طلب إليه عمرو أن يجعل منزله هذا مسجدًّا فرضي، وكان النيل يجري بقربه، ثم انحسر عنه بعد ذلك غربًا، وأتى عمرو بحجارة ذلك الجامع من بقايا منف العظيمة بينها أعمدة كبيرة من الجرانيت، وقطع هائلة من الرخام أقيمت بها جدرانه، وقد قيل إن القرآن كله كان منقوشًا عليها بالذهب.

والجامع المذكور لا يزال إلى يومنا هذا في مصر القديمة يعرف باسم جامع عمرو يصلون فيه الجمعة الأخيرة من رمضان. مساحته ٣٥٠ قدمًا مربعًا، وقد رمم مرارًا بحيث لم يبق من البناء الأصلي إلا شيء زهيد، ومن جملة من جدد في بنائه السلطان المؤيد سنة ٨١٤ﻫ، وآخرهم مراد بك، وهذا لم يكن يحاول إلا طمعًا بمخبأة أوعز إليه أنها مدفونة في بعض أجزائه كما ساترى، وإذا زرت هذا الجامع رأيته الآن كالخراب، وقد سقطت أعمدته الرخامية التي كانت على الجانبين، وفي صحنه حنفية، وشجرة، وفي أرض ليوانه صهريج.

وفي هذا الجامع كانت تعطى قبالات الأراضي، وهي أن متولي الخراج كان يجلس فية زمان تئين فيه قبالة الأرضين (التزامها) ويجتمع الناس من القرى والمدن؛ فيقوم رجل ينادي على البلاد: صفقات (وكانت صفقة البيع عند العرب: أن يضرب المشتري بيده على يد البائع إن رضي البيع، ثم سُمي عقد البيع: الصفقة) وكتاب الخراج بين يدي متولي الخراج يكتبون ما ينتهي إليه مبالغ الكور والصفقات على من يتقبلها من الناس، وكانت البلاد يتقبلها متقبلوها بالأربع سنين؛ لأجل الظمأ، والاستبحار … وغير ذلك، فإذا انقضى الأمر خرج كل من كان تقبل أرضًا وضمنها إلى ناحيته، فيتولى زراعتها وإصلاح جسورها وسائر وجوه أعمالها بنفسه وأهله ومن ينتدبه لذلك، ويحمل ما عليه من الخراج في إبانه على أقساط، ويحسب له من مبلغ قبالته وضمانه لتلك الأراضي ما ينفقه على عمارة جسورها، وسد ترعها، وحفر خلجانها بضريبة مقدرة في ديوان الخراج، ويتأخر من مبلغ الخراج في كل سنة في جهات الضامن والمتقبلين، فكان إذا تأخر من مال الخراج البواقي تشدد الولاة في طلبه مرة وتسامح به مرة، فإذا مضى من الزمان ثلاثون سنة حولوا السنة وراكبوا البلاد كلها، وعدلوها تعديلًا جديدًا؛ فيزيدون فيما يحتمل الزيادة من غير ضمان البلاد، وينقصون فيما يحتاج التنقيص منها، ولم يزل ذلك يُعمل في جامع ابن عاص إلى أن بنى أحمد بن طولون جامعه.

(ك) مخابرات بين ابن الخطاب وابن العاص

والمفتتحون أجدر الناس باتباع الرفق بمن أصبحوا من رعاياهم، وقد ضربت عليهم المسكنة بعد أن كانوا أصحاب البلاد، وبيدهم الحل والعقد، والظاهر أن عمرًا كان على بيِّنة من ذلك، وقد جرى عليه؛ لأنه كان يتحمل من المصريين، ويمهلهم في دفع الخراج إلى حد أن يوقع فيه مظنة الخليفة، ويحكى أن الخليفة استبطأ الخراج من عمرو فكتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام الله عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني فكرت في أمرك، والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، وقد أعطى الله أهلها عددًا وجلدًا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملًا محكمًا مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدب، ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إليَّ ذلك، فإذا أنت تأتيني بمعاريض تعبأ بها لا توافق الذي في نفسي. لست قابلًا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك، ولست أدري مع ذلك ما الذي نفرك من كتابي وقبضك، فلئن كنت مجربًا كافيًا صحيحًا إن البراءة لنافعة، وإن كنت مضيعًا نطعًا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به نفسك، وقد تركت إن ابتلي ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق فترفع إليَّ ذلك، وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا أن عمالك عمال السوء، وما توالس عليك وتلفف؛ اتخذوك كهفًا، وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك فيه، فلا تجزع أبا عبد الله، أن يؤخذ منك الحق وتعطاه، فإن النهر يخرج الدر والحق أبلج، ودعني وما عنه تلجج، فإنه قد برح الخفاء، والسلام.

فكتب إليه عمرو:

بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام الله عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيه من عمل الفراعنة قبلي، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها مذ كان الإسلام، ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر؛ لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في عمارة الأرض منها مذ كان الإسلام، وذكرت أن النهر يخرج الدر فحلبتها حلبًا قطع درها، وأكثرت في كتابك وأنبت وعرضت وثربت، وعلمت أن ذلك شيء تخفيه على غير خبر، فجئت لعمري بالمقاطعات المقذعات، ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق، ولقد عملنا لرسول الله ولمن بعده، فكنا نحمد الله مؤدين لأمانتا، حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا؛ نرى غير ذلك قبيحًا، والعمل شينًا، فتعرف ذلك لنا، وتصدق فيه قبلنا. معاذ الله من تلك الطعم، وشر الشيم، والاجتراء على كل مأثم، فامض عملك فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية، والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضًا، ولم تكرم فيه أخًا، والله يا ابن الخطاب لأنا حين يراد ذلك مني أشد غضبًا لنفسي، ولها إنزاهًا وإكرامًا، وما عملتُ من عمل أرى عليه فيه متعلقًا، ولكنني حفظت ما لم تحفظ، ولو كنتَ من يهود يثرب ما زدت، يغفر الله لك ولنا، وسكتُّ عن أشياء كنتُ بها عالمًا، وكان اللسان بها مني ذلولًا، ولكن الله عظم من حقك ما لا تجهل.

فكتب إليه الخليفة:

من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني قد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج، وكتابك إلي ببنيات الطرق، وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طُعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء، وعندي — من قد تعلم — قوم محصورون، والسلام.

فكتب إليه عمرو:

بسم الله الرحمن الرحيم، لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني بالخراج، ويزعم أني أحيد عن الحق، وأنكث عن الطريق، وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم، ولكن أهل الأرض استنظروني أن تدرك غلتهم، فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرًا من أن تخرق بهم؛ فيصيروا إلى بيع ما لا غنى لهم عنه، والسلام.

فكف الخليفة، وقد كان محمولًا على ما أنبه به ممن كان يناظر عمرًا على ولاية مصر.

(ل) فتح دمياط وتانيس

فهذه المعاملة وأمثالها جعلت للعرب منزلة رفيعة عند المصريين؛ فرضخوا لهم إلا الهاموك حاكم دمياط، وهو من أنسباء المقوقس، فإنه امتنع عن التسليم، واستعد للحرب، فأنفذ إليه عمرو المقداد بن الأسود في طائفة من المسلمين، فخرج إليهم الهاموك وحاربهم حتى قُتل ابنه بالحرب، فعاد إلى دمياط وجمع إليه أصحابه فاستشارهم في أمره، وكان عنده حكيم قد حضر الشورى، فقال له: «أيها الملك، إن جوهر العقل لا قيمة له، وما استغنى به أحد إلا هداه إلى سبيل الفوز والنجاة من الهلاك، وهؤلاء العرب من بدء أمرهم لم ترد لهم راية، وقد فتحوا البلاد وأذلوا العباد، وما لأحد عليهم قدرة، ولسنا بأشد من جيوش الشام، ولا أعز وأمنع، وإن القوم قد أيدوا بالنصر والظفر، والرأي أن تعقد مع القوم صلحًا تنال به الأمن وحقن الدماء وصيانة الحرم، فما أنت بأكثر رجالًا من المقوقس.»

فلم يعبأ الهاموك بقوله، وغضب منه فقتله، وكان له ابن عاقل، وله دار ملاصقة للسور؛ فخرج إلى المسلمين في الليل، ودلهم على عورات البلد؛ فاستولى المسلمون عليها، وتمكنوا منها، فلما برز الهاموك للحرب لم يشعر بالمسلمين إلا وهم يكبرون على سور البلد؛ فاستأمن للمقداد، فتسلم المسلمون دمياط، وأخبروا عمرًا بذلك.

ثم خرج شطا بن الهاموك بعد أن أسلم إلى البرلس والدميرة وأشموم طناح؛ فحشد أهل تلك النواحي، وجعلهم مددًا للمسلمين، وسار بهم مع المسلمين لفتح تانيس؛ فبرز لأهلها وقاتلهم حتى قتل في المعركة في ليلة الجمعة نصف شعبان بعد ما أنكل فيهم، فحمل من المعركة، ودفن في مكانه المعروف به خارج دمياط، يحيون فيه ليلة نصف شعبان من كل سنة، ولم يكفَّ المسلمون عن تانيس حتى فتحوها.

(م) الفتح الإسلامي احتلال عسكري

لما فتح المسلمون البلاد لم يتولوا حكومتها — كما رأيت — بل نزلوا خارجها في معسكراتهم كالمحتلين؛ يستولون على الخراج والجزية، ويراقبون الأحكام. فعمرو بن العاص وجنده لما فتحوا مصر نزلوا في الفسطاط والإسكندرية، وتركوا سائر قرى مصر بأيدي القبط، ولم يكن أحد من المسلمين بالقرى، وإنما كانت رابطة تخرج إلى الصعيد حتى إذا جاء أوان الربيع انتشر الأتباع في القرى لرعي الدواب، ومعهم طوائف من السادات.

وكان الخليفة عمر بن الخطاب مع ذلك ينهى الجند عن الزرع، ويبعث إلى أمراء الأجناد بإعطاء الرعية أعطياتهم، وأرزاق عيالهم، وينهاهم عن الزرع.

وكان عمرو يقول لرجاله إذا رجعوا من غزوهم: «إنه قد حضر الربيع فمن أحب منكم أن يخرج بفرسه بربعه فليفعل، ولا أعلمن ما ينفع من أسمن نفسه وأهزل فرسه. فإذا حمض اللبن، وكثر الذباب، ولوى العمود فارجعوا إلى قيرورتكم.» وذكر المقريزي خطبة لعمرو في هذا المعنى رواها عن بحير بن ذاخر المعافري، وفيها وصف عمرو بن العاص وأبهته قال المعافري: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرًا، وذلك بعد حميم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع؛ إذ أقبل رجال بأيديهم السياط يزجرون الناس فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ فقال: يا بني، هؤلاء الشرط. فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلًا ربعة قصير القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج عليه ثياب موشاة كأن به العقبان تأتلق، عليه حلة وعمامة وجبة، فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا، وصلى على النبي ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم؛ فسمعته يحض على الزكاة، وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهي عن الفضول، وكثرة العيال، وإخفاض الحال على ذلك، فقال:

خطبة عمرو

يا معشر الناس، إياكم وخلالًا أربعًا؛ فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى الذلة بعد العزة: إياكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييق المال، والقيل بعد القال في غير درك ولا نوال. ثم إنه لا بد من فراغ يئول إليه المرء في توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يُضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه؛ فيجوز من الخير عاطلًا، وعن حلال الله وحرامه غافلًا.

يا معشر الناس، إنه قد تدلت الجوزاء، وذلت الشعرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجة السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر، فحي لكم على بركة الله تعالى إلى ريفكم، فنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده، وأربعوا خيولكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها؛ فإنها جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرًا، وإياكم والمومسات المعسولات فإنهن يفسدن الدين، ويقصرن الهمم.

حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر؛ فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لهم فيكم صهرًا وذمة.» فكفوا أيديكم، وعفوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة؛ لكثرة الأعداء حولكم، وتشوف قلوبهم إليكم، وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.

وحدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر؛ فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض.» فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة.» فاحمدوا الله يا معشر الشباب على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا يبس العود، وسخن الماء، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوح البقل، وانقطع الورد من الشجر؛ فحي إلى فسطاطكم على بركة الله، ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته. أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم. ا.ﻫ.

(ن) خليج أمير المؤمنين

ومن الأعمال العظيمة التي أجريت على يد عمرو بن العاص: احتفار الخليج الموَصِّل بين النيل والبحر الأحمر سنة ٢٣ﻫ، ودعاه خليج أمير المؤمنين، وسبب ذلك: أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في سنة الرمادة؛ فكتب الخليفة إلى عمرو بن العاص ما نصه: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي سلام، أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي، فياغوثاه، ثم يا غوثاه.» فكتب إليه عمرو: «إلى أمير المؤمنين من عبد الله بن عمرو بن العاص، أما بعد، فيا لبيك، ثم يا لبيك، قد بعثت إليك بعير أولها عندك، وآخرها عندي، والسلام.»

أراد بذلك أنه أرسل له قافلة من الجمال عظيمة؛ الجمل الأول منها في المدينة، والآخر في مصر، يتبع بعضها بعضًا. فلما قدمت على الخليفة وسع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بعيرًا بما عليه من الطعام؛ ليأكلوا الطعام، ويأتدموا بلحمه، ويحتذوا بجلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام فيما أرادوا من لحاف وغيره.

فلما رأى الخليفة ذلك حمد الله، وكتب إلى عمرو أن يقدم إليه هو وجماعته من أهل مصر فقدموا. فانفرد بعمرو، وقال له: «يا عمرو، إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقي في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر، وجعلها قوة لهم ولجميع المسلمين والعرب قد تشاءمت بي، وكادت أن تغلب على رحلي، وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك، فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم الله تعالى.» فقال عمرو: «ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها بحار من أهل مصر قبل الإسلام من خليج كان مفتوحًا بين النيل المبارك وبحر القلزم، فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج، واستد وتركه التجار، فإن شئت أن نحفره فننشئ فيه سفنًا يُحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته.» فقال الخليفة: نعم، فافعل. ولما خرج عمرو من حضرة أمير المؤمنين لاقاه الذين أتوا معه من مصر، فذكر لهم ما كان من حديث الخليفة، فقالوا: «ماذا جئت به أصلح الله الأمير، أتريد أن تخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز، وتخرب هذه؟ فإن استطعت فاستقل من ذلك.» فاستصوب قولهم، ثم جعل يتردد بين الأمرين.

فلما حان أوان عوده إلى مصر ذهب لوداع أمير المؤمنين، فقال له: «يا عمرو، انظر إلى ذلك الخليج، ولا تنسين حفره.» فأجاب عمرو: «يا أمير المؤمنين، إنه قد انسد، وتدخل فيه نفقات عظيمة.» فقال له: «أما والذي نفسي بيده إني لأظنك حين خرجت من عندي حدثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلا ما حفرته وجعلت فيه سفنًا.» فقال عمرو: «يا أمير المؤمنين، إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد.» فقال الخليفة: «إني سأجعل من ذلك أمرًا؛ ألا يحمل في هذا البحر إلا رزق أهل المدينة وأهل مكة.» فأفحم عمرو، وعاد إلى مصر، وباشر لساعته حفر الخليج ومعالجته، وجعل فيه السفن، ودعاه «خليج أمير المؤمنين» ولم يزل يُحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة فأهمل، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على ترعة السويس في أيام الخديوي إسماعيل باشا.

وفي خلال ذلك تجند عمرو إلى الغرب، ففتح برقة وصالحه أهلها على الجزية، ثم سار إلى طرابلس الغرب ففتحها أيضًا، وكتب إلى الخليفة بذلك سنة ٢٢ للهجرة.

(٢) خلافة عثمان بن عفان (من سنة ٢٣–٣٥ﻫ/٦٤٤–٦٥٥م)

وبعد فتح طرابلس الغرب بقليل قُتل الإمام عمر بن الخطاب، قتله فارس يقال له: فيروز، الملقب بأبي لؤلؤة، كان عبدًا للمغيرة بن شعبة، في ٢٦ ذي الحجة سنة ٢٣ﻫ، بعد أن تولى الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر وثمانية وعشرين يومًا.

ونادى قبل وفاته بعبد الرحمن بن عوف فصلى في الناس، ثم قيل: لو استخلفت يا أمير المؤمنين، فقال: «دعوني أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ» ثم دعا عليًّا وعثمان والزبير وسعدًا؛ فقال: «انتظروا أخاكم طلحة ثلاثًا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم؛ فقد قبض رسول الله وهو عنكم راضٍ، وإني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكني أخافكم فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها، فتشاوروا فيها ثلاثة أيام، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر (ابنه) مشيرًا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم. أنشدك الله يا علي، إن وُلِّيت من أمور الناس شيئًا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس. أنشدك الله يا عثمان، إن وُليت من أمور الناس شيئًا أن تحمل بني معيط على رقاب الناس. أنشد الله يا سعد، إن وُليت من أمور الناس شيئًا أن تحمل أقاربك على الناس. فتشاوروا واقضوا أمركم، وليصلِّ بالناس صهيب.» وترى في شكل ٣-٦ اسم الجلالة، واسم الرسول، وأسماء الصحابة المتقدم ذكرهم مع أسماء الخلفاء الراشدين مكتوبة بالحرف الكوفي في شكل جميل.
fig6
شكل ٣-٦: أسماء الجلالة والرسول والصحابة بالحرف الكوفي.

وبعد وفاة عمر تشاور الصحابة فيما أوصاهم به عمر؛ فبايعوا عثمان بن عفان في ٣ محرم سنة ٢٤ﻫ، وفي سنة ٢٥ عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر، وولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة، وكان عاملًا على الصعيد في إمارة عمرو. فلما تولى إمارة مصر جبى خراجها للسنة الأولى ١٤ مليونًا من الدنانير، وكان عمرو لا يجبي أكثر من ١٢ مليونًا؛ فقال عثمان لعمرو: «يا أبا عبد الله درَّت اللقحة بأكثر من درها الأول.» فأجابه عمرو: «لقد أضررتم بولدها ذلك إن لم يمت الفصيل.»

وفي أثناء ذلك أنفذ الروم حملة من جنودهم لاسترجاع مصر من المسلمين، وسبب ذلك: أن الروم في القسطنطينية عظم عليهم فتح المسلمين الإسكندرية، وظنوا أنهم لا يمكنهم المقام في بلادهم بعد خروج الإسكندرية من يدهم، فكاتبوا من كان فيها من الروم، ودعوهم إلى نقض الصلح فأجابوهم؛ لأنهم رأوا الجو خاليًا لهم بعد موت الإمام عمر؛ لأنه كان يبعث كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية، وكان على الولاء لا يغفلها، ويكنف مرابطها، ولا يأمن الروم عليها.

فسارت الجيوش من القسطنطينية في المراكب تحت قيادة منويل الخصي. فلما بلغوا الإسكندرية كان عليها المقوقس فمنعهم من الدخول، فنزلوا في ساحلها وانضم إليهم من كان فيها من الروم، أما المقوقس ومن معه من جماعة القبط فلم ينقضوا عهدهم مع المسلمين، فسأل أهل مصر الخليفة أن يقر عمرو بن العاص حتى يفرغ من قتال الروم؛ فإن له معرفة بالحرب، وهيبة في العدو ففعل.

فنزل عمرو الفسطاط يتأهب لمناهضة الروم، وكان حول الإسكندرية سور؛ فحلف عمرو لئن أظفره الله عليهم ليهدمن سورها حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان. فقال خارجة بن حذافة لعمرو: «ناهضهم قبل أن يكثر مددهم فلا آمن أن تنقض مصر كلها.» فقال عمرو: «لا، ولكن دَعْهُم حتى يصيروا إليَّ؛ فإنهم يصيبون من مرُّوا به، فيخزي الله بعضهم ببعض.»

فخرجوا من الإسكندرية، ومعهم من نقض من أهل القرى؛ فجعلوا ينزلون القرية، فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها، وينهبون ما مروا به؛ فسار إليهم عمرو، ولم يتعرض لهم حتى بلغوا نفيوس، فلقوهم في البر والبحر، فبدأت الروم القبط بالنشاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئًا، وكانت الروم قد تأهبت صفوفًا خلف صفوف، فبرز أحد كبار الفرسان من الروم عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز؛ فبرز إليه رجل من زبيد، يقال له: حومل، يكنى أبا مذحج؛ فاقتتلا طويلًا برمحين يتطاردان، ثم ألقى الروم الرمح، وأخذ السيف؛ فألقى حومل رمحه وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة؛ فجعل عمرو يصيح أبا مذحج فيجيبه لبيك، والناس على الجانبين وقوف في صفوفهم كأن على رءوسهم الطير؛ فتجاولا ساعة بالسيف، ثم حمل الرومي؛ فاحتمله حومل، واخترط خنجرًا كان في منطقته؛ فضربه به في نحره فسقط ميتًا، فوثب إليه وأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك، ودفن في المقطم.

فاشتد المسلمون، وانهزم الروم، فطلبهم المسلمون حتى ألحوقهم بالإسكندرية، وقتلوا منويل الخصي، وأثخنوا في رجاله، فاستنجدوا بالمسلمين، فأمر عمرو برفع السيف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدًا دعاه مسجد الرحمة؛ إشارة إلى رفع السيف هناك، وهدم سور المدينة. ثم جمع ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض؛ فقالوا: «قد كنا على صلحنا، وقد مر علينا هؤلاء اللصوص، فأخذوا متاعنا ودوابنا، وهو قائم في يديك.» فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البينة، فقال بعضهم لعمرو: «ما حل لك ما صنعت بنا، فقد كان لنا أن تقاتل عنا؛ لأننا في ذمتك ولم ننقض، فأما من نقض فأبعده الله.» فندم عمرو، وقال: يا ليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية!

ولما انهزم الروم، وسكنت القلوب أراد الخليفة أن يكون عمرو على جند مصر، وعبد الله بن سعد على خراجها؛ فقال عمرو: «أنا إذن كقابض على البقرة بقرنيها، وآخر يستدرها» فأبى عمرو وتنحى عن مصر، فعاد عليها عبد الله بن سعد.

وفي سنة ٢٧ﻫ غزا عبد الله بن سعد إفريقية؛ فقتل ملكها جرجير، وضم البلاد إلى حكمه.

وفي سنة ٢٨ﻫ غزا قبرص مع معاوية بن أبي سفيان؛ فصالحهم أهلها على جزية سبعة آلاف دينار، كل سنة يؤدون إلى الروم مثلها لا يمنعهم المسلمون من ذلك، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين أن يجعلوا طريقهم إلى العدو إليهم.

وفي سنة ٣١ﻫ نقضت بلاد النوبة؛ فغزاها عبد الله بن سعد، وحصر رجالها في دنقلة حصارًا شديدًا، ورماهم بالمنجنيق، ولم تكن النوبة تعرفه، وخسف بهم كنيستهم بحجر؛ فبهرهم ذلك، فطلب ملكهم «قليدوروث» الصلح، وخرج إلى عبد الله، وأبدى ضعفًا وتواضعًا؛ فتلقاه عبد الله ورفعه وقربه، ثم قرر الصلح معه على ثلاثمائة وستين رأسًا في كل سنة، وفي هذه السنة غزا ذا الصواري أيضًا.

(٢-١) مقتل عثمان

وفي سنة ٣٣ﻫ كثرت الإشاعة بالأمصار بالطعن على عثمان وعماله، وكتب بعضهم إلى بعض في ذلك، وتوالت الأخبار إلى أهل المدينة فجاءوا إلى عثمان وأخبروه، فلم يجدوا عنده علمًا منه؛ فقال: «أشيروا عليَّ، وأنتم شهود المؤمنين.» قالوا: «تبعث من تثق به إلى الأمصار يأتوك بالخبر اليقين.» ففعل؛ فجاءته الأخبار، فكتب إلى أهل الأمصار: «إني قد رفع إليّ أهل المدينة أن عمالي وقع منهم أضرار بالناس، وقد أخذتهم أن يوافوني في كل موسم، فمن كان له حق فليحضر يأخذ بحقه مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين.»

وفي سنة ٣٥ﻫ بعث إلى عمال الأمصار فقدموا إليه في الموسم، وفيهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر، فقال الخليفة: «ويحكم ما هذه الشكاية والإذاعة؟ وإني أخشى والله أن يكونوا صادقين، وإنما الأمر كائن، وبابه سيفتح، ولا أحب أن يكون لأحد عليَّ حجة في فتحه، وقد علم الله أني لم آلُ الناس خيرًا.» فسكنوا الناس، وبينوا لهم حقوقهم، ثم قدم المدينة ودعا عليًّا وطلحة والزبير ومعاوية حاضر؛ فكلمهم، فأظهروا له وجه إجحافه بالحقوق.

وكان عبد الله بن سعد قد استخلف على مصر عند قدومه إلى عثمان عقبة بن عامر، وكان فيها محمد بن أبي حذيفة ممن ثاروا على عثمان، فجمع إليه عصبة، وأخرج عقبة بن عامر من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان، وأسعر البلاد، وعرض على عثمان بكل شر يقدر عليه، فاعتزلته شيعة عثمان ونابذوه، وهم: معاوية بن حديج، وخارجة بن حذافة، وبسر بن قرطاط، ومسلمة بن مخلد في جمع كثير، وبعثوا إلى عثمان بأمرهم، وما صنعه ابن أبي حذيفة؛ فبعث سعد بن أبي وقاص يصلح أمرهم؛ فخرج إليه جماعة فقلبوا فسطاطه وشجوه وسبوه، فركب وعاد راجعًا، ولما أقبل عبد الله بن سعد من مكة منعوه أن يدخل؛ فانصرف إلى عسقلان.

وازداد المسلمون تعصبًا على عثمان، فتكاتبوا من أمصارهم في القدوم إلى المدينة خفية، فخرج المصريون وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في ألف، وخرج أهل الكوفة والبصرة، وكلهم في مثل عدد أهل مصر، وخرجوا جميعًا في شوال مظهرين للحج، فلما أتوا المدينة واجه المصريون عليًّا، وهو عند أحجار الزيت، فعرضوا إليه أمرهم فصاح بهم وطردهم، وفعل مثل ذلك طلحة مع البصريين، وزبير مع الكوفيين؛ فانصرفوا إلى بعد.

فتفرق أهل المدينة ظنًّا منهم أن القوم قد رجعوا عن مرادهم فلم يشعروا إلا والتكبير في نواحيها، وقد أحاط المصريون بعثمان، ونادوا بأمان من كف يده فغدا عليهم علي فقال: «ما ردكم بعد ذهابكم؟» قالوا: «أخذنا كتابًا مع بريد بقتلنا، والكتاب موقع عليه من عثمان!» فدخل علي على عثمان، وأخبره برجوع المصريين؛ فأشرف عثمان على الجمع وخطب فيهم يريد زجرهم، فنادوه من كل ناحية: اتق الله يا عثمان، وتب إليه. وكان أولهم عمرو بن العاص، فرفع الخليفة صوته، وقال: «أنا أول من اتعظ، وأستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فليأت أشرافكم يروني رأيهم، فوالله إن ردني الحق عبدًا لاستن بسنة العبد، ولأذلن ذل العبد، وما عن الله مذهب إلا إليه، فوالله لأعطينكم الرضا ولا أحتجب عنكم.» ثم بكى وبكى الناس، ورجع إلى منزله، فدخل عليه عليٌّ ومحمد بن مسلمة، وسألوه عن اعتراضه على ما يقوله أهل مصر؛ فحلف ما كتب ولا علم، ثم دخل عليه المصريون، وقالوا له: «جئنا لقتلك فردنا علي ومحمد، وضمِنا لنا النزوع عن هذا كله فرجعنا، ولقينا رسولك ناقلًا كتابًا وفيه أمرك لابن أبي سرح (ولم يكونوا عالمين بأعمال ابن أبي حذيفة) بجلدنا والمثلة بنا، وهو بيد غلامك، وعليه خاتمك.» فحلف عثمان لا كتب ولا أمر ولا علم. فقالوا: «كيف يجترأ عليك بمثل هذا؟ فقد استحققت الخلع على التقديرين؛ إذ لا يحل أن يولى الأمور من ينتهي إلى هذا الضعف، فاخلع نفسك.» فقال: «لا أنزع ما ألبسني الله، ولكني أتوب وأرجع.» وقالوا: «رأيناك تتوب وتعود، فلا بد من قتلك.» وخرجوا.

وبقي محصورًا أربعين يومًا مُنع عنه الماء في أواخرها، وفي ١٨ ذي الحجة دخل عليه أربعة — فيهم محمد بن أبي بكر — فقتلوه والقرآن في يده؛ فتخضب بالدماء، وهجمت نائلة امرأته لتحميه بيدها؛ فأصيبت بضربة قطعت أصابعها، وبقي في بيته ثلاثًا، ثم جاء حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم إلى علي فأذن لهما بدفنه، فخرجا به، ومعهما الزبير، والحسن، وأبو جهم بن حذيفة، ومروان؛ فدفنوه في حش كوكب، بعد أن تولى الخلافة ١٢ سنة إلا ١٢ يومًا.

ولما علم أهل مصر بقتل عثمان ثار المتشيعون له فيها، وعقدوا لمعاوية بن حديج، وبايعوه على الطلب بدم عثمان؛ فساروا إلى الصعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة خيلًا فهزمت، ومضى ابن حديج إلى برقة، ثم رجع إلى الإسكندرية؛ فبعث إليه ابن أبي حذيفة جيشًا آخر، فالتقى به في خربتا في أول شهر رمضان سنة ٣٦ فاقتتلوا، وكانت النصرة لشيعة عثمان، وانهزم الجيش، وأقامت شيعة عثمان في خربتا.

(٣) خلافة علي بن أبي طالب (من سنة ٣٥–٤١ﻫ/٦٥٥–٦٦١م)

أما ما كان من أمر الخلافة؛ فإن طلحة والزبير والمهاجرين والأنصار اجتمعوا إلى علي يبايعونه فأبى، وقال: «أكون لكم وزيرًا خير من أن أكون أميرًا، ومن اخترتم رضيته.» فألحوا عليه قائلين: «لا نعلم أحق منك، ولا نختار غيرك.» فبايعوه في المسجد بالمدينة يوم الجمعة ٢٤ ذي الحجة سنة ٣٥، وأول من بايعه طلحة، ثم الزبير، ثم بايعه الناس، وبايعته الأنصار، وتأخر منهم قليلون، فخطب خطبته الأولى في الناس بعد حمد الله فقال: «إن الله أنزل كتابًا هاديًا يبين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير، ودعوا الشر. الفرائض الفرائض أدوها إلى الله تعالى يؤدِكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل دم امرء مسلم إلا بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت؛ فإن الناس أمامكم، وإن ما خلفكم الساعة تحدوكم، فخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتقوا الله يا عباد الله في بلاده وعباده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله فلا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض.»

ثم رجع إلى بيته، ودخل عليه طلحة والزبير وعدد من أصحابه، فقالوا: «يا علي، إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل، وأحلوا بأنفسهم.» فقال: «يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم أخلاطكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟» قالوا: لا. فقال: «فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه أبدًا إلا أن يشاء الله. إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض آخذًا بها، إن الناس من هذا الأمر — إن حرك — على أمور؛ فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق، فاهدأوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم؟ ثم عودوا، واشتدوا على قريش.» فخرجوا من عنده، وقد أضمروا له شرًّا.

وكان معاوية لما توجه إلى ولايته في الشام أخذ قميص عثمان الملطخ بالدماء، وأصابع نائلة امرأته، وعلق القميص في المنبر، وجعل يخطب في الناس، ويغرس في أذهانهم أن قاتل عثمان هو علي، ويحثهم على معاملة القاتل بالقتل، وشدد النكير على علي؛ فالتفت حوله دعاته رغبة في الانتقام.

ومما زاد أعداء الإمام علي عددًا أنه لم تدخل سنة ٣٦ﻫ حتى عزل جميع من كانوا على الأمصار في أيام عثمان، وولى مكانهم من رأى من المتقربين؛ فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبد الله بن عباس على اليمن، ولما علم بقتل محمد بن أبي حذيفة ولى مكانه قيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام عوضًا من معاوية. أما سهل: فخرج حتى إذا كان في تبوك لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام، فقالوا: «إن كان بعثك عثمان فأهلًا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع.» قال: أما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى، فرجع إلى علي.

(٣-١) قيس بن سعد على مصر

أما قيس بن سعد فكان صاحب راية الأنصار مع النبي، وكان من ذوي الرأي والبأس، وكان ضخمًا جسيمًا، صغير الرأس، طويلًا جدًّا، مطاعًا جوادًا كريمًا، يعد من دهاة العرب، ولما ولاه علي على مصر قال له: «سر إلى مصر فقد ولَّيتُكها، واخرج إلى رجلك، واجمع إليك ثقاتك، ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند؛ فإن ذلك أرهب لعدوك، وأعز لوليك، وأحسن إلى المحسن، وأشدُّ على المريب، وارفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمنٌ.»

فقال له قيس: «أما قولك اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدًا، فأنا أدع ذلك الجند لك تبعثهم في وجوهك.» فخرج قيس حتى دخل مصر في مستهل رجب سنة ٣٧ﻫ بسبعة من أصحابه، فصعد المنبر، وأمر بكتاب الخليفة فقرئ على أهل مصر بإمارته، ويأمرهم بمبايعته وإعانته على الحق، وقال: «الحمد لله الذي جاء بالحق، وأمات الباطل، وكبت الظالمين. أيها الناس، إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا، فقوموا فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.» فقام الناس وبايعوا واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا خربتا، وفيها من قد أعظموا قتل عثمان، وعليهم رجل من بني كنانة اسمه يزيد بن الحارث، فبعث إلى قيس يدعوه إلى الطلب بدم عثمان، وكان مسلمة بن مخلد قد أظهر الطلب أيضًا بدم عثمان، فأرسل إليه قيس: «ويحك أعليَّ تَثِب؟ فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلتك.» فبعث إليه مسلمة: «إني كافٌّ عنك ما دمت على مصر.»

وكان معاوية لا يزال ساعيًا على علي، فلما رأى مصر قد استقام أمرها خاف أن يقبل علي في العراق، وقيس في مصر؛ فيقع هو بينهما، فكتب إلى قيس: «سلام عليكم، أما بعد، فإنكم نقمتم على عثمان ضربة بسوط، أو شتيمة رجل، أو تسيير آخر، واستعمال فتًى، وقد علمتم أن دمه لا يحل لكم، فقد ركبتم عظيمًا، وجئتم أمرًا إدًّا، فتب إلى الله يا قيس، فإنك من المجلبين على عثمان، فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه هو الذي أغرى الناس، وحملهم حتى قتلوه، وإنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن شئت — يا قيس — أن تكون ممن يطالب بدم عثمان فافعل، وتابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقيين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني ما شئت فإني أعطيك، واكتب إليّ برأيك.»

فلما جاءه الكتاب أحب أن يرافعه، ولا يبدي له أمره، ولا يتعجل إلى حربه، فكتب إليه: «أما بعد، فإني لم أقارف شيئًا مما ذكرته، وما اطلعت لصاحبي على شيء منه، وما ذكرت أن عظم عشيرتي لم يسلم، فأول الناس كان فيه قيامًا عشيرتي، وأما متابعتك فهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هو مما يسرع إليه، وأنا كافٌّ عنك، وليس يأتيك من قبلي ما تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى.» فلما قرأ معاوية كتابه رآه متقاربًا متباعدًا فكتب إليه: «أما بعد، فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلمًا، ولا تتباعد فأعدك حربًا، وليس مثلي يصانع الخادع، وينخدع للمكايد، ومعه عدد الرجال، وأعنة الخيل، والسلام.»

فلما قرأ قيس الكتاب، ورأى أنه لا تفيد معه المرافعة والمماطلة؛ عمد إلى مكاشفته بما في نفسه، فكتب إليه: «أما بعد، فالعجب من اغترارك بي، وطمعك فيَّ، واستسقاطك إياي أتسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلًا، وأقربهم من رسول الله وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقوَلهم بالزور، وأضلهم سبيلًا، وأبعدهم من رسول الله وسيلة، ولد الضالين مضلين طاغوت من طواغيت إبليس، وأما قولك: إني مالئٌ عليك مصر خيلًا ورجلًا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهم إليك إنك لذو جد، والسلام.»

فلما رأى معاوية كتابه قنط منه، وثقل عليه مكانه، ولم تنجح فيه حيله؛ فجعل يسعى في كيده إفسادًا بينه وبين علي، فقال لأهل الشام: «لا تسبوا قيسًا، ولا تدعوا إلى غزوه؛ فإنه لنا شيعة، تأتينا كتبه ونصيحته سرًّا، ألا ترون ما يقع بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا؟ يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويحسن إليهم.» وإتقانًا لمكيدته افتعل كتابًا عن قيس إليه بالطلب بدم عثمان، والدخول معه في ذلك، وقرأه على أهل الشام، فبلغ ذلك عليًّا فأعظمه وأكبره، فدعا ابنيه وعبد الله بن جعفر وأعلمهم بذلك.

فقال ابن جعفر: «يا أمير المؤمنين، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك لعزل قيس عن مصر.» قال علي: «إني والله ما أصدق بهذا عنه.» فقال عبد الله: اعزله فإن كان هذا حقًّا لا يعتزل لك. فبينما هم كذلك؛ إذ جاءهم كتاب من قيس يخبر أمير المؤمنين بحال المعتزلين، وكفه عن قتالهم، فقال ابن جعفر: «ما أخوفني أن يكون ذلك ممالأة منه؛ فمره بقتالهم.» فكتب إليه يأمره بقتالهم، فلما قرأ قيس الكتاب كتب جوابه: «أما بعد، فقد عجبت لأمرك، تأمرني بقتال قوم كافين عنك، ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم فإن الرأي تركهم، والسلام.»

(٣-٢) محمد بن أبي بكر على مصر

فقرأ عليٌّ الكتاب بحضور ابن جعفر، فقال له: «يا أمير المؤمنين، ابعث محمد بن أبي بكر على مصر، واعزل قيسًا.» فبعث علي محمد بن أبي بكر إلى مصر، فلما وصلها قال له قيس: «ما بال أمير المؤمنين؟ ما غيره؟ أدَخل أحد بيني وبينه؟» قال: لا، وهذا السلطان سلطانك، فقال قيس: «والله لا أقيم» وخرج من مصر مقبلًا إلى المدينة، وسار إلى علي، وأخبره الخبر، فعلم أنه كان يقاسي أمورًا عظيمة من المكايدة.

أما محمد بن أبي بكر لما قدم مصر — على ما تقدم — جمع إليه سراة البلاد، ورجال الدولة، وتلا عليهم كتاب أمير المؤمنين، ثم قام خطيبًا، فقال: «الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرًا مما كان عمي عنه الجاهلون. ألا إن أمير المؤمنين ولَّاني أمركم، وعهد إليّ ما سمعتم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله فأحمد الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي له، وإن رأيتم عاملًا لي عمل بغير الحق فارفعوا إلي وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد، وأنتم جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته.»

وفي سنة ٣٨ﻫ خرج معاوية بن حديج السكوني، وطلب بدم عثمان، فالتف عليه قوم كثيرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر.

(٣-٣) فتح عمرو بن العاص مصر ثانية

أما معاوية فكان قد استفحل أمره، وكثر متشيعوه؛ فبايعوه على الشام، ولم يكن له همٌّ إلا مصر، وكان يخشى منها لقربها منه، وكان يعتقد أنه إذا ظهر عليها مكنته من الظهور على علي؛ فتكون الخلافة كلها له. فاجتمع بعمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وغيرهما من سراة قومه، وقال لهم: «أتدرون لما جمعتكم؟ فإني جمعتكم لأمر لي مهم.»

فقال عمرو: «دعوتنا لتسألنا عن رأينا في مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر، فنعم الرأي رأيت في افتتاحها، فإن فيه عزك وعز أصحابك، وكبت عدوك، وذل أهل الشقاق عليك.»

فقال معاوية: «أهمك يا ابن العاص ما أهمك.» وكان عمرو قد صالح معاوية على قتال علي على أنه له مصر طعمة ما بقي حيًّا. فنظر معاوية إلى من حضر من أصحابه، وقال لهم: «لقد أصاب أبو عبد الله فما ترون؟»

فقالوا: «ما نرى إلا ما رأى عمرو.» قال: «فكيف أصنع؟ فإن عمرًا لم يفسر كيف أصنع؟»

فقال عمرو: «أرى أن تبعث جيشًا كثيفًا، عليهم رجل حازم صابر صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر، فإنه سيأتيه من كان على مثل رأينا فيظاهره على عدونا، فإن اجتمع جندك ومن بها على رأينا رجوت أن ينصرك الله.»

قال معاوية: «أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا فنمنيهم ونأمرهم بالثبات، ونكاتب من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا، ونمنيهم شكرنا، ونخوفهم حربنا، فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا، وإلا كان حربهم من بعد ذلك. إنك يا ابن العاص، بورك لك بالشدة والعجلة، وأنا بورك لي بالتؤدة.»

فقال عمرو: «افعل ما ترى، فما أرى أمرنا يصير إلا الحرب.»

فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد، ومعاوية بن حديج السكوني، وكانا قد خالفا عليًّا يشكرهما على ذلك، ويحثهما على الطلب بدم عثمان، ويعدهما المساواة في سلطانه، فأجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج بما نصه: «أما بعد، فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا، واتبعنا به أمر الله أمرٌ نرجو به ثواب ربنا، والنصر على من خالفنا، وتعجيل النقمة على من سعى على إماننا. أما ما ذكرت من المواساة في سلطانك فتالله إن ذلك أمرٌ ما له نهضنا، ولا إياه أردنا، فعجل إلينا بخيلك ورجلك، فإن أعداءنا أصبحوا لنا هائبين فإن يأتني مدد يفتح الله عليك، والسلام.» فجاءه الكتاب وهو في فلسطين، فدعا أولئك النفر، وقال لهم: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تبعث جندًا، فعهد إلى عمرو أن يسير في ستة آلاف رجل، وأوصاه بالتؤدة وترك العجلة.

(٣-٤) مقتل محمد بن أبي بكر

فسار عمرو، فنزل أداني أرض مصر، فاجتمعت إليه دعاة العثمانية فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر كتابًا، ونصه: «أما بعد، فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر. إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، وهم مسلموك، فاخرج منها إني لك من الناصحين.» وبعث معه كتاب معاوية بالمعنى أيضًا. فأرسل محمد الكتابين إلى علي، وأخبره بنزول عمرو بأرض مصر، وإنه رأى التثاقل ممن عنده، ويستمده، فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه، ويعده إنفاذ الجيوش إليه، ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله.

فقام محمد بن أبي بكر في الناس، وندبهم إلى الخروج على عدوهم، فانضم إليه ثلاثة آلاف، فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج يستمده فأمده، والتقى الجيشان، فظهرت رجال عمرو، وتفرقت أصحاب ابن أبي بكر. فما زال عمرو بجيشه حتى أقبل على محمد، وكان قد تخلى عنه رجاله، ففر من وجه عمرو يطلب ملجأ؛ فانتهى إلى خربة بناحية الطريق فأوى إليها، وسار عمرو حتى دخل الفسطاط، ثم أرسل معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق، فسألهم عنه، فقال أحدهم: «دخلت تلك الخرابة فرأيت فيها رجلًا جالسًا.» فقال ابن حديج: «هو هو فأمسكوه.» فدخلوا عليه فاستخرجوه، وقد كاد يموت عطشًا، وأقبلوا به نحو الفسطاط، فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو — وكان في جنده — وقال: «أتقتل أخي صبرًا؟ فابعث إلى ابن حديج فانهه عنه.» فعبث إليه يأمره أن يأتيه به، فجاءوا به وقد أعياه الظمأ، فقال لهم: «اسقوني ماءً.»

فقال له معاوية بن حديج: «لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدًا، إنكم منعتم عثمان شرب الماء، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق.»

فقال له محمد: «يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه، ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك. أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا.» فقال له ابن حديج: «أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار.»

فقال محمد: «إن فعلت بي ذلك فطالما فعلتم مثله بأولياء الله، وإني لأرجو أن يجعلها عليك، وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارًا تلظى، كلما خبت زادها الله سعيرًا.» فغضب منه وقتله، وجعله في جيفة حمار، وألقاه في النار. فلما بلغ ذلك عائشة أخته جزعت عليه جزعًا شديدًا، وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، وأخذت عيال محمد إليها؛ فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم، ولم تعد تأكل من ذلك الوقت شواء. هكذا تم فتح مصر لمعاوية على يد عمرو بن العاص فاتحها الأول.

أما الإمام علي: فكان قد أجهد نفسه ليجمع مددًا إلى محمد، فلم يأته من رجاله إلا نفر قليل، وبينما هو يحث الناس على ذلك؛ جاءه الخبر بقتل محمد بن أبي بكر، وفتح مصر؛ فاشتد غيظه، وخطب في الناس قائلًا:

ألا إن مصر قد افتتحتها أهل الفجور أولو الجور والظلمة، الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجًا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد فعند الله نحتسبه، أما والله إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير، وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير، وإني لأتقدم على الأمر، وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، واستعرضكم معلنًا، وأناديكم نداء المستغيث؛ فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثار، ولا تنقض بكم الأوتار. دعوتكم إلى غياث إخوانكم من بضع وخمسين ليلة، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إليّ منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون فأفٍّ لكم.

ثم نزل.

وفي ١٧ رمضان سنة ٤٠ﻫ قتل الإمام علي بن أبي طالب، وبويع ابنه الحسن مكانه، وبقي هذا على كرسي الخلافة ستة أشهر، فدخلت سنة ٤١ﻫ وفيها تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان خليفة الشام ومصر، وهذا لم يحل عن مقصده حتى بلغه، فنودي به أميرًا للمؤمنين، وبويع لخمس بقين من ربيع الأول سنة ٤١ﻫ.

(٣-٥) نقود الخلفاء الراشدين

أما النقود فقد كان العرب في الجاهلية يتعاملون بالنقود الرومية والفارسية حتى ظهر الإسلام، وافتتحوا البلاد، وأسسوا الدولة الإسلامية، فعمدوا إلى إنشاء تمدنهم. فكان في جملة عوامله السكة. فضربوا الدراهم والدنانير أولًا مشتركة بينهم وبين الروم أو الفرس. منها قطعة ضربها خالد بن الوليد في طبرية في السنة الخامسة عشرة للهجرة، وهي رسم الدنانير الرومية تمامًا بالصليب والتاج والصولجان ونحو ذلك، وعلى أحد وجهيها اسم خالد بالأحرف اليونانية XAΛEΔ وهذه الأحرف BON ويظن الدكتور مولر — المؤرخ الألماني — أنها مقتطعة من «أبو سليمان» كنية خالد بن الوليد.
fig7
شكل ٣-٧: نقود الخلفاء الراشدين.

وهناك قطعة أخرى ضربت باسم معاوية، ولكنها على مثال دينار من دنانير الفرس برسمه وشكله إلا اسم معاوية عليه (راجع الجزء الأول من تاريخ التمدن الإسلامي).

وذكر الدميري ضربًا من النقود يقال لها: البغلية، قال: إن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب بسكة كسروية عليها صورة الملك، وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية «نوش خور» أي كل هنيئًا.

وذكر المرحوم جودت باشا أنه رأى نقودًا ضربها الأمراء والولاة في عهد الخلفاء الراشدين، أقدمها ضرب سنة ٢٨ﻫ في قصبة هرتك طبرستان، وعلى دائرها بالخط الكوفي: «بسم الله ربي» ورأى نقدًا مضروبًا سنة ٣٨ﻫ على دائرته هذه العبارة أيضًا، ونقدًا ضرب سنة ٦١ﻫ في يزد على دائرته: «عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين» بخط بهلوي، وهناك نقود نحاسية ضربت على عهد الراشدين بغاية البساطة، وعلى بعضها رسوم قلدوا بها نقود الفرس كما تقدم (انظر شكل ٣-٧).
١  ويسميه بعض مؤرخي العرب حصن باب البون أو باب الأون، وللمؤرخين فيه أقوال؛ أظهرها: أنه حصن بناه الفرس عند تملكهم مصر، ودعوه باسم عاصمة بابل؛ لأنها كانت في حوزتهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢