الفصل التاسع

الدولة الفاطمية

من سنة ٣٥٨–٥٦٧ﻫ/٩٦٩–١١٧١م

(١) خلافة المعز لدين الله (من سنة ٣٥٨–٣٦٥ﻫ/٩٦٩–٩٧٥م)

وكانت الدولة الفاطمية إذ ذاك في خلافة معد أبي تميم الملقب بالمعز لدين الله بن القائم بأمر الله، وقاعدتها المهدية، وسلطتها منتشرة على إفريقية (يراد بها شمالي إفريقية من برقة إلى مراكش) ومالطة وسردينيا وصقلية، وأكثر جزائر البحر المتوسط، وما فتئ هذا الخليفة منذ جلوسه على دست الخلافة يمد سطوته في القطر المصري، وقد حاول افتتاحه غير مرة ولم يفز. حتى إذا كان الخلاف بين أبي الحسن علي وكافور تقدم. فلما تولى كافور على هذه الديار بنفسه توقف المعز قليلًا، وعند نهاية حكم كافور جرد جيشًا تحت قيادة جوهر.

وجوهر هذا مملوك رومي رباه المعز لدين الله، وكناه بأبي الحسن، وعظم محله عنده، وفي سنة ٣٤٧ﻫ صار في رتبة الوزارة فصيره قائدًا للجيوش، وبعثه في صفر منها في جيش إلى تاهرت فأوقع في عدة أقوام، وافتتح مدنًا، وسار إلى فاس فنازلها مدة ولم يأخذ منها شيئًا فرحل إلى سجلماسة، ومنها إلى أن بلغ البحر المحيط (الأتلانتيكي) واصطاد منه سمكًا، وجعله في قلة ماء، وبعث به إلى مولاه المعز، وأعلمه أنه قد استولى على كل ما مر به من البلدان والأمم حتى انتهى إلى البحر المحيط. ثم عاد إلى فاس وألح عليها بالقتال حتى افتتحها عنوة. ثم عاد في أخريات هذه السنة وقد عظم شأنه وبعد صيته.

ولما قويَ المعزُّ عزم على تسيير الجيوش لأخذ مصر، وقد تهيأ أمرها. فقدم القائد جوهر فبرز إلى رمادة، ومعه ما ينيف على مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال، وكان المعز يخرج إليه كل يوم ويخلو به ويتداول معه سرًّا، وأطلق يده في بيوت أمواله فأخذ منها ما يريد زيادة على ما حمله معه، ويُحكى أن المعز خرج يومًا فقام جوهر بين يديه وقد اجتمع الجيش فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم مع جوهر، وقال: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، ولتدخلن مصر بالأردية من غير حرب، ولتنزلن في خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا.» وأمر المعز بإفراغ الذهب في هيئة الأرحية، وحملها مع جوهر على الجمال ظاهرة للعيان، وأمر أولاده وإخوته الأمراء وولي العهد وسائر أهل الدولة أن يمشوا في خدمة جوهر وهو راكب، وكتب إلى سائر عماله يأمرهم إذا قدم عليهم جوهر أن يترجلوا مشاة في خدمته. فلما قدم برقة افتدى صاحبها ترجله ومشيه في ركابه بخمسين ألف دينار ذهبًا، فأبى جوهر إلا أن يمشي في ركابه، ورد المال فمشى.

ولما رحل من القيروان إلى مصر في ١٤ ربيع أول سنة ٣٥٨ﻫ ودعه أهلها، ومما قاله محمد بن هانئ بهذا الشأن قوله:

رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع
وقد راعني يوم من الحشر أروع
غداة كأن الأفق سدّ بمثله
فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
فلم أدر إذ ودعت كيف أودع
ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع

ومنها قوله:

إذا حل في أرض بناها مدائنًا
وإن سار عن أرض غدت وهي بلقع
تحلُّ بيوت العز حيث محله
وجم العطايا والرواق المرفع
رحلت إلى الفسطاط أول رحلة
بأيمن فألٍ بالذي أنت تجمع
فإن يك في مصر ظماءٌ لمورد
فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع

فما زال جوهر في طريقه إلى مصر برًّا حتى دخلها، وسار نحو الصعيد، وأسرع جنوبًا؛ ليرد هجمات ملك النوبة الذي كان نازلًا نحو مصر، ولم يدركه جيش جوهر حتى بلغ أسوان، وقد نهبها وذبح أهلها، واستعبد من بقي حيًّا، وعاد إلى بلاده. أما جوهر فكان قد تملك الصعيد كله.

ولما توفي كافور ووقع الخلاف بين أبي الفوارس وحسين كان جوهر على حدود الفسطاط، فأتاه الأهلون والأمراء، ومعهم الوزير جعفر وجماعة من الأعيان إلى الجيزة في يوم الثلاثاء ١٢ شعبان سنة ٣٥٨ﻫ والتقوا بالقائد، ونادى منادٍ فنزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير فترجلوا وسلموا عليه واحدًا فواحدًا، والوزير عن شماله والشريف عن يمينه، ولما فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد من زوال الشمس وعليهم السلاح والعدد، ودخل جوهر بعد العصر وطبوله وبنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أصفر، ونزل في ما هو موضع القاهرة اليوم. ثم نزل إلى الفسطاط بمن معه، وخطب في جامع عمرو باسم المعز لدين الله، وأزال الشعار الأسود العباسي، وألبس الخطباء الثياب البيض فبايعه الناس، وبعد يسير أصبحت جميع البلاد المصرية خاضعة للدولة الفاطمية بدون مقاومة، فكتب لمولاه المعز بما أتاه الله من الفتح.

وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر أن يزاد عقيب الخطبة: «اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضي، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا. اللهم وصل على الأئمة الطاهرين آباء المؤمنين.» وفي أيامه صار يُذكر بالأذان: حي على خير العمل.

(١-١) فساد الأحكام في الدولة العباسية

وكانت الدولة العباسية لا تزال في قبضة المطيع لله، وقد فسدت الأمور، وذهب نفوذ الخليفة، وأصبح النفوذ ضائعًا بين الوزراء والقواد، وكلاهما لا يرجون من وراء عنايتهم وجهدهم منفعة لأنفسهم غير ما يكتسبونه من المال في أثناء نفوذ كلمتهم فأصبح الغرض الأول من تمشية الأحكام إنما هو حشد المال. فالوزير الذي يتولى أمور الدولة ولا يدري ما يكون مصيره بعد عام أو عامين من عزل أو قتل أو حبس لا يهمه غير الكسب من أي طريق كان، ولا يبالي بما قد يترتب على ذلك فيما بعد، عملًا بالقاعدة التي وضعها ابن الفرات كبير وزراء ذلك العصر، وهي قوله: «إن تمشية أمور السلطان على الخطأ خير من وقوفها على الصواب.»

وانتبه الخلفاء إلى مطامعهم فأصبحوا إذا عزلوا وزيرًا صادروه وأخذوا أمواله. ثم عمت المصادرة سائر رجال الحكومة حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام المصدر الرئيسي لتحصيل المال. فالعامل يصادر الرعية، والوزير يصادر العمال، والخليفة يصادر الوزراء ويصادر الناس على اختلاف طبقاتهم حتى أنشَئوا للمصادرة ديوانًا خاصًّا مثل سائر دواوين الحكومة، فكان المال يتداول بالمصادرة كما يتداول بالمتاجرة.

فلما فسدت الأحكام على هذه الصورة، واستبد الوزراء والقواد أراد العمال في الولايات أن يجتزئوا من ذلك في ولاياتهم فأخذوا يستقلون، فتشعبت المملكة العباسية إلى ممالك يحكمها الأمراء من الفرس والأتراك والأكراد والعرب وغيرهم، ومنها ما جاءها للتغلب من الخارج ففتحها كما أصاب مصر لما فتحها الفاطميون، وقد فصلنا ذلك في الجزء الرابع من تاريخ التمدن الإسلامي.

فلم يألُ القائد جوهر جهدًا في تثبيت قدم هذه الدولة في الديار المصرية، وقد أخذ على عاتقه صلاتها وخراجها، وكان قد هجرهما النظام منذ داخل بهما الفساد، وساد فيهما الخصام الناتج عن زيادة الضرائب وسوء الأحكام. فأخذ في تخفيض الضرائب، وحفر الترع فارتوت الأرض فزادت غلتها فشبع الزراع، وربح التاجر فاستتب النظام وساد الأمن، وبلغ خراج مصر في السنة التي دخلها فيها جوهر ٣٤٠٠٠٠٠.

فلما رأى جوهر مناعة الديار المصرية ووفرة عزها لم يقنع لها بالفسطاط عاصمة فشرع ببناء مدينة جديدة جعلها قاعدة القطر المصري دعاها بالقاهرة، وكان تشييد المدن سنة عمومية في ملوك الإسلام إذ ذاك، فكانوا يبتنون المدن وينقلون إليها عظمتهم، والغالب أن يكون سبب بنائها أن يجعلوها حصنًا لهم تقيم فيه رجالهم وجندهم، ثم يبني حولها الناس. فقد كانت قاعدة المملكة المصرية في عهد الفراعنة منف، ثم أبدلت بطيبة، ثم بغيرها فغيرها إلى عهد اليونان فاستبدلت بالإسكندرية، ولما جاء المسلمون ابتنوا الفسطاط. حتى إذا كانت الدولة الطولونية استبدلت الفسطاط على نوع ما بالعسكر والقطائع، إلى أن جاء جوهر القائد فرغب في تخليد ذكره وذكر مولاه فعمد إلى بناء عاصمة الفاطميين؛ ليفاخر بها بغداد عاصمة العباسيين.

(١-٢) بناء القاهرة المعزية

ففي سنة ٣٥٩ﻫ شرع جوهر ببناء القاهرة فاختط بقعة من الأرض حيث أناخ جماله يوم جاء لفتح الفسطاط، فإنه نزل إلى شماليها بين الجبل والخليج، وكانت هذه البقعة رمالًا، ولما نزل فيها جوهر لم يكن فيها إلا بساتين قليلة منها بستان كافور الإخشيدي شرقي الخليج، وميدان الإخشيد، ودير للنصارى كان يدعى دير العظام فيه بئر تعرف ببئر الجامع الأقمر وتسميها العامة بئر العظمة، وكان في تلك البقعة موضع يعرف بقصير الشوك، ثم عُرِفَ بعدَ بناءِ القاهرة بقصر الشوك. فأمر جوهر ببناء القاهرة في ذلك المكان، وابتنى فيها قصرين أحدهما أكبر من الآخر عرفا بالقصر الكبير والقصر الصغير جعلهما لإقامة المعز عند قدومه إلى مصر. مكانهما الآن محل المحكمة الشرعية المعروف ببيت القاضي يتصل إليه من شارع النحاسين.

fig030
شكل ٩-١

ففي نحو ثلاثة سنوات تم بناء القاهرة (في أواخر سنة ٣٦١ﻫ) وقد بني حولها السور وفيه الأبواب، ولم يزل بعض آثارها باقيًا إلى هذا العهد. فبعث جوهر إلى مولاه المعز بذلك فترك المنصورية التي بناها أبوه، وسار قادمًا إلى عاصمته الجديدة مستخلفًا على إفريقية وزيره يوسف بن زيري، فركب في عمارة بحرية إلى جزيرة سردينيا ومنها إلى صقلية قضى فيها بضعة أشهر يتفقد أحوالها، ثم سار منها إلى طرابلس الغرب فالإسكندرية فالقاهرة، فوصلها في شعبان سنة ٣٦٢ﻫ وكان دخوله إليها باحتفال عظيم من باب زويلة يصحبة يعقوب بن يوسف بن كلس، وكان لزويلة بابان متلاصقان بجوار زاوية سام بن نوح المجاورة لسبيل العقادين بجوار الخرنفش. فدخل المعز من الباب الملاصق، ولم يبق له أثر الآن فتيامن الناس به، وهجروا الباب الآخر حتى جرى على الألسنة أن من مرَّ به لا تقضى له حاجة.

(١-٣) تاريخ القاهرة المعزية

كانت عاصمة الديار المصرية يومئذٍ مدينة الفسطاط (بين القاهرة ومصر القديمة الآن) فلما جاء جوهر بجنده سنة ٣٥٧ﻫ نزل شماليها في البقعة التي تقدم ذكرها، وفيها اليوم الجامع الأزهر، وبيت القاضي، وشارع النحاسين، وخان الخليلي وما جاورها من المنازل والأسواق بين المقطم والخليج الذي ردموه اليوم، وأجروا فوقه قطر التراموي بين جنوبي القاهرة وشماليها.

وكانت تلك البقعة لما عسكر فيها جوهر رمالًا يمر بها المسافر من الفسطاط إلى المطرية. فلما فتح جوهر الفسطاط بنى القاهرة في تلك البقعة، وسماها القاهرة المعزية نسبة إلى مولاه، وكانت مربعة الشكل تقريبًا؛ يحدها من الشرق الجبال، ومن الغرب الخليج، وطول هذا الحد ١٢٠٠ متر يسير فيه السور بموازاة الخليج، وعلى بعد ٣٠ مترًا منه نحو الشرق، ومن الشمال خط يمتد من الخليج قرب باب الشعرية الآن على موازاة سكة مرجوش إلى الجبل، وطوله ١١٠٠ متر، ومن الجنوب خط نحو هذا الطول يبدأ بباب الخلق عند التقاء الخليج بشارع محمد علي الآن قرب محافظة مصر، ويسير شرقًا إلى الجبل، ومساحة هذه المدينة بين هذه الحدود ٣٤٠ فدانًا أو ١٤٢٨٠٠٠ متر مربع، بنى فيها قصرًا سماه القصر الكبير الشرقي شغل خُمس هذه المساحة، وشغل ما بقي بالجامع الأزهر والقصر الغربي ومساكن الجند والإصطبلات ونحوها، وقد دللنا على مكانها في الخارطة ببقعة بيضاء، وظلت الأسواق وأماكن البيع والشراء ومساكن الأهالي في مدينة الفسطاط. أما الأرض خارج المدينة حيث الآن الفجالة والظاهر والمهمشة والعباسية والأزبكية والتوفيقية والإسماعيلية وبولاق فكان أكثرها بساتين ومزارع وبركًا.

ولم تتسع القاهرة في أثناء مدة الفاطميين إلا قليلًا فصارت مساحتها على عهد أمير الجيوش في أواخر القرن الخامس للهجرة ١٦٨٠٠٠٠ متر. حتى إذا دالت هذه الدولة، ودخلت مصر في حوزة الأيوبيين، وتملكها السلطان صلاح الدين سنة ٥٦٧ﻫ أباح للناس سكنى القاهرة، وبنى القلعة في سفح المقطم له ولجنده يعتصم بها من أعدائه؛ لأنه كان يخاف الشيعة الفاطمية على ملكه. فأقدم الناس على بناء المنازل جنوبًا خارج القاهرة بينها وبين الفسطاط، وغربًا بينها وبين النيل، وأمر ببناء سور كبير يحيط بها وبالقلعة وبالفسطاط جميعًا أكمله من جاء بعده فبلغ طوله نحو ٢٤٠٠٠ متر في شكل كثير الأضلاع، وبلغت مساحة القاهرة ضمنه ١٩٤٨ فدانًا أو ٨١٦١٦٠٠ متر مربع.

وتولى بعد الأيوبيين السلاطين المماليك، وتغير شكل القاهرة في أيامهم، ثم نقصت مساحتها، واستنزف عمرانها في أيام الأمراء والمماليك، ولكنها عادت في زمن الأسرة المحمدية العلوية إلى النهوض فبلغت مساحتها في أواخر أيام محمد علي باشا ٩٠٠٠٠٠٠ متر مربع، وحدودها من الشرق: الجبل المقطم، ومن الغرب: شارع باب الحديد، وشارع عابدين بخط منحرف نحو باب اللوق، ثم يعود الخط شرقًا إلى قرب عابدين، ويسير جنوبًا حتى يقطع الخليج قرب باب غيط العدة، ومن هناك إلى باب السيدة زينب، وكان يحدها من الشمال: شارع الفجالة، وما بعده شرقًا إلى باب الشعرية فباب النصر وباب الفتوح إلى الجبل، ويحدها من الجنوب: خط ممتد من باب السيدة زينب فباب طولون إلى باب القرافة، وقد دللنا على مكانها في الخارطة بخطوط متقاطعة والقاهرة المعزية في داخلها.

واتسعت مساحتها في عهد الخديويين بعد محمد علي حتى صارت سنة ١٨٨٠ قبيل الحوادث العرابية ١٢١٨٠٠٠٠ متر، وأسرعت في الاتساع بعد الاحتلال الإنكليزي حتى صارت مساحتها الآن أكثر من ستة أضعافها قبله وأكثر من خمسين ضعفها لما بناها القائد جوهر بما دخل في حدودها من الضواحي العامرة عامًا بعد عام.

(١-٤) دخول المعز قصره

وفي يوم الثلاثاء ٥ رمضان سنة ٣٦٢ﻫ دخل المعز لدين الله قصره بالقاهرة، وعند دخوله خر ساجدًا، ثم صلى ركعتين وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقر في قصره بأولاده وحشمه وخواص عبيده، والقصر يومئذٍ بهجة وكله تحف ومثمنات، وبعد ذلك بأسبوع أذن بدخول من يريد مقابلته للتهنئة، وجلس في الإيوان فدخل أولًا الأشراف، ثم أذن بعدهم للأولياء وسائر وجوه الناس، وكان القائد جوهر قائمًا بين يديه يقدم الناس قومًا بعد قوم، وبعد وصوله بيسير أمر ببناء تربة في القصر الكبير دفن فيها أجداده الذين استحضرهم معه بتوابيت من بلاد المغرب، وصارت بعد ذلك مدفنًا يدفن فيه الخلفاء وأولادهم ونساؤهم، وكانت تعرف بتربة الزعفران، وكان موقعها حيث خان الخليلي الآن. فلما أنشأ الأمير جهاركس الخليلي خانه أخرج ما شاء من عظامهم فألقيت على المزابل.

وفي سنة وصوله عهد ليعقوب بن يوسف بن كلس بخراج مصر، وجميع وجوه الأموال والحسبة والأعشار، وجميع ما يضاف إلى ذلك في سائر الأعمال، ويعقوب هذا كان يهوديًّا جاء مصر وتقلد بعض مصالحها في أيام كافور الإخشيدي، وأسلم طمعًا بالدنيا فأحبه كافور ورقاه، واشترك مع يعقوب في أمر الخراج عسلوج بن الحسن، وكتب المعز لهما سجلًّا بذلك فجلسا في دار الإمارة في جامع ابن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات (الالتزام) وطالبا بالبقايا من الأموال على المتقبلين والمالكين والعمال، واستقصيا بالطلب، ونظرا في المظالم فتوفرت الأموال، وزيد في الضياع، وتزايد الناس وتكاثفوا، وحسنت الأحوال، وكثر ضرب النقود إلى حد يفوق التصديق.

fig031
شكل ٩-٢: الجامع الأزهر من داخله.

ثم ابتنى جوهر جامعًا دعاه: الجامع الأزهر، وهو أقدم جوامع القاهرة — إلا جامع ابن طولون — وأكثرها اتساعًا، ولذلك لقب بالجامع الكبير، وأقام جوهر في الجامع المذكور بأمر الملك العزيز — الآتي ذكره — مكتبة نفيسة ومدرسةً ذاع صيتها في الآفاق، وكان القصد الرئيسي من بناء هذا الجامع: إقامة الشعائر الدينية، وتأييد مذهب الشيعة العلوية؛ لاختلاط السياسة بالدين في الدولة الإسلامية من ذلك العهد، وكانت هذه الشيعة قد قاست الأمرَّين تحت سلطة العباسيين من قتل ونفي. فلما تأتى لها تغلبها على مصر جعلتها عاصمة دولتها، وأنشأت القاهرة معقلًا لجندها، والجامع الأزهر لتأييد مذهبها؛ لأن العامة لا تحكم بمثل الدين، وكان المصريون يومئذٍ على مذهب الإمام الشافعي؛ لأن هذا الإمام قضى أخريات أيامه بمصر، ومات فيها، وقبره معروف في ضواحي القاهرة، وكان الفاطميون يعترفون بهذا المذهب أيضًا، وأما العباسيون فكانوا على مذهب أبي حنيفة. فتوافق الفاطميون والمصريون في المذهب فهان على الفاتحين تأييد سلطانهم، وتوسيع دائرة نفوذهم فقربوا الفقهاء والعلماء، واستقدموهم من سائر أقطار العالم الإسلامي، وأجروا عليهم الأرزاق، وفرقوا فيهم الأموال.

وكانت مجالسهم تعقد في الأزهر على عادة الفقهاء في ذلك العهد فتزاحمت فيه الأقدام، وكانوا كلما ضاق بهم وسعوه بأبنية ينشئونها بجانبه، ويوسعون دوره حتى أصبحت سعته الآن نحو ١٢٠٠٠ متر مربع، وكانت أقل من نصف ذلك، وتضاعفت أساطينه مرارًا وكان عددها يوم بني ٧٦ أسطوانة متفرقة في أجزائه، وصارت أبوابه تسعة.

وكانت أعطية الخليفة للفقهاء في أول الأمر على غير قياس أو ميقات. فلما أفضت الخلافة إلى العزيز بالله ثاني الخلفاء الفاطميين سنة ٣٦٥ﻫ أمر وزيره يعقوب بن كلس أن يرتب للفقهاء أرزاقًا معينة، وأن يبني لهم منازل يقيمون فيها بجانب الجامع، وكانوا يأتون المسجد — في بادئ الرأي — لصلاة الجمعة، وقراءة الفقه على مذهب الشيعة، والوعظ، والمباحثة، فتدرجوا من القراءة إلى التعليم حتى أصبح الجامع مدرسة كبرى أكثر دخلها مما وقفه لها الخلفاء والأمراء، ويقدر دخله السنوي اليوم بعشرين ألف جنيه.

(١-٥) علوم الأزهر وبناؤه

ظل الأزهر مدرسة شيعية طول خلافة الفاطميين (نحو مائتي سنة) حتى غلبهم صلاح الدين الأيوبي على مصر سنة ٥٦٧ﻫ وكان سني المذهب، وليس له بدٌّ من مبايعة خليفة يثبته في منصبه فبايع الخليفة العباسي في بغداد، وخطب له في الجامع الأزهر، وكان صلاح الدين على مذهب الإمام الشافعي فلم يضطر لتبديل كثير من طرق التعليم، وقبل الناس سلطته على أهون سبيل. على أنه لم ير مندوحة عن مراعاة مذهب الخلفاء العباسيين — وهو مذهب أبي حنيفة — ورأى بحكمته وسداد رأيه أن يكتسب ولاء سائر المسلمين فأجاز تعليم المذاهب الأربعة كل مذهب يحضره أهله. فآل ذلك إلى اتساع شهرة هذه المدرسة، وتقاطر إليها الطلاب من أربعة أقطار المسكونة، ولم يبق التعليم قاصرًا فيها على الفقه وعلوم الدين واللغة، ولكنه تناول شيئًا من الرياضيات والنجوم، وبعض العلوم الطبيعية.

وما زال ذلك شأنها في أيام السلاطين الأيوبيين ومماليكهم حتى جاء السلطان سليم العثماني، وفتح مصر في أوائل القرن العاشر للهجرة. ثم استبد الأمراء المماليك في الحكومة، واشتغل الناس عن العلم، وكان العنصر العربي قد ضعف شأنه في سائر المملكة الإسلامية إلا في مصر؛ لأن مدرسة الأزهر كانت أكبر وسيلة لاستبقاء اللغة العربية لتعليم العلوم الدينية واللسانية، لكنها اقتصرت يومئذٍ على هذه العلوم، وأهملت سواها من الطبيعيات والرياضيات.

على أن فضل الأزهر في إحياء اللغة العربية لم يكن قاصرًا على نشرها في الديار المصرية أو ما جاورها من البلاد العربية لكنه شمل سائر البلاد الإسلامية. فقد كانوا يفدون على مدرسته من بلاد الترك والمغرب والشركس واليمن وزنجبار والهند وأفغانستان … وغيرها، وقد رغب الناس فيه؛ لأنه كان يعلم الطلبة مجانًا يقوم بنفقاتهم من الطعام واللباس والمأوى، فضلًا عن امتيازه بمهارة الأساتذة. فكان أعظم العلماء المسلمين في الأجيال الإسلامية الوسطى ينبغون من مدرسة الأزهر، وكان للمتخرج في هذه المدرسة مزية وفضل على المتخرجين في سائر المدارس الإسلامية، وطلابه الآن يتجاوزون عشرة آلاف طالب.

وقد زاد في بناء الجامع الأزهر وغير فيه كثير من الملوك والأمراء الذين تولوا مصر بعد المعز، وعلى الخصوص: الملك الظاهر بيبرس، وقايت باي، والغوري من سلاطين المماليك، والسيد محمد باشا من ولاة الدولة العثماينة، وإسماعيل بك وعبد الرحمن كخيا من أمراء المماليك، وعبد الرحمن كخيا المذكور جدد فيه أشياء كثيرة وجعل فيه مدفنًا له دفن فيه، وأخيرًا سعيد باشا بن محمد علي باشا سنة ١٢٧٢ﻫ، ولذلك يكاد لا يوجد فيه شيءٌ من الجدران والأعمدة التي وضعها جوهر القائد.

(١-٦) نسب الفاطميين

فلما رسخت قدم الفاطميين بمصر أصبحت المملكة الإسلامية في الشرق يتنازعها خليفتان: المعز لدين الله الفاطمي في مصر، والمطيع لله العباسي في بغداد، وكل منهما يجتهد في إثبات الخلافة العامة له وحرمان الآخر منها، ودعوى المعز بالأسبقية مبنية على انتسابه لفاطمة بنت النبي، وقد اختلف النسابون في حقيقة دعواه على أنه قلما كان يعتمد على شرف الحسب والنسب، ومما يحكى عنه أنه لما كان قادمًا إلى القاهرة، وخرج الناس للقائه اجتمع به أناس من الأشراف وفيهم عبد الله بن طباطبا المشهور فتقدم إلى الخليفة المعز، وقال له: «إلى من ينتسب مولانا؟» فقال له: «سنعقد مجلسًا نجمعكم فيه، ونسرد عليكم نسبنا.»

ولما استقر المعز في القصر جمع الناس في مجلس عام وجلس بهم، وقال: «هل بقي من رؤسائكم أحد؟» قالوا: «لم يبق معتبر.» فسلَّ نصف سيفه، وقال: «هذا نسبي» ونثر عليهم ذهبًا كثيرًا، وقال: «هذا حسبي.» فقالوا جميعًا: سمعنا وأطعنا.

ولم يسكن المعز لدين الله قصره طويلًا فتوفي بعد ثلاث سنوات من حكمه بمصر (الجمعة في ١١ ربيع آخر سنة ٣٦٥ﻫ) وسنه ٤٥ سنة، ومدة حكمه جميعها ٢٤ سنة معظمها في المغرب، وكان عاقلًا حازمًا أديبًا حسن النظر محبًّا للنجامة شاعرًا، وينسب إليه من الشعر قوله:

لله ما صنعت بنا
تلك المحاجر بالمعاجر
أمضى وأقضى في النفوس
من الخناجر في الحناجر
ولقد تعبت ببينكم
تعب المهاجر في الهواجر

وينسب إليه أيضًا:

أطلع الحسن من جبينك شمسًا
فوق ورد في وجنتيك أطلَّا
وكأن الجمال خاف على الور
د جفافًا فمد بالشعر ظلَّا
وترى في شكل ٩-٣ صورة نفوذ المعز مضروبة بعد دخوله القاهرة بسنة واحدة.
fig19
شكل ٩-٣: نقود المعز لدين الله.

(٢) خلافة العزيز بن المعز (من ٣٦٥–٣٨٦ﻫ/٩٧٥–٩٩٦م)

فلما توفي المعز بويع ابنه نزار بن معد أبو منصور الملقب بالعزيز بالله، ويدعوه بعضهم العزيز بدين الله، ومولده المهدية في إفريقية، واتسعت المملكة في أيامه حتى اتصلت بمكة، ولم يكن سن العزيز عند مبايعته إلا ٢١ سنة فترك أزمة الجند لجوهر، وفوض ليعقوب بن كاس النظر في سائر الأمور، وجعله وزيرًا له في رمضان سنة ٣٦٨ﻫ، وفي محرم سنة ٣٧٣ﻫ أمر العزيز أن تكون جميع المكاتبات الرسمية باسم يعقوب، وأن تمضي الأوامر باسمه، وأهداه كثيرًا من الغلمان والأموال. فرتب يعقوب الدواوين؛ فجعل ديوانًا للجيش، وآخر للأموال، وآخر للخراج، وآخر للسجلات والإنشاء، وآخر للمستغلات، وجمع في كل منها كُتَّابًا ورؤساء كُتَّاب، وكان يجلس في مجلسه الأدباء والشعراء والفقهاء وأرباب الصنائع، وخصص لكل منهم الأرزاق، وألف كتبًا في الفقه والقراءات، وكان يجلس في كل جمعة يقرأ مصنفاته على الناس بنفسه، وكان له مجلس في داره للنظر في رقاع المرافعين والمتظلمين، ويوقع بيده في الرقاع، ويخاطب الخصوم بنفسه، وتوفي الوزير يعقوب في ٥ ذي الحجة سنة ٣٨٠ﻫ وهو أول وزراء الدولة الفاطمية بمصر.

وتزوج العزيز بالله امرأة مسيحية من الطائفة الملكية، وكان يحبها كثيرًا فاكتسبت نفوذًا عليه فكان يراعي أبناء طائفتها، ويرفق بهم إكرامًا لها حتى اتخذ طبيبه الخاص منهم، واسمه منصور بن مقشر، وكان يحترمه فاعتل الطبيب يومًا عن الركوب فلما تماثل كتب إليه الخليفة العزيز بخط يده: «بسم الله الرحمن الرحيم. على طبيبنا — سلمه الله — سلام الله الطيب وأتم النعمة عليه، وصلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب وبرئه، والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. أقالك الله العثرة، وأعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم، وطيبة النفس، وخفض العيش بحوله وقوته.»

(٢-١) هفتكين الشرابي

وقدم إلى الشام في أيام العزيز هفتكين الشرابي من بغداد لغزو دمشق، وهفتكين هذا يقال له: الفتكين أبو منصور التركي الشرابي غلام معز الدولة أحمد بن بويه رقي الخدم حتى غلب في بغداد على عز الدولة مختار بن معز الدولة، وكان فيه شجاعة وثبات في الحرب. فلما سارت الأتراك من بغداد لحرب الديلم جرى بينهم قتال عظيم اشتهر فيه هفتكين. إلا أن أصحابه انهزموا عنه، وصار في طائفة قليلة فسار بمن معه من الأتراك وهم نحو الأربعمائة إلى أن قرب من حوشبة إحدى قرى الشام، وقد وقع في قلوب العربان منه مهابة، وما زال ينتقل من محل إلى آخر، ويجمع إليه الأحزاب ومنهم القرامطة حتى غزا القسم الأعظم من سوريا إلى دمشق، ونزل على السواحل.

فعلم بذلك العزيز بالله فأرسل إليه جيشًا تحت قيادة جوهر فبلغ هفتكين ذلك وهو في عكا. أما القرامطة فكانوا في الرملة، ولما بلغهم قدوم جوهر وجيوش العزيز فروا عنها فنزلها جوهر، وسار من القرامطة إلى الإحساء التي هي بلادهم جماعة وتأخر عدة. أما هفتكين فسار من عكا إلى طبرية، وقد علم بمسير القرامطة وتأخر بعضهم فاجتمع في طبرية، واستعد للقاء جوهر، وجمع الأقوات من بلاد حوران والثنية وأدخلها إلى دمشق. ثم سار إليها وتحصن فيها فعلم جوهر بذلك فسار إلى دمشق، ونزل على ظاهرها في ٢٢ ذي القعدة وبنى على معسكره سورًا، وحفر خندقًا عظيمًا، وجعل له أبوابًا.

فتجمع هفتكين برجاله لقتال جوهر، وطال الأخذ والرد إلى ١١ ربيع أول سنة ٣٦٦ﻫ، وعند ذلك اختل أمر هفتكين وهم بالفرار. ثم إنه استظهر ووردت الأخبار بقدوم أحمد القرمطي إلى دمشق، فطلب جوهر الصلح على أن يرحل عن دمشق من غير أن يتبعه أحد، وذلك أنه رأى أمواله قد قلت، وهلك كثير ممن كان في عسكره حتى صار أكثر جنده رجالة، وأعوزهم العلف، وخشي فوق ذلك قدوم القرامطة. فأجابه هفتكين وقد عظم فرحه، فرحل جوهر في ٣ جمادى الأولى وجدَّ في المسير إلى أن بلغ طبرية، وكان قد قرب القرامطة فتعقبوه إليها فسار منها إلى الرملة فبعث القرامطة بسرية كان لها مع جوهر وقعة قتل فيها جماعة من العرب. ثم طال الكفاح ١٧ شهرًا ففر جوهر إلى عسقلان فغنم هفتكين شيئًا كثيرًا. ثم سار فحاصر عسقلان فبلغ ذلك العزيز فاستعد للمسير ليمد جوهرًا.

أما جوهر فلما طال حصاره راسل هفتكين يطلب إليه تقرير الصلح على مال يحمله إليه، وأن يخرج من تحت سيفه، فعلق هفتكين سيفه على باب عسقلان وخرج جوهر ومن معه من تحته، وسار إلى القاهرة فوجدوا العزيز قد برز يريد المسير. فساروا معه وما زالوا حتى نزلوا الرملة، وكان هفتكين في طبرية فسار للقاء العزيز ومعه عدة من رجاله فالتقى الجيشان. فلم يكن غير ساعة حتى انهزم جيش هفتكين، وفاز العزيز، فطلبوا هفتكين فإذا هو قد فر على فرس بمفرده فقبض عليه أحد العرب، وجاء به إلى العزيز وعمامته في عنقه فأمر به فطيف به على العسكر على جمل فأخذ العسكر يلطمونه ويهزون لحيته.

ثم سار العزيز بهفتكين والأسرى إلى القاهرة، فاستخدمه ومن معه، وأحسن إليه غاية الإحسان، وأنزله في دار وواصله بالعطاء والخلع حتى قال: لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز بالله، وتطوفي إليه بما غمرني من فضله وإحسانه، فلما بلغ ذلك العزيز قال لعمه حيدرة: «يا عم والله إني أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر، ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي.» وما زال هفتكين يرتقي في ظل العزيز إلى أن توفي سنة ٣٧٢ﻫ فظن العزيز أن يعقوب بن كلس سمه (وكان لا يزال حيًّا) لأنه كان يلاحظ بينهما منافسة في التقرب من الخليفة فاعتقله مدة ثم أطلقه.

(٢-٢) مناقب العزيز بالله

وفي ١٨ رمضان سنة ٣٨٦ﻫ توفي العزيز بالله في بلبيس على إثر مرض طويل بالقولنج والحصاة، وعمره ٤٢ سنة وبضعة أشهر، ومدة خلافته ٢١ سنة وخمسة أشهر ونصف فنقل إلى القاهرة، ودفن في تربة القصر مع آبائه، وكان العزيز كريمًا شجاعًا حسن العفو عند المقدرة، وكان أسمر اللون أصهب الشعر أشهل العين عريض المنكبين حسن الخلق قريبًا من الناس لا يؤثر سفك الدماء محبًّا للصيد ولا سيما صيد السباع، وكان أديبًا فاضلًا.

ويحكى أن أحد الشعراء نظم قصيدة هجا بها وزيره وكاتب سره فرفعا الشكوى إليه، وطلبا عقاب الشاعر. فاطلع على القصيدة فرأى فيها هجوًا به أيضًا فقال لهما: «بما أني شاركتكما باحتمال هذه الإهانة فشاركاني بالعفو على هذا الشاعر.»

والعزيز أول من اتخذ وزيرًا أثبت اسمه على الطرز، وقرن اسمه باسمه، وأول من لبس الخفين، وأول من اتخذ منهم الأتراك واستخدمهم وجعل منهم القواد، وأول من رمى منهم بالنشاب، وأول من ركب منهم بالذؤابة الطويلة وضرب بالصوالجة ولعب بالرمح، وأول من أقام طعامًا في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان، وأول من اتخذ الحمير لركوبه إياها.

وكان للعزيز رغبة في اقتناء الكتب مجاراة لمناظريهم من العباسيين؛ فجمع منها جانبًا كبيرًا خصص لها قاعات في قصره سماها: «خزانة الكتب» وبذل الأموال في الاستكثار من المؤلفات المهمة في التاريخ والأدب والفقه، ولو اجتمع من الكتاب الواحد عشر نسخ أو مائة نسخة أو أكثر؛ ذكروا أنه كان فيها من كتاب العين للخليل نيف وثلاثون نسخة بخط الخليل نفسه، وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، واشتروا النسخة بمائة دينار، ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد، وكان عدد النسخ المكررة يزداد بتوالي الأعوام حتى بلغ عددها من تاريخ الطبري عند استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر ١٢٠٠ نسخة، وكان فيها ٣٤٠٠ ختمة قرآن بخطوط منسوبة محلاة للذهب. فلا عجب إذا قالوا: إنها كانت تحوي ١٦٠٠٠٠٠ كتاب في الفقه والنحو والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات والكيمياء منها ١٨٠٠٠ كتاب في العلوم القديمة فيها ٦٥٠٠ جزء من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة غير أدوات الهندسة والفلك.

على أننا نرى في تقدير تلك الكتب مبالغة، وقد قدرها آخرون بنحو ٢٠٠٠٠٠ كتاب، وغيرهم ١٢٠٠٠٠ ونظن في تقديرهم التباسًا من حيث المراد بخزانة الكتب أو خزائن الكتب؛ لأن العزيز بعد أن أنشأ خزانته بقصره اقتدى به جماعة من أهله فأنشَئوا مثلها في قصورهم. فالظاهر أن المراد بالتقدير القليل عدد الكتب في خزانة العزيز خاصة، وبالكثير عدد ما في خزائن القصور كلها، وبهذا الاعتبار لا يقلُّ عدد الكتب في خزائن القصور عن ١٠٠٠٠٠٠ مجلد أو كتاب.

وكان للعزيز عناية كبيرة في خزانته يتعهدها بنفسه حينًا بعد حين، وقد رتب لها قيِّمًا يتولى شئونها ويجالسه ويقرأ له الكتب وينادمه، وممن تولى ذلك أبو الحسن الشابشتي الكاتب المتوفي سنة ٣٩٠ﻫ.

ومن آثاره: أنه أسس جامع الحاكم فلما جاء الخليفة الحاكم أتمه.

(٣) خلافة الحاكم بأمر الله بن العزيز (من سنة ٣٨٦–٤١١ﻫ/٩٩٦–١٠٢١م)

ولما توفي العزيز خلفه ابنه المنصور أبو علي فبويع ولقب بالحاكم بأمر الله، ولكننا سنرى أنه لم يحكم إلا خلافًا لأمر الله، وكان عمره عند مبايعته إحدى عشرة سنة فكان الوصي عليه الوزير أرجوان فاستأثر بالنفوذ حتى تجاوز الحد.

وكانت مدة حكمه ٢٥ سنة ثارت في أوائلها عصبة ادعى زعيمها أنه من سلالة الخليفة هشام بن عبد الملك بن مروان، وجرى بسبب ذلك خصام وحروب كان النصر فيها متبادلًا، وفي المرة الأخيرة قبض على زعيم العصاة وألقي في السجن، وهرب أتباعه. ثم أراد الحاكم أن يبرهن على اختلال شعور هذا الرجل فأركبه جملًا، وأركب وراءه قردًا وطوَّفه في المدينة، والقرد لا ينفك عن قرع ذلك الرجل على رأسه إلى أن مات شر موتة.

وفي سنة ٣٩١ﻫ أمر الحاكم الناس بأن يوقدوا القناديل على الحوانيت وأبواب الدور والمحال والسكك الشارعة وغير الشارعة، ولازم الركوب في الليل، وكان ينزل في كل ليلة إلى موضع موضع، وإلى شارع شارع، وإلى زقاق زقاق، وصار الناس من الزينة والوقود الكثيرة يوصلون ليلهم بنهارهم، فيقضون طول الليل في البيع والشراء، وكان إذا مشى في موكبه أمر حاشيته أن لا تمشي بقربه وزجرهم، وقال: أبعدوا، ولا تمنعوا أحدًا مني فكانت تقترب الناس منه، وتحدق به، وتكثر من الدعاء له.

(٣-١) أطوار الحاكم

وبعد يسير أصيب الحاكم بتغيير في عقله لم يفارقه حتى فارقته الحياة، وظهر في أثناء ذلك متمذهبٌ يدعى ضرار وتبعه جماعة عرفوا بالضرارية. ثم توفي الزعيم وخلفه أحد تلاميذه المدعو حمزة بن أحمد الملقب بالهادي، وسن هؤلاء شرائع كثيرة، وعلموا تعاليم مختلفة، منها: تعظيم يوم الجمعة، والاحتفال بالأعياد، والتعويض عن الحج لمكة بزيارة مقام طالب في اليمن، ومن شرائعهم: أنهم أباحوا الزيجة بين الأخ وأخته، وأب وبناته، والأم وأبنائها، وجاءوا بأمور كثيرة تخالف أو تناقض ما جاء في القرآن.

فارتاح الحاكم لهذه الديانة الجديدة وافتتن بها فتبعها، ونسي ديانة أبيه وجده، وكان يصعد كل صباح منفردًا إلى الجبل المقطم حيث ادعى أنه يناجي الله كما كان يفعل موسى، وبعد أن كان أشد نصير للديانة الإسلامية نادى جهارًا بمقاومتها، وادعى بالسوء على الصحابة، وسعى في إبطال الديانة الإسلامية، وإقامة ديانة جديدة فحبطت مساعيه فاحتقرته الرعية، ولم تعد تعبأ بمدعياته فعاد إلى نصرة الإسلام فاضطهد النصارى واليهود.

وكان السبب الرئيسي في ذلك الاضطهاد: تقدم النصارى في أيامه حتى صاروا كالوزراء، وتعاظموا لاتساع أحوالهم، وكثرة أموالهم فتزايدت مكايدتهم للمسلمين على عهد عيسى بن نسطوروس وفهد بن إبراهيم النصرانيين فغضب الحاكم بأمر الله — وكان إذا غضب لا يملك نفسه فيبلغ غضبه إلى حد الجنون — فأمر بقتل هذين الرجلين، وشدد على النصارى فأمرهم بلبس ثياب الغيار وشد الزنار في أوساطهم، ومنعهم من عمل الشعانين والتظاهر بما كانت عادتهم فيه، وقبض على ما في الكنائس وأدخله الديوان، ومنع النصارى من شراء العبيد، وهدم كنائسهم، وأجبرهم على الإسلام … وغير ذلك من التشديد والعنف بما لم يقاسِ النصارى مثله من قبل، ولعله أعظم ما أصابهم من الاضطهاد في إبان التمدن الإسلامي، ولا جناح على التمدن به؛ لأن مرتكبه أتاه عن حمق أو جنون.

وقد سوغ للحاكم المبالغة في اضطهاد النصارى حرب كانت بين الروم والمسلمين يومئذٍ فأخرب الروم بعض جوامع المسلمين، ومنها جامع كان لهم في القسطنطينية؛ فانتقم الحاكم منهم بالتضييق على أهل مذهبهم في بلاده، وكان في جملة ما هدمه من الكنائس: كنيسة القيامة بالقدس. فلما تولى الخليفة الظاهر لإعزاز الدين بعد الحاكم عقدت الهدنة بينه وبين ملك الروم سنة ٤١٨ﻫ واتفقا على إعادة بناء جامع القسطنطينية، وأن يعاد بناء كنيسة القيامة، وأن يؤذن لمن أظهر الإسلام في أيام الحاكم أن يعود إلى النصرانية إذا شاء فرجع إليها كثيرون.

وربما كان السبب الذي حمل الحاكم على ذلك التضييق طفيفًا فعظمه تعصبه وحمقه فأمر بالهدم والقتل. على أنه كثيرًا ما كلف رعاياه من المسلمين وغيرهم أمورًا مضحكة تشبه الجنون الصريح كإصداره المنشورات بمنعهم من أكل الملوخيا أو من البقلة المسماة بالجرجير، أو منعهم من عمل الفقاع، ومنع النساء من التبرج أو المسير في الطرق، والأمر بسب السلف ولعنهم، ونقش ذلك على المساجد وأبواب الحوانيت وعلى المقابر ونحو ذلك من الأوامر التي تدل على اختلال في عقله.

على أننا قلما نراه أتى أمرًا إلا لسبب — وإن كان ضعيفًا — فالسبب في منعه الناس من أكل الملوخيا مثلًا: أن معاوية بن أبي سفيان عدو الشيعة كان يحبها والدول الفاطمية شيعية، ومنعهم من أكل بقلة الجرجير؛ لأنها منسوبة إلى عائشة أم المؤمنين، ومنعهم من أكل المتوكلية؛ لأنها تنسب إلى المتوكل وهو من أعداء الشيعة، ومنع الناس من شرب الفقاع؛ لأن علي بن أبي طالب يكرهه … وقس على ذلك سائر ضروب الحماقة والغرابة، ومن هذا القبيل اضطهاد النصارى وتخريب كنائسهم. على أنه عاد لسبب طفيف أو بلا سبب وأمر ببناء تلك الكنائس، وخير النصارى في الرجوع إلى دينهم فارتد كثيرون منهم — وقد تقدم أن ذلك كان في أيام ابنه الظاهر — ومن أعماله الغريبة أنه ابتنى المدارس، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وأخربها، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلًا فظل الناس على ذلك دهرًا طويلًا. فمن كانت هذه أعماله لا يستغرب منه اضطهاد، ولا يعدُّ اضطهاده عارًا على الدولة أو الأمة.

فكان هذا الحاكم حِملًا ثقيلًا على عاتق المصريين والسوريين، ولم يستطع أحد مقاومته فكان كل منهم يكظم غيظه، وهو يسمع بإذنه رنة السهم في قلبه.

ولكن الأمور تجري على سنن محدودة، ولا بد لكل منها من نهاية فعلمت أخت الحاكم وقائد جيشه أن الحاكم ينوي قتلهما فعمدا إلى اغتياله قبل أن يغتالهما فأخذا الاحتياطات الممكنة، وفي سنة ٤١١ﻫ قتلاه على جبل المقطم، وبعد موته صار النفوذ إلى أخته ونادت بابنه علي أبي الحسن الملقب بالظاهر لإعزاز دين الله وريثًا له فاستلم زمام الأحكام فبايعوه، وبقيت الأحكام في يده ١٧ سنة.

(٣-٢) جامع الحاكم

ومن آثار الحاكم بأمر الله الجامع المعروف بجامع الحاكم، وقد تقدم أن العزيز وضع أساسه على يد وزيره يعقوب بن كلس فأتم الحاكم بناءه، وأنفق في سبيل ذلك أربعين ألف دينار، ودعاه جامع باب الفتوح لمجاورته له، وجعل فيه المفروشات الثمينة، والأواني الفضية والذهبية، وكان هذا الجامع عند بنائه خارج سور القاهرة. ثم لما جاء أمير الجيوش وجدد الأسوار — كما سيأتي — وابتنى باب الفتوح حيث هو اليوم أصبح الجامع داخل السور. ثم تهدم بعضه بزلزلة حصلت في ١٣ ذي الحجة سنة ٧٠٢ﻫ فانتدب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير لترميمه، وجعل فيه دروسًا أربعة لتعليم الفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، ودرسًا لإقراء الحديث، وجعل فيه مكتبة نفيسة وصهاريج للماء وأماكن أخرى. ثم جدد هذا الجامع وبلط جميعه في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون سنة ٧٦٠ﻫ على يد الشيخ قطب الدين محمد الهرماس، ويقال: إن الشيخ المشار إليه وجد في الجامع حجرًا مكتوبًا عليه هذه الأبيات لغزًا في الحجر المكرم:

إن الذي أسررت مكنون اسمه
وكتمته كيما أفوز بوصله
مال له جذر تساوى في الهجا
طرفاه يضرب بعضه في مثله
فيصير ذاك المال إلا أنه
في النصف منه تصاب أحرف كله
وإذا نطقت بربعه متكلمًا
من بعد أوله نطقت بكله
لا نقط فيه إذا تكامل عده
فيصير منقوطًا بجملة شكله

(٣-٣) دار الحكمة

ومن آثار الحاكم في خدمة العلم أنه أنشأ مكتبة سماها دار العلم أو دار الحكمة، وهي غير خزانة العزيز أو خزائن القصور كما توهم الأكثرون. أنشأها الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله سنة ٣٩٥ﻫ بجوار القصر الغربي بالقاهرة، وحمل إليها الكتب من خزائن القصور، ووقف لها أماكن ينفق عليها من ريعها. ففرشوها وزخرفوها، وعلقوا الستور على أبوابها وممراتها، وأقاموا عليها القوام والمشرفين، والغرض من دار الحكمة مثل الغرض من بيت الحكمة الذي أنشأه العباسيون أي لخدمة الناس في المطالعة والدرس والتأليف، وهي طريقة القدماء في تعليم الناس؛ إذ يتعذر على غير الأغنياء اقتناء الكتب الكثيرة نظرًا لغلائها، فمن أحب تعليم رعيته أنشأ مكتبة جمع فيها الكتب، وفتح أبوابها للناس كما فعل البطالسة في مكتبة الإسكندرية، والعباسيون في بيت الحكمة ببغداد.

وقد عد بعضهم دار الحكمة مدرسة؛ لأن الحاكم أقام بها القراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة والأطباء، وأجرى لهم الأرزاق، وأباح الدخول إليها إلى سائر الناس على اختلاف طبقاتهم من محبي المطالعة؛ ليقرءوا أو ينسخوا ما شاءوا، وجعل فيها ما يحتاجون إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر، وكان الحاكم يستحضر بعض علماء الدار المذكورة إلى ما بين يديه، ويأمرهم بالمناظرة كما كان يفعل المأمون ويخلع عليهم الخُلَع، وقد أباح المناظرة بين المترددين إلى دار الحكمة فكانوا يعقدون المجتمعات هناك، وتقوم المناظرات، وقد يفضي الجدال إلى الخصام، واتخذ بعض أصحاب البدع تلك الاجتماعات وسيلة لبث آرائه، فاضطر الأفضل بن أمير الجيوش في أوائل القرن السادس للهجرة إلى إبطالها دفعًا للأسباب.

فلما توفي الأفضل أمر الخليفة الآمر بأحكام الله وزيره المأمون بن البطائحي فأعادها سنة ٥١٧ﻫ ولكنه اشترط فيها المسير على الأوضاع الشرعية، وأن يكون متوليها رجلًا دينًا، وأن يقام فيها متصدرون برسم قراءة القرآن، ولا نظن عدد كتبها يقل عن ١٠٠٠٠٠ كتاب، ولما أفضت الدولة إلى صلاح الدين الأيوبي هدم دار الحكمة وبناها مدرسة للشافعية.

وهذه صورة النقود الذهبية التي ضُربت في أيام الحاكم بأمر الله (انظر شكل ٩-٤).
fig20
شكل ٩-٤: نقود الحاكم بأمر الله.

(٤) خلافة الظاهر بن الحاكم (من سنة ٤١١–٤٢٧ﻫ/١٠٢١–١٠٣٦م)

وفي أيام الظاهر (سنة ٤٢٢ﻫ) توفي الخليفة القادر بالله العباسي الذي كان قد أقيم سنة ٣٨١ﻫ خلفًا للطائع، وأقيم مقامه في بغداد القائم بأمر الله، وكان سن الظاهر لما تولى الخلافة ١٦ سنة فخرج إلى صلاة العيد، وعلى رأسه المظلة، وحوله العساكر، وصلى بالناس في المصلى، وعاد فكتب بخلافته إلى الأعمال، وشرب الخمر ورخص فيه للناس وفي سماع الغناء، وشرب الفقاع، وأكل الملوخية، وجميع الأسماك فأقبل الناس على اللهو.

(٤-١) المجاعة

وكان الظاهر ضعيف الرأي منصرفًا إلى اللهو فأفضى النفوذ إلى بضعة من رجال دولته، وقرروا أن لا يدخل على الظاهر غيرهم. فأصبحوا يتصرفون بأمور الدولة، ويمنعون أهل النصح من الوصول إلى الخليفة، وأخذوا في الاستئثار بالأموال فضاقت أبواب الرزق، ومنع الناس من ذبح الأبقار لقلتها، وعزت الأقوات بمصر، وقلت البهائم كلها حتى بيع الرأس البقر بخمسين دينارًا، وكثر الخوف في ظواهر البلد، وكثر اضطراب الناس، وتحدث زعماء الدولة بمصادرة التجارة فاختلف بعضهم على بعض، وكثر ضجيج العسكر من الفقر والحاجة فلم يجابوا، وتحاسد زعماء الدولة فقبض على العميد محسن وضرب عنقه، واشتد الغلاء وفشت الأمراض، وكثر الموت في الناس، وفُقد الحيوان فلم يقدر على دجاجة ولا فروج.

وعز الماء فعم البلاء من كل جهة، وعرض الناس أمتعتهم للبيع فلم يوجد من يشتريها، وخرج الحاج فقُطع عليهم الطريق بعد رحيلهم من بركه الجب، وأخذت أموالهم، وقُتل منهم كثير، وعاد من بقي فلم يحج أحد من أهل مصر، وتفاقم الأمر من شدة الغلاء فصاح الناس بالظاهر: «الجوع الجوع يا أمير المؤمنين، لم يصنع بنا هذا أبوك ولا جدك فالله الله في أمرنا.»

وطرقت عساكرُ ابنَ جراح الفرما ففر أهلها إلى القاهرة، وأصبح الناس بمصر على أقبح حال من الأمراض والموتان وشدة الغلاء وعدم الأقوات، وكثر الخوف من الذعار التي تكبس حتى إنه لما عمل سماط عيد النحر بالقصر كبس العبيد على السماط وهم يصيحون الجوع، ونهبوا سائر ما كان عليه، ونهبت الأرياف، وكثر طمع العبيد ونهبهم، وجرت أمور من العامة قبيحة، واحتاج الظاهر إلى القرض فحمل بعض أهل الدولة إليه مالًا وامتنع آخرون، واجتمع نحو الألف عبد؛ لتنهب البلد من الجوع فنودي بأن من تعرض له أحد من العبيد فليقتله.

وندب جماعة لحفظ البلد، واستعد الناس فكانت نهبات بالساحل ووقائع مع العبيد احتاج الناس فيها إلى أن خندقوا عليهم خنادق، وعملوا الدروب على الأزقة والشوارع، وخرج معضاد في عسكر فطردهم، وقبض على جماعة منهم ضرب أعناقهم، وأخذ العبيد في طلب وجوه الدولة فحرسوا أنفسهم، وامتنعوا في دورهم، وانقضت السنة والناس في أنواع من البلاء.

وفي سنة ٤٢٧ﻫ توفي الظاهر لإعزاز دين الله في ليلة الأحد منتصف شعبان بعد أن تضعضعت الدولة، فبويع ابنه معد أبي تميم خليفة مكانه، ولقب بالمستنصر بالله.

وهذه صورة نقود الظاهر لإعزاز دين الله ضُربت في القاهرة سنة ٤٢٥ انظر شكل ٩-٥.
fig21
شكل ٩-٥: نقود الظاهر لإعزاز دين الله.

(٥) خلافة المستنصر بن الظاهر (من سنة ٤٢٧–٤٨٧ﻫ/١٠٣٦–١٠٩٤م)

ولم يكن سنُّ المستنصر عند مبايعته أكثر من سبع سنوات، وأمه جارية سوداء ابتاعها الظاهر من تاجر يهودي اسمه أبو سعيد سهل بن هارون التستري. فلما رأت أنها في هذا المنصب أتت بسيدها الأصلي وولته الاستشارة، وكانت مدة خلافة المستنصر أطول من مدة كل خليفة فاطمي، وأكثر حوادث من الجميع.

ففي سنة ٤٢٩ﻫ عقد المستنصر هدنة مع إمبراطور الروم، وكان لا ينفك عن مهاجمة التخوم الإسلامية حتى أخضع حلب، وتبعها سائر الشام، فساد الأمن بعد الهدنة إلى أن كانت سنة ٤٣٤ﻫ بويلاتها فثارت داخلية مصر بفتنة جديدة؛ لظهور رجل اسمه سكين كان يشبه الحاكم بأمر الله فادعى أنه الحاكم، وقد رجع بعد موته. فاتبعه جمع ممن يعتقد رجعة الحاكم فاغتنموا خلو دار الخليفة بمصر من الجند وقصدوها مع سكين نصف النهار فدخلوا الدهليز فوثب من هناك من الجند، فقال لهم أصحابه: إنه الحاكم فارتاعوا لذلك، ثم ارتابوا به فقبضوا على سكين، ووقع الصوت، واقتتلوا فتراجع الجند إلى القصر والحرب قائمة فقتل من أصحابه جماعة وأسر الباقون، وسلبوا أحياء، ورماهم الجند بالنشاب حتى ماتوا.

ثم سعت أم الخليفة فسادًا في الأحكام فغيرت في الوزارة، ونقلت زمام الأمور من يد أحمد بن علي ليد حسن بن العنبري، ومنه إلى صدقة العلاجي، وهذا قتل سلفه سنة ٤٤٠ﻫ فحُكم عليه بالقتل فأبدل بحسين الجرجراي، وفي شوال سنة ٤٤١ﻫ قُبض عليه ونُفي إلى سوريا، وأقيم مقامه أبو الفضل بن مسعود والقاضي اليازوري، وقد حاز هذا الأخير على رضا المستنصر فقربه منه بحيث إنه كان يعطيه الألقاب الخاصة بالخليفة، ويضرب النقود باسمهما.

وفي أثناء ذلك اضطربت الخارجية بسبب معز الدولة، وكان قد ولاه الخليفة على حلب سنة ٤٣٦ﻫ فحاول الاستقلال بها؛ فأنفذ الخليفة إليه جيشًا بقيادة ناصر الدولة بن أبي الهيجاء فكسره. فاسترجعه، وأرسل عوضًا عنه الأميرين طرفًا ورفيقًا، وتحتهما جيوش مصرية فلم ينالا أكثر مما نال، ولحسن الطالع اعتاض معز الدولة عن الهجوم على مصر بعد ما رأى من انتصاره على جيشها بعقد الصلح. فأنفذ ابنه وزوجته ليعقدا صلحًا مع المستنصر، وكانت زوجته بديعة الجمال فأخذت بمجامع قلب المستنصر فوافقها في التنازل عن حلب لزوجها.

(٥-١) المعز بن باديس

وما انتهت هذه المعضلة في الشرق حتى نشأت معضلة أخرى في الغرب، وذلك أن المعز بن باديس تمرد في إفريقية لمكاتبات عدوانية حصلت بينه وبين الوزير اليازوري؛ فأبطل الخطبة للمستنصر، واستعاض عنه باسم الخليفة العباسي القائم بأمر الله، ووردت الخلع والتقليد من القائم بأمر الله إلى المعز مع كتاب قال فيه: «من عبد الله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد ثقة الإسلام وشرف الإمام وعمدة الأنام ناصر دين الله قاهر أعداء الله ومؤيد سنة رسول الله أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير المؤمنين بولاية جميع المغرب وما افتتحه بسيف أمير المؤمنين وهو طويل» وأرسل إليه سيفًا وفرسًا وأعلامًا على طريق القسطنطينية فوصل ذلك يوم الجمعة فدخل به إلى الجامع، والخطيب ابن الفاكاة على المنبر يخطب الخطبة الثانية. فدخلت الأعلام فقال: «هذا لواء الحمد يجمعكم، وهذا معز الدين يسمعكم، وأستغفر الله لي ولكم» وقطعت الخطبة للعلويين من ذلك الوقت، وأحرقت الأعلام.

وكان المستنصر مشتغلًا في أثناء ذلك بالاضطرابات الداخلية بين قبيلتين من العرب: بني زابح، وبني رياح؛ فرأى الوزير أن يستدرك الخطب الداخلي قبل الخطب الخارجي، وأن يستخدم العدو الواحد لإبادة الآخر، فأصلح بين القبيلتين وحرضهما على المعز بن باديس على أن يجعل لهما في مقابل ذلك برقة وطرابلس الغرب.

فاستعد ابن باديس لملاقاة أعدائه بجيش مؤلف من ٣٠ ألف فارس، ولم يكن الأعراب أكثر من ٣ آلاف مقاتل. فلما التقوا بجيش المعز هابوه فطلبوا الفرار، فناداهم قائدهم مونس أن يجالدوا في القتال فأجابوه: «أين نطعن هؤلاء المكسوِّين بالخوذ والدروع؟» فقال: «في عيونهم» ومن ذلك الحين لقب مونس بأبي العيون، وعادت رجاله وقد ثارت فيهم الحمية العربية، وما زالوا حتى انتصروا على المعز في تلك الوقعة. ثم بقيت الحرب سجالًا بين الفريقين ست سنوات، وكانت الغلبة طورًا لهؤلاء وطورًا لهؤلاء.

أما المستنصر فعمد إلى تزيين القاهرة، وبناء البنايات الجميلة فيها فأعاد تذهيب جامع عمرو سنة ٤٤١ﻫ وبنى فيه منبرًا من الخشب الثمين قائمًا على عمد من خشب الصندل، وأقام فيه منارة جديدة، وخصص لهذه الترميمات مالًا من خزينته الخاصة.

وفي سنة ٤٤٢ﻫ توفي في مصر أميرتان من أغنى أمراء مصر، وهما: راشدة، وعبدة، وكلاهما ابنتا الخليفة المعز لدين الله؛ فتركت الأولى ثروة مقدارها مليونان وسبعمائة ألف دينار، والثانية مثل ذلك، وكان الخلفاء الفاطميون ينتظرون موتهما ولم يَرَوه فكانت ثروتهن غنيمة بارة للخليفة المستنصر.

(٥-٢) الفتنة بين الخلافتين

وفي سنة ٤٤٤ﻫ وصل القاهرة نبآن مختلفان؛ الأول: أن الخليفة العباسي في بغداد أصدر منشورًا إلى العالم الإسلامي يقدح فيه بانتساب الخلفاء الفاطميين إلى علي بن أبي طالب، والثاني: أن أمير اليمن علي بن محمد الصالحي أمر أن يخطب باسم المستنصر في الصلاة وأرسل إليه هدايا. فسرَّ الخليفة المستنصر لهذين الخبرين اللذين يوازن أحدهما الآخر، ولم يبد حراكًا؛ لاشتغاله بقحط عظيم نتج عن تقصير النيل تلك السنة فاشتد الجوع، وكان قد احتكر الحنطة، وكان يخزن منها كل سنة بمائة ألف دينار يحفظها في خزائنه؛ ليبيعها عند الحاجة بالأثمان الغالية، فإذا كانت سنة رخاء كان الوزير اليازوري يستبدل تلك الحنطة بقيمتها من الخشب أو الحديد أو ما شاكل.

ففي سنة ٤٤٦ﻫ لم يف النيل، ولم يكن في خزائن الحنطة ما يكفي لغير الخليفة وأهله وحاشيته قوتًا ضروريًّا فغلا ثمن الكيس الصغير من القمح ثمانية دنانير، وأخذ الجوع يتزايد، وتبعه الطاعون، وامتد الاثنان إلى سوريا حتى بلغا بغداد، وتبع هاتين الضربتين ضربة ثالثة نعني الحرب، وسببها: أن الخليفة المستنصر لما اشتد الجوع في بلاده أرسل إلى القسطنطينية يستنجد إمبراطورها بالحنطة فرضي الإمبراطور أن يرسل له أربعمائة ألف أردب، ولكنه مات قبل إرسالها. فلما تولت الإمبراطورة ولية العهد أوقفت الإرسال على أن يعقد لها المستنصر معاهدة (هجومية ودفاعية) فلم يرضَ فلم ترسل الحنطة فاستشاط غضبًا، وأمر بالجهاد فأنفذ ناصر الدولة لفتح اللاذقية وأنطاكية فقبض عليه وتفرق جيشه. فتعاظم غيظ المستعمر، واشتد انتقامه فأمر بالحجز على كل ما في كنيسة القيامة في القدس الشريف من الأموال والأدوات الثمينة فاضطربت العلاقات الودية بين الروم ومصر.

وزاد المصريين رعبًا مذنب طويل ظهر في سماء مصر في ١٢ جمادى الثانية سنة ٤٥٥ﻫ ولم يغب إلى ١٥ رجب منها. غير أن الوزير لم يألُ جهدًا في تدبير الأمور بحكمة ورزانة فخفف المصائب، واستجلب القوت إلى البلاد رويدًا رويدًا. على أن سلطة المستنصر كانت تزداد في الخارج يومًا فيومًا حتى إن البساسيري قائد جند الخليفة العباسي القائم بأمر الله لما كبر شأنه خلع خليفته، وبايع للمستنصر الفاطمي، ورفع العلم الأبيض على منابر بغداد سنة ٤٥٠ﻫ واقتدى به أهل واسط والكوفة وسائر المدن الشرقية الكبرى.

فامتدت سلطة المستنصر الدينية إلى خراسان وفارس. فرأى السلطان طغرلبك هناك أن تسلط العلويين يضر بغرضه فسار بجيشه إلى بغداد، وأعاد القائم بأمر الله إلى منصبه، ونصب العلم العباسي، وأعاد الخطبة للخليفة القائم في ٢٦ ذي القعدة سنة ٤٥١ﻫ.

وكان المستنصر قد أرسل إلى البساسيري مددًا من الرجال، وخمسمائة ألف دينار، ومؤنًا وذخائر وثيابًا وخيلًا، ولكن لما علم بإعادة بيعة الخليفة العباسي خاف ولم يعد يمده، واكتفى باتخاذ الاحتياط لمنع تقدمه، ولولا ذلك لانتشرت سلطة الدولة الفاطمية إلى أقصى ما بلغت إليه الدولة العباسية في عزها.

(٥-٣) حروب واضطرابات

وجرت في خلال ذلك في سوريا حروب آلت إلى ضعف سطوة المستنصر، وذلك أن حلب كانت إلى ذلك الحين لمعز الدولة، والعرب من بني كلاب يهاجمونها فأقلقوا راحته، وطمعوا به فلم يرَ طريقة للتخلص منهم إلا الالتجاء إلى المستنصر، فكتب إليه أنه لم يعد قادرًا على البقاء في حلب على هذه الحال، وطلب إليه أن يرد هذه المدينة إلى العباسيين، وأن يوليه بدلًا منها مدينة لا يكون للعربان يد إليها. فأعطاه مدن بيروت وعكا وجبيل، وجعل على حلب مكين الدولة أحد قواده فحصنها في شهر ذي القعدة سنة ٤٤٨ﻫ.

ثم سافر معز الدولة إلى مصر، وعقد فيها معاهدة مع المستنصر على المدن التي أعطيت له، وكان مكين الدولة لطيف المعاملة حليمًا فسعد الشعب أيامه فرخصت الأسعار، واستتبت الراحة، إلا أن بني كلاب لم ينفكوا عن مناوأته بقيادة الأمير محمود الكلابي ابن أخي أميرهم الأول، وكان قد عنف عمه على تسليم أرضهم للخليفة، فجاء مدينة حلب وغزاها، وقتل حاميتها، ودخلها فسلمت له في ٢ جماى الثانية سنة ٤٥٢ﻫ.

أما مكين فكان محاصرًا في قلعتها ولم يسلم، فأرسل إلى مصر يستنجد المستنصر فأنجده بناصر الدولة أبي محمد الحسين بن الحسن بن حمدان الأمير بدمشق، وأوعز إليه أن يسير بمن عنده من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود. فسار إلى حلب فلما سمع محمود بقربه منه خرج من حلب، ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها. ثم إن الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة بظاهر حلب، واشتد القتال بينهم فانهزم ناصر الدولة، وعاد مقهورًا إلى مصر، وملك محمود حلب، وقتل عمه معز الدولة، واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تعرف بوقعة الفنيدق.

فلما وصل ناصر الدولة إلى مصر رأى الخليفة أن يكافئه على فشله فولاه دمشق، وفي سنة ٤٥٥ﻫ أبدله ببدر الجمالي، وهو أرمني المولد كان مملوكًا لجمال الدولة، ومنه لقبه، وتقلب في مناصب عديدة أظهر بها ما يدل على ثباته وحزمه، ولم تمض على سوريا مدة تحت ولايته حتى ساد فيها الأمن؛ لأن الخليفة أذن للأمير محمود أن يتولى حلب، ولقبه بأمير الأمراء، وعضد الدولة، وسيف الخلافة.

أما مصر فكانت أقل طمأنينة من غيرها؛ لأن الوزير اليازوري كان يضطهد المسيحيين اضطهادًا شديدًا، ويسومهم أشد العذاب، وكان يثير ضدهم الأحزاب في المديريات، وألقى القبض على البطريرك كريستودول، وبعض الأساقفة، وساقهم إلى القاهرة. أما الخليفة فلم يكن راضيًا بذلك فأمر بإخلاء سبيلهم بكل احترام، فشق ذلك على الوزير فأمر بإقفال جميع الكنائس المسيحية في مصر من يعقوبية وملكية، فثار مسيحيو القطر، فتدارك الخليفة الأمر بالقبض على الوزير ونفيه إلى تنيس، ثم قتله.

فتشاءم المسيحيون من تلك الحوادث، ورافقها ظهور الشفق الشمالي، وكسوف تام للشمس فكان منظر السماء مهيبًا استمر ٤ ساعات اشتد فيها الظلام حتى شوهدت النجوم، وأوت الطيور إلى أعشاشها رهبة، وولَّى الخليفة مكان اليازوري أبا الفرج البابلي، وبعد شهرين أبدله بعبد الله بن يحيى، ثم بغيره حتى تقلب على وزارة مصر ٣٥ وزيرًا في ١٢ سنة، ولم تكن تزيدها هذه التقلبات إلا تعقيدًا.

كل ذلك والتشكيات ترد إلى الخليفة تترى من رجال الدولة والرعايا فتحير في أمره، ولم يكن يعلم مصدر هذه القلاقل فجمع رجالًا من جميع الطبقات وكلمهم مليًّا، واستطلعهم حقيقة الأمر فلم يظهر له شيء مما كان يسمعه، ثم ازداد نفوذ السوقة على رجال الدولة فكانوا إذا أجمعوا على أمر أنفذوه، ولو كان مناقضًا لأوامر الخليفة؛ فازداد الخليفة اضطرابًا، والأخبار ترد عليه متناقضة فلا يعلم أيها يتبع، ورجال القضاء بدلًا من أن ينظروا في التقارير كانوا يقضون أوقاتهم وقواتهم في المدافعة عمَّا كان يتقدم في حقهم من التشكيات؛ فاشتد خوف الناس في الأقاليم حتى هاجروا منازلهم فازدادت الفوضى وكثر اللغط.

وكان المستنصر يحتال في أمر الحج فيذهب في زمرة من الحجاج على الجمال مظهرًا للحج فإذا بلغ بهم محطة بركة عميرة حيث اعتادوا المبيت في ذهابهم إلى الحج وإيابهم منه، ثم دعيت بركة الحج، ينزل بهم هناك فتدار عليهم الخمور بدل الماء، ثم يعودون إلى القاهرة.

(٥-٤) تاريخ الجند في الدولة الفاطمية

مرت الدولة الفاطمية في ثلاثة أدوار تشبه الأدوار التي مرت بها الدولة العباسية، فقد كان نفوذ الكلمة في الدولة العباسية بأوائلها مشتركًا بين العرب والفرس، ثم صار إلى الفرس، ثم إلى الأتراك، والفاطميون عرب قامت دولتهم بالعرب والبربر فكان النفوذ في أولها مشتركًا بين هذين العنصرين، ثم صار إلى البربر، ثم إلى الأتراك.

والبربر قومٌ أشداء مساكنهم في شمالي إفريقيا، وقد نصروا الشيعة العلوية في المغرب كما نصرها الفرس في المشرق، وهم قبائل شتى مثل قبائل العرب الرحل، وقد قاسى المسلمون في إخضاعهم عذابًا شديدًا؛ لأنهم ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة مرة، وثبوا فيها كلها على المسلمين، ولم يثبت إسلامهم إلا في أيام موسى بن نصير في أواخر القرن الأول، ولما نقم الناس على بني أمية؛ لتعصبهم على غير العرب كان البربر في جملة الذين خرجوا عليهم وتطاولوا للفتك بهم، وقد سرهم ذهاب دولة الأمويين، ولكن ساءهم انتقالها إلى الأندلس على مقربة منهم؛ لأنهم كانوا يكرهونهم للعصبية فنصروا العلويين نكاية فيهم — إلا من اصطنعهم الأندلسيون بالمال — وللبربر فضل كبير في نشر الإسلام بأواسط إفريقية مثل فضل الأتراك في نشره بأواسط آسيا إلى الهند والصين؛ لأن البربر لما ثبت الإسلام فيهم نهضوا لفتح ما وراء بلادهم في إفريقيا الغربية فنشروا الإسلام هناك.

فلما قامت الدولة الفاطمية في المغرب كان البربر من أنصارها، ولا سيما قبائل كتامة وصنهاجة وهوارة، فأخذوا بساعد الفاطميين منذ قيامهم على أيام عبيد الله المهدي أول خلفائهم في أواخر القرن الثالث للهجرة. فلما تأيدت دولته سنة ٢٩٧ﻫ اتخذ بطانته منهم، وجعلهم من أهل الدولة، وظلوا كذلك في خلافة ابنه القائم بأمر الله (سنة ٣٢٢ﻫ) ثم المنصور بنصر الله (سنة ٣٣٣ﻫ) ثم المعز لدين الله (سنة ٣٤١ﻫ) وساعدوهم في تملك المغرب كله، وإخراجه من البيعة العباسية، وفي أيام المعز لدين الله فتح الفاطميون مصر، وبنوا القاهرة، ونقلوا دولتهم إليها.

فلما أفضت الخلافة إلى العزيز بالله بن المعز سنة ٣٦٥ﻫ أراد التشبه بالعباسيين؛ فاصطنع الأتراك والديلم، واستكثر منهم، وقدمهم وجعلهم خاصته كأنه خاف على حياته من البربر. فقامت المنافسة بين البربر والأتراك، وعظم التحاسد حتى توفي العزيز بالله، وخلفه الحاكم بأمر الله سنة ٣٨٦ﻫ وكان يعتقد فضل البربر فقدمهم وقربهم؛ فاشترطوا أن يتولى أمورهم ابن عمار الكتامي (من البربر) فولاه الوساطة، وهي كالوزارة عندهم؛ فاستبد في أمور الدولة، وقدم البربر، وأعطاهم، وولاهم، وحط من قدر الغلمان الأتراك والديلم الذين اصطنعهم العزيز. فاجتمعوا إلى كبير منهم اسمه برجوان وكان صقلبيًّا، وقد تاقت نفسه إلى الولاية فأغراهم بابن عمار حتى وضعوا منه فاعتزل الوساطة، وتولاها برجوان فقدم الأتراك والديلم، واستخدمهم في القصر. ثم بدا للحاكم أن يقتل ابن عمار فقتله، وقتل كثيرًا من رجال دولة أبيه وجده؛ فتضعضع البربر، وقوي الأتراك.

ولما مات الحاكم وخلفه ابنه الظاهر لإعزاز دين الله سنة ٤١١ﻫ أكثر من اللهو والقصف، ومال إلى الأتراك والمشارقة فانحط جانب البربر، وما زال قدرهم يتناقص حتى كاد يتلاشى. فلما ملك المستنصر سنة ٤٢٧ﻫ بعد الظاهر، وكانت أمه أمة سوداء استكثرت في جنود ابنها من العبيد أبناء جلدتها حتى بلغوا ألف عبد أسود، وكان هو يستكثر من الأتراك فأصبح الجند طائفتين كبيرتين تتنافسان وتتسابقان إلى الاستئثار بالنفوذ. فآل التنافس إلى حرب تعبت بها مصر، واضطر الخليفة إلى استنصار الشام فأتاه أمير الجيوش بدر الجمالي من سوريا — المتقدم ذكره، كما سيجيء — فقتل أهل الدولة، وأقام بمصر جندًا من الأرمن، وصار من حينئذٍ معظم الجيش منهم، وذهب نفوذ البربر، وصاروا من جملة الرعية، ولم يبق لهم شأن في الدولة بعد أن كانوا وجوهها وأكابر أهلها.

(٥-٥) الفتنة بين العبيد والأتراك

ففي سنة ٤٥٤ﻫ بينما كان الخليفة ومعه الحجاج في المكان المتقدم ذكره أفرط أحد الأتراك بالشرب حتى سكر فجرد سيفه على أحد العساكر العبيد من حرس الخليفة، فهجم رفاقه على التركي وقتلوه، فاغتاظ الأتراك وتجمهروا بكثرة، وأتوا إلى المستنصر، وقالوا: «إذا كان قتل هذا برضاك فالسمع والطاعة، وإلا فلا نرضى به.» فأجاب الخليفة أنه حصل بغير رضاه؛ فانقض الأتراك على السودانيين وكانوا كثارًا. فتخاصم الفريقان طويلًا، وبعد واقعة هائلة انتهى الأمر بعقد صلح على أن يكون القاتل تحت أمر الأتراك، ثم عادوا إلى القاهرة.

على أن الضغينة كانت تتزايد يومًا فيومًا، ولم ينفكوا عن الخصام، وكان السودانيون يطيعون الوزير فيأوون إلى ثكناتهم. أما الأتراك فما فتئوا يضمون إليهم جماعات من العرب يتفقون معهم على المشاركة في السراء والضراء، وأخيرًا أقاموا عليهم ناصر الدولة الذي فشل في حملته على الشام، وكان قد عزل من منصبه في دمشق، وأضمر للخليفة ووزرائه شرًّا، وأقام في القاهرة يترقب الفرصة للانتقام. فقبل تلك القيادة آلة لتنفيذ مآربه.

ثم علم السودانيون أنهم يعجزون عن مناوأة الأتراك فهاجروا إلى الصعيد فانضم إليهم كثيرون من أهله فاشتد أزرهم، وكثر عددهم حتى بلغ خمسين ألف مقاتل، فنزلوا إلى القاهرة والإسكندرية، وهاجموا الأتراك في كوم شريك على الشاطئ الغربي لفرع رشيد من النيل (وقد اشتهر هذا البلد بعدئذٍ في الحملة الفرنساوية حيث غُلبت المماليك)، وكان الأتراك عشرة آلاف، وقد كمنوا لأعدائهم حتى إذا جاءت الساعة هجموا على السودانيين، وهم على الشاطئ فألقوا بعضهم في الماء، وذبحوا البعض الآخر، وفر الباقون، وقدر بعض المؤرخين جملة من قتل وغرق منهم بثلاثين ألفًا.

وكانت والدة الخليفة قد تظاهرت جهارًا بنصرة السودانيين مواطنيها فشق عليها انكسارهم فغضبت على الأتراك، وحقدت عليهم؛ لأنهم قتلوا أحد أصدقائها المخلصين فأنفذت إلى السودانيين مددًا ساعدهم على الدفاع فجرت وقائع شديدة في أماكن مختلفة في جوار القاهرة وفي مصر العليا والسفلى، والتشكيات ترد إلى الخليفة في أمور مختلفة، وجوابه الوحيد عليها قوله: «إن ما حصل إنما حصل بدون علمي فما أنا مطالب به.»

وبعد طول الخصام ضعف الفريقان فضعفت فيهم ساحة الانتقام فعادوا إلى السكينة، والقلوب لا تزال على غلٍّ، وعدد الأتراك يزداد كل يوم، وقد صارت إليهم أعمال الحكومة فأقلقوا الخليفة بطلب زيادة مرتباتهم، وكانت قد نفدت ثروته، ولم يعد قادرًا على إشباع مطامعهم، وقد أصبح عبدًا لأولئك العبيد الذين ربوا في كنفه، ولم يجتمعوا إلا لحماية شخصه.

وكانت والدة المستنصر تزيد في الطين بلة فتأتيه كل يوم بنبأ جديد تطلب إليه أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان، وتصرُّ عليها فضاق المستنصر ذرعًا حتى اضطر سنة ٤٥٧ﻫ إلى الفرار على قدميه إلى جامع عمرو يظهر الرغبة عن الملك إلى العبادة، فلما علم أرباب دولته بمكانه حملوه على العدول عن قصده فعاد قانطًا من الحيل.

وفي سنة ٤٥٩ﻫ قويت شوكة الأتراك وزاد طمعهم في المستنصر، وأصروا على طلب الزيادة في مرتباتهم، وضاقت أحوال العبيد، واشتدت ضرورتهم، وكثرت حاجتهم، وقل مال الخليفة، واستضعف جانبه فبعثت أم المستنصر إلى قواد العبيد تغريهم بالأتراك فاجتمعوا بالجيزة، وخرج إليهم الأتراك بقيادة ناصر الدولة فاقتتلا مرارًا ظهر في آخرها الأتراك على العبيد، وهزموهم إلى بلاد الصعيد فعاد ناصر الدولة إلى القاهرة، وقد عظم أمره، وكبرت نفسه، واستخف بالخليفة.

أما السودانيون فاجتمعوا بعد هذا الانهزام، وتكاثروا حتى صاروا نحوًا من ١٥ ألف مقاتل فاستولوا على الصعيد، وأرادوا النزول إلى القاهرة، ونزل بعضهم الإسكندرية، والبعض الآخر في الفسطاط. فهاج الذين في الفسطاط بدسيسة والدة المستنصر؛ فاستشاط ناصر الدولة غضبًا، وعزم على قطع دابر السودانيين من القطر المصري، أو أن ينفصل الأمر؛ إما له، وإما عليه. فجمع رجاله وحارب السودانيين في الفسطاط فظهر عليهم، وأثخن في قتلهم وأسرهم.

ثم سار إلى الصعيد فحاربهم وشتتهم، ثم تحول إلى مصر السفلى فأخرجهم منها ومن الإسكندرية، وأقام فيها من يثق به. ثم عاد إلى القاهرة فنظفها من آثارهم، وقتل من وصلت إليه أخباره، ودخلت سنة ٤٦٠ﻫ والمستنصر يحاول إعادة نفوذه عبثًا، فاستشار ذوي شوراه فلم يجده أحدهم نفعًا؛ لأنهم هم أنفسهم لم يكونوا يرون فيه اللياقة لهذا المنصب، وكانت الصعيد لا تزال في حوزة السودانيين، ومصر السفلى لا تخضع إلا لناصر الدولة ولا سيما بعد استيلائه على الإسكندرية، وكانت الفسطاط والقاهرة أيضًا تحت سيطرته، وأما أوامر المستنصر فكانت لا تكاد تجري على حاشيته، وقد استفحل الأتراك، واستهانوا بالخليفة، واستخفوا بقدره، وصار مقررهم في كل شهر أربعمائة ألف دينار بعد ما كان ٢٨ ألفًا.

(٥-٦) حال المستنصر

تلك حال المستنصر في مصر، أما في الخارج فلم تكن أصلح؛ لأن بدر الجمالي — المتقدم ذكره — اغتنم الفرصة واستقل بالشام، والصالحي أمير اليمن كان قد بايع الفاطميين فقتله أحد قواده، ودخلت مكة واليمن في حوزة الخلفاء العباسيين، والفتن قائمة على الحدود بين أمراء الأقسام ومن يعتدي عليهم فيخرجونهم من أماكنهم ويحتلونها فيلجأ أولئك الأمراء إلى القاهرة.

وفي ختام الاضطرابات جاهر الروم بالحرب، وزاد الطين بلة أن المستنصر لسوء تصرفه أفسد العلائق بينه وبين الأمير محمود صاحب حلب، وقد تقدم أنه حصل على رضاه حتى لقبه بأشرف الألقاب. فلما طلب الروم الحرب كتب إليه المستنصر يستنجده بالنقود؛ لحرب الروم، وإخراج الأتراك من بلاده، فأجابه محمود: «أما النقود فلا وجود لها عندي؛ لأني اقترضت المال لاسترجاع حلب لسلطاني، وأصحاب المال يطالبونني. أما الروم فقد عقدت معهم صلحًا فأقرضوني مالًا لسد حاجتي، وأخذوا ابني رهنًا عليها فلا أرى معاداتهم. أما الأتراك فإنهم أقوى مني فإذا أردتُ طردهم طردوني.» فاستشاط المستنصر غضبًا لهذا الجواب، وكتب إلى بدر الجمالي صاحب الشام يعهد إليه الاقتصاص من أمير حلب العاصي فلم يصدق بدر الجمالي أن جاءه هذا الأمير فجند إلى حلب.

وخرج ناصر الدولة في أثناء ذلك من القاهرة لمحاربة السودانيين في الصعيد فلاقى منهم مقاومة لم يلاق مثلها فحاربهم مرارًا، وقد غلبوه في كل مرة، فكتب إلى الخليفة يشتكي أمر السودانيين، ويلقي التبعة على والدته بأنها تهيجهم وتمدهم بالعدة والمال سرًّا على يده. فأجاب الخليفة أنه لا يعلم شيئًا عن أمه، وإنما يتكلم عن نفسه، ويقسم أنه لم يدخل في هذا الأمر أولًا ولا آخرًا. فاشتد ناصر الدولة ورجاله، وضموا إليهم مددًا، وعادوا فهاجموا مهاجمة اليأس ففازوا بهم، وأثخنوا فيهم، فمن نجا من القتل لم ير سبيلًا للنجاة إلا في الفرار؛ فتبعثروا وتلاشت قوتهم من ذلك الحين.

فأصبح ناصر الدولة حملًا ثقيلًا على عاتق الخليفة، وأتم ذلك النصر أسباب ضعفه فغدا وقد ذهبت هيبته ونفوذه من عيون رجاله الأتراك فلم يعودوا يكترثون بأوامره ولا بشخصه، وأصبح صعلوكهم يقول عليهم بكل سوء، وتجمهروا يطلبون زياد مرتباتهم، فانزعج الخليفة لذلك، ولم يكن يأمن على حياته، ولا يرتاح في أكله ولا شربه ولا نومه، حتى ولا في صلاته، وأصاب الوزراء نحو ذلك فتنازلوا عن الوزارة.

(٥-٧) منهوبات قصر الخليفة وخزانة الكتب

وكانت مطاليب الأتراك تحكمًا منهم؛ لأنهم نالوا الزيادة اللازمة فبلغت مرتباتهم الشهرية أربعمائة ألف دينار كما تقدم. فضلًا عن قلة المال فبعثوا يطالبونه فاعتذر بعجزه فلم يعذروه، وقالوا: «بع ذخائرك.» فأخرج كل ما كان في القصر من الذخائر الثمينة التي اشتغل الفاطميون بجمعها منذ تأسيس دولتهم، وصاروا يقومون ما يخرج إليهم بأقل الأثمان، ويأخذون ذلك مما لهم، واقتسموها بينهم كما تراءَى لهم لا فرق في كونه حقًّا أو تعديًا، وكان الخليفة ووزير ماليته ينظرون إلى المزاد قائمًا على أمتعتهما بلا قياس، ولا يبديان حراكًا.

وقد بالغ المؤرخون في تقدير تلك الأمتعة الثمينة، وقد ذكرها المقريزي، وهي: قبة العشاري، وقاربه، وكسوة رحله، وهو مما استعمله الوزير أحمد بن علي الجرجراي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وكان فيه مائة ألف وسبعة وستون ألفًا وسبعمائة درهم فضة نقرة، وإن المطلق لصناع الصاغة عن أجرة ذلك، وفي ثمن ذهب لطلائه خاصة ألفان وسبعمائة دينار، وعمل أبو سهل التستري لوالدة المستنصر عشاريًّا يعرف بالفضي، وحلَّى رواقه بفضة تقديرها مائة ألف وثلاثون ألف درهم، ولزم ذلك أجرة الصناعة، ولطلاء بعضه ألفان وأربعمائة دينار، واستعمل كسوة برسمه بمال جليل، وأنفق على العشاريات التي برسم النزهة البحرية التي عدتها ستة وثلاثون عشاريًّا بالتقدير بجميع آلاتها، وكساها وحلاها من مناطق ورءوس منجوقات وأهلة وصفريات … وغير ذلك أربعمائة ألف دينار.

ولما نهبوا القصر على ما تقدم كفوا عن مطالبته بزيادة المعاش بعد أن علموا أنه لا يملك شيئًا، لكنهم دخلوا مدفن أجداده، وأخرجوا منها كل ما وجدوه بها من التحف، ثم عمدوا إلى خزانة الكتب فأخرجوا منها آلافًا من الكتب، في جملتها ٢٤٠٠ ختمة قرآن في ربعاته بخطوط منسوبة محلاة بذهب، وذكر بعض الذين شاهدوا النهب سنة ٤٦١ﻫ قال: فرأيت فيها خمسة وعشرين حملًا موقرة كتبًا محمولة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي فسألت عنها فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر، هو والخطير ابن الموفق في الدين بإيجاب وجبت لهما عما يستقحانه وغلمانهما من ديوان الجبليين، وإن حصة الوزير أبي الفرج منها قومت عليه من جاري مماليكه وغلمانه بخمسة آلاف دينار، وذكر لي من له خبرة بالكتب أنها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار، ونهب جميعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر من السنة المذكورة مع غيرها مما نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما، هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم مع ما صار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية، ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب، وسوى ما ظفرت به لواتة محمولًا مع ما صار إليه بالابتياع والغصب في بحر النيل إلى الإسكندرية في سنة إحدى وستين وأربعمائة وما بعدها من الكتب الجليلة المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحة وحسن خط وتجليد وغرابة التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم، وأحرق ورقها تأولًا منهم أنها خرجت من قصر السلطان، وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم. سوى ما غرق، وتلف، وحمل إلى سائر الأقطار، وبقي منها ما لم يحرق، وسفت عليه الرياح فصار تلالًا عرفت بتلال الكتب.

وفي سنة ٤٦١ﻫ لم يكتف ناصر الدولة بما حط من نفوذ الخليفة السياسي فعمد إلى أن يحيط من نفوذه الديني، ويقيم من يخلفه، ولم يكن ذلك ممكنًا إن لم يأت بحجة تجنح المستنصر فلبث يترقب الفرص فاتفق وهو خارج من بيت الوزير أن رجلًا طعنه بخنجر فهم به ناصر الدولة وخنقه حالًا لأن جرحه لم يكن بليغًا، ورأى تلك فرصة لا يحسن ضياعها فادعى أن الخليفة المستنصر أغرى هذا الرجل على قتله وإن مثل هذا الخليفة الغارق في الملاهي والمسكرات لا يستحق الخلافة، وكان ناصر الدولة قد اتفق مع الشريف أبي طاهر، وكان بدر الجمالي قد طرده فأتى إلى القاهرة، وجمع إليه عصابة يشد بها أزره، وكان معروفًا بالتقوى والتدين. فوعده ناصر الدولة أن يوليه الخلافة بعد المستنصر بشرط أن يقتل بدر الجمالي صاحب الشام قبلًا، وكان هذا مستقلًّا هناك، وناصر الدولة يخاف قدومه إلى مصر. فانضم إلى الشريف أبي طاهر أميران من عرب سوريا، فأخذ من ناصر الدولة أربعين ألف دينار للنفقات، وسافر الثلاثة إلى الشام، والتف حولهم عدد وافر من الأحزاب، وكان بدر الجمالي ساهرًا على حكومته فلم يلبث المؤامرون أن قابلوا حصون بدر الجمالي حتى قبض عليهم، وأخذت أمتعتهم، وقتل الشريف أبو طاهر سلخًا.

(٥-٨) ناصر الدولة

أما ناصر الدولة فلم ينفك ساعيًا في مراده، وأصبحت القوة العسكرية شطرين: الواحد على غرض ناصر الدولة وهم الأتراك، والآخر على غرض الخليفة. فلم يرَ الخليفة بدًّا من خطة الدفاع بإظهار القوة. فكتب إلى ناصر الدولة ينذره وينصح إليه بما نصه: «تقربت منا وطلبت حمايتنا فحميناك، وبذلنا لك العطاء فكافأتنا بالعقوق، وما زادك حلمنا إلا قحة فأفسدت بين جيوشنا، وتواطأت مع ذويك على مناوأتنا، فالآن اخرج من بلدنا، ونحن نضمن لك الأمان، ونؤذن لك بأن تحمل معك ما شئت إلى حيث شئت، وإن لم تذعن أوقعنا بك عقابًا صارمًا.» فأجابه ناصر الدولة ساخرًا، فبعث المستنصر إلى قواد الأتراك الذين كانوا من حزبه وبينهم دكز، وهو من ألد أعداء ناصر الدولة (مع أنه حموه) وجاء معهم قواد المغاربة، وأمراء كتامة، وطلب إليهم مبايعته ثانية فبايعوه.

فرأى ناصر الدولة عدد رجاله قليلًا فبرح القاهرة إلى الجيزة، ونهبوا داره، ودور حواشيه، وقتلوا كثيرين منهم. ثم ركب المستنصر جواده، ولبس درعه، وأحاطت به الأعلام فمر من تحتها جميع من في القاهرة من الأتراك، وفيهم عدد عظيم من رجال ناصر الدولة، وسار الموكب حتى أتى بين القاهرة والفسطاط فنودي بالنصر للخليفة المستنصر. أما ناصر الدولة فلما رأى ما كان من قلة رجاله ونفاد ماله فرَّ إلى الإسكندرية، وتحصن فيها، وبعث إلى أهله أن يقدموا، ثم عمل على بث أغراضه في مصر السفلى بمساعدة بعض القبائل الأعراب فحمل الناس على خلع المستنصر ومبايعة القائم بأمر الله العباسي.

(٥-٩) المجاعة والغلاء

أما الفسطاط والقاهرة فلم تكونا في معزل عن تلك القلاقل؛ لأن الجوع تمكن منهما لتقصير النيل مدة خمس سنوات متواليات، وامتد الجوع إلى سنة ٤٦٤ﻫ وكان معظمه سنة ٤٦٢ﻫ، ومنذ سنة ٤٥٧ﻫ لم يكن وفاء النيل كافيًا للري. ثم توالت القلاقل التي اقتضت الإسراف بالحبوب، ورافق كل ذلك اشتغال الحكومة بسياستها الداخلية عن الزراعة. فكل هذه الأسباب جعلت الحنطة نادرة جدًّا فبلغ ثمن الأردب الواحد مائة دينار، والقطة ٣ دنانير، والكلب ٥ دنانير إن وجدت.

ورافق هذا الغلاء وباءٌ مكث سبع سنين فلم يبقَ من يزرع، وشمل الخوف من في العسكر ووافق ذلك ثورة العبيد، فانقطعت الطرقات برًّا وبحرًا إلا بالخفارة الكثيرة، ولما استفحل أمر الجوع جاء المستنصر إلى والي القاهرة، وأنذره مقسمًا برأسه أنه إذا كان لا يتخذ طريقة لتخفيف هذه النازلة قطع عنقه، وكان الوالي عالمًا بمخابئ كثيرة من الحنطة، ولكنه لم يكن يعلم مقرَّها فأخرج بعض المسجونين المحكوم عليهم بالإعدام، وألبسهم ملابس الأغنياء، وأوقفهم في رحبة عمومية، وأمر بقطع رءوسهم بدعوى أنه لم ير سبيلًا لتخفيف وطأة الجوع إلا بقتل الأغنياء، وقال: إنه لن ينفك عن القتل حتى يشبع الناس، فخاف الأغنياء الذين كانوا قد أخفوا الحنطة، وفتحوا مخازنهم، وفرقوا الزاد على العباد.

وكان ناصر الدولة قد حصر حبوب مصر السفلى، ومنع شحنها إلى القاهرة وجهاتها، وجاء القاهرة وحاصرها بعد أن أحرق كلَّ ما مرَّ به من القرى والمدن، فاضطر الخليفة بعد طول المقاومة أن يفتح أبواب المدينة لناصر الدولة وأتباعه، ولما دخل ناصر الدولة القاهرة زاد قحة وطمعًا فعاد إلى مطامعه، وادعى أن له على الخليفة مرتبات متأخرة، وبالغ في احتقاره.

ويحكى أن ناصر الدولة بعث مرة إلى الخليفة فرآه الرسول في قصره جالسًا على حصير بالٍ ليس عنده من الفرش غيره، وقد أصبح لا حاشية عنده إلا ثلاثة خدم نصف عراة فطلب الرسول دفع المتأخر فالتفت إليه الخليفة قائلًا: «أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير؟ فليأخذ إذن هذا الحصير، وهؤلاء العبيد، وهذه الأثواب التي لا تكاد تستر عورتي، ولينصرف عني.» فبكى الرسول، ورجع إلى ناصر الدولة وأخبره فتأثر من هذا القول، واحمر خجلًا، وتنازل عن طلبه، وخصص للمستنصر مرتبًا يوميًّا ينفقه على حاجات بيته.

وفي سنة ٤٦٥ﻫ تصالح ناصر الدولة مع حميه دكز، ولكن هذا لم يزل في ريب من مقاصد صهره فعمد إلى الإيقاع به فاصطحب بعض خاصته، وجاءوا إلى دار ناصر الدولة التي تعرف بمنازل الغز، وهي على النيل. فدخلوا من غير استئذان إلى صحن داره، فخرج إليهم ناصر الدولة في رداءٍ؛ لأنه كان آمنًا منهم. فلما دنا منهم ضربوه بالسيوف فسبهم، وهرب منهم يريد الحرم فلحقوه، وضربوه حتى قتلوه، وأخذوا رأسه.

ومضى رجل منهم يعرف بكوكب الدولة إلى فخر العرب أخي ناصر الدولة، وكان فخر العرب كثير الإحسان إليه فقال الحاجب: «استأذن لي على فخر العرب، وقل صنيعتك فلان بالباب.» فاستأذن له فأذن له، وقال: لعله قد دهمه أمر. فلما دخل عليه أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه، وضربه بالسيف على كتفه فسقط إلى الأرض فقطع رأسه، وأخذ سيفه، وكان ذا قيمة وافرة، وأخذ جارية له أردفها خلفه، وتوجه إلى القاهرة، وقتل أخوهما تاج المعالي، وانقطع ذكر الحمدانية بمصر.

(٥-١٠) بدر الجمالي أمير الجيوش

على أن ذلك لم يكن ليسكن بال المستنصر؛ إذ قد تخلص من شر، ووقع في آخر؛ لأن دكز لم يكن أقل معاكسة له من صهره فالتجأ المستنصر إلى بدر الجمالي حاكم سوريا — المتقدم ذكره — فكتب إليه سرًّا أن يأتي بجيشه إلى مصر؛ ليوليه عليها، فقبل بدر مشترطًا أن يستبدل جنود مصر بمن يختارهم من أهل الشام.

سافر بدر الجمالي من سوريا في عصبة من رجال قد اختبر شجاعتهم، وأمانتهم طويلًا، وسار إلى عكا، ومنها بحرًا إلى مصر، وكانت الريح جيدة على غير المعتاد في مثل ذلك الفصل؛ لأنه برح عكا في أول ديسمبر (كانون الأول) وبلغ مصر ولم يشعر أحد به، ونزل بين تنيس ودمياط. فاستقبله سليمان كبير أهل البحيرة، وتوجهوا نحو القاهرة فنزلوا في قليوب، وبعثوا إلى الخليفة أن يقبض على دكز قبل دخولهم فقبض عليه، واعتقله في خزانة البنود. فدخل بدر الجمالي القاهرة يوم الأربعاء ٢٩ جمادى الأولى سنة ٤٦٧ﻫ، ولم يكن للأمراء علم باستدعائه فما منهم إلا من أضافه. فلما انقضت نوبهم في ضيافته استدعاهم إلى وليمة أعدها لهم في منزله، وبيّت مع أصحابه: «إن القوم إذا أجنهم الليل فإنهم لا بد يحتاجون إلى الخلاء فمن قام منهم إلى الخلاء يقتل هناك.» ووكل بكل واحد واحدًا من أصحابه، وأنعم عليه بجميع ما يتركه ذلك الأمير من دار ومال، وإقطاع وغيره. فصار الأمراء إليه، وظلوا نهارهم عنده وباتوا مطمئنين فما طلع ضوء النهار حتى استولى أصحابه على جميع دور الأمراء، وصارت رءوسهم بين يديه. فقويت شوكته، وعظم أمره، وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقوَّر، وقلده وزارة السيف والقلم. فصارت القضاة والدعاة وسائر أرباب الدولة من تحت يده، وزيد في ألقابه لقب: «أمير الجيوش كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين»، وتتبع المفسدين فلم يبقَ منهم أحد حتى قتله، وقتل من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم جماعة.

ثم خرج إلى الوجه البحري فأسرف في قتل من هناك من لواته، واستصفى أموالهم، وأزاح المفسدين، وأفناهم بأنواع القتل، وصار إلى البر الشرقي فقتل منهم كثيرًا، ونزل إلى الإسكندرية، وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد فحاصرها أيامًا من محرم سنة ٤٧٧ﻫ إلى أن أخذها عنوة، وقتل جماعة ممن كان بها، وعمّر جامع العطارين من مال المصادرات، وفرغ من بنائه في ربيع الأول سنة ٤٧٩ﻫ ثم سار إلى الصعيد فحارب جهينة والثعالبة، وأفنى أكثرهم بالقتل، وغنم من الأموال ما لا يعرف قدره كثرة، فصلح حال الإقليم بعد فساده.

وكان يسعى جهده في إسعاد المصريين؛ لينسيهم ما قاسوه طويلًا فنشَّط الزراعة، وأباح الأراضي للمزارعين ثلاث سنين حتى ترفهت حال الفلاحين واغتنوا، وسهل سبل التجارة، فتقاطر التجار إلى مصر؛ لكثرة عدله بعد نزوحهم منها في أيام الشدة، وأمر بإنشاء البنايات العظيمة في القاهرة وغيرها من المدن الكبيرة، وشاد الجوامع في الإسكندرية والقاهرة وجزيرة الروضة قرب المقياس، وكان المقياس قد اختل فأصلحه إصلاحًا يصح أن يقال فيه: إنه بناه ثانية، وبنى دار الوزارة الكبرى، ودعيت بالدار الأفضلية، وسكنها ولم يزل يسكنها بعده من يلي إمرة الجيوش إلى أن انتقل الأمر إلى بني أيوب فاستقر سكن الملك الكامل في قلعة الجبل خارج القاهرة، وأسكنها السلطان الملك الصالح ولده، ثم أرصدت دار الوزارة لمن يرد من الملوك ورسل الخليفة.

وعادت سطوة الخليفة السياسية والدينية إلى الديار المصرية وغيرها، وعادت مكة إلى مبايعة المستنصر بعد أن قضت خمس سنوات تخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي في بغداد، ورفعوا الغطاء الأسود عن الكعبة، ووضعوا مكانه الغطاء الأبيض١ وعليه اسم المستنصر بالله ولقبه، وبقيت مصر بعد ذلك ٢٠ سنة لم يحدث فيها ما يهم التاريخ ذكره، وأقل الأمم ذكرًا في التاريخ أسعدها.

أما سوريا فإن الأمير أتسز أحد الأمراء التركمانيين اغتنم غياب بدر الجمالي فقدم إليها غازيًا فاستولى على بيت المقدس وطبرية وما بعدها حتى دمشق. ثم تحول إلى مصر في ٢٠ ألف مقاتل، وعسكر في سهل بجوار القاهرة، وكانت الجيوش المصرية مشتغلة في إخماد ما بقي من نيران الثورة في الصعيد فاضطرب أهل القاهرة، ولم يرَ بدر الجمالي بدًّا من مصالحة أتسز التركماني على ١٥٠ ألف دينار يدفعها له بعد خروجه من مصر. فقبل أتسز بتلك الشروط لكنها لم تدم أكثر من ٥٠ يومًا تمكن أمير الجيوش في أثنائها من حشد جيوشه من الصعيد، واجتذاب قلوب بعض كبار العربان الذين تتألف منهم معظم خيالة أتسز، وبعض رجال التركمان الذين أتوا معه. فلما صارت الجيوش المصرية بقرب القاهرة كتب أمير الجيوش إلى قافلة كانت تهيأت إلى الحج كتابًا، ونصه: «إن الجهاد أعظم ثوابًا عند الله من الحج فانضموا إلى جيوشنا.» فأطاعوه ففرق فيهم المال والسلاح. فلما تكامل عدد رجاله جمعهم وهجم على أتسز ذات صباح بغتة، وأحكم في رجاله السيف فانهزموا، وقد قتل جانب كبير منهم فتبعهم الأعراب والمصريون إلى مسافة بعيدة. ثم عادوا إلى معسكرهم فوجدوا فيه نحوًا من عشرة آلاف ولد بين إناث وذكور قد أسرهم التركمان من مصر، وخسر التركمان على إثر تلك المعركة جيمع البلاد التي افتتحوها في سوريا، فدخلت في حوزة الخليفة المستنصر، ومات أتسز في دمشق أشقى موتة.

(٥-١١) إصلاحات أمير الجيوش ومناقبه

فلم يعد أمام بدر الجمالي من يخالف أمره، ويقف في سبيل إرادته في إصلاح البلاد، وكان سور القاهرة قد تهدم بعضه فشرع في ترميمه وتقويته؛ فزاد فيه الزيادات التي بين بابي زويلة وباب زويلة الكبير وبين باب الفتوح الذي عند حارة بهاء الدين وباب الفتوح الآن، وزاد عند باب النصر أيضًا جميع الرحبة التي تجاه جامع الحاكم إلى باب النصر، وجعل السور من لبن، وأقام الأبواب من حجارة، وبنى باب زويلة وعلَّى أبراجه، ولم يعمل له باشورة كما هي عادة أبواب الحصون من أن يكون في كل باب عطف حتى لا تهجم عليه العساكر في وقت الحصار، ويتعذر سوق الخيل من دخولها جملة. لكنه جعل في بابه زلاقة من حجارة صوانية عظيمة حتى إذا هجم عسكر على القاهرة لا تثبت قوائم الخيل على الصوان. فلم تزل هذه الزلاقة باقية إلى أيام السلطان الملك الكامل بن العادل الأيوبي، فاتفق مروره من هناك فاختل فرسه وزلق به، وأحسبه سقط عنه فأمر بنقضها فنقضت، وبقي منها شيءٌ يسير، وكان أحدها في أيام المقريزي لا يزال موجودًا قرب قبو الخرنفش، وبعد بضع سنين اضطرب القطر من عصبة ثارت تحت قيادة ابن بدر الجمالي لكنها لم تكد تأتي بضرر حتى انكسرت شوكتها.

وفي سنة ٤٨٣ﻫ أحصى أمير الجيوش الأراضي المصرية ومقدار خراجها، وقابله بما كان يحصله الحكام قبله؛ فرأى أن الخراج الذي كان يستخرج منها قبله لم يتجاوز مليونين وثمانمائة دينارًا، أما في أيامه فتجاوز ثلاثة ملايين ومائة ألف دينار؛ لاعتنائه الخصوصي بالزراعة، وتنشيط التجارة، وكانتا رائجتين في أيامه، وما زال عاملًا بنشاط إلى أوائل ذي الحجة سنة ٤٨٧ﻫ فتوفي في القاهرة وسنه ثمانون سنة بعد أن حكم في مصر عشرين سنة حكمًا مطلقًا، وكان الجميع يحترمونه، وفي يده أزمة الأحكام يديرها بحكمة ودراية وثبات، فتكاثرت ثروة البلاد وخصبها إلى حد لم تبلغه قبلًا، وكان ينشِّط الزراعة والتجارة والعلم والأدب على السواء، وكان شديد الهيبة وافر الحرمة مخوف السطوة، قيل: إنه قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلا خالقها. منها نحو عشرين ألفًا من البحيرة، ومثل ذلك من أهل دمياط والإسكندرية والغربية والشرقية وبلاد الصعيد وأسوان والقاهرة، إلا أنه عمر البلاد، وأصلحها بعد فسادها بإتلاف المفسدين من أهلها، ولا يزال أمير الجيوش معدودًا لدى المصريين بمنزلة عمرو بن العاص، وأحمد بن طولون.

وكان محبًّا للأدباء يقرب الشعراء، ويطرب لسماع الشعر، ومن الشعراء الذين مدحوه: علقمة بن عبد الرزاق الفليمي، وقد حدَّث بعضهم عنه قال: «قصدت بدر الجمالي بمصر فرأيت أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه — قال — فبينا أنا كذلك؛ إذ خرج بدر يريد الصيد فخرج علقمة في أثره، وأقام إلى أن رجع من صيده فلما قاربه، وقف على نشز من الأرض، وأومأ برقعة في يده، وأنشأ يقول:

نحن التجار وهذه أعلاقنا
درٌّ وجود يمينك المبتاع
قلب وفتشها بسمعك إنما
هي جوهر تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشام وكلما
قل النفاق وتعطل الصناع
فأتاك يحملها إليك تجارها
ومطيها الآمال والأطماع
حتى أناخوها ببابك والرجا
من دونك السمسار والبياع
فوهبت ما لم يعطه في دهره
هرم ولا كعب ولا القعقاع
وسبقت هذا الناس في طلب العلا
فالناس بعدك كلهم أتباع
يا بدر أقسم لو بِك اعتصم الورى
ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا

وكان على يد بدر بازيّ فألقاه، وانفرد عن الجيش، وجعل يسترد الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مكانه. ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته: «من أحبني فليخلع على هذا الشاعر.» فخرج من عنده ومعه سبعون بغلًا تحمل الخلع والتحف، وأمر له بعشرة آلاف درهم فخرج من عنده، وفرق كثيرًا من ذلك على الشعراء، ولما مات بدر قام بما كان إليه ابنه الأفضل.»

(٥-١٢) صقلية

وبعد وفاة أمير الجيوش ببضعة أيام توفي الخليفة المستنصر في ١٨ من الشهر نفسه، وسنه ٦٧ سنة وخمسة أشهر، قضى منها ستين سنة في منصب الخلافة، ولم يكن أهلًا لإدارة الأحكام؛ لضعفه، وقصر حجته، وتصديقه لما يقال له مهما كانت حقيقته. فكان لقب الخلافة له اسمًا لغير مسمى، ومع طول مدة خلافته لم يحدث فيها غير تلك الضيقات العظيمة، ولم تكن مصر وحدها في ذلك العذاب، فإن صقلية كانت من أغنى بلاد الفاطميين تربة، وكانت قبلًا في حكم الأغالبة، ونظرًا لبعدها عن كرسي الخلافة لم تكن فيها فائدة، وكان الولاة الذين يرسلون إليها يحاولون الاستقلال.

ففي أيام الخليفة المعز لدين الله كان على هذه الجزيرة والٍ يقال له أحمد رأى الخليفة منه ميلًا عن الطاعة فنفاه إلى إفريقية، وأقام مقامه غيره، وغيره، وساروا كلهم على خطة واحدة. فتعددت القلاقل، وانقسم أهل الجزيرة على أنفسهم فلم يعد في إمكانهم دفع من يغزوهم من الإفرنج، وزد على ذلك أن جيرانهم الإفرنج سكان الجزيرة — نظرًا لما كانوا يعاملون به من الاستبداد — كانوا يودون الخروج من سلطة المسلمين فجعلوا يكاتبون أبناء ملتهم من الدول الأخرى، وكل هذا جرى في أيام المستنصر، وانتهى بخروج تلك الجزيرة من سلطة المسلمين.

وذلك أن مسلمي هذه الجزيرة كانوا حزبين متضادين يرأس أحدهما ابن تمامة، فتحاربا فانهزم ابن تمامة، والتجأ إلى مدينة كاتان، وكانت في حوزة الفرنساويين من سنة ٣٧٢ﻫ فاستبشر الفرنسايون بقدومه فأكرموا وفادته، وأمدوه بالعدة والرجال. أما الحزب الآخر فكان قد استمد المعز بن باديس فأمده بفرقة من إفريقية فجرت بين الحزبين واقعة احتدمت نارها على الخصوص بين الأحزاب المساعدة، وهم رجال المعز بن باديس من الجهة الواحدة، والجيوش الفرنساوية تحت قيادة روجر الأول من الجهة الأخرى، وانتهت بانتصار ابن تمامة ورجال روجر، وانهزام من كان في الجزيرة من المسلمين فدخلها روجر وقد نفذ سهمه. فأخذ يسعى في تمكين قدمه فبايعه أهلها سنة ٤٥٣ﻫ.

وهكذا خرجت هذه الجزيرة من سلطة الفاطميين، وما زالت صقلية في حوزة روجر حتى مات فخلفه ابنه، ولقب روجر الثاني سنة ٤٩٥ﻫ فتتبع خطوات أبيه في إصلاح شأن الجزيرة، فتقدمت في أيامه تقدمًا عظيمًا لم تبلغه في سائر أزمانها فنسيت الأزمان التي مضت عليها، وهي غارقة في التقلبات والتحزبات، وسفك الدماء. أما المسلمون الذين اختاروا المكوث في الجزيرة فظلوا متمتعين بجميع حقوقهم المدنية والسياسية والدينية.

وترى في شكل ٩-٦ صور النقود التي ضُربت على عهد ملوك صقلية الأقدمين في باليرم عاصمة إيطاليا إذ ذاك.
fig22
شكل ٩-٦: نقود ملوك صقلية القدماء مضروبة في باليرم.
وفي الشهر الأول من سنة ٤٨٧ﻫ توفي المقتدي بالله الخليفة السابع والعشرون من بني العباس، وفي الشهر الأخير توفي المستنصر ووزيره الباسل أمير الجيوش كما تقدم، وكانت وفاتهما خسارة جسيمة على العالم الإسلامي، وصدمة قوية على الخلافة، وترى في الأشكال ٩-٧ و٩-٨ صور النقود الذهبية التي ضُربت في أيام الخليفة المستنصر بالله، فالأولى ضربت في القاهرة سنة ٤٢٨ﻫ والثانية ضُربت سنة ٤٦٥ﻫ.
fig23
شكل ٩-٧: نقود المستنصر ضربت سنة ٤٢٨ﻫ.
fig24
شكل ٩-٨: نقود المستنصر ضربت سنة ٤٦٥ﻫ.

ولم يغفل بدر الجمالي قبل موته عن النظر في مستقبل المملكة، فأوصى بتدبيرها لولده الثاني شاهين شاه؛ لأن الأول كان عاصيًا كما تقدم. أما هذا فكان فاضلًا حكيمًا، وكان قبل وفاة أبيه لا ينفك عن ملاصقته، والاقتداء بمناقبه، فتدرب على يده، وكان يساعده في آرائه، فرأى فيه أبوه رجلًا يليق بإدارة الأحكام، واستلام زمام الأمور، ولما تولى شاهين شاه الوزارة لقب بالأفضل، وبجميع الألقاب، والامتيازات التي كانت لأبيه أمير الجيوش.

(٦) خلافة المستعلي بن المستنصر (من سنة ٤٨٧–٤٩٥ﻫ/١٠٩٤–١١٠١م)

أما المستنصر فأوصى بالخلافة لابنه الثاني أحمد الملقب بأبي القاسم، فبادر الأفضل إلى القصر وأجلس أبا القاسم أحمد بن المستنصر في منصب الخلافة، ولقبه بالمستعلي بالله، وسير إلى الأمير نزار والأمير إسماعيل ولدي المستنصر فجاءا إليه فإذا أخوهما قد جلس على سرير الخلافة فامتعضا لذلك، وشق عليهما. فأمرهما الأفضل بتقبيل الأرض، وقال لهما: «قبِّلا الأرض لمولانا المستعلي بالله، وبايعاه فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر قبل وفاته بالخلافة من بعده.» فامتنعا من ذلك، وقال كل منهما: إن أباه قد أوصى له بالخلافة، وقال نزار: «لو قطعت يدي ما بايعت من هو أصغر مني، وخط والدي عندي بأني ولي عهده، وأنا أحضره.» وخرج مسرعًا ليحضر الخط فمضى لا يدري به أحد، وتوجه إلى الإسكندرية. فلما أبطأ مجيئه بعث الأفضل إليه؛ ليحضر بالخط فلم يعلم له خبرًا فانزعج لذلك انزعاجًا عظيمًا.

(٦-١) نزار وأفتكين

وكان الأفضل حاقدًا على نزار؛ لأسباب منها: أنه دخل يومًا من باب وهو راكب فصاح به نزار «انزل يا أرمني.» فحقدها عليه، وصار كل منهما يكره الآخر. فلما مات المستنصر خاف الأفضل من مبايعة نزار؛ لأنه كان رجلًا كبيرًا همامًا، وله حاشية وأعوان فعمد إلى مبايعة أخيه أحمد بعد أن اجتمع بالأمراء وخوفهم من نزار، وما زال بهم حتى وافقوه على الإعراض عنه، وكان من جملتهم محمود بن مصال، فبعث إلى نزار، وأعلمه بما كان من اتفاق الأفضل مع الأمراء على إقامة أخيه أحمد، وإدارته لهم عنه، ثم كان استدعاء الأفضل له ولأخيه لمبايعة أخيهما. فلما خرج نزار ليأتي بوصية أبيه له بالخلافة سار من القصر متنكرًا، ومعه ابن مصال إلى الإسكندرية، وفيها الأمير نصر الدولة أفتكين أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي، ودخلا عليه ليلًا، وأعلماه بما كان من الأفضل، وتراميا عليه، ووعده نزار بأن يجعله وزيرًا مكان الأفضل فقبلهما أتم قبول، وبايع نزارًا، وأحضر أهل الثغر لمبايعته فبايعوه، ونعته بالمصطفى لدين الله.

فبلغ ذلك الأفضل فأخذ يتجهز لمحاربتهم، وخرج في آخر محرم سنة ٤٨٨ﻫ بعساكره إلى الإسكندرية فبرز إليه نزار وأفتكين، وكانت بين الفريقين وقائع شديدة انكسر فيها الأفضل، ورجع بمن معه منهزمًا إلى القاهرة. فقوي نزار وأفتكين، وصار إليهما كثير من العرب، واشتد نزار وعظم، واستولى على الوجه البحري، وأخذ الأفضل يتجهز ثانية لمحاربته، ودس إلى أكابر العربان ووجوه أصحاب نزار وأفتكين ووعدهم، وسار قاصدًا الإسكندرية فنزل إليها وحاصرها حصارًا شديدًا، وألح في مقاتلتها.

فلما كان في ذي القعدة، وقد اشتد البلاء من الحصار جمع ابن مصال ماله، وفرَّ في البحر إلى جهة بلاد الغرب فانكسرت شوكة نزار، واشتد الأفضل، وتكاثرت جموعه فبعث نزار وأفتكين إليه يطلبان الأمان فأمنهما، ودخل الإسكندرية، وقبض على نزار وأفتكين، وبعث بهما إلى القاهرة. فأما نزار فإنه قتل في القصر بأن أقيم بين حائطين بنيا عليه فمات بينهما، وأما أفتكين فقتله الأفضل بعد قدومه.

فعاد السلام إلى المملكة فعكف الأفضل على استرجاع البلاد التي كانت قد خرجت من الدولة الفاطمية، ودخلت في حوزة دولة الأرتقيين.

(٦-٢) دولة الأرتقيين

وكيفية نشوء هذه الدولة: أن السلجوقيين خرجوا من بلاد التتر قبل ذلك الحين بنصف قرن فافتتحوا بلاد فارس، وكانت تابعة للدولة العباسية، ثم التقوا في غربيها بقبائل من التركمان عائشين على تربية المواشي لا معرفة لهم بالحروب، فأخرجوهم من ضواحي بحر قزوين، وساقوهم إلى حدود سوريا. فلما بلغوا ذلك المكان اضطروا لتنازع البقاء أن يقاوموا من يمنعهم من نيل رزقهم، فاستخدموا قوتي الهجوم والدفاع حتى أصبحوا كغيرهم من المحاربين، ولكنهم ما لبثوا أن أصبحوا كذلك حتى كانت الدولة السلجوقية قد امتدت إلى حيث هم فدفعتهم أمامها، فتقهقروا إلى غربي سوريا، وانتشروا فيها وفي فلسطين.

فأمير التركمانيين المتقدم ذكرهم كان يدعى أرتق بن أكسك استولى على أورشليم فأسس دولة عرفت بدولة الأرتقيين، وفي سنة ٤٨٤ﻫ توفي أرتق عن ولدين: الغازي، وسقمان فحكما معًا في بيت المقدس وسائر فلسطين وقسم من غربي سوريا، وكانت جميع هذه البلاد في قبضة الخلفاء الفاطميين. ففي أيام شاهين شاه الأفضل كان الأرتقيون على ما تقدم، والسلجوقيون في بلاد فارس والقسم الشرقي من سوريا.

وفي سنة ٤٩١ﻫ سار أمير الجيوش الأفضل؛ لإنقاذ بيت المقدس من الأرتقيين فطلب إليهم التسليم فأبوا فضربها بالمنجنيق فهدم بعضها فسلمت، وفرَّ الأرتقيون إلى شرقي سوريا. فسار سقمان إلى الرها، وأقام لنفسه حكومة فيها، وضم إليها ديار بكر، واستولى الغازي على العراق العربي، وأنشأ مملكة في ماردين.

(٦-٣) الحروب الصليبية

ثم كانت الحروب الصليبية إذ ذاك في أول نشأتها، نعني أيام التعصبات الدينية العمياء التي يخجل التاريخ من ذكرها. فكم أهرقت من الدماء، وكم أحرمت الناس من الراحة. إن ذلك التعصب ساق أهل أوروبا من بلادهم بالعدة والرجال لمحاربة سوريا وفلسطين ومصر، ولم تكن النتيجة إلا إهلاك العباد المقصود إنقاذهم. فمن نجا من السيف لم ينج من الاستعباد، وإننا لنمسك القلم عن الخوض في هذا الموضوع الذي يسود القلوب، ويشوه وجه الإنسانية.

فتأمل الحالة التي كانت البلاد الإسلامية فيها من الارتباك، وما كان في طريقها من العقبات كيف كانت منقسمة بينها. فقام أهل أوروبا جميعًا، وجاهروا بمحاربتها، واحتشدوا في القسطنطينية بأمر الإمبراطور إلكس كمون الأول، والسلجوقيون يزحفون في آسيا يفتتحون البلد بعد الآخر حتى بلغوا الأناضول فأصبحوا يهددون المسلمين في مصر كما يهددون النصارى في القسطنطينية، وما زالوا سائرين نحو القسطنطينية حتى أدركوا شاطئ البوسفور الشرقي فلم يبق بينهم وبين القسطنطينية إلا ذلك البوغاز، وكان إذا ذكر اسم الله في معسكر المسلمين وقت الصلاة يسمعه المسيحيون في كنيسة أيا صوفيا على الجانب الآخر.

ثم قطعت جيوش النصارى البوسفور وعددهم عظيم. فقابلهم السلطان قليج أرسلان السلجوقي بن سليمان شاه مؤسس الدولة السلجوقية فحاربوه، وأرجعوه وجيشه إلى الوراء، واستولوا على نيقية ثم أنطاكية. فجاء المسلمين مدد من كتبوغا أمير الموصل، ودقاق أمير دمشق، وجناح الدولة أمير حمص، ومع كل منهم فرقة من الرجال فأحاطوا بالصليبيين، وضيقوا عليهم فتجمع هؤلاء، ودافعوا دفاع اليأس، ودفعوا قوات المسلمين وفرقوها فلم يبقَ ما يوقفهم عن التقدم. فاستولوا على المعرة بعد حرب، ودخلوا حمص بدون حرب، وانتشر جنودهم في جميع أنحاء سوريا الغربية وفلسطين كالأمواج المتلاطمة فلاقتها جيوش مصر هناك، وكانت بيت المقدس في حكم الخليفة المستعلي الفاطمي منذ استخلاصها من الأرتقيين فحاصرها الصليبيون أربعين يومًا، ثم افتتحوها عنوة، ودخلوها يوم الأربعاء في ٢٢ شعبان سنة ٤٩٢ﻫ/يوليو «تموز» سنة ١٠٩٩ بعد مذبحة استمرت أسبوعًا فأصبحت الجثث متراكمة في الأسواق، فجعلوا يجمعونها في الجامع الأقصى، وقيل: إنه قتل في تلك المعركة نحو من ٧٠ ألف نفس، واغتنم الصليبيون غنائم كثيرة، وساروا لفتح مصر.

fig032
شكل ٩-٩: قتال بين الصليبيين والمسلمين في القرن الحادي عشر للميلاد. نقلًا عن صورة مرسومة على زجاج نافذة بكنيسة القديس دنيس.

فاضطربت مصر لتلك الأخبار، وأصبحت تخشى أن يصيبها مثل ذلك، فحشد أمير الجيوش لمحاربة الصليبيين جندًا وافرًا تحت قيادة سعد الدولة. فساروا وما زالوا حتى التقوا بالجيوش الصليبية عند أسوار عسقلان فحاربوها فأرجوعها على أعقابها. فلما رأى الصليبيون أنفسهم خارج حدود مصر لم يعودوا يطمعون فيها، فوجهوا مطامعهم شرقًا إلى ما بين النهرين. فالتقت فرقة منهم بكمشتكين أمير ملاطية وسيواس فكسرها، ولم يوقفهم عن مرادهم. فساروا من الجهة الواحدة نحو ديار بكر إلى سروج ومن الجهة الأخرى حتى استولوا على أرصوف وقيصرية.

ومرت سنتا ٤٩٣ و٤٩٤ﻫ في مثل هذه المناوشات، وفي يوم الثلاثاء ١٧ صفر سنة ٤٩٥ﻫ توفي الخليفة المستعلي بالله في القاهرة بعد أن حكم ٧ سنوات وشهرين، وله ولد اسمه المنصور لم يبلغ السادس من عمره فكان شاهين شاه وصيًّا عليه كما كان وصيًّا على أبيه قبله، وكان قد عهد إليه أن يلقبه عند مبايعته بالآمر بأحكام الله ففعل.

(٧) خلافة الآمر بن المستعلي (من ٤٩٥–٥٢٤ﻫ/١١٠١–١١٣٠م)

وكان الصليبيون في أثناء ذلك لا يزالون في فتوحهم بسوريا، وقد فازوا لانقسام الدول الإسلامية، وكان الواجب في مثل هذه الحال أن يتحدوا يدًا واحدة؛ لمقاومة أعدائهم لكنهم جاءوا بالعكس؛ فانقسمت الآراء، وتشتت القوات فكانت تلك فرصة لجماعة الصليبيين لم يضيعوها؛ لأن الكونت سنجيل بعد أن استولى على طرسوس وحمص وجبيل وطرابلس الشام، تقدم نحو عكا سنة ٤٩٧ﻫ وحاصرها برًّا وبحرًا، وكانت عكا في ذلك الحين تابعة لمصر، وحاكمها يدعى زاهر الدولة، ويلقب بالجيوشي؛ لأنه من أتباع أمير الجيوش، وطال أمد الحصار حتى ملَّ الصليبيون الانتظار فهاجموا المدينة، ودخلوها عنوة، وفتكوا بمن فيها، وفر زاهر الدولة إلى الشام، ومنها إلى مصر.

ووصل إلى مصر في ذلك الحين أيضًا الأمير خلف بن ملاعب الكلابي، وكان واليًا على حمص، أخرجه منها تناش صاحب دمشق زورًا سنة ٤٨٥ﻫ فأتى مصر، وعرض نفسه لخدمة الخلفاء الفاطميين، وكان قد طاف أنحاء المملكة الإسلامية؛ لاستطلاع أحوالها شأن المحب لمعرفة حقائق الأشياء. فوصل مصر والخليفة في احتياج إلى خدمته، وذلك أن أبامة في غربي سوريا كان قد تملكها السلطان رضوان فخر الدولة السلجوقي، وأقام عليها واليًا من قبله. فكتب هذا الوالي لأمير الجيوش سرًّا أنه مستعد لتسليم المدينة لمن يرسله خليفة مصر. فتقدم الأمير خلف لهذه المهمة فقبل فسار إلى أبامة وتملكها، ولم ترسخ قدمه فيها حتى نبذ الطاعة، وأوقف دفع الجزية، فأراد الخليفة معاقبته فلم يستطع؛ لما كانت عليه سوريا من القلاقل والفتن. فأنف قاضي تلك المدينة وأعيانها من البقاء على تلك الحال. فبعثوا إلى والي حلب يطلبون حمايته فحماهم فسلموا له المدينة، وقتلوا خلفًا، وبعض أهله. لكن الدهر لم يدم لهم؛ لأنهم ذهبوا غنيمة للصليبيين في سنة ٤٩٩ﻫ وأول من قتل منهم القاضي المتقدم ذكره.

وفي أثناء ذلك كان الكونت سنجيل محاصرًا لطرابلس الشام، وقد شخص أميرها إلى بغداد يستمد الخليفة المقتدر العباسي، والسلطان ملك شاه السلجوقي فلم يمداه بشيء، فاستجار أهلها بخليفة مصر فأجارهم، وبعث الأفضل أحد أوليائه إلى طرابلس فتملكها باسم الخليفة الآمر، وأرسل إليها بعد ذلك عمارة بحرية تدفع الصليبيين عنها فتأخر وصولها؛ لمعاكسة الريح لها، وفي ١١ ذي الحجة سنة ٥٠٣ﻫ/يوليو سنة ١١١٠م فتح الصليبيون طرابلس الشام عنوة، وقتلوا بعض أهلها، واستعبدوا البعض فسببوا بدخولهم إليها من الخسائر ما لا يمكن أن تسببه الحروب.

ففي سبع سنين كلها حروب دموية استولى الصليبيون على سوريا وفلسطين، وجعلوا بيت المقدس قصبة ملكهم. أما مصر فكانت في جميع هذه الحوادث على الحياد إلا المدافعة عند الحاجة، وكانت تعد ذاتها سعيدة؛ لنجاتها من هجمات أولئك الصليبيين، وكل ذلك بتدبير الأفضل أمير الجيوش.

وفي سنة ٥٠٦ﻫ أمر الأفضل ببناء خليج سماه بحر أبي المنجا؛ لأن الذي ناظر على حفره هو أبو المنجا أبو شعيا اليهودي، وأنشأ الأفضل أيضًا مرصدًا عظيمًا كلفه مشقات جسيمة، وجعل مركز ذلك المرصد على مرتفع في جوار المقطم كان يعرف قديمًا بالجرف، ثم لما أقيم فيه المرصد صار يعرف بالرصد.

(٧-١) البدوية وابن عمها

على أن الهمة التي كان يبذلها الأفضل أمير الجيوش في سبيل مصالح البلاد لم تكن تحرك من الخليفة الآمر بأحكام الله ساكنًا، وكان منغمسًا بالملاهي لا يسمع بغانية جميلة إلا استقدمها، وكان له شغف خصوصي بالجواري البدويات، ومن أقاصيصه أنه بلغه أن في الصعيد جارية من أكمل العرب، وأظرف نسائهم، شاعرة جميلة، فيقال: إنه تزيا بزي بداة الأعراب، وصار يجول في الأحياء حتى انتهى إلى حيها، وبات هناك في ضائفة، وتحايل حتى عاينها فما ملك صبره أن رجع إلى مقر ملكه، وسرير خلافته، فأرسل إلى أهلها يخطبها فأجابوه إلى ذلك، وزوجوه بها. فلما صارت إلى القصور شق عليها مفارقة ما اعتادته، وأحبت أن تسرح طرفها في الفضاء، ولا تقبض نفسها داخل أسوار المدينة فبنى لها البناء الذي اشتهر في الجزيرة بالهودج، وكان على شاطئ النيل بشكل غريب. إلا أن البدوية بقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربيت معه يعرف بابن مياح فكتبت إليه، وهي في قصر الخليفة الآمر تقول:

يا ابن مياح إليك المشتكى
مالك من بعدكم قد ملكا
كنت في حيي مرءًا مطلقًا
نائلًا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر موصد
لا أرى إلا حبيسًا ممسكًا
كم تثنينا بأغصان اللوا
حيث لا نخشى علينا دركا
وتلاعبنا برملات الحمى
حيثما شاء طليق سلكا

فأجابها:

بنت عمي والتي غزيتها
بالهوى حتى علا واحتنكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها
لو غدا ينفع منا المشتكى
ما لك الآمر إليه يشتكى
هالك وهو الذي قد هلكا
شأن داود غدا في عصرنا
مبديًا بالتيه ما قد ملكا

فبلغت الآمر فقال: «لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه، وزوجتها به.»

وفي أواخر سنة ٥١١ﻫ خرج بردويل ملك الصليبيين من بيت المقدس؛ لافتتاح مصر بجيش غفير فوصل الفرما فاستولى عليها، وذبح أهلها، وأحرق جوامعها، وهم بمصر فداهمه مرض حمله على العود حالًا، فعاد إلى بيت المقدس فمات قبل أن يدرك العريش فنزعوا أحشاءه، ودفنوها في مكان لا يبعد كثيرًا من العريش في أرض رملية، وأقاموا على قبره حجرًا كبيرًا، ولايزال ذلك المكان معروفًا إلى أيامنا باسم رمال بردويل. أما جثته فحملوها إلى بيت المقدس.

وبموت بردويل نجت مصر من فتح عظيم، وبقي الصليبيون سبع سنوات أخرى لا يستطيعون مناهضة مصر؛ لاشتغالهم بهجمات المسلمين من شرقي سوريا. ففي سنة ٥١٨ﻫ أتى الصليبيون صور وأخذوها صلحًا، وأذنوا للمسلمين أن يخرجوا منها بكل ما يستطيعون حمله، وكانت صور إذ ذاك تابعة لمصر فخاف خليفتها من تقدم الصليبيين إلى مصر نفسها، وكانوا قد كفوا عن الفتوح فنبههم إليه الأرتقيون، وعماد الدين زنكي في شرقي سوريا والعراق.

وفي أثناء ذلك نشأت طائفة الباطنيين، ويدعوهم بعض المؤرخين بالحشاشين؛ لأنهم كانوا يكثرون من تدخين الحشيش، وهم فئة جمع بينهم التعصب والطمع، وكان رئيسهم يترصد فرصة للغزو والنهب، فلما رأى الدول القوية مشغولة بالحرب في أنحاء المشرق، وضع يده على بعض القرى الجبلية بجوار دمشق، ثم جعل يناهض الصليبيين فيحاربهم تارة، ويصالحهم أخرى، إلى أن انتهى الأمر فأقام حكومته بين ظهرانيهم، وابتنى حصونًا منيعة أرهبت الولاة المسيحيين وخلفاء الإسلام، فأجبرهم على دفع الجزية وقاية من فتكه بحياتهم، فإنه كان متفننًا في القتل بطرق سرية على يد بعض رجاله الدهاة.

وفي سنة ٥٢٤ﻫ سعى أمير الباطنين في قتل الآمر بأحكام الله فأنفذ إليه بعض دهاته فقتلوه في ٢ ذي القعدة من السنة المذكورة، وهو في طريقه إلى زيارة معشوقته البدوية، وسنه ٣٥ سنة، وحكمه ٣٠ سنة تقريبًا.

وترى في شكل ٩-١٠ صورة نقود الآمر بأحكام الله ضُربت بالإسكندرية سنة ٥١٢ﻫ (انظر شكل ٩-١٠).
fig25
شكل ٩-١٠: نقود الآمر بأحكام الله ضربت في الإسكندرية.

(٨) خلافة الحافظ بن محمد (من ٥٢٤–٥٤٤ﻫ/١١٣٠–١١٤٩م)

ولم يكن للآمر أولاد ذكور فكان الحق بالخلافة لابن عمه عبد المجيد بن القاسم بن محمد، ولكن أرملة الخليفة كانت حاملًا فلقب عبد المجيد بنائب الملك ريثما تلد، ويرون ماذا يكون المولود؟ فوضعت ابنة، فبويع عبد المجيد، ولُقِّب بالحافظ لدين الله. فاستوزر أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش فقام بالوزارة حق القيام فعظم في عيني الخليفة فكثر حساده فقتلوه. فاستوزر وزيرًا آخر اختبر فيه الدراية والحكمة، واسمه بهرام لكنه لم يلبث أن قتل في أواخر سنة ٥٤٣ﻫ فعزم الخليفة بعد ذلك أن يتولى أعباء الوزارة بنفسه.

وفي خلال ذلك لم يكن في مصر اضطراب إلا من حيث مشاركتها سوريا بالحروب الصليبية، على أنها ما فتئت ساهرة تخشى غائلة تلك التعصبات، لكنها لم تكد ترتاح من حروبها في الشرق حتى ظهر لها عدو هائل في الغرب فأصبحت الدولة الفاطمية حجرًا بين مطرقتين: فعدوها في الشرق الصليبيون، وأما في الغرب فملك صقلية روجر الثاني، وقد تقدم أنه تولى هذه الجزيرة بالإرث، وكان الفاطميون قد علموا بذهابها من أيديهم فلم يأسفوا عليها؛ لبعدها عن مركز حكومتهم.

فلم يقنع روجر بما ناله فحملته مطامعه أن يطلب الفتح فجرد عمارة من مائتين وخمسين شراعًا، وتقدم نحو إفريقيا سنة ٥٣٩ﻫ واستولى على برصة، وقتل كل من كان فيها من الرجال، واستعبد النساء، وفي سنة ٥٤١ﻫ وضع يده على طرابلس الغرب، واستولى في سنة ٥٤٣ﻫ على المهدية مهد الخلافة الفاطمية، وكان قد هجرها أهلها؛ لجوع مدقع حل بهم. ثم تقدم روجر من هناك قاصدًا الإسكندرية. فوقعت مصر في حيرة، وقد أصبح هذا العدو في عينيها أشد وطأة من الصليبيين؛ لاشتغال هؤلاء عن مصر بما كان يهددهم به زنكي، وأتابك محمود الملقب بالملك العادل نور الدين.

fig26
شكل ٩-١١: نقود الحافظ لدين الله.

وفي أثناء ذلك توفي الخليفة الحافظ في جمادى الثانية سنة ٥٤٤ﻫ بعلة القولنج، وكان كثير الإصابة بها. فعمل له موسى الطبيب النصراني طبل القولنج، وهو عبارة عن طبل مركب من سبعة معادن عليه الكواكب السبعة، وكان من خاصته أن الإنسان إذا ضربه خرج الريح من مخرجه، ولهذه الخاصية كان ينفع في القولنج، وكان سن الحافظ عند موته ثمانين سنة، ومدة حكمه ١٩ سنة و٧ أشهر ولم يكن من التدبير والحكمة على شيء؛ فكان يعهد إدارة الأحكام لوزرائه مكتفيًا بالسلطة الدينية المحصورة في كل خليفة، ولم يكن لديه من السلطة السياسية إلا التوقيع على الأوامر في تثبيت الأمراء على إماراتهم شأن الدول عند وشك انحلال ملكها، إلا أن تغيير الوزراء جعل فيه بعض الاهتمام في الأحكام.

وترى في شكل ٩-١١ صورة نقود الحافظ لدين الله ضُربت في الإسكندرية سنة ٥٤٤ﻫ وهي السنة التي توفي فيها.

(٩) خلافة الظافر بن الحافظ (من ٥٤٤–٥٤٩ﻫ/١١٤٩–١١٥٤م)

واستخلف الحافظ ابنه إسماعيل أبا المنصور فبويع، ولقب بالظافر بأمر الله لكنه لم يكن مطابقًا لذلك الاسم، وكان عمره ١٧ سنة، وهو أصغر أولاد أبيه سنًّا، وكان كثير اللهو واللعب، والتفرد بالجواري، واستماع الأغاني، فكان ينظر إلى الدسائس الجارية في قصره الآيلة إلى خراب مملكته بعين المتردد المتهامل، وبمثل ذلك كان ينظر إلى تهديد جنود صقلية من جهة الغرب والصليبيين من الشرق، وكل منهما يقترب رويدًا رويدًا من قاعدة المملكة الفاطمية، والظافر يشعر بقرب سقوط خلافته، ولا يبدي حراكًا.

وفي السنة الرابعة من خلافته، وهي سنة ٥٤٨ﻫ حاصر الصليبيون عسقلان، وكانت من أعمال الفاطميين، ونظرًا لوقوعها على حدود مملكتهم كانت عرضة لهجمات الصليبيين، وكان الوزراء في أيام الخلفاء السالفين يعززونها بمهمات الدفاع، وفي أوائل خلافة الظافر توفي وزيره، ووقع الخلاف بين ذوي شوراه فشُغلوا بذلك عن صيانة البلاد، فأهملوا أمر عسقلان، فاغتنم الصليبيون تلك الفرصة، وحاصروا المدينة، وضيَّقوا عليها حتى سلمت. فجاء خبر سقوطها إلى القاهرة مع خبر آخر أشد وطأة منه وهو أن العمارة الصقلية نزلت على سواحل مصر، وأحرقت مدينة تنِّيس في بحيرة المنزلة، ونهبت الفرما لكنها لم تتقدم أكثر من ذلك، فأخذت ما أمكنها حمله من الغنائم، وعادت من حيث أتت.

ومن سنة ٥٤٩ﻫ انتهت حياة الخليفة الظافر وحكمه معًا، وسبب موته أنه كان منهمكًا بالشهوات الوحشية مشتغلًا عن مهام الدولة فشق ذلك على وزيره العباس؛ فأوعز إلى ابنه نصر أن يقتله، وينجي البلاد من شره، ويتخلص مما كان يتقول الناس في عرضهما من معاشرته إياه، فاستدعاه إلى دار أبيه سرًّا، ولم يعلم به أحد، وتلك الدار هي المدرسة الحنفية التي عرفت بالسيوفية فقتله بها وأخفى قتله في منتصف محرم سنة ٥٤٩ﻫ، فأتى نصر إلى أبيه العباس وأخبره بذلك من ليلته، ولما كان الصباح أقبل العباس إلى القصر على جاري عادته في الخدمة، وأظهر عدم الاطلاع على قضيته، وطلب الاجتماع به، ولم يكن أهل القصر قد علموا بقتله بعدُ؛ لأنه خرج من عندهم خفية، وما علم أحد بخروجه، فدخل الخدم إلى موضعه ليستأذنوا للعباس فلم يجدوه فدخلوا إلى قاعة الحرم فقيل له: إنه لم يبت هنا، فتطلبوه في جميع مظانه في القصر فلم يقعوا له على خبر فتحققوا قتله. فأخرج العباس أخوي الظافر — وهما جبريل ويوسف — وقال لهما: «أنتما قتلتما إمامنا، وما نعرف حاله إلا منكما.» فأصرا على الإنكار، وكانا صادقين في ذلك، فقتلهما حالًا لينفي التهمة عن نفسه وعن ابنه.

وترى في شكل ٩-١٢ صورة نقود الظافر بأمر الله ضربت في الإسكندرية سنة ٥٤٥ﻫ.
fig27
شكل ٩-١٢: نقود الظافر بأمر الله ضربت في الإسكندرية.

(١٠) خلافة الفائز بن الظافر (من ٥٤٩–٥٥٦ﻫ/١١٥٤–١١٦٠م)

فاستدعى عباس الفائز بن الظافر، وتقدير عمره خمس سنوات، وقيل سنتان فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار، وأمر أن يدخل الأمراء فدخلوا، فقال لهم: «هذا ولد مولاكم، وقتل عماه أباه، وقد قتلتهما به كما ترون، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل.» فقالوا بأجمعهم: «سمعنا وأطعنا!» وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل، وبال على كتف عباس، وسموه الفائز، وسيروه إلى أمه، وقد اختل من تلك الصيحة فصار يصرع في كل وقت ويختلج.

(١٠-١) الملك الصالح

فأخذ عباس من ذلك الحين يدير الأمور، وانفرد بالتصرف، ولم يبقَ على يده يد، وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر، وأخذوا في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه فكاتبوا بذلك الصالح طلائع بن رزيك الأرمني، وهو أبو الغارات الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين؛ كان قد سار إلى زيارة مشهد الإمام علي بن أبي طالب بأرض النجف من العراق في جماعة من الفقراء، وكان من الشيعة الإمامية فتنبأ له الإمام أنه سيتولى مصر بناء على رؤيا رآها في منامه، فسار من ساعته إلى مصر، وصار يترقى في الخدم حتى ولي منية خصيب (المنيا).

فلما صار أهل القصر إلى ما صاروا إليه كتبوا إلى الطلائع، وسألوه الانتصار لهم ولمولاهم، والخروج على عباس، وقطعوا شعورهم، وسيروها في طي الكتاب، وسودوا الكتاب، فلما وقف الصالح عليه أطلع من حوله من الأجناد، وتحدث معهم في المعنى فأجابوه إلى الخروج، واستمال جمعًا من العرب، وساروا إلى القاهرة، وقد لبسوا السواد، فلما قاربوها خرج إليهم من بها من الأمراء والأجناد والسودان، وتركوا عباسًا وحده، فخرج عباس في ساعته من القاهرة، وخرج معه ولده نصر، ومعهما شيء من المال، وجماعة يسيرة من أتباعهم، وقصدوا طريق الشام على أيلة في ١٤ ربيع أول سنة ٥٤٩ﻫ.

أما الصالح بن رزيك فإنه دخل القاهرة بدون قتال، وما قدَّم شيئًا على النزول بدار عباس المتقدم ذكره، واستحضر الخادم الصغير الذي كان مع الظافر ساعة قتله، وسأله عن الموضع الذي دُفن فيه فعرَّفه به، وقلع البلاطة التي كانت عليه، وأخرج الظافر ومن معه من المقتولين فحملوا وقطعت لهم الشعور، وانتشر البكاء والنواح في البلد، ومشى الصالح والخلق قدام الجنازة إلى موضع المدفن في تربة الفاطميين.

وتكفل الصالح بالخليفة الصغير، ودبر أحواله، وأما عباس فإن أخت الظافر كاتبت صليبي عسقلان بشأنه، وشرطت لهم مالًا جزيلًا إذا أمسكوه فخرجوا عليه، والتقوا به فتواقعوا، وقتلوا عباسًا، وأخذوا ماله وولده، وانهزم بعض أصحابه إلى الشام، وفيهم ابن منقذ فسلموا، وسير الصليبيون نصر بن عباس إلى القاهرة تحت الحوطة في قفص من حديد. فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطه من المال فأخذوا نصرًا، وضربوه بالسياط، ومثلوا به وصلبوه بعد ذلك على باب زويلة، ثم أنزلوه يوم عاشوراء سنة ٥٥١ﻫ وأحرقوه.

ولم يحكم الخليفة الفائز بنصر الله إلا ست سنوات، وفي سنة ٥٥٥ﻫ توفي، وكانت مصر قد انحطت في أيامه إلى مهاوي الضعف حتى إنه كان يؤدي الأموال الطائلة ترضيةً للصليبيين في بيت المقدس؛ ليتوقفوا عن الغزو من جهة عسقلان وغزة.

(١١) خلافة العاضد بن يوسف (من سنة ٥٥٦–٥٦٧ﻫ/١١٦٠–١١٧١م)

وبعد وفاة الخليفة الفائز أخذ الملك الصالح يهتم في إقامة من يخلفه فقدم السراي، فقدموا له شيخًا من الأسرة الفاطمية لم يكن ثَمّ أحق منه للخلافة فهمَّ بمبايعته، فجاء أحد أصدقائه وهمس في أذنه: «إن سلفك في الوزارة كان أحسن تدبيرًا منك؛ لأنه لم يسلم نفسه لخليفة عمره أكثر من خمس سنوات.» فرنت هذه العبارة في أذن الوزير فعدل عن تنصيب هذا الشيخ، وعمد إلى عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله، ولم يكن بالغًا رشده. فبايعه ولقبه بالعاضد لدين الله، وهو الخليفة الرابع عشر للدولة الفاطمية، ثم زوجه ابنته، ومعها ثروة عظيمة.

ولما كانت إدارة الأحكام منوطة بالوزير كان النفوذ الأكبر له، ولم يكن الخليفة العاضد لدين الله أقل استعبادًا من سلفه، فلقب وزيره الصالح بلقب الملك. ففتحت أعين الأعداء عليه، وفي جملتهم عمة الخليفة. فعزمت على قتله فأرسلت أولاد الراعي فكمنوا له في دهاليز القصر، وضربوه حتى سقط إلى الأرض على وجهه، وحمل جريحًا لا يعي إلى داره فمات يوم الاثنين ١٩ رمضان سنة ٥٥٦ﻫ وكان شجاعًا كريمًا جوادًا فاضلًا محبًّا لأهل الأدب جيد الشعر، وفيه عقلٌ وسياسة وتدبير، وكان ذا هيبة في شكله عظيمًا في سطوته وغناه، وكان محافظًا على الصلاة وفرائضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع صنف كتابًا سماه: «الاعتماد في الرد على أهل العناد» جمع له الفقهاء، وناظرهم عليه، وهو يتضمن إمامة علي بن أبي طالب، والكلام على الأحاديث الوارة في ذلك، وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كل فنٍّ، فمنه في اعتقاده:

يا أمة سلكت ضلالًا بينًا
حتى استوى إقرارها وجحودها
ملتم إلى أن المعاصي لم يكن
إلا بتقدير الإله وجودها
لو صح ذا كان الإله بزعمكم
منع الشريعة أن تقام حدودها
حاشا وكلا أن يكون إلهنا
ينهى عن الفحشاء ثم يريدها

ولم يمت الصالح إلا بعد أن انتقم من عمة الخليفة بأمر الخليفة نفسه؛ لأنه لم يكن يحبها. ثم استوزر ابنه محيي الدين رزيك، ولقبه بالملك العادل، وكنيته أبو شجاع، وهذا استخلف شاور.

(١١-١) مشهد الحسين

ومن أعمال الملك الصالح طلائع بن رزيك أنه علم بوجود مشهد الحسين في عسقلان، وكان أمير الجيوش أثناء حروبه في سوريا قد ظفر بمدفن رأس الإمام الحسين في تلك المدينة، فابتنى فوقه مشهدًا، فلما علم طلائع بوجود ذلك المشهد في تلك الجهة خاف عليه من الصليبيين، فعزم على نقله إلى مصر فابتنى له جامعًا مخصوصًا خارج باب زويلة دعاه جامع الصالح نسبة إليه على أن يجعل فيه المشهد.

فلما فرغ من بنائه لم يمكنه الخليفة من ذلك بدعوى أنه لا يليق أن يكون ذلك الأثر الشريف خارج سور المدينة، وأبى إلا أن يجعله في بعض أجزاء قصره المدعو قصر الزمرد فأقام له مشهدًا هناك، وفي سنة ٧٤٠ﻫ احترق المشهد فأعيد بناؤه مرارًا، وأخيرًا أقيم في جواره جامع حتى إذا كان أيام الأمير عبد الرحمن كخيا أحد أمراء المماليك فأعيد بناء المشهد الحسيني في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد، وبعد ذلك أعيد بناؤه برمته في أيام الخديوي إسماعيل، ولم يبقَ من البناء القديم إلا القبة المغطية لمقام الإمام فأصبح على ما نشاهده الآن، وهو الجامع المعروف بجامع سيدنا الحسين في السكة الجديدة بالقاهرة.

(١١-٢) ضرغام

وكان الملك الصالح طلائع بن زريك قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم: البرقية، وجعل في مقدمتهم ضرغام أبا الأشبال. فترقى هذا الرجل حتى صار صاحب الباب. فلما تولى شاور الوزارة طمع ضرغام في سلبه إياها فجمع رفقته، وتخوف شاور وجمع إليه رجاله. فأصبح الجيش فرقتين: فرقة مع ضرغام، وأخرى مع شاور.

وبعد تسعة أشهر من وزراة شاور، أي في رمضان سنة ٥٥٨ﻫ ثار ضرغام، وصاح على شاور فأخرجه من القاهرة، وقتل ولده الأكبر المسمى بطي، وبقي شجاع المنعوت بالكامل، وخرج شاور من القاهرة يريد الشام، واستقر ضرغام في وزارة الخليفة العاضد لدين الله بعد شاور، وتلقب بالملك المنصور. فشكر الناس سيرته؛ لأنه كان فارس عصره، وكان كاتبًا جميل الصورة، فَكِه المحاضرة عاقلًا كريمًا لا يضع كرمه إلا في سمعه ترفعه أو مواراة تنفعه، إلا إنه كان إذنًا مستحيلًا على صاحبه فإذا ظن في أحد شرًّا جعل الشك يقينًا، وعجل بالعقوبة. فبلغه بعد حين أن رفاقه البرقية يسعون في خلعه، وإعادة الوزارة إلى شاور فعلى عادته من التعجل أرسل إليهم، وكانوا نحوًا من سبعين أميرًا سوى أتباعهم، وأحضرهم إلى دار الوزارة ليلًا وقتلهم بالسيف صبرًا فذهبت لذلك رجالة الدولة، واختلت أحوالها، وضعفت أكابرها، وفقد أصحاب الرأي والتدبير منها.

(١١-٣) أسد الدين شيركوه وصلاح الدين

وفي أثناء ذلك قصد الصليبيون بلاد مصر فخرج إليهم همام أخو ضرغام، وحاربهم فغلبوه، ونزلوا على حصن بلبيس، وملكوا بعض السور، ثم عادوا إلى بلادهم، وعاد همام عودًا رديئًا، فما هو إلا أن قدم رسل الصليبيين على ضرغام في طلب مال الهدنة المقررة في كل سنة، وهو ٣٣ ألف دينار.

ثم جاء الخبر بقدوم شاور، ومعه أسد الدين شيركوه بن شادي، وهو كردي الأصل من قبيلة الروادية من أشهر قبائل الأكراد من مدينة دوبن من أعمال أذربايجان.

وكان شيركوه هذا، وأخوه نجم الدين أيوب في خدمة الأتابك نور الدين صاحب دمشق منذ مدة طويلة، وأظهرا من اللياقة ما مكن ثقته فيهما. فلما سار شاور إلى دمشق استنجد أتابك نور الدين؛ ليرجع الوزارة إلى يده. فنور الدين لم يغفل عن هذه الفرصة التي تجعل له يدًا بأمور مصر فأرسل معه أسد الدين شيركوه في كثير من المماليك (الغز) وسار معهما يوسف بن أخيه نجم الدين بن أيوب، وكان صغير السن، ولم يكن أبوه راضيًا بسفره في هذه الأخطار لصغر سنه، ولعل التقادير ساقته إلى مصر؛ ليكون سلطانًا عليها، فإن هذا الغلام صار بعد ذلك البطل الذي يلهج التاريخ بذكره؛ السلطان صلاح الدين الأيوبي. أما مولده فقلعة تكريت سنة ٥٣٢ﻫ، وسار الأتابك نور الدين بنفسه مشيعًا جيوشه إلى حدود مصر، وقصده من ذلك إيهام الصليبيين الذين في طريقه أنه آتٍ لمحاربتهم، فانحصروا في مدنهم، ومر جيشه بأمان ولا معارض حتى أتى مصر.

(١١-٤) قتل ضرغام وعود شاور إلى الوزارة

فلما علم ضرغام بقدوم شاور ومن معه ومطاليب الصليبيين اضطرب، وأصبح الناس في ٢٩ جمادى الأولى سنة ٥٥٩ﻫ خائفين على أنفسهم وأموالهم، فجمعوا الأقوات والماء، وتحولوا من مساكنهم، وخرج همام بالعسكر في أول جمادى الآخرة فسار إلى بلبيس، وكانت له وقعة مع شاور انهزم ضرغام فيها، وصار إلى شاور وأصحابه جميع ما كان مع عساكر همام، وأسروا عدة، ونزل شاور بمن معه إلى التاج (قليوب) بظاهر القاهرة يوم الخميس ٦ جمادى الآخرة.

فجمع ضرغام الناس، وضم إليه الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية من الجند بداخل القاهرة، وشاور مقيم في التاج أيامًا، ثم سار شاور ونزل في المقس (الأزبكية) فخرج إليه عساكر ضرغام، وحاربه فانهزم هزيمة قبيحة، وسار إلى بركة الحبش، ونزل بالشرف الذي عرف بعد ذلك بالرصد، وملك مدينة مصر (الفسطاط) وأقام بها أيامًا.

فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي كان بمودع الحكم فكرهه الناس واستعجزوه، ومالوا مع شاور، فتنكر منهم ضرغام، وتحدث بإيقاع العقوبة بهم فزاد بغضهم له، ونزل شاور في أرض اللوق خارج باب زويلة، وطارد رجال ضرغام، وزحف إلى باب سعادة، وباب القنطرة، وطرح النار في منظرة اللؤلؤة وما حولها من الدور، وعظمت الحروب بينه وبين أصحاب ضرغام، وفني كثير من الطائفة الريحانية، فبعثوا إلى شاور ووعدوه أنهم عون له فانحل أمر ضرغام، فأرسل العاضد إلى الرماة يأمرهم بالكف عن الرمي فخرج الرجال إلى شاور، وصاروا من جملته، وفترت همة أهل القاهرة، وأخذ كل منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور، فأمر ضرغام بضرب الأبواق والطبول ما شاء الله من فوق الأسوار فلم يخرج إليه أحد، وتفرق عنه الناس فسار إلى باب الذهب من أبواب القصر ومعه ٥٠٠ فارس، فوقف وطلب من الخليفة أن يشرف عليه من الطاق، وتضرع إليه، وأقسم عليه بآبائه فلم يجبه أحد، وظل واقفًا إلى العصر والناس تنحل عنه حتى بقي في نحو ٣٠ فارسًا فوردت عليه رقعة مكتوب فيها: «خذ نفسك وانج بها.» وإذا بالأبواق والطبول قد دخلت من باب القنطرة ومعها عساكر شاور فمر ضرغام إلى باب زويلة فصاح الناس عليه ولعنوه، وتخطفوا من معه، وأدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبًا من الجسر الأعظم فيما بين القاهرة ومصر القديمة قرب جامع السيدة نفيسة، واحتزوا رأسه في غاية جمادى الآخرة، وفرَّ منهم أخوه إلى جهة المطرية فأدركه الطلب، وقُتل عند مسجد تبر خارج القاهرة، وقتل أخوه الآخر عند بركة الفيل، وبقي ضرغام ملقًى على الأرض يومين، ثم حمل إلى القرافة ودفن بها، وكانت وزارته ٩ أشهر، وكان من أجل أعيان الأمراء، وأشجع فرسانهم، وأجودهم لعبًا بالكرة، وأشدهم رميًا بالسهام، وكان له مع ذلك خط ابن مقلة، وكان ينظم الموشحات الجيدة، ولما جيء برأسه إلى شاور رفع على قفاه، وطيف به فقال الفقيه عمارة:

أرى جنك الوزارة صار سيفًا
يحز بحده جيد الرقاب
كأنك رائد البلوى وإلا
بشير بالمنية والمصاب

وهكذا أعيدت وزارة مصر إلى شاور فاستلم زمامها، وصار يدفع للأتابك نور الدين ثلث محصولاتها مقابلة لما بذله في إعادتها إليه. إلا أن الأتابك لم يكن هذا حد مطامعه في مصر فقد كان له بتلك الحملة غرضان؛ الأول: أن يقضي حق شاور؛ لأنه قصده مستنصرًا، والثاني: أن يستعلم عن أحوال مصر؛ لأنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند، وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف عن حقيقة ذلك.

(١١-٥) شاور وشيركوه

ولما أقيم شاور على مصر عقد بينه وبين أسد الدين شركوه اتفاقًا سريًّا بشأن تسليم مصر، إلا أن الشيطان وسوس لشاور أنه قادر على دفع جيوش نور الدين فينال السلطة لنفسه فكتب إلى شيركوه أن يسير إلى سوريا. فأعاد الجواب بالامتناع، وطلب ما كان قد استقر بينهم فلم يجبه شاور إليه. فلما رأى ذلك أرسل إلى نوابه فتسلموا مدينة بلبيس، وحكم على البلاد الشرقية، فأرسل شاور إلى الصليبيين يستمدهم ويخوفهم من نور الدين إن ملك مصر، وكانوا قد أيقنوا بالهلاك إن تم ملكه لها.

فلما أرسل شاور يطلب منهم أن يساعدوه على إخراج أسد الدين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه، وسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته، وطمعوا في تملك الديار المصرية، وكان قد بذل لهم مالًا على المسير إليه، وتجهزوا وساروا. فلما بلغ نور الدين ذلك سار بعساكره إلى أطراف بلادهم؛ ليمتنعوا عن المسير فلم يمنعهم ذلك لعلمهم أن الخطر في مقامهم إذا ملك أسد الدين مصر أشد. فتركوا في بلادهم من يحفظها، وسار ملك القدس في الباقين إلى مصر، وكان قد وصل إلى الساحل جمع كثير من الصليبيين في البحر؛ لزيارة بيت المقدس فاستعانوا بهم فأعانوهم فسار بعضهم معهم، وأقام بعضهم في البلاد لحفظها. فلما قارب الصليبيون مصر فارقها أسد الدين، وقصد مدينة بلبيس فأقام بها هو وعسكره، وجعلها له ظهرًا يتحصن به، فاجتمعت العساكر المصرية والصليبية، ونازلوا أسد الدين شيركويه بمدينة بلبيس، وحصروه بها ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها مع أن سورها قصير جدًّا، وليس لها خندق ولا ما يحميها، وهو يغاديهم القتال ويراوحهم فلم يبلغوا منه غرضًا، ولا نالوا منه شيئًا. فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الصليبيين على حارم، وتملك نور الدين حارم، ومسيره إلى بانياس. فحينئذٍ سقط في أيديهم، وأرادوا العودة إلى بلادهم؛ ليحفظوها، فراسلوا أسد الدين في الصلح، والعودة إلى الشام، ومفارقة مصر، وتسليم ما بيده منها إلى المصريين فأجابهم إلى ذلك؛ لأنه لم يعلم ما فعله نور الدين بالشام بالفرنج، ولأن الأقوات والذخائر قلت عنده، وخرج من بلبيس في ذي الحجة.

فلما وصل إلى الشام أقام على حاله في خدمة نور الدين إلى سنة ٥٦٢، وكان بعد عوده منها لا يزال يتحدث بها وبقصدها، وكان عنده من الحرص على ذلك كثير. فلما كان هذه السنة تجهز وسار في ربيع الآخر في جيش قوي، وسيَّر معه نور الدين جماعة من الأمراء فبلغت عدتهم ألفي فارس، وكان كارهًا لذلك، ولكن لما رأى جد أسد الدين في المسير لم يمكنه إلا أن يُسيِّر معه جمعًا؛ خوفًا من حادث يتجدد عليهم فيضعف الإسلام. فلما اجتمع معه عسكره سار إلى مصر على البر، وترك بلاد الصليبيين إلى يمينه. فوصل الديار المصرية فقصد أطفيح، وعبر النيل عندها إلى الجانب الغربي، ونزل بالجيزة مقابل الفسطاط، وتصرف في البلاد الغربية، وحكم عليها، وأقام نيفًا وخمسين يومًا.

وكان شاور لما بلغه مجيء أسد الدين إليهم قد أرسل إلى الصليبيين يستنجدهم فأتوه على الصعب والذلول طمعًا في ملكها، وخوفًا من أن يملكها أسد الدين فلا يبقى لهم في بلادهم مقام معه ومع نور الدين. فالرجاء كان يقودهم، والخوف يسوقهم. فلما وصلوا إلى مصر عبروا إلى الجانب الغربي، وكان أسد الدين وعساكره قد ساروا إلى الصعيد فبلغ مكانًا يعرف بالبابين، وسارت العساكر المصرية والإفرنج وراءه بها فأدركوه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، وكان أرسل إلى المصريين والصليبيين جواسيس فعادوا إليه وأخبروه بكثرة عَددهم وعُددهم، وجدهم في طلبه فعزم على قتالهم. إلا أنه خاف من أصحابه أن تضعف نفوسهم عن القتال في هذا المقام الخطر الذي عطبهم فيه أقرب من سلامتهم؛ لقلة عددهم، وبعدهم عن أوطانهم وبلادهم، وخطر الطريق. فاستشارهم فكلهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى الجانب الشرقي، والعود إلى الشام، وقالوا له: «إن نحن انهزمنا — وهو الذي يغلب على الظن — فإلى أين نلتجئ؟ وبمن نحتمي؟ وكل من في هذه الديار من جندي وعامي وفلاح عدوٌّ لنا.»

فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له: شرف الدين برغش صاحب الشقيف، وكان شجاعًا، وقال: «من يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك، بل يكون في بيته مع امرأته، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ولا بلاء نعذر فيه؛ ليأخذن مالنا من إقطاع وجامكية، وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منذ خدمناه إلى يومنا هذا، ويقول: تأخذون أموال المسلمين، وتفرون من عدوهم، وتسلمون مصر إلى الكفار، والحق بيده.» فقال أسد الدين: «هذا الرأي، وبه أعمل.» وقال ابن أخيه صلاح الدين مثله، وكثر الموافقون لهم، واجتمعت الكلمة على القتال.

فأقام أسد الدين بمكانه حتى أدركه المصريون والصليبيون، وهو على تعبئةٍ، وجعل الأثقال في القلب يتكثر بها، ولأنه لم يمكنه أن يتركها بمكان آخر فينهبها أهل البلاد، وجعل صلاح الدين في القلب، وقال له ولمن معه: «إن المصريين والصليبيين يجعلون حملتهم على القلب ظنًّا منهم أني فيه، فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال، ولا تهلكوا نفوسكم، واندفعوا قدامهم بين أيديهم، فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم.» واختار هو من شجعان عسكره جمعًا يثق بهم، ويعرف صبرهم في الحرب، ووقف بهم في الميمنة.

فلما تقاتل الطائفتان فعل الصليبيون ما ذكره، وحملوا على القلب فقاتلهم من به قتالًا يسيرًا، وانهزموا بين أيديهم غير متفرقين. فحمل حينئذٍ أسد الدين فيمن معه على من تخلف من الذين حملوا على المسلمين من الصليبيين الفارس والراجل فهزمهم، ووضع السيف فيهم فأثخن وأكثر القتل والأسر. فلما عاد الفرنج من أثر المسلمين رأوا عسكرهم مهزومًا، والأرض منهم قفرًا فانهزموا أيضًا، وكان هذا من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر وفرنج الساحل.

ولما انهزم المصريون والصليبيون من أسد الدين بالبابين سار إلى ثغر الإسكندرية، وجبى ما في القرى على طريقه من الأموال، ووصل إلى الإسكندرية فتسلمها بمساعدةٍ من أهلها سلموها إليه فاستناب بها صلاح الدين ابن أخيه، وعاد إلى الصعيد فملكه، وجبى أمواله، وأقام به حتى صام رمضان.

وأما المصريون والصليبيون فإنهم عادوا، واجتمعوا على القاهرة، وأصلحوا حال عساكرهم وجمعوهم، وساروا إلى الإسكندرية فحصروا صلاح الدين بها، واشتد الحصار، وقل الطعام على من بها فصبر أهلها على ذلك، وسار أسد الدين من الصعيد إليهم، وكان شاور قد أفسد بعض من معه من التركمان فوصل رسل الصليبيين والمصريون يطلبون الصلح، وبذلوا له خمسين ألف دينار سوى ما أخذه من البلاد فأجاب إلى ذلك، وشرط على الصليبيين أن لا يقيموا بالبلاد، ولا يتملكوا منها قرية واحدة فأجابوا إلى ذلك واطصلحوا، وعادوا إلى الشام، وتسلم المصريون الإسكندرية في نصف شوال، ووصل شيركوه إلى دمشق ثامن عشر ذي القعدة.

(١١-٦) الصليبيون في القاهرة

وأما الصليبيون فإنهم استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها بيد فرسانهم؛ ليمتنع نور الدين من إنفاذ عسكر إليهم، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار. هذا كله استقر مع شاور؛ لأن العاضد لم يكن له معه حكم، وقد حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها، وعاد الصليبيون إلى بلادهم بالساحل الشامي، وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم، وكان الكامل شجاع بن شارو قد أرسل إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهى محبته وولاءه، ويعرض الدخول في طاعته، وضمن على نفسه أنه يفعل هذا، وبذل مالًا يحمله كل سنة فأجابه إلى ذلك، وحمل إليه مالًا جزيلًا فبقي الأمر على ذلك إلى أن قصد الصليبيون مصر سنة أربع وستين وخمسمائة.

مضت على ذلك سنتان والإفرنج (الصليبيون) لهم شحنة (ضابطة) في القاهرة، وقد تسلموا أبوابها، وجعلوا لهم فيها جماعة من شجعانهم، وأعيان فرسانهم، وحكموا على المسلمين حكمًا جائرًا، وركبوهم بالأذى العظيم. فلما رأوا ذلك، وأن البلاد ليس فيها من يردهم أرسلوا إلى ملكهم بالشام وهو مرى، ولم يكن للصليبيين منذ ظهر بالشام مثله شجاعة ومكرًا ودهاء يستدعونه ليملكها، وأعلموه خلوها من موانع، وهوَّنوا أمرها عليه بقصدها وتملكها فقال لهم: «الرأي عندي أننا لا نقصدها، ولا طمعة لنا بها، وأموالها تساق إلينا نتقوى بها على نور الدين، وإن نحن قصدنا لنملكها فإن صاحبها وعساكره وعامة بلاده وفلاحيها لا يسلمونها إلينا، ويقاتلوننا دونها، ويحملهم الخوف منا على تسليمها إلى نور الدين، ولئن صار له فيها مثل أسد الدين فهو هلاك الصليبيين، وإجلاؤهم من أرض الشام.» فلم يقبلوا قوله، وقالوا له: «إنها لا مانع فيها ولا حامي، وإلى أن يتجهز عسكر نور الدين، ويسير إليها نكون نحن قد ملكناها، وفرغنا من أمرها، وحينئذٍ يتمنى نور الدين منا السلامة.» فسار معهم على كره، وشرعوا يتجهزون، ويظهرون أنهم يريدون قصد مدينة حمص فلما سمع نور الدين شرع أيضًا يجمع عساكره.

وجدَّ الصليبيون في السير إلى مصر فقدموها، ونزلوا مدينة بلبيس، وملكوها قهرًا مستهل صفر سنة ٥٦٥ﻫ ونهبوها، وقتلوا فيها وأسروا، وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الصليبيين، ووعدوهم النصرة عداوةً لشاور. منهم ابن الخياط وابن فرجلة فقوي جنان الصليبيين، وساروا من بلبيس إلى مصر فنزلوا على القاهرة في ١٠ صفر، وحصروها فخاف أهلها أن يفعلوا بهم كما فعلوا بأهل بلبيس. فحملهم الخوف منهم على الامتناع فحفظوا البلد، وقاتلوا دونه، وبذلوا جهدهم في حفظه. فلو أن الصليبيين أحسنوا السيرة في بلبيس؛ لملكوا الفسطاط والقاهرة، ولكن فشلهم في فتحها عاد على الفسطاط بالدمار؛ لأن شاور أمر بإحراقها تاسع صفر المذكور، وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة، وأن ينهب البلد. فانتقلوا وبقوا على الطرق، ونهبت المدينة، وافتقر أهلها، وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الصليبيين عليهم بيوم خوفًا من أن يملكها الصليبيون، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يومًا.

(١١-٧) شاور والصليبيون

وأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به، ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الصليبيين، وأرسل في الكتب شعور النساء، وقال: «هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك؛ لتنقذهن من الصليبيين.» فشرع نور الدين في تسيير الجيوش، وأما الصليبييون فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة، وضيقوا على أهلها، وشاور هو المتولي للأمر والعساكر والقتال فضاق به الأمر، وضعف عن ردهم. فأخلد إلى إعمال الحيلة فأرسل إلى ملك الصليبيين يذكر له مودته ومحبته له قديمًا، وأن هواه معه لخوفه من نور الدين والعاضد، وإنما المسلمون لا يوافقونه على التسليم إليه، ويشير بالصلح، وأخذ مال؛ لئلا يتسلم البلاد نور الدين. فأجابه إلى ذلك على أن يعطوه ١٠٠٠٠٠٠ دينار مصري يعجل البعض، ويمهل بالبعض. فاستقرت القاعدة على ذلك.

ورأى الصليبيون أن البلاد قد امتنعت عليهم، وربما سلمت إلى نور الدين. فأجابوا كاريهن، وقالوا: «نأخذ المال فنتقوى به، ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين.» فعجل لهم شاور مائة ألف دينار، وسألهم الرحيل عنه؛ ليجمع لهم المال فرحلوا قريبًا، وجعل شاور يجمع لهم المال من أهل القاهرة ومصر (الفسطاط) فلم يتحصل له أكثر من خمسة آلاف دينار؛ لأن أهل الفسطاط كانوا قد احترقت دورهم وما فيها، وما سَلم نُهب، وهم لا يقدرون على الأقوات فضلًا عن الأقساط، وأما أهل القاهرة فالأغلب على أهلها الجند وغلمانهم؛ فلهذا تعذرت عليهم الأموال، وهم في خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه، وبذلوا له ثلث بلاد مصر، وأن يكون أسد الدين مقيمًا عندهم في عسكر، وإقطاعهم من البلاد المصرية أيضًا خارجًا عن الثلث الذي لهم.

وكان نور الدين لما وصله كتاب العاضد بحلب فأرسل إلى أسد الدين يستدعيه إليه، فخرج الرسول في طلبه فلقيه على باب حلب، وقد قدمها من حمص وكانت إقطاعه، وكان سبب وصوله أن كتب المصرييين وصلته أيضًا في المعنى. فسار إلى نور الدين، واجتمع به، وعجب نور الدين من حضوره في الحال، وسرَّه ذلك وتفاءل به، وأمر بالتجهيز إلى مصر، وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب والأسلحة وغيرها، وحكمه في العسكر والخزائن، واختار من العسكر ألفي فارس، وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس، وسار هو ونور الدين إلى باب دمشق فوصلها آخر صفر، ورحل إلى رأس الماء، وأعطى نور الدين كل فارس ممن مع أسد الدين عشرين دينارًا معونة غير محسوبة من جامكيته، وأضاف إلى أسد الدين جماعة آخرين من الأمراء؛ منهم مملوكه عز الدين جرديك، وغرس الدين قلج، وشرف الدين برغش، وعين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال بن حسان المنجي، وصلاح الدين يوسف بن أيوب أخي شيركوه على كره منه، وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ. أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب بيته، وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته وملكه وسيرد خبر ذلك.

(١١-٨) مقتل شاور

وسار أسد الدين شيركوه من رأس الماء مجدًّا منتصف ربيع الأول، فلما قارب مصر رحل الصليبيون إلى بلادهم بخفي حنين خائبين مما أملوا، وسمع نور الدين بعودهم فسره ذلك، وأمر بضرب البشائر في البلاد، وبث رساله في الآفاق مبشرين بذلك؛ فإنه كان فتحًا جديدًا لمصر، وحفظًا لبلاد الشام وغيرها، وأما أسد الدين فإنه وصل القاهرة سابع جمادى الآخرة، ودخل إليها، واجتمع بالعاضد لدين الله فخلع عليه، وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وفرح به أهل مصر، وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة والإقامات الوافرة، ولم يمكن شاور المنع عن ذلك؛ لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه، وهوى العاضد معهم، فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه، وشرع يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل لنور الدين من المال، وإقطاع الجند، وإفراد ثلث البلاد لنور الدين، وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين، ويسير معه ويعده ويمنيه.

ثم إنه عزم على أن يعمل دعوة يدعو إليها أسد الدين والأمراء الذين معه، ويقبض عليهم، ويستخدم من معهم من الجند فيمنع بهم البلاد من الصليبيين فنهاه ابنه الكامل، وقال له: «والله لئن عزمت على هذا الأمر لأعرفن شيركوه.» فقال له أبوه: «والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعًا.» فقال: «صدقت ولأن نقتل ونحن مسلمون والبلاد إسلامية خير من أن نقتل وقد ملكها الصليبيون فإنه ليس بيني وبين عود الصليبيين إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذٍ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يُرسل معه فارسًا واحدًا ويملكون البلاد.» فترك ما كان عزم عليه.

ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره فاتفق صلاح الدين يوسف بن أيوب وعز الدين جرديك وغيرهم على قتل شاور. فنهاهم أسد الدين فسكتوا وهم على ذلك العزم من قتله.

فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد الدين على عادته فلم يجده في الخيام، وكان قد مضى ليزور قبر الشافعي فلقيه صلاح الدين يوسف وجرديك في جمع من العسكر وخدموه، وأعلموه بأن شيركوه في زيارة قبر الإمام الشافعي. فقال: نمضي إليه. فساروا إليه جميعًا فسايره صلاح الدين وجرديك، وألقوه إلى الأرض عن فرسه فهرب أصحابه عنه فأُخذ أسيرًا فلم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين فتوكلوا بحفظه، وسيروا أعلموا أسد الدين فحضر ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه.

وسمع الخليفة العاضد صاحب مصر الخبر فأرسل إلى أسد الدين يطلب منه رأس شاور، وتابع الرسل بذلك فقتل وأرسل رأسه إلى العاضد في السابع عشر من ربيع الآخر، ودخل أسد الدين القاهرة فرأى من اجتماع الخلق ما خافهم على نفسه، فقال لهم: «أمير المؤمنين (يعني العاضد) يأمركم بنهب دار شاور.» فتفرق الناس عنه فنهبوها، وقصد هو قصر العاضد فخلع عليه خلع الوزارة، ولقب الملك المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة — وهي التي كان فيها شاور — فلم ير فيها ما يقعد عليه، واستقر في الأمر، وغلب عليه، ولم يبق له مانع ولا منازع، واستعمل على الأعمال من يثق إليه من أصحابه، وأقطع البلاد لعساكره.

وأما الكامل بن شاور فإنه لما قتل أبوه دخل القصر هو وإخوته معتصمين به فكان آخر العهد بهم. فكان شيركوه يتأسف عليه كيف عدم؛ لأنه بلغه ما كان منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه، وكان يقول: وددت أنه بقي لأُحسِن إليه جزاءً لصنيعه.

(١١-٩) حضارة الفسطاط

قد علمت ما كان من إحراق الفسطاط بأمر شاور، فيجدر بنا أن نذكر ما كانت عليه من الحضارة والثروة، وقد تقدم سبب بنائها على يد عمرو بن العاص، وهي أول مدينة إسلامية بناها المسلمون بمصر، وأخذت تتسع وتزداد عمارة كلما رسخت قدم المسلمين في البلاد وتوطد سلطانهم حتى فاقت البصرة والكوفة في كثير من الوجوه، وبلغ طولها على ضفة النيل ثلاثة أميال، وذكر مؤرخو العرب من مقدار عمارتها أنه كان فيها ٣٦٠٠٠ مسجد، و٨٠٠٠ شارع مسلوك، و١١٧٠ حمامًا، وقد يستبعد ذلك، ولكن إيراده يدل في كل حال على العظمة والعمران.

ومما نظمه الشعراء في مدحها قول الشريف العقيلي:

أحنُّ إلى الفسطاط شوقًا وإنني
لأدعو لها أن لا يحل بها القطر
وهل في الحيا من حاجة لجنابها
وفي كل قطر من جوانبها نهر
تبدت عروسًا والمقطم تاجها
ومن نيلها عقد كما انتظم الدر

وبلغ من تزاحم الناس في الفسطاط حتى جعلوا المنازل طبقات عديدة بلغ بعضها خمس طبقات إلى سبع، وربما سكن في البيت الواحد ٢٠٠ نفس، وبلغت نفقة البناء على بعضها ٧٠٠٠٠٠ دينار وهي دار الحرم لخمارويه.

واشتهر من تلك الأبنية دارٌ ضُرب المثل بعظمها، وغنى أهلها تسمى: «دار عبد العزيز» كانت مطلة على النيل بلغ من سعتها وكثرة ساكنيها أنهم كانوا يصبون فيها أربعمائة راوية ماء كل يوم، ونقل بعضهم أن الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على النيل بلغ عددها ١٦٠٠٠ سطل مؤيد ببكر وأطناب لها ترخى وتملأ، وذكر رجل دخلها في أواخر القرن الثالث للهجرة في زمن خمارويه بن أحمد بن طولون قال: «طلبت بها صانعًا يخدمني فلم أجد فيها صانعًا متفرغًا لخدمتي، وقيل لي: إن كل صانع معه اثنان يخدمهم وثلاثة، فسألت كم فيها من صانع؟ فأُخبرت أن بها ٧٠ (كذا) صانعًا قل من معه دون ثلاثة سوى من قضى حاجته وخرج.»

وفي ذلك دليل على غنى أهل الفسطاط وترفهم، ومن هذا القبيل استكثارهم من الفُرُش. فقد يقتني أحدهم ألف فرشة أو عشرة آلاف فرشة، وذكروا رجلًا من أهل الفسطاط عنده ثلاثمائة فرشة كل فرشة لحظية، وكذلك كانوا يفعلون يالثياب ونحوها، وقد تكون أثمانها فاحشة فلا يبالون لغناهم. قال القضاعي: إن قطر الندى ابنة خمارويه كان في جملة جهازها ألف تكة، ثمن كل واحدة عشرة دنانير فبلغ ثمنها كلها عشرة آلاف دينار. ناهيك بتأنقهم في المآكل والمشارب مما يطول شرحه، وقد فصله المقريزي وغيره في كلامهم على الفسطاط.

(١١-١٠) موت أسد الدين ووزارة صلاح الدين

فسرّ الخليفة العاضد جدًّا لنجاته من شاور، فاستلم أسد الدين الوزارة في يوم الأربعاء ١٧ ربيع أول سنة ٥٦٤ﻫ وفرق العطايا في جيوشه التي رافقته إلى مصر، وأمر النصارى بشد الزنانير على أوساطهم، ومنعهم من إرخاء الذؤابة التي تسمى بالعدبة، فكتب المهذب بن أبي المليح زكريا، وكان مسيحيًّا إلى أسد الدين بقوله:

يا أسد الدين ومن عدله
يحفظ فينا سنة المصطفى
كفى غيارًا شد أوساطنا
فما الذي أوجب كشف القفا

فلم يسعفه بطلبته، ولا مكنه من إرخاء الذؤابة، وعندما يئس من ذلك أسلم.

ولم تطل مدة وزارة أسد الدين فعاجلته المنية في ٢٢ جمادى الثانية سنة ٥٦٤ﻫ ولم يمكث في منصبه إلا شهرين وخمسة أيام فقط، ودُفن في القاهرة، ثم نقل إلى مدينة الرسول، وكان شديد المواظبة على تناول اللحوم الغليظة، وكانت تتواتر عليه التخم والخوانيق فاعتراه خانوق عظيم ذهب بحياته، وكان يعدُّ نفسه نائبًا لنور الدين في مصر، وأنه قائم بمنصب الوزارة باسمه، وبعد وفاته أحب العاضد أن يبين حبه له فولى مكانه ابن أخيه يوسف صلاح الدين، ولقبه بالملك الناصر، وكان لا يزال شابًّا.

وذكر ابن الأثير في سبب مجيء صلاح الدين إلى مصر نقلًا عن صلاح الدين نفسه قال: لما أتت كتب العاضد إلى نور الدين يستغيث به من الإفرنج، ويطلب إرسال العساكر أحضرني وأعلمني الحال وقال: «تمضي إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسولي إليه ليحضر، وتحثه أنت على الإسراع فما يحتمل الأمر التأخير.» ففعلت، وخرجنا من حلب فما كنا على ميل منها حتى لقيناه قادمًا في هذا المعنى فأمره نور الدين بالمسير. فلما قال له نور الدين ذلك التفت عمي إليّ فقال لي: «تجهز يا يوسف، فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية وغيرها ما لا أنساه أبدًا.» فقال لنور الدين: «لا بد من مسيره معي.» فأمرني نور الدين وأنا أستقيل، وانقضى المجلس، وتجهز أسد الدين، ولم يبق غير المسير فقال لي نور الدين: «لا بد من مسيرك مع عمك.» فشكوت إليه الضائقة، وعدم البرك فأعطاني ما تجهزت به، فكأنما أساق إلى الموت، فسرت معه وملكها. ثم توفي فملكني الله تعالى ما لا كنت أطمع في بعضه. ا.ﻫ.

وأما كيفية ولايته: فإن جماعة من الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر ولاية الوزارة العاضدية بعد أسد الدين، منهم: عين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال، وسيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي وهو خال صلاح الدين، وكل واحد من هؤلاء يخطبها، وقد جمع أصحابه ليغالب عليها. فأرسل العاضد إلى صلاح الدين أحضره عنده، وخلع عليه، وولاه الوزارة بعد عمه، وكان الذي حمله على ذلك أن أصحابه قالوا له: «ليس في الجماعة أضعف ولا أصغر سنًّا من يوسف، والرأي أن يولى فإنه لا يخرج من تحت حكمنا، ثم نضع على العساكر من يستميلهم إلينا فيصير عندنا من الجنود من نمنع بهم البلاد، ثم نأخذ يوسف أو نخرجه.» فلما خلع عليه لقب الملك الناصر، لم يطعه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه.

وكان الفقيه عيسى الهكاري معه فسعى مع المشطوب حتى أماله إليه، وقال له: «إن هذا الأمر لا يصل إليك مع عين الدولة والحارمي وغيرهما.» ثم قصد الحارمي، وقال: «هذا صلاح الدين هو ابن أختك، وعزه وملكه لك، وقد استقام له الأمر فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه، ولا يصل إليك.» فمال إليه أيضًا. ثم فعل مثل هذا بالباقين، وكلهم أطاع غير عين الدولة الياروقي فإنه قال: «أنا لا أخدم يوسف.» وعاد إلى نور الدين بالشام ومعه غيره من الأمراء.

فثبت قدم صلاح الدين، ومع هذا فهو نائب عن نور الدين، وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الأسفهسلار، ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيمًا عن أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب بل يكتب: «الأمير الأسفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا …» واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وبذل الأموال فمالوا إليه وأحبوه، وضعف أمر العاضد. ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته وأهله. فأرسلهم إليه وشرط عليهم طاعته، والقيام بأمره، ومساعدته، وكلهم فعل ذلك، وأخذ إقطاعات الأمراء المصريين فأعطاهم أهله والأمراء الذين معه، وزادهم فازدادوا له حبًّا وطاعة.

(١١-١١) مؤتمن الخلافة وصلاح الدين

فلما أجمع المصريون على حب صلاح الدين ظهر حساده، وأكبرهم مؤتمن الخلافة، وهو خصي كان بقصر العاضد، وإليه الحكم فيه، والتقدم على جميع من يحويه. فاتفق هو وجماعة من المصريين على مكاتبة الصليبيين، واستدعائهم إلى البلاد، والتقوي بهم على صلاح الدين ومن معه، وسيروا الكتب مع إنسان يثقون إليه، وأقاموا ينتظرون جوابه، وسار ذلك القاصد إلى البئر البيضاء فلقيه إنسان تركماني فرأى معه نعلين جديدين فأخذهما منه، وقال في نفسه: «لو كان مما يلبسه هذا الرجل لكانا خلقين فإنه رث الهيئة.» وارتاب به وبهما فأتى به صلاح الدين ففتقهما فرأى الكتاب فيهما فقرأه وسكت عليه.

وكان غرض مؤتمن الخلافة أن يتحرك الصليبيون إلى الديار المصرية فإذا وصلوا إليه خرج صلاح الدين في العساكر إلى قتالهم فيثور مؤتمن الخلافة بمن معه من المصريين على متخلفيهم فيقتلونهم، ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح الدين فيأتونه من وراء ظهره، والصليبيون من بين يديه فلا يبقى لهم باقية. فلما قرأ صلاح الدين الكتاب سأل عن كاتبه فقيل: رجل يهودي فأحضر فأمر بضربه وتقريره فأسلم وأخبره الخبر، وأخفى صلاح الدين الكتاب، لكن مؤتمن الخلافة استشعر فلازم القصر، ولم يخرج منه خوفًا، وإذا خرج لم يبعد من صلاح الدين، ولا يظهر له شيئًا من الطلب لئلا ينكر ذلك.

فلما طال الأمر خرج من القصر إلى قرية له تعرف بالخرقانية للتنزه، فلما علم به صلاح الدين أرسل إليه جماعة فأخذوه وقتلوه وأتوا برأسه، وعزل جميع الخدم الذين يتولون أمر قصر الخلافة، واستعمل على الجميع بهاء الدين قراقوش، وهو خصي أبيض، وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا بأمره فغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة للجنسية، ولأنه كان يتعصب لهم فحشدوا وجمعوا فزادت عدتهم على خمسين ألفًا، وقصدوا حرب الأجناد الصلاحية فاجتمع العسكر أيضًا وقاتلوهم بين القصرين، وكثر القتل في الفريقين.

fig033
شكل ٩-١٣: آلة رمي قارورة النفط مشتعلة للإحراق.

وكان العاضد في هذه الوقعة يشرف من المنظرة. أما أهل القصر فلما رأوا كسرة السودان وعساكر مصر رموا على الغز من أعلى القصر بالنشاب والحجارة حتى أنكوا فيهم، وكفوهم عن القتال، وكادوا ينهزمون. فأمر حينئذٍ صلاح الدين النفاطين بإحراق المنظرة فأحضر شمس الدولة النفاطين وأخذوا في تطبيب قارورة النفط ووضعوها في الآلة، وصوبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد فخاف العاضد على نفسه، وفتح زعيم الخلافة باب المنظرة، وقال بصوتٍ عالٍ: «أمير المؤمنين يسلم على شمس الدولة، ويقول: دونكم، والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم.» فلما سمع السودان ذلك ضُعفت قلوبهم وتخاذلوا. فحمل عليهم الغز فانكسروا، وركب القوم أقفيتهم إلى أن وصلوا سوق السيوفيين فقتل منهم كثير، وأسر منهم كثير، وامتنعوا هناك على الغز بمكان فأحرق عليهم.

وكان في دار الأرمن قريبًا من بين القصرين خلق عظيم من الأرمن كلهم رماة، ولهم جارٍ في الدولة يجري عليهم. فعندما قرب منهم الغز رموهم عن يد واحدة حتى امتنعوا عن أن يسيروا إلى العبيد فأحرق شمس الدولة دارهم حتى هلكوا حرقًا وقتلًا، ومروا إلى العبيد فصار هؤلاء كلما دخلوا مكانًا أحرق عليهم وقتلوا فيه. إلى أن وصلوا إلى باب زويلة فإذا هو مغلق فحصروا هناك، واستمر فيهم القتل يومين. ثم بلغهم أن صلاح الدين أحرق المنصورة التي كانت أعظم حاراتهم، وأخذت عليهم أفواه السكك. فأيقنوا أنهم قد أخذوا لا محالة فصاحوا الأمان فأُمِّنوا، وذلك يوم السبت في ٢٨ ذي القعدة، وفتح لهم باب زويلة فخرجوا إلى الجيزة. فعدا عليهم شمس الدولة في العسكر وقد قووا بأموال المهزومين وأسحلتهم، وحكموا فيهم السيف حتى لم يبق منهم إلا الشريد، وتلاشى من هذه الواقعة أمر العاضد، ودعيت بواقعة العبيد.

ومن غرائب الاتفاق أن الذي فتح مصر للدولة الفاطمية وبنى القاهرة يدعى جوهرًا، والذي كان سببًا في زوال هذه الدولة وخراب القاهرة يدعى أيضًا جوهرًا الملقب بمؤتمن الخلافة.

فلما انتهت هذه الواقعة واستؤصلت جرثومة الفساد عاد صلاح الدين إلى السكون فولى أخاه طوران شاه قوص وأسوان وعيذاب مكافأةً لما أظهره من البسالة في واقعة العبيد، وجعل البلاد المذكورة له إقطاعًا فكان دخلها في تلك السنة ٢٦٦٠٠٠ دينار، وفي سنة ٥٦٨ﻫ خرج طوران شاه؛ لغزو بلاد النوبة، وفتح قلعة أبريم، فسبى وغنم، ثم عاد بعد أن أقطع أبريم بعض أصحابه، وفي سنة ٥٦٩ﻫ خرج إلى بلاد اليمن وفتحها عنوة، ولقب بالملك المعظم طوران شاه.

(١١-١٢) حصار دمياط

وكانت وزارة صلاح الدين في مصر سببًا لاضطراب الصليبيين. أما نور الدين فركب عمارة مصرية، وجعل يطوف البحر المتوسط عند شطوط سوريا؛ ليمنع مرور الوافدين إلى الأرض المقدسة، ويستولي على ما يَرد إلى الصليبيين من المؤن والذخائر. فتشاور الصليبيون في شأن ذلك فأقروا على إرسال بطريرك صور فريدريك مع يوحنا أسقف عكا؛ لاستمداد ملوك فرنسا وإنكلترا وصقلية وغيرهم من الأمراء المسيحيين فلم ينجح مسعاهم. غير أن إمبراطور القسطنطينية أرسل عمارة من مائة وخمسين شراعًا مملوءة بالذخار والمؤن والعدة والرجال فاتحدت بجند عسقلان، وساروا برًّا وبحرًا إلى مصر حتى إذا بلغوا الفرما جدوا بالسير حتى أتوا دمياط فعسكروا بينها وبين البحر في صفر سنة ٥٦٥ﻫ.

وكانت هذه الحملة تحت قيادة الملك أمري، فظن أنه يقدر على أخذ دمياط بالهجوم، لكنه رأى منها مقاومة ودفاعًا ألزماه على إقامة الحصار فأقامه، ولم يكن أكثر فائدة له من الهجوم؛ لأن أهل دمياط كانوا كثيرين، ولم يبالوا بعدة الصليبيين وعددهم، وطال الحصار حتى نفدت مئونة الصليبيين فأرادوا العبور في النيل؛ ليأتوا بالزاد فأوقفهم سدٌّ أقامه المسلمون في عرض النهر، وهو عبارة عن سلسلة قوية من الحديد طرفها الواحد مشدود بمتاريس دمياط، والطرف الآخر ببرج هائل منيع الجانب من أبراج الحصار، وكانت الإمدادات ترد لحامية دمياط من القاهرة بسهولة، أما الصليبيون فكان انتظارهم للمدد من سوريا عبثًا، فانتشر الجوع في معسكرهم، وقام الشقاق بين الفرنساويين منهم وهم الذين كانوا في سوريا، والروم الذين أتوا بالمدد في الأستانة، واشتد ذلك الاختلاف حتى أفضى إلى الانفصال التام بعد أن بلغ منهم الجوع مبلغًا عظيمًا فكانوا يتخاصمون على كسرة، ويمضغون أفنان النخيل، ومما زاد شقاءهم: تكاثر الأمطار، وهبوب الزوابع على معسكرهم بدون انقطاع حتى أصبحوا كأنهم في طوفان عظيم، وحصل من تكاثر الإعصار نوءٌ في النيل أسرع جريه فتزاحمت مراكب الصليبيين وتلاطمت، فلم يعد استخدامها ممكنًا لوقوعها بين قوتين متضادتين الريح من جهة ومجرى النيل من جهة أخرى، فتكسر معظمها ثم انتشبت النار فيها فأحرقت ما بقي منها.

fig034
شكل ٩-١٤: برج من أبراج الحصار.

فلما شاهد الإفرنج ذلك لم يروا بدًّا من العود على أعقابهم إلى سوريا صفر اليدين بعد أن تعاقدوا مع المسلمين أن لا يعارضهم معارض في سيرهم، وكان صلاح الدين قد أعد في القاهرة جيوشًا؛ ليسير بها مددًا إلى دمياط لكنها لم تبلغها حتى فارقت الجيوش الصليبية مراكزها فشق عليه ذلك، وعنف الأمراء الذين سمحوا لهم بالرجوع، ثم عاد إلى القاهرة.

وفي السنة التالية جرد صلاح الدين على سوريا؛ لمحاربة الذين ضافوه السنة الماضية فدخل فلسطين سنة ٥٦٦ﻫ فعلم أمري وهو في عسقلان أنه حاصر قلعة دارون، وهو دير قديم للنصارى على قمة جبل وعر على أربع أميال من غزة اتخذه الصليبيون معقلًا، فأسرع الملك أمري؛ لمهاجمة صلاح الدين في ذلك المكان، وكان صلاح الدين قد علم بقدومه فسار لملاقاته فلاقاه في منتصف الطريق، وحاربه وغلبه، ونزل على غزة فاستولى عليها، واستبشر المسلمون بهذه الانتصارات، ولكنهم اكتفوا بهذا أخذًا بالثأر فتركوا في غزة حامية، وعادوا إلى مصر فبلغوا القاهرة في أواخر السنة المذكورة.

ثم بلغ صلاح الدين أن الإفرنج احتلوا أيلة، وتحصنوا فيها فسار إليها ومعه عصبة من رجاله الأقوياء، وحمل معه مراكب مفككة ينقلها على الجمال، ولما وصل إلى البحر عند أيلة ركب تلك المراكب وأنزلها البحر، وهاجموا أيلة في ربيع الأول من السنة المذكورة برًّا وبحرًا، وما زالوا عليها حتى فتحوها، وقتلوا من كان فيها من الصليبيين، وجعل فيها صلاح الدين جماعة من ثقاته، وقوَّاهم بما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، وعاد إلى القاهرة.

وكان لصلاح الدين نفوذ عظيم في مصر، ولم يكن الخليفة العاضد إلا اسمًا لغير مسمى، ولم يعد لديه إلا السلطة الدينية. فلاح لنور الدين أن يتخلص من سلطة الفاطميين فأوعز إلى صلاح الدين أن يقطع خطبتهم، ويخطب للخليفة العباسي.

(١١-١٣) الخطبة العباسية بمصر

وفي سنة ٥٦٧ﻫ جعل صلاح الدين الخطبة بمصر للخليفة العباسي بدلًا من الفاطمي، ومعنى ذلك في اصطلاحهم أن مصر عادت إلى سيطرة العباسيين السنيين وخرجت من سلطة الفاطميين الشيعة، وكان صلاح الدين سنيًّا، وكيفية البيعة: أن صلاح الدين لما ثبتت قدمه بمصر، وأزال المخالفين له، وضعف أمر الخليفة العاضد، وصار قصره يحكم فيه صلاح الدين ونائبه قراقوش، وكان من أعيان الأمراء الأسدية، وكلهم يرجعون إليه. فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة للمستضيء بالله العباسي. فامتنع صلاح الدين، واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار المصرية؛ لميلهم إلى العلويين، وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم، ويريد بقاءهم خوفًا من نور الدين؛ فإنه كان يخافه أن يدخل إلى الديار المصرية ويأخذها منه. فكان يريد أن يكون العاضد معه حتى إن قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه، فلما اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره، وألح عليه بقطع خطبته، وألزمه إلزامًا لا فسحة له في مخالفته؛ لأنه على الحقيقة نائب نور الدين، واتفق أن العاضد مرض في هذا الوقت مرضًا شديدًا. فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين، ومنهم من خافهم إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين.

وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجي يعرف بالأمير العالم فلما رأى ما هم فيه من الأحكام، وأن واحدًا لا يتجاسر يخطب للعباسيين قال: «أنا أبتدئ بالخطبة له.» فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بالله ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا.

(١١-١٤) موت العاضد وانقضاء الدولة الفاطمية

وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يُعلمه أحد من أهله وأصحابه بقطع الخطبة، وقالوا: إن عوفي فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته. فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة، ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصر الخلافة وما فيه فحفظه بهاء الدين قراقوش، وكان قد رتبه قبل موت العاضد.

فحمل جميع ما فيه إلى صلاح الدين، وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء، وفيه من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا عن مثله، ومن الجواهر التي لم توجد عند غيرهم؛ فمنه الحبل الياقوت وزنه سبعة عشر درهمًا أو سبعة عشر مثقالًا، واللؤلؤ الذي لم يوجد مثله، ومنه النصاب الزمرد الذي طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير، ووجد فيه طبل كان بالقرب من موضع العاضد، وقد احتاطوا بالحفظ. فلما رأوه ظنوه عمل لأجل اللعب فيه فسخروا من العاضد وكسروه، ثم علموا أنه طبل قولنج فندموا على كسره لما قيل لهم ذلك.

وكان في القصر من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يعد فباع جميع ما فيه، ونُقل أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من أمة وعبد فباع البعض وأعتق البعض ووهب البعض، وخلا القصر من سكانه كأن لم يغنَ بالأمس، وكان العاضد لما مرض أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظن ذلك خديعة فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه فندم على تخلفه عنه، وكان يصفه كثيرًا بالكرم ولين الجانب وغلبة الخير على طبعه.

ويقول بعض المؤرخين الصليبيين: إن صلاح الدين قتل العاضد بيده، إلا أن الجمهور على خلاف ذلك. على أننا لا يسعنا إلا لومه لتطرفه في احتقار الخليفة، وتجريده إياه من ذات يده ومن متاعه، وقد بالغ بذلك حتى إنه علم بجواد كريم كان يركبه الخليفة؛ لترويح النفس في حديقته فطلبه منه فلم يسع الخليفة إلا إعطاءه إياه والتوقف عن الرياضة التي لم يبقَ لديه من ثروة الخلفاء سواها.

وكان الخليفة العاضد شديد التشيع متغاليًا في سب الصحابة، وإذا رأى سنيًّا استحل دمه، وترى في شكل ٩-١٥ صورة نقود زجاجية ضُربت في عهد الدولة الفاطمية أيام احتياجها للمال وقلة الذهب، وحالما تولى صلاح الدين ألغاها، وضرب نقوده المعروفة بالنقود الناصرية نسبة إليه.
fig28
شكل ٩-١٥: نقود زجاجية مضروبة على عهد الدولة الفاطمية.

(١٢) حضارة الدولة الفاطمية

انقضت هذه الدولة بموت العاضد الفاطمي والخطبة للمستضيء العباسي سنة ٥٧٦ فيجدر بنا أن نأتي على ما كان من مبلغ حضارتها لولا ما نخافه من التطويل، وقد أفاض المقريزي في ذكره مفصلًا، فنأتي على مثال من بذخهم وترفهم، وقد ذكر شيء من ذلك.

(١٢-١) أدوات الترف

كان الفاطميون يناظرون العباسيين في كل شيء حتى في أسباب الحضارة، وكان التمدن الإسلامي قد نضج، وأخذت الدولة العباسية بالتقهقر ففاقوهم في كثير من أسباب البذخ والترف، ولا سيما من حيث الأثاث والرياش والثياب؛ فإن العباسيين رصعوا عصائب نسائهم وخفافهن بالجواهر، ولكن الفاطميين رصعوا بها آنية المطبخ، واتخذوا كوز الزير من البلور مرصعًا بالجوهر، وكللوا المزيرة بحب اللؤلؤ النفيس، وتأنقوا في المصوغات حتى اتخذوا منها التماثيل المرصعة للزينة في مجالسهم. فإذا جلس الخليفة في إحدى المناظر للراحة أو تبديل الثياب وضعوا بين يديه الصواني الذهب عليها أشكال الصور الآدمية والوحشية من الفيلة والزرافات ونحوها، معمولة من الذهب والفضة والعنبر والمرسين المشدود والمظفور عليها، المكلل باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، ومن الصور الوحشية ما يشبه الفيلة بينها عنبر معجون كخلقة الفيل، وناباه فضة، وعيناه جوهرتان كبيرتان في كل منهما مسمار ذهب مجرى سواده، وعلى الفيل سرير منجور من عود بمتكآت فضة، وذهب وعليه عدة من الرجال ركبان عليهم اللبوس تشبه الزرديات، وعلى رءوسهم الخوذ، وبأيديهم السيوف المجردة، والدرق وجميع ذلك فضة. ثم صور السباع منجورة من عود، وعينا السبع ياقوتتان حمراوان، وهو على فريسته، وأشكال من سائر الوحوش، وأصناف تشد من المرسين المكلل باللؤلؤ شبه الفاكهة.

وكان للفاطميين في القاهرة دور يختزنون بها أدوات الترف يسمونها خزائن؛ بعضها للفرش، والبعض الآخر للجوهر، وآخر للطيب، وآخر للبنود، وآخر للسلاح، وآخر للسروج أو الدرق أو الكسوات أو الأدم أو الشراب أو التوابل أو الخيم، وكان الخليفة يذهب إلى مجالس خاصة له في تلك الخزائن، والمجلس عبارة عن دكة عليها طراحة، ولها فرّاش يخدمها وينظفها؛ ليجلس الخليفة عليها إذا زار تلك الخزانة.

(١٢-٢) الحلي والمجوهرات عند الفاطميين

فمما أخرجوه من خزانة الجوهر في أيام الشدة على عهد المستنصر بالله (سنة ٤٨٧ﻫ) صندوق فيه سبعة أمداد زمرد سألوا الصياغ عن قيمتها، فقالوا: إنما نعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودًا، واستخرجوا خريطة فيها ويبة جوهر، قال الصياغ: إنه لا قيمة له وأصل ثمنه ٧٠٠٠٠٠ دينار بيع يومئذٍ بعشرين ألف دينار، ووجدوا ما لا يحصى من أقداح البلور المنقوش والمجرود، وصحونًا من الميناء منها ما يساوي مئات من الدنانير، وفي مكان آخر ١٨٠٠٠ قطعة من بلور تتراوح أثمانها بين عشرة دنانير وألف دينار كل قطعة، وصوان من الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة المنقوشة بأنواع النقوش، و١٧٠٠٠ غلاف خيار مبطن بالحرير محلاة بالذهب، ونحو مائة كأس بادزهر وأشباهها، على أكثرها اسم هارون الرشيد.

غير ما وجدوه هناك من الصناديق المملوءة بالسكاكين المذهبة والمفضضة وأنصابها من الجواهر المختلفة، وصناديق مملوءة دوى (جمع دواة) على اختلاف الأشكال من الذهب والفضة والصندل والعود والأبنوس والعاج محلاة بالجواهر، مما يساوي ألف دينار إلى بضعة آلاف كل دواة، وعدة أزيار مملوءة كافورًا، وعدة جماجم عنبر، ونوافج المسك التيبتي، وشجر العود، وغيره.

ومما خلفته رشيدة بنت المعز وحفظ هناك ما قيمته ١٧٠٠٠٠٠ دينار من جملتها ١٢٠٠٠ من الثياب المصمت ألوانًا، و١٠٠ قاطرميز مملوءة كافورًا قيصوريًّا، ومعممات بجواهر من أيام المعز، وبيت هارون الرشيد الخز الأسود الذي مات فيه بطوس، ومثل ذلك مما تركته عبدة بنت المعز أيضًا ويطول شرحه، وخزانة مملوءة بأنواع الصيني تساوي القطعة منها ألف دينار، وحصير من الذهب وزنه عشرة أرطال يُظن أنه الحصير الذي حملت عليه بوران بنت الحسن بن سهل لما زفت إلى المأمون، وصوان من الذهب كان ملك الروم أهداها إلى العزيز بالله.

ووجدوا أنواعًا من الشطرنج والنرد مصنوعة من الجوهر والذهب والفضة أو العاج أو الأبنوس، وعدد كبير من الزهريات ونحوها، ومن تماثيل العنبر ٢٢٠٠٠ قطعة أقل تمثال منها وزنه ١٢ منًّا، ومن تماثيل الخليفة ما لا يحد، والكلوثة المرصعة بالجوهر قيمتها ١٣٠٠٠٠ دينار فيها من الجوهر ١٧ رطلًا، وطاووس من ذهب مرصع بنفيس الجوهر عيناه من ياقوت أحمر وريشه من الزجاج المينا المجري بالذهب على ألوان ريش الطاووس، وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر بطنه أبيض قد نظم من در رائق، ومائدة من الجزع يقعد عليها جماعة قوائمها ممخروطة، ونخلة ذهب مكللة بالجوهر، وبديع الدر في أجانة من ذهب تجمع الطلع والبلح والرطب بشكله ولونه وعلى صفته وهيأته من الجواهر لا قيمة لها، وكوز زير بلور مرصع يحمل عشرة أرطال، ومزيرة مكللة بحب لؤلؤ نفيس، وقس على ذلك عشرات من أمثاله.

(١٢-٣) الفرش والأثاث عند الفاطميين

ووجدوا في خزائن الفرش من أصناف الأثاث والرياش ما يعد بالألوف. من ذلك ١٠٠٠٠٠ قطعة خسرواني أكثرها مذهب، ومراتب خسرواني وقلموني ثمن الواحدة ٣٥٠٠ دينار وجلة معمولة للفيلة من الخسرواني الأحمر المذهب، و٣٠٠٠ قطعة خسرواني أحمر مطرز بأبيض من هدبها لم يفصل من كساء البيوت كاملة بجميع آلاتها ومقاطعها، وكل بيت يشتمل على مسانده ومخاده ومساوره ومراتبه وبسطه ومقاطعه وستوره وكل ما يحتاج إليه، ومثل ذلك من المخمل والديباج والخز وسائر أنواع الحرير، وعليها أشكال الصور من كل شيء، ونحو ألف من الستور الحرير المنسوجة بالذهب على اختلاف ألوانها وأطوالها فيها صور الدول وملوكها ومشاهيرها، وعلى صورة كل واحد اسمه ومدة أيامه وشرح حاله.

و٤٠٠٠ رزمة خسرواني مذهب في كل رزمة فرش مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته منسوجة في خيط واحد، ومن جملتها مقطع من الحرير الأزرق التستري غريب الصنعة منسوج بالذهب وسائر ألوان الحرير؛ كان المعز لدين الله أمر بعمله، وفيه صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومساكنها شبه الخارطة الجغرافية، وفيه صورة مكة والمدينة، ومكتوب على كل مدينة وجبل وبلد ونهر وبحر وطريق اسمه بالذهب والفضة أو الحرير، وقد كتب في آخره: «مما أمر بعمله المعز لدين الله شوقًا إلى حرم الله، وإشهارًا لمعالم رسول الله في سنة ٣٥٣ﻫ.»

فاعتبر ما تدل عليه هذه الآثار من رقي المدنية والحضارة، وكم تكون قيمتها لو وجدت الآن، وكم يدفع المتمولون من المال في الحصول عليها.

وقس عليه ما كان في سائر الخزائن من التحف؛ ففي خزانة السلاح سيف الحسين بن علي، ودرقة حمزة بن عبد المطلب، وسيف جعفر الصادق، ومئات الألوف من الدروع والسيوف والقسي والرماح وغيرها، وفي خزانة السروج ألوف من السروج الثمينة، ومنها ما يساوي ألف دينار إلى سبعة آلاف دينار، وفي خزانة الخيم أنواع الفساطيط والمضارب والمسطحات والحصون والقصور والشراعات والمشارع العمومية من الديبقي والمخمل والخسرواني والديباج المكي والأرمني والبهنساوي والكردواني وغير ذلك، على اختلاف الألوان والنقوش من المقيل والمسبع والمخيل والمطوس والمطير وغيرها من أشكال السباع والطيور والآدميين مما ينصب على أعمدة ملبسة بالفضة، ومن هذه الفساطيط ما يبلغ طوله ٦٥ ذراعًا كبيرًا يحمله مع ملحقاته مائة جمل، وفي خزانة البنود كثير من الرايات والأعلام الساذجة والمطرزة وغيرها.

ومن أدلة الترف والإسراف في هذه الدولة: أن السيدة الشريفة ست الملك أخت الحاكم بأمر الله أهدت أخاها هذا هدايا من جملتها ثلاثون فرسًا بمراكبها ذهب، منها مركب واحد مرصع ومركب من حجر البلور، وتاج مرصع بنفيس الجوهر، وبستان من الفضة مزروع من أنواع الشجر.

وقد يتبادر إلى الذهن أن ما تقدم ذكره لا يخلو من مبالغة أو هو من قبيل الأحاديث الخرافية، ولكن مصر اشتهرت في الأعصر الإسلامية الوسطى بالثروة مثل شهرة بغداد في إبان حضارتها، واشتهر المصريون بالترف والغنى حين كان الناس يشكون الضيق، ولذلك قالوا: «من دخل مصر ولم يستغن فلا أغناه الله.» وقد تواتر ذكر هذه التحف وأمثالها في كتب الثقات، وبعضهم شهد الأمر بنفسه ورأى هذه التحف رأي العين، ومنهم ابن الأثير المؤرخ الشهير فقد ذكر في حوادث سنة ٥٦٧ﻫ التي أقام فيها السلطان صلاح الدين الخطبة بمصر للدولة العباسية، واستولى على ما كان باقيًا في قصور الخلافة من التحف والجواهر بعد ما أصابها من النهب في فتنة المستنصر وغيره، قال: «وحُمل الجميع إلى صلاح الدين، وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء، وفيه من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا من مثله، ومن الجواهر التي لم توجد عند غيرهم؛ فمنه الحبل الياقوت وزنه سبعة عشر درهمًا أو ١٧ مثقالًا أنا لا أشك فيه لأني رأيته ووزنته، واللؤلؤ الذي لم يوجد مثله، ومنه النصاب الزمرد الذي طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير.»

fig035
شكل ٩-١٦: السلطان صلاح الدين الأيوبي.
١  اللون الأبيض يختص بالفاطميين، والأسود بالعباسيين، والأخضر بالأمويين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢