الفصل السادس

في القيمة

١

القيمة هي خصيصة من خصائص الشيء، صفة، تُميِّزه وتُحدِّده. وهي على هذا النحو مثل الوزن والطول والحجم والارتفاع … إلخ، فإذا كان للشيء ثقلٌ ما (مطرقة مثلًا) قلنا إن للشيء وزنًا، ذو وزن. وإذا كان للشيء بُعدٌ ما بين طرفَيه (مثل طريق أو قطعة نسيج) قلنا إن للشيء طولًا، ذو طول. وإذا كان الشيء يشغل حيزًا ما (طاولة مثلًا أو مقعد)؛ قلنا إن للشيء حجمًا، ذو حجم. وإذا كان للشيء طولٌ عمودي من قاعدته إلى رأسه (مثل قاعة المحاضرات)؛ قلنا إن للشيء ارتفاعًا، ذو ارتفاع. والأمر نفسه بالنسبة للقيمة؛ فالشيء/المنتوج١ الذي يكون نتيجة العمل (أيًّا ما كان: حُر، مُستَعبَد، مُسخَّر، تعاقدي)؛ ومن ثمَّ يحتوي على قدْرٍ أو آخر من ذلك المجهود الإنساني والذي يتجسد في هذا المنتوج، يصبح له قيمة، ذو قيمة.٢
والقيمة على هذا النحو لا تعتمد في وجودها على قياسها أو تقديرها؛ إذ لا يصح في العقل أن نقول إن الشيء بلا قيمة لأننا لا نعرف بعدُ قدر المجهود الإنساني المبذول في إنتاجه.٣ ذلك لأن القيمة، كخصيصة، تثبت للشيء بمجرد أن داخله هذا القدْر أو ذاك من المجهود الإنساني، ولا يكون قياس القيمة، أو تقديرها بكمية من شيءٍ آخر، إلا في مرحلةٍ تالية لثبوت القيمة ذاتها. تمامًا كما أن قياس الطول لا يكون إلا تابعًا لثبوت خصيصة البُعد بين طرفَي الشيء.

وحينما تثبت الخصيصة المجرَّدة من الناحية الكيفية (الوزن، والطول، والحجم، والارتفاع، والقيمة … إلخ)، فلا يبقى أمامنا سوى التعرُّف إلى هذه الخصيصة من الناحية الكمية الملموسة باستعمال المقياس ووحدة القياس الملائمين لطبيعة الشيء المراد قياسه.

والمقياس هو الأداة أو الآلة التي بها تُقاس الخصيصة المطلوب معرفتها كميًّا؛ فمقياس الطول هو الشريط المقسَّم إلى سنتيمترات أو المسطرة، وليس البُعد بين طرفَي هذا الشيء، أما وحدة القياس فهي السنتيمتر؛ ومِن ثَمَّ حينما نقول إن طول قطعة النسيج ١٢ مترًا، فهذا يعني أننا استعملنا الشريط المقسَّم إلى سنتيمترات أو المسطرة، كمقياس للطول، واستخدمنا السنتيمتر كوحدة قياس.

بيد أن الأمور على ما يبدو لا تسير بشأن مقياس ووحدة قياس القيمة على هذا النحو من الوضوح؛ فالاقتصاد السياسي يعي أن القيمة هي مجهودٌ إنساني متجسد في المنتوج. ولكنه حينما يقيس هذا المجهود فإنما يقيس الوقت الذي يُبذل (خلاله) المجهود دون أن يقيس المجهود نفسه؛ أي دون أن يقيس القيمة التي يريد بالأساس قياسها! فضلًا عن الخلط بين المقياس ووحدة القياس؛ فقد رأى آدم سميث (١٧٢٣–١٧٩٠م):

«أن ما يُنتَج عادة في يومَي عمل أو ساعتَين من العمل يستحق ضعف ما ينتج عادة في يوم عمل أو ساعة عمل» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السادس).

ويسير دافيد ريكاردو (١٧٧٢–١٨٢٣م) في نفس طريق سميث، ولكنه يصل إلى مقياسٍ مختلف نوعًا ما، وهو الكمية الوسطية للعمل المبذول في إنتاج الذهب:

«حيث يمكن للذهب أن يُعتبر سلعةً تُنتج بأجزاء من الرأسمال، الأقرب للكمية الوسطى الموظَّفة في إنتاج جُل السلع فيمكن أن تكون هذه الأجزاء بعيدة بنفس المسافة من الحد الأقصى للرأسمال؛ بحيث تُشكِّل معدلًا وسطيًّا» («المبادئ»، الفصل الأول، القسم السادس).

أما كارل ماركس (١٨١٨–١٨٨٣م) فهو الذي يبلور الصيغة النهائية لمقياس القيمة ووحدة قياسها، ويقرر أن القيمة تُقاس بكمية العمل،٤ وكمية العمل تُقاس بالوقت الذي يُبذل (خلاله) العمل:

«… كيف سنقيس مقدار القيمة؟ إن ذلك سيكون بكميةِ ما تتضمنه من العمل. أما كمية العمل فتُقاس بطول العمل، بوقت العمل، ووقت العمل يجد معاييره في أجزاءَ محددة من الزمن كالساعة واليوم» («رأس المال»، الكتاب الأول، الفصل الأول).

والاقتصاد السياسي، وفقًا لمذهبه على هذا النحو، حينما يقول إن القلم قيمته ٣٠ دقيقة فإنما يعني أن المجهود الإنساني إن القلم قيمته ٣٠ دقيقة فإنما يعني أن المجهود الإنساني المتجسد في القلم قيمته ٣٠ دقيقة.٥ بيد أن هذا المذهب في قياس القيمة وما يترتب عليه، إنما يتصادم مع أصول علم القياس، بل ويتعارض مع مفهوم القيمة ذاتها؛ إذ لا يصح علميًّا القول بأن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء يساوي «ك» من الدقائق أو «ع» من الساعات. وإن جاز القول بأن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء تم خلال «ك» أو «ع» من الدقائق أو الساعات. بل وحتى حينما نقول إن المجهود الإنساني بُذل خلال «ك» من الدقائق أو تم خلال «ع» من الساعات، فلا يعني ذلك أبدًا أننا قمنا بقياس هذا المجهود الإنساني، بل على العكس، ذلك يعني أننا عرفنا فحسب الوقت الذي أُنفق خلاله هذا المجهود دون أن نعرف قدْر هذا المجهود. عرفنا الزمن الذي تكوَّنَت خلاله القيمة، ولكن، دون أن نعرف مقدار القيمة نفسها!

ولأن الاقتصاد السياسي يمضي مجافيًا العلم حينما يؤكد، كمسلَّمة، عَبْر مئتَي عامًا أن قيمة السلعة تُقاس بالوقت المنفَق في سبيل إنتاجها، فإنه بتلك المثابة يضعنا في أزمةٍ معرفية؛ إذ يتعين الاختيار بين أمرَين: إما الإقرار، علميًّا، بأننا نستخدم مقياسًا خاطئًا للقيمة؛ لأننا نقيس الجهد الإنساني المتجسد في المنتوج باستعمال وحدة قياس الوقت! كأننا نحاول قياس الطول بالريختر، أو قياس الارتفاع بالجالون الإنجليزي! وإمَّا الاعتراف صراحة بأن فهم الاقتصاد السياسي للقيمة هو الخطأ ويحتاج إلى مراجعة؛ لأنه يقول إن القيمة «جهدٌ إنساني» متجسد، ثم يتعامل معها «كزمنٍ» منفَق!

وعليه، فإذا كان فهم الاقتصاد السياسي للقيمة صحيحًا، فيجب تصحيح المقياس. أما إذا كان المقياس صحيحًا، ومِن ثَمَّ وحدة القياس أيضًا صحيحة، فيجب أن يُعاد النظر في مفهوم القيمة نفسه.

والواقع أن فهم الاقتصاد السياسي للقيمة هو فهمٌ صحيح؛ على الأقل استنادًا إلى الجذور اللغوية لكلمة Value٦ التي سوف يستخدمها، كمصطلح، للدلالة على احتواء الشيء على قَدْر أو آخر من المجهود الإنساني. وإن أمكنَّا هنا الاكتفاء بإرجاع هذا الخلل الذي أصاب علم الاقتصاد السياسي في مقياس القيمة، ووحدة قياسها بالتبع، إلى عدم تبلور علم القياس وتخلُّف أجهزة القياس نفسها في مرحلة نشأة الاقتصاد السياسي؛ ولذا، لجأ علم الاقتصاد السياسي إلى أقرب وحدةِ قياسٍ معروفة آنذاك، ووجدها في وحدة قياس الوقت؛ أي الزمن المنفَق في سبيل إنتاج الشيء، وأصبح من المستقر، خطأً، القول بأن قيمة الشيء تُقاس بكمية العمل المنفَق في سبيل إنتاجه. وحينما تبدو كمية العمل عَصيَّة على القياس في مرحلة تبلوُر علم الاقتصاد السياسي يُضطر مؤسسو العلم إلى تحديد هذه الكمية من العمل المبذول بواسطة وحدات من الزمن المنفَق (خلاله) هذا العمل! بما يعني، في التحليل النهائي، اعتبار الوقت، الزمن، هو المقياس النهائي للقيمة؛ وهو ما لا يعني الخلط فحسب بين المقياس (كمية العمل) ووحدة القياس (الساعة، اليوم … إلخ) وكلاهما خطأ! بل يعني، وهذا هو الأهم، طمس مفهوم القيمة!

حسنًا، فلنَدعْ جانبًا، مؤقتًا، ما ذكرناه أعلاه، ولنفترض، مؤقتًا أيضًا، أننا على خطأ، ولنعتبر بالتالي أن الاقتصاد السياسي مُحقٌّ في استخدام كمية العمل لقياس القيمة! ولنساير الآن مؤسسي العلم في مقياسهم! وسنلاحظ أن الآباء المؤسسين لعلم الاقتصاد السياسي متفقون على أن القيمة تُقاس بكمية العمل وكمية العمل تُقاس، كما ذكرنا، بالوقت الذي يُبذل (خلاله) العمل، ولكنهم مختلفون في ماهية هذا العمل.

فلقد رأى سميث، الذي كان يخلط بين القيمة والقيمة التبادلية كما سنرى في حينه، أن قيمة السلعة تتحدد بكمية العمل المبذول في سبيل إنتاج السلعة الأخرى المتبادَل بها؛ أي إنه يقيِّم السلعة «م» بكمية العمل المنفَق في سبيل إنتاج السلعة «ك» التي تُبادل بها، وليس بكمية العمل المنفق في سبيل إنتاج السلعة «م» نفسها:

«إن تقدير قيمة السلعة التبادلية بكمية من سلعةٍ أخرى يُعد أمرًا طبيعيًّا» («ثروة الأمم»، الفصل الخامس).

أما دافيد ريكاردو الذي حاول، وربما ادَّعى، تصحيح سميث، فلقد ذهب إلى أن القيمة تتحدد بكمية العمل النسبي المنفَق في إنتاج السلعة. أما المقياس فهو، وكما ذكرنا، كمية العمل الوسطي المبذول في سبيل إنتاج الذهب الذي يُعد بدوره سلعة بإمكانها أن تقوم بدور القيمة التبادلية للسلع المختلفة.

ويعود ماركس، في نهاية المطاف، إلى آدم سميث إنما دون أن يقيس قيمة السلعة بكمية العمل المنفَق في سبيل إنتاج السلعة الأخرى المتبادَل بها، بل يقيسها:

«بكميةِ ما تتضمَّنه السلعة من العمل» («رأس المال»، المصدر نفسه).

والآن، فلنأخذ في اعتبارنا اتفاق الآباء المؤسسين واختلافهم على نحو ما بيَّنا أعلاه، ولنطرح السؤال المهم الآتي: ما هي أهم خصائص المقياس؟ والإجابة المباشرة والواضحة هي: الثبات؛ أي إن المقياس، ومن ثم وحدة القياس، يجب أن يكونا ثابتَين حتى يمكنهما القيام بوظيفتهما؛ إذ لا يمكن قياس القيمة بمقياسٍ هو نفسه متغير. وكمية العمل في الحقيقة تُعد نموذجًا واضحًا لهذا المقياس المتغير الذي لا يمكن الاحتكام إليه لقياس القيمة؛ وذلك لأن الأعمال تختلف بعضها عن بعض من جهتَي المشقة والبراعة: فطبيعة عمل حارس العقار تختلف عن طبيعة عمل البنَّاء من ناحية المشقة؛ ومن ثَمَّ تختلف ساعة عمل حارس العقار عن ساعة عمل البنَّاء. كما أن طبيعة عمل الحلَّاق تختلف عن طبيعة عمل الجرَّاح من جهة البراعة؛ ومن ثَمَّ تختلف ساعة عمل الحلَّاق عن ساعة عمل الجرَّاح. والواقع أن هذه المشكلة واجهت فعلًا الاقتصاد السياسي، وبعد أن اعترف بأن:

«إيجاد أي مقياسٍ دقيق للمشقة أو للبراعة ليس بالأمر الهين.» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الخامس).

يُضطر إلى التسليم بأن:

«التبادُل لا يتوازن نتيجة أي مقياسٍ دقيق، بل بالمساومة والتوافق في السوق» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

وريكاردو يسير كالعادة في طريق سميث، ويوافق على مبدأ قدرة السوق على التسوية بين الأعمال المختلفة:

«إن تقدير نوع العمل يتم في السوق بناءً على الدقة، ومهارات العاملين وكثافة الجهد المبذول» («المبادئ»، الفصل الأول).

أما ماركس الذي تجاهل وجود أزمةٍ حقيقية نتيجة اختلاف الأعمال من جهة الشدة والبراعة، وبدلًا من أن يعيد النظر في مقياس القيمة ووحدة قياسها، فلقد أكد هو أيضًا على:

«أن النسب المختلفة التي يتم بها إرجاع أنواعٍ مختلفة من العمل إلى العمل البسيط كوحدة لقياسها تُحدِّدها عمليةٌ اجتماعية تجري من وراء ظهور المنتجين» («رأس المال»، الكتاب الأول، الفصل الأول).٧

والواقع أن السوق لن يُسوِّي الأمر كما ظن مؤسسو علمنا، بل إنه لن يبعدنا فحسب عن أصول العلم وهدف الكشف عن القانون الموضوعي الحاكم للظاهرة محل البحث، بل ولسوف يزداد الأمر تعقيدًا؛ فالسوق نفسه قد يجعل ساعة عملِ حدَّاد (الضرورية اجتماعيًّا) تساوي ساعة عملِ نجَّار (الضرورية اجتماعيًّا) في مكان، وهو نفسه الذي يجعل ساعة عمل الحداد تلك تساوي عشرة أضعاف ساعة عمل النجار في مكانٍ آخر. وفي الحالتَين لم يخبرنا السوق ولا علم الاقتصاد السياسي عن سبب ذلك؛ أي لم يخبرنا أحدهما أو كلاهما عن سبب التساوي بين الساعتَين، ولا عن سبب الاختلاف بينهما. إن كلَّ ما بإمكانهما فعله هو الإشارة إلى الوضع الراهن؛ التقلبات الَّلحظية؛ ما هو آني، دون بلوغ القانون الموضوعي الذي يحكم نِسَب التبادُل الطبيعية بين الأعمال المختلفة.

وبناءً عليه، يمكن القول بأن علم الاقتصاد السياسي، وعَبْر قرنَين من الزمان، يستخدم مقياسًا غير ثابت لقياس القيمة. وحينما يدرك الاقتصاد السياسي أن كمية العمل ليس بإمكانها القيام بوظيفتها كمقياس للقيمة؛ لأن الأعمال تختلف عن بعضها من جهتَي الشدة والبراعة؛ نراه يُحيلنا إلى السوق، وهو ما يعنى هجر العلم توقفًا عند ما هو مُعطًى. إنما يعني الكف عن البحث عن القانون الموضوعي الحاكم للظاهرة محل البحث؛ الأمر الذي يوجب علينا تصحيح مقياس القيمة ووحدة قياسها ابتداءً من الفهم الصحيح للقيمة، وبالتالي إعادة فهم أساسيات علم الاقتصاد السياسي، العلم المنشغل بظواهر نمط الإنتاج الرأسمالي المتمفصلة حول قانون القيمة.

٢

وقبل أن نقدم فرضيتنا بصدد تصحيح مقياس القيمة، وبالتبع تصحيح وحدة قياسها، يجب أن نؤكد، وبوضوحٍ تام، على أن الاستناد إلى وجود فارق بين القيمة ومقياس القيمة، لتبرير استخدام المقياس غير الصحيح، وتلك هي الحُجة الأزليَّة الجاهزة التي قد يواجهنا بها البعض، لا يجيز أبدًا استخدام المقياس الخاطئ والإصرار على أنه المقياس الصحيح؛ فلا يجوز علميًّا، ولا يستقيم في العقل، محاولة استخدام الترمومتر مثلًا لقياس الارتفاع؛ فالأول أداة تُستخدم لقياس درجة الحرارة، والثاني هو طول العمود من قاعدة الشيء إلى رأسه. ونفس الحكم بالنسبة للقيمة فلا يصح علميًّا ولا عقليًّا، حتى ولو قيل لنا إن للمصطلح قدسيته المنزَّهة، أن نقول إن القيمة هي مجهودٌ إنساني متجسد في المنتوج ثم نقيس هذا المجهود المتجسد بوحدة قياس الزمن الذي ينفق (خلاله) هذا المجهود! والحقيقة العلمية هي أن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء، والذي يتجسد في المنتوج، إنما يُقدَّر بالسُّعر الحراري الذي هو وحدة قياس الطاقة الحرارية التي يحتاجها ويكونها وينفقها الجسم لكي يقوم، وأثناء القيام، بعمله، وذلك عن طريق استهلاك المواد الغذائية؛ أي تحويل الطاقة الكيميائية (الغذاء) إلى طاقة ميكانيكية (العمل). هذه الطاقة حينما تتجسد في المنتوج تكسبه القيمة. ويمكن استخدامًا لوحدة القياس هذه، وهي وحدةُ قياسٍ ثابتة،٨ معرفة قدْر الطاقة التي يستقبلها الجسم وكذا الطاقة التي ينفقها؛ أي قياس ما يحتاجه الجسم في الظروف المختلفة، وعند أداء أي نوع من الأعمال. وسنرمز للسعر الحراري بالحرفَين «س. ح». وكمية الطاقة تلك، هي التي لم يصل إليها علمنا حينما توقَّف عند قياس القيمة بوحدة قياس الوقت. أما آلة القياس، الثابتة كذلك، والتي تُستخدم في القياس فهي الكالوريميتر٩ ويمكن بواسطتها قياس الطاقة الحرارية المنبعثة من الجسم أثناء قيامه بالمجهود. دعونا نتقدم خطوة إلى الأمام، فالعامل الذي ينتج القيمة؛ أي مَن يبذل المجهود الذي يتجسد في المنتوج، يحتاج إلى وسائلِ معيشةٍ ضرورية كالمواد الغذائية، والملبس، والمسكن … إلخ. ولنبدأ بالمواد الغذائية١٠ التي تمده بالطاقة والتي تُمكِّنه من القيام بالعمل بعبارةٍ أدق نبدأ من الإنفاق الفعلي للمجهود الذي يتم خلاله تحويل الطاقة الكيميائية إلى طاقةٍ ميكانيكية؛ فوفقًا لعلوم الغذاء والفيزياء والكيمياء الحيوية ووظائف الأعضاء، صرنا نعرف، وعلى نحوٍ دقيق علميًّا، كمية السعرات الحرارية التي تُستهلك أثناء بذل الأنواع المختلفة من المجهود الإنساني والتي تتجسد بدورها في المنتوج؛ فها نحن صرنا نعرف (انظر: الجدولَين ٦-١ و٦-٢) أن عامل البناء يستهلك ١٤٠٠ «س. ح» أثناء ٨ ساعات؛ أي أن منتوجه يتجسد فيه ١٤٠٠ «س. ح». والعامل في مصنع الحديد وخلال نفس المدة يستهلك ١٩٠٠ «س. ح» وبالتالي يتجسد في منتوجه ١٩٠٠ «س. ح»، والحداد يستهلك ٢٤٠٠ «س. ح» وبالتالي يتجسد في منتوجه ٢٤٠٠ «س. ح»، وعاملة المصنع التي تستهلك ١١٠٠ «س. ح» سوف يتجسد في منتوجها ١١٠٠ «س. ح»، أما المعلمة فتستهلك ٨٠٠ «س. ح» ومن ثم يتجسد في الخدمة التي تؤديها ٨٠٠ «س. ح»، وهكذا. معنى ما سبق، أن معرفتنا بقيمة القلم، وبالتبع معرفتنا بقيمة أي شيء، سلعة أو خدمة، يكون نتيجة العمل، إنما ترتبط بمعرفتنا بكمية الطاقة المبذولة في سبيل إنتاجه، وليس بالزمن الذي تُبذل «خلاله» هذه الطاقة كما دأب علم الاقتصاد السياسي على ذلك طيلة قرنَين من الزمان.
جدول ٦-١: كمية استهلاك الطاقة، بالسُّعر الحراري، التي يبذلها رجلٌ قياسي (٦٥ كجم).*
طبيعة الحركة نشيط، مثل: (أعمال مكتبية، محامٍ، طبيب، محاسب، معلم، مهندس معماري، عامل في متجر) متوسط النشاط، مثل: (عمال البناء، باستثناء الأعمال الشاقة، معظم عمال الصناعة الخفيفة، صيادو الأسماك) نشيط جدًا، مثل: (بعض الأعمال الزراعية، النجار، الأعمال غير الماهرة، عمال الحديد، عمال المناجم، الرياضيين) نشيط بصورة غير عادية، مثل: (الحطاب، الحداد، جر العربات)
في الفراش (٨ ساعات) ٥٠٠ ٥٠٠ ٥٠٠ ٥٠٠
في العمل (٨ ساعات) ١١٠٠ ١٤٠٠ ١٩٠٠ ٢٤٠٠
خارج ساعات العمل (٨ ساعات) ٧٠٠–١٥٠٠ ٧٠٠–١٥٠٠ ٧٠٠–١٥٠٠ ٧٠٠–١٥٠٠
مجموع الطاقة المبذولة (٢٤ ساعة) ٢٣٠٠–٣١٠٠ ٢٦٠٠–٣٤٠٠ ٣١٠٠–٣٩٠٠ ٣٦٠٠–٤٤٠٠
متوسط كمية الطاقة المبذولة ٢٧٠٠ ٣٠٠٠ ٣٥٠٠ ٤٠٠٠
“Handbook on Human Nutritional Requirements”, op, cit, p. 70.
Bennion, “Introductory”, op, cit. p. 123, Camron, “The Science”, op, cit. pp. 6543–7654.
جدول ٦-٢: كمية استهلاك الطاقة، بالسُّعر الحراري، التي تبذلها امرأةٌ قياسية (٥٥ كجم).*
طبيعة الحركة نشيطة، مثل: (الأعمال المكتبية، معلمة، ربات المنزل، معظم المهن الأخرى) متوسطة النشاط، مثل: (عاملات في الصناعات الخفيفة، عاملة المخازن أو المتجر) نشيطة جدًا، مثل: (بعض أعمال الحقل وبصفة خاصة أعمال الفلاحة) نشيطة بصورة غير عادية، مثل: (أعمال الإنشاءات، رياضيات)
في الفراش (٨ ساعات) ٤٢٠ ٤٢٠ ٤٢٠ ٤٢٠
في العمل (٨ ساعات) ٨٠٠ ١١٠٠ ١٤٠٠ ١٨٠٠
خارج ساعات العمل (٨ ساعات) ٥٨٠–٩٨٠ ٥٨٠–٩٨٠ ٥٨٠–٩٨٠ ٥٨٠–٩٨٠
مجموع الطاقة المبذولة (٢٤ ساعة) ١٨٠٠–٢٢٠٠ ٢٠٠٠–٢٤٠٠ ٢٤٠٠–٢٧٠٠ ٢٨٠٠–٣٢٠٠
متوسط كمية الطاقة المبذولة ٢٠٠٠ ٢٢٠٠ ٢٦٠٠ ٣٠٠٠
“Handbook on Human Nutritional Requirements”, op, cit., p. 70.
Bennion, “Introductory”, op, cit. p. 123, Camron, “The Science”, op, cit. pp. 6543–7654.
ووفقًا للجدولين ٦-١ و٦-٢، كما نلاحظ، لم يتمَّ الاعتداد بما يحتاجه الفرد المنعزل من السعرات الحرارية؛ لأن الأفراد يختلفون فيما بينهم من حيث الطول، والوزن … إلخ؛ فالفرد الذي يحتاج إلى قَدْرٍ مُعيَّن من «س. ح»، قد يحتاج غيره إلى أقل منه أو أكثر؛ ولذا، يتم الاستناد إلى كمية السعرات الحرارية الضرورية، وسنرمز لذلك من الآن بالحروف «س. ح. ض» وهي التي تُمكِّن العامل العادي من ثلاثة أمور: يعمل، ويعيش كعامل، ويجدد إنتاج طبقته على الصعيد الاجتماعي.١١ فالأجر إذن لا يتضمن فحسبُ ما يؤمِّن للعامل الحياة لليوم التالي، إنما يتضمن أيضًا ما يؤمِّن للجيش الصناعي؛ أي أبناء الطبقة العاملة، الحياة حتى يمكن الدفع بهم إلى سوق العمل.

وعليه، يكون من المفهوم لِمَ يفوقَ أجر المهندس المعماري أجر الحداد؛ على الرغم من أن الحداد يستهلك ٢٤٠٠ «س. ح. ض» في حين أن المهندس المعماري يستهلك فقط ١١٠٠ «س. ح. ض»؛ فالأجر لا يتضمن فحسب كمية السعرات الحرارية الضرورية اجتماعيًّا كي يعمل العامل، ويعيش كعامل، إنما يتضمن أيضًا كمية السعرات الحرارية الضرورية التي يتم إنفاقها كي يصبح المهندس مهندسًا والحدَّاد حدَّادًا يمكن الدفع بهما إلى سوق العمل. أي إن الطبقة الرأسمالية تضمن بالأجر، الذي تدفعه، أن يخلق العامل مثله، وبالتالي تضمن تجديد وجودها الاجتماعي بضمان وجود الطبقة العاملة.

وكما يتم الاعتداد بكمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا بصدد المنتِج، العامل، يتم أيضًا الاعتداد بكمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا بشأن المنتوج، السلعة. فحين التبادُل، وفقًا لقانون القيمة،١٢ يجب أن نأخذ في اعتبارنا الطاقة المباشرة المبذولة في سبيل إنتاج الشيء (المجهود المباشر المتجسد في المنتوج) وكذلك الطاقة المختزنة في الأدوات والمواد التي استُخدمت لإنتاج هذا الشيء (المجهود المختزن المتجسد في وسائل الإنتاج)؛ فقيمة المعطف لا تتحدد بكمية الطاقة المباشرة المنفَقة في إنتاجه فحسب، بل وكذلك بكمية الطاقة المختزنة في مواد وأدوات إنتاجه؛ وعليه، فحين التبادل، تتساوى قيمة المعطف الذي تكلف ١٠٠ «س. ح. ض» من الطاقة الحية و٥٠ «س. ح. ض» من الطاقة المختزنة، مع قطعة النسيج التي تكلفت ٨٠ «س. ح. ض» من الطاقة الحية و٧٠ «س. ح. ض» من الطاقة المُختزَنة.١٣

والاعتداد بالطاقة الضرورية إنما يتم على أساس كمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا وفقًا للفن الإنتاجي السائد، فلو افترضنا أن إنتاج الكمية «ص» من النسيج يتطلب ٢٠٠ «س. ح. ض» ثم ظهرت آلةٌ جديدة أو تقنيةٌ حديثة تتيح إنتاج نفس الكمية ﺑ ٥٠ «س. ح. ض» فقط، فسوف يتم، في نهاية المطاف، الاعتداد بالقيمة الاجتماعية الجديدة التي تحددت طبقًا للفن الإنتاجي الجديد. سيتم الاعتداد ﺑ ٥٠ «س. ح. ض» لكل «ص» من النسيج، وسيكون على مَن ظلَّ ينتج النسيج بنفس التقنية القديمة والتي تتطلب إنفاق ٢٠٠ «س. ح. ض»، سيكون عليه وحده مغبة تقصيره بعدم استخدامه الفن الإنتاجي الذي أصبح سائدًا اجتماعيًّا. وهو بالتالي حينما يذهب بنسيجه إلى السوق لمبادلته لن يبادله بمنتجٍ أُنفق في إنتاجه ٢٠٠ «س. ح. ض» إنما سيبادله بمنتجٍ أُنفق في سبيل إنتاجه ٥٠ «س. ح. ض» فقط.

٣

وابتداءً من كون القيمة خصيصة تثبت للشيء بمجرد أنه نتيجة العمل الإنساني يصبح القلم قيمة متجسدة، سواء أكان نافعًا أم غير نافع، استعمله صانعه أم لم يستعمله، بادله أم لم يبادله، تطابَق ثمنه، أو قيمته التبادُلية، مع قيمته الاجتماعية أم لم يتطابق؛ ولذلك يتعين أن يكون لدينا الوعي بخمسة أمور:

الفرق بين القيمة والقيمة التبادلية

القيمة، وكما عرفنا، هي خصيصة في المنتوج يكتسبها بمجرد احتوائه على كمية من المجهود الإنساني. أما القيمة التبادلية فهي قيمة المنتوج «أ» وقد عُبِّر عنها بوحدات من منتوجٍ آخر «ب»، أو «ﺟ»، أو «د» … إلخ، هذا التعبير قد يأتي على نحوٍ منضبط وقد يأتي دون ذلك؛ فالسلعة التي قيمتها الاجتماعية ١٢٠ «س. ح. ض» قد تكون قيمتها التبادلية سلعةً أخرى قيمتها الاجتماعية ١٢٠ «س. ح. ض» أيضًا، وحينئذٍ نكون أمام القيمة الحقيقية. وقد تكون قيمتها التبادلية أقل من ذلك أو أكثر، وحينئذٍ نكون بصدد قيمة السوق.١٤
وعلى هذا النحو يمكن للسلعة «أ» والتي تحتوي على ١٠٠ «س. ح. ض» أن تُعبِّر عن قيمتها الاجتماعية في صورة وَحدةٍ واحدةٍ من المنتوج «ب» تحتوي أيضًا على ١٠٠ «س. ح. ض»، أو في صورة وحدتَين من المنتوج «ﺟ» تحتوي كل وحدة منهما على ٥٠ «س. ح. ض»، أو في صورة ٤ وحدات من المنتوج «د» تحتوي كل وحدة منها على ٢٥ «س. ح. ض»، أو في صورة ١٠ وحدات من المنتوج «ﻫ» تحتوي كل وحدة منها على ١٠ «س. ح. ض» وهكذا. وتصبح كل هذه الأشياء: «أ» و«ب» و«ﺟ» و«د» و«ﻫ» … إلخ، قيمًا تبادُلية١٥ بعضها لبعض طالما تساوت القيم؛ وعليه، يتم التبادل بين المنتوج «أ» والمنتوج «ب» بنسبة ١ : ١، كما يتم التبادل بين المنتوج «أ» والمنتوج «ﺟ» بنسبة ١ : ٢. أما التبادل بين المنتوج «أ» والمنتوج «ﻫ» فيتم بنسبة ١ : ١٠، فلنلاحظ: في جميع هذه العمليات من التبادل، حتى التبادُل بالتناسُب بين قيم الأشياء، لا يمكن أن نُجري المبادلة إلا ابتداءً من التعرف إلى القيمة الاجتماعية للشيء؛ فلكي تتم المبادلة بين المنتوج «أ» الذي يحتوي على ١٠ «س. ح. ض» والمنتوج «د» الذي يحتوي على ٢٥ «س. ح. ض»، فيتعين، وقبل كل شيء، أن نعرف كمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا والتي يحتوي عليها كل منتوجٍ من المنتوجَين المتبادلَين.

والمثير للانتباه حقًّا، أن علم الاقتصاد السياسي الذي يُمفصِل حول القيمة ظواهرَ نمطِ الإنتاج الرأسمالي، لا ينشغل بتحديد مفهوم القيمة ذاتها، وفي أفضل الأحوال يخلط بينها وبين القيمة التبادلية؛ فقد رأى سميث:

«أن قيمة أي سلعة، تساوي كمية العمل؛ فالعمل إذن هو مقياس القيمة التبادلية الحقيقي لجميع السلع» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الخامس).

ولا يخالف ريكاردو مذهب سميث، بل يرى أن:

«القيمة التبادُلية للسلع تتناسب طرديًّا مع كمية العمل الداخل في إنتاجها» («المبادئ»، الفصل الأول).

أما ماركس، فقد كان، نسبيًّا، أكثر عمقًا من أسلافه، حينما رأى أن القيمة تُعبِّر عن نفسها في صورة القيمة التبادُلية:

«السلع هي قيمةٌ استعمالية، وقيمة. وهي تكشف عن طبيعتها المزدوجة، حينما تحصل قيمتها على شكلٍ خاص، يختلف عن الشكل الطبيعي للسلعة؛ أي بالتحديد شكل القيمة التبادلية» («رأس المال»، الفصل الأول).

الفرق بين شرط القيمة وشرط القدرة على المبادلة

لو قام شخصٌ ما في لوزان ببذل أقصى مجهود وليس الضروري اجتماعيًّا فحسب في سبيل صُنع الفسيخ مثلًا، فلن يكون لمنتوجه فائدةٌ اجتماعيًّا، ومع ذلك سيظل محتفظًا ﺑ «القيمة» كصفةٍ مجردة لاحتوائه على قدْر أو آخر من الجهد الإنساني. والمنتوج كي ينتقل من مرحلة «أنه ذو قيمة» فحسبُ إلى مرحلة «كونه ذا قدرة» على التبادُل أو على إشباع حاجةٍ إنسانيةٍ ما، فيُشترط أن يكون نافعًا اجتماعيًّا، فإن لم يكن نافعًا اجتماعيًّا فهو لا يفقد قيمته، إنما فقط يفقد قدرته على التبادُل والإشباع؛ ومن ثَمَّ فلن يكون الفسيخ في لوزان، بلا قيمة، إنما فحسبُ يُمسِي بلا قدرة على مواجهة عالم الأشياء للتبادُل أو للإشباع. شرط القيمة إذن هو العمل. أما شرط تمتُّع الشيء بالقدرة على الإشباع أو التبادل فهو المنفعة الاجتماعية.

على العكس من ذلك يذهب ماركس إلى:

«أن الشيء غير النافع هو شيء بلا قيمة وأن العمل المبذول في إنتاجه غير نافعٍ كذلك» («رأس المال»، الكتاب الأول، الفصل الأول).

والمفهوم من كلام ماركس، الذي قلنا منذ قليل إنه كان نسبيًّا (وليس مطلقًا) أكثر عمقًا من أسلافه، أن الشيء يمكن أن يكون دون قيمة في مكان، وذا قيمةٍ في مكانٍ آخر! والواقع أن هذا الاضطراب يرجع إلى أمرَين؛ أولًا: عدم اهتمام الاقتصاد السياسي بالقيمة ذاتها والانشغال بالقيمة التبادلية، بل واعتبارهما أحيانًا أمرًا واحدًا. ثانيًا: الخلط بين شرط القيمة، وشرط القدرة على الإشباع والتبادل. وابتداءً من هذا الخلط تحديدًا، جرَّد الاقتصاد السياسي الشيء غير النافع اجتماعيًّا لا من القدرة على الإشباع والتبادل فحسب، بل ومن القيمة نفسها!١٦

الفرق بين القدرة على المبادلة والقيمة التبادلية

وعلى الرغم من وضوح الفارق بين الأمرَين، بل وربما انتفاء العلاقة بينهما، فإن طرح الأمر هنا وتحقيقه لن يفيدنا فحسب في فض الاشتباك بين المصطلحات، إنما سيفيدنا كذلك حينما نذهب لتحليل أفكار آدم سميث، الذي كان السبب الأساسي في خلط الاقتصاد السياسي بأَسره، بين القيمة والقيمة التبادلية من جهة، وبين القيمة التبادلية والقدرة على التبادل من جهةٍ أخرى؛ فقد كتب سميث:

«أن كلمة قيمة تحمل معنيَين مختلفَين؛ فهي تُعبِّر أحيانًا عن منفعة مادةٍ ما، وأحيانًا تُعبِّر عن القوة الشرائية التي يحملها امتلاك هذه المادة، الأولى يمكن تسميتها القيمة الاستعمالية، والثانية القيمة التبادلية» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الرابع).

ولكن، قدرة القلم؛ لأنه نافع اجتماعيًّا، على المبادلة بممحاة، ليست الممحاة التي تمثل القيمة التبادُلية للقلم. وقدرة الممحاة؛ لأنها نافعة اجتماعيًّا، على المبادلة بجَوْرب، ليست الجورب الذي هو القيمة التبادُلية للممحاة، وهكذا؛ فالقدرة على المبادلة، وكذا القدرة على الإشباع، وشرطهما المنفعة الاجتماعية، هما مجرد مرحلةٍ يتعين أن يمر بها المنتوج كي يُعبِّر عن نفسه فعليًّا في صورة وحداتٍ من منتوجٍ آخر، هذه الوحدات تمثل قيمته التبادلية.

الشيء على هذا النحو وطالما كان نتيجة العمل يُمسي ذا قيمة. وإذا كان نافعًا صار مُزوَّدًا بقدرتَين: قدرة على إشباع حاجةٍ إنسانيةٍ معينة، وقدرة على المبادلة بشيءٍ آخر. بعبارةٍ أخرى: العمل هو شرط تحقُّق القيمة المجردة، أما المنفعة فهي شرط انتقال الشيء من مرحلة القيمة المجردة إلى مرحلة القدرة على التبادُل أو الإشباع، وبالتالي يصبح الشيء صالحًا كي يقوم بدور القيمة التبادلية لمنتوجٍ آخر.١٧

الفرق بين الثروة والقيمة

الثروة (الطبيعية أو الاجتماعية) هي مجموعُ ما يملكه المجتمع من أشياء. وتجد مصدرها في الطبيعة و/أو العمل الإنساني، وتُقاس كميًّا بوحدة القياس المناسبة، مثل: ١٠٠٠ طنٍّ من الحديد، ٢٠٠٠ فدان، ٣٠٠٠ كيلوواط سنويًّا من الإشعاع الشمسي، ٥٠ مليارم٣ من الماء، ٤٠٠٠ سيارة … إلخ.

أما القيمة فهي، وكما ذكرنا، خصيصة في المنتوج يكتسبها لكونه نتيجة المجهود الإنساني. ومصدرها العمل، وتُقاس بالسُّعر الحراري الضروري.

وعلى هذا النحو لا تَعارُض بين الثروة والقيمة؛ فالشيء يمكن أن يكون قيمة وثروة في نفس الوقت؛ فالكوب قيمةٌ متجسدة وثروةٌ اجتماعية. بيد أن عدم التعارُض ذلك لا يمنع ثلاثة أمور:
  • أن يكون الشيء قيمة دون أن يكون ثروة؛ فالخمر، في بلدٍ تُحرِّمها ومن ثم تُهدِرها اجتماعيًّا، لا تُعد ثروة.

  • أن يكون الشيء ثروة دون أن يكون قيمة، كما هِبات الطبيعة، مثل الطاقة الشمسية ومياه البحار والأنهار … إلخ.

  • أن تزيد الثروة وتنخفض القيمة في نفس الوقت؛ فلو افترضنا أن ١٠٠٠ طنٍّ من الحديد تُنتَج ﺑ ٢٠٠٠ (س. ح. ض)، ثم ظهر فنٌّ إنتاجي جديد يتيح إنتاج ضعف كمية الحديد بنفس كمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا، فهذا يعني أن الثروة زادت اجتماعيًّا من ١٠٠٠ طنٍّ إلى ٢٠٠٠ طنٍّ، وفي نفس الوقت انخفضت قيمة طن الحديد من ٢ «س. ح. ض» إلى ١ «س. ح. ض»، وذلك ليس إلا أحد تطبيقات القانون العام للقيمة.

الفرق بين القيمة والثمن

لو افترضنا أن الثمن يُعبَّر عنه بوحدات من الذهب، وأن قيمة الوحدة الواحدة تساوي ٥٠ «س. ح. ض» أي يبذل في سبيل إنتاج الوحدة الواحدة ٥٠ «س. ح. ض» فقد يأتي الثمن مُعبِّرًا على نحوٍ منضبط عن القيمة الاجتماعية للمنتوج، وقد يأتي دون ذلك؛ فالسلعة «أ» التي قيمتها الاجتماعية ٥٠ «س. ح. ض» حينما تُعبِّر عن نفسها في صورة ٥٠ وحدة من الذهب/النقود، فإنها تكون قد عبَّرت، بمظهرٍ نقدي، عن قيمتها الاجتماعية على نحوٍ منضبط؛ هذا الثمن، المنضبط، المُعبِّر بدقة عن القيمة الاجتماعية نُسمِّيه الثمن الاجتماعي. أما إذا عُبِّر عن القيمة الاجتماعية بوحدات من الذهب/النقود أكبر أو أقل من الثمن الاجتماعي فسنكون أمام ثمن السوق.

٤

وعلى أساس من معرفتنا بماهية القيمة ومقياسها، وما تُقدَّر به، يمكننا التعرُّف إلى مُنظِّم القيمة. ومنظم القيمة هو المتحكم في قدْر القيمة؛ هو الضابط للكميات المتبادَلة. هذا المنظم، على صعيد القيمة، هو كمية الطاقة الضرورية؛ فكما أن البعد بين طرفَي الشيء هو مُنظِّم الطول؛ أي كلَّما ازداد هذا البعد ازداد الطول، وكلَّما قلَّ هذا البعد كلَّما قلَّ الطول، فهكذا القيمة؛ فكل زيادة في كمية الطاقة الضرورية تؤدي إلى زيادة في القيمة، كما أن كل انخفاض في كمية هذه الطاقة يؤدي إلى انخفاض في القيمة،١٨ فكمية الطاقة كمُنظِّم للقيمة هي إذن الضابط والمتحكم في القيمة. بيد أن هذه الطاقة الضرورية والتي تنظم القيمة لا تقتصر، وكما ذكرنا، فحسب على الطاقة الحية، المباشرة، بل تشمل كذلك الطاقة الضرورية المُختزَنة في مواد وأدوات العمل.١٩

٥

في إطار تكوين الوعي بماهية القيمة ومقياسها ووحدة قياسها، ومُنظِّمها، على نحوِ ما بيَّنا أعلاه، يتعين أن ندرك أن العامل حينما يذهب إلى مصنع الرأسمالي، وطبقًا لعقد العمل المبرم بينه وبين الرأسمالي، لا يقوم ببيع عمله للأخير، إنما يقوم، وفقًا لماركس كما سنبين لاحقًا، ببيع قوة عمله. والفارق بين بيع العمل وبيع قوة العمل هو سبب استمرار الرأسمالية كنظامٍ اجتماعي؛ فالرأسمالي والعامل المأجور طبقًا للعلاقة الحقوقية بينهما يلتزم كلٌّ منهما تجاه الآخر بالتزامٍ محدد، الرأسمالي يلتزم بأن يدفع الأجر للعامل لكي يعمل، ويظل على قيد الحياة، ويجدد إنتاج طبقته. وفي المقابل يُقدِّم هذا العامل معادل أجره، بالإضافة إلى عملٍ زائد دون مقابل. وكأن الرأسمالي يقول للعامل، وإعمالًا لأحكام عقد العمل: «إذا أردت أن تعيش، عليك أن تقدم لي عملًا زائدًا. نعم سأعطيك ما يسدُّ رَمَقك. ولكني لستُ مجبرًا على ذلك إلا إذا قدَّمتَ لي بالمقابل عملًا زائدًا لا أدفع عليه أجرًا، ويكون هذا هو المقابل الذي تؤديه لي نظير أني أجعلك باقيًا على قيد الحياة بما أدفعه لك من هذا الأجر.»

هذه العلاقة الحقوقية تعني، وبالأساس، أن الرأسمالي يدفع للعامل ما يجعله قادرًا على إنتاج القيمة؛ ولكنه في الحقيقة يأخذ منه القيمة التي أنتجها، والفارق بين ما دفعه الرأسمالي للعامل وما حصل عليه فعلًا، يستأثر هو به كقيمة زائدة.٢٠
ولتوضيح الفكرة نضرب المثل الآتي: فلنفترض أن المجتمع يبدأ عملية الإنتاج وتحت يده مليار سُعرٍ حراريٍّ ضروريٍّ عبر عنها بمليار وحدة من الورق الملون، وقد أُثبت بكل ورقة أنها تمثل ١ «س. ح. ض»، ويستطيع الحامل لأي ورقة من هذه الأوراق أن يتخلَّى عنها ويحصل في مقابلها على وحدةٍ واحدة من مادةٍ غذائيةٍ ما، أُنفق في سبيل إنتاجها ١ «س. ح. ض». والآن، سوف يقوم الرأسمالي بتحويل ٦٠٠ مليون ورقةٍ ملونة تمثل ٦٠٠ مليون «س. ح. ض» إلى وسائل إنتاج «مواد عمل، وأدوات عمل» على النحو التالي: ٣٠٠ مليون ورقةٍ ملونة لشراء مواد العمل؛ إذ سيقوم الرأسمالي بإعطاء منتجي المواد الخام والمساعدة ٣٠٠ مليون ورقة ملونة تمثل ٣٠٠ مليون «س. ح. ض» ويأخذ منهم في المقابل ما يحتاج إليه من مواد العمل، الخام والمساعدة، أما اﻟ ٣٠٠ مليون ورقة ملونة الأخرى والتي تمثل ٣٠٠ مليون «س. ح. ض» فسوف يقوم الرأسمالي بإعطائها إلى منتجي أدوات العمل؛ ويأخذ منهم في المقابل ما يحتاج إليه من أدوات. وبعد أن يكتمل لدى الرأسمالي ما يحتاج إليه من المواد والأدوات، يقوم بشراء قوة العمل؛ يتعاقد مع العمال كي يقوموا بتحويل المواد من خلال الأدوات إلى منتجات، ويدفع الرأسمالي لهؤلاء العمال٤٠٠ مليون ورقة ملونة تمثل ٤٠٠ مليون «س. ح. ض». والعمال الذين حصلوا لِتوِّهم على ٤٠٠ مليون ورقةٍ ملونة سوف يقومون بالعمل كي تعود المليار وحدة من الورق الملون إلى الرأسمالي إنما في صورة سلع قيمتُها مُكوَّنة من قيمة المواد + قيمة الأدوات + قيمة قوة العمل؛ أي «٣٠٠ + ٣٠٠ + ٤٠٠». ولكن توقُّف العملية عند هذا الحد غير مُجدٍ على الإطلاق بالنسبة للرأسمالي؛ فلقد أنفق الرأسمالي مليار وحدة في صورة ورقٍ مُلوَّن، ورجعت له نفس المليار وحدة في صورة سلع. وهي نتيجة لو كان الرأسمالي يُقدِّرها سلفًا ما كان ليتخذ قرار الإنتاج؛ ومن ثَمَّ يجب أن يُنتج العمال في مصنعه قيمةً تفوق تلك القيمة التي حصلوا عليها. ينتجون طاقةً زائدة. والرأسمالي يعلم ذلك سلفًا، بل إن عقد العمل المبرم مع العامل قائم بالأساس على هذه الحقيقة؛ فالعامل يستطيع بورقةٍ ملونة واحدة، على سبيل المثال، أن يشتري مادةً غذائيةً ما، بُذل في سبيل إنتاجها ١ «س. ح. ض» مثلًا، ولكنها تمنحه ١٠ «س. ح. ض» تُمكِّنه من العمل لمدة ٨ ساعات، بل ربما أمدَّته بالطاقة لمدة يومٍ كامل مُؤلَّف من ٢٤ ساعة؛ فبافتراض أن كل ورقة ملونة تعطي١٠ «س. ح. ض»، وبافتراض كذلك، وهو افتراض للتبسيط بالطبع، أن اﻟ ١٠ «س. ح. ض» بمثابة الحد الأدنى لبقاء العامل حيًّا قادرًا على العمل. فهذا يعني أن العمال تلقَّوا من الرأسماليين ٤٠٠ مليون «س. ح. ض» ولكنهم ردُّوا لهم نفس اﻟ ٤٠٠ مليون «س. ح. ض» في صورة منتجات، بالإضافة إلى ٣٦٠٠ مليون «س. ح. ض» في صورة منتوجٍ زائد. قيمة زائدة. فالرأسمالي يعطي العامل الورقة الملونة مقابل ٨ ساعات عمل، وخلال الساعات اﻟ ٨ لا يبذل العامل ١ «س. ح. ض» إنما ١٠ «س. ح. ض» هذا الفارق بين ما دفعه الرأسمالي وبين ما حصل عليه هو القيمة الزائدة. والتي بدونها يكُفُّ الرأسمالي عن الاستثمار، بل ويتوقف المجتمع عن تجديد إنتاجه. نلاحظ هنا أن «مواد العمل وأدوات العمل» دخلَت عملية الإنتاج وتجسَّدَت في المنتوج بقدْرِ ما استُهلك منها.٢١ أي ٦٠٠ مليون وحدة. وما يُقال بالنسبة لوسائل الإنتاج يُقال بالنسبة للضرائب، والدعاية … إلخ، جميعها لا تضيف إلى المنتوج قيمةً أكبر، ولا أقل، من قيمتها.

مثالٌ ثانٍ: نحن نعرف أن العامل الذي يعمل في مصنع للصناعات الخفيفة يحتاج إلى ١٤٠٠ «س. ح. ض»؛ فلو افترضنا أن هذا العامل يعمل في يوم عملٍ مؤلَّف من ٨ ساعات في مصنع لإنتاج الحلاوة الطحينية، ويُنتِج ١٤٠٠ قطعة، وزنُ كل قطعةٍ ١٠٠ جرام، تعطي كل واحدةٍ منها ٥٠٠ «س. ح. ض» تقريبًا، فمعنى ذلك أن كل قطعة من هذا المنتَج تحتوي على واحد «س. ح. ض» وحينما يقوم عامل البناء، الذي يحتاج إلى١٤٠٠ «س. ح. ض» بشراء واستهلاك ٣ قطع، فإنه يحصل على ١٥٠٠ «س. ح. ض»، تُمكِّنه من العمل خلال يومٍ مؤلَّفٍ من ٨ ساعات، يُنفِقها أثناء البناء ومن ثَمَّ تتجسَّد في المنتوج. ولكن الرأسمالي لم يدفع للعامل قيمة عمل البنَّاء؛ لم يدفع الرأسمالي اﻟ ١٥٠٠ «س. ح. ض» التي سوف يُنفِقها عامل البناء، بل قام الرأسمالي فحسب بدفع قيمة اﻟ ٣ «س. ح. ض» التي أُنفقَت في سبيل إنتاج المادة الغذائية التي بإمكانها إعطاء البنَّاء اﻟ ١٥٠٠ «س. ح. ض»؛ وعليه، فإن الرأسمالي سيقوم بدفع ٣ «س. ح. ض» ولكنه سيحصل من البنَّاء على ١٥٠٠ «س. ح. ض»، هذا الفارق، وكما ذكرنا، يستأثر به الرأسمالي كقيمةٍ زائدة يقوم بتركيمها لتجديد الإنتاج على نطاقٍ متسع.

ولتقريب الفكرة أكثر بوحدات النقد، التي كانت الورق الملون في مثلنا أعلاه، وبمثالٍ آخرَ بسيطٍ للغاية، وواقعيٍّ جدًّا، فإن عامل المصنع الذي يتناول عدة جرامات من حلاوة الطحين وكِسرةَ خبز لا تتجاوز قيمتهما ٣ جنيهات يمكن أن يعمل لدى الرأسمالي لمدة ٨ ساعات وينتج مئات الأضعاف من القيمة الاجتماعية لحلاوة الطحين وكِسرة الخُبز، والفارق يكون من نصيب الرأسمالي كقيمةٍ زائدة. والعامل عادةً، ولأنه يؤجَّر وفقًا لحد الكفاف، يشتري (أرخص) ما يمكن أن يعطيه (أعلى) درجة من الطاقة التي تُمكِّنه من العمل طوال يوم العمل؛ ولذا، يُعَد كلٌّ من الخبز والفول والبطاطس والباذنجان، وبالتبع الزيوت رخيصة الثمن، من أهم أنواع الغذاء لدى الطبقة العاملة؛ إذ تتميز أثمان هذه السلع بالرخص النسبي، كما أنها تُعطي للعامل، بل ولأسرته، أعلى الدرجات من السُّعرات الحرارية التي تُمكِّنه، وتُمكِّنهم، من البقاء على قيد الحياة من أجل إنتاج قيمةٍ زائدة؛ متجسدة في منتوجٍ زائد، يدفع بها إلى خزائن الرأسمالي الذي بدوره يراكمها من أجل تجديد إنتاجه على نطاقٍ متسع.

فإذا تغلغلنا في عمق عملية الإنتاج الرأسمالي، وقمنا بتحليل علاقاتِ قُوى الإنتاج عند أعلى مستوًى من مستويات التجريد، فسنجد أن السلعة، وفقًا للأمثلة الثلاثة أعلاه، لم تصبح نتيجة العمل الحي (الذي يتمثل في قوة العمل) والعمل المختزن (الذي يتجسد في مواد العمل وأدوات العمل) فحسب، بل صارت نتيجة: العمل الحي الذي يبذله العمال + العمل المختزن في المواد والأدوات بل وفي العمال أنفسهم + العمل الزائد (الذي هو عملٌ حيٌّ غير مدفوع الأجر)؛ وبالتالي تصبح قيمة السلعة، كما يصبح مُنظِّمها ووفقًا لقانون القيمة هو كمية الطاقة الضرورية الكليَّة؛ بمعنى العمل الاجتماعي (الحي والمختزن والزائد)؛ ومن ثَمَّ كلَّما زادت هذه الطاقة الضرورية الكليَّة كلما زادت القيمة، وكلما انخفضت تلك الطاقة كلما انخفضت القيمة.

تكوين القيمة، وبالتبع منظمها، لا يتغيران. هما فقط يتطوران من (العمل الحي) إلى (العمل الحي + العمل المختزن) ثم إلى (العمل الحي+ العمل المختزن+ العمل الزائد). ولسوف نرى في الباب الثاني أن تكوين القيمة، ومنظمها بالتالي، سوف يستكملان تطوُّرهما، عندما نُدخِل عنصر الزمن في التحليل.

٦

لقد افترضنا، في مثلنا الأول أعلاه، أن رأسماليًّا واحدًا فحسب هو الموجود في السوق؛ وبالتالي يستحوذ بمفرده على كل القيمة الزائدة التي ينتجها العمال. والآن نفترض أن السوق أصبح به ٤ رأسماليِّين، بدخول ٣ رأسماليِّين جُدد. ومع بقاء كتلة الربح المحددة بحجم الطلب الكلِّي كما هي (أي: مهما تدفَّق إلى السوق المزيد والمزيد من الرأسماليِّين ومهما ارتفع المعروض من السلعة المعنية، فلن يزيد المجتمع من استهلاكه منها) فسوف يقتسم الرأسماليون كتلة الربح وقدرها ٣٦٠٠ مليون وحدة، بحيث يحصل كل رأسمالي على ٩٠٠ مليون وحدة، وذلك بشرطٍ جوهري وهو أن الفن الإنتاجي السائد يتيح، بل ويجبر الرأسمالي على، تغيير تركيب رأسماله الإنتاجي من التوليفة «٤٠٠ + ٣٠٠ + ٣٠٠»؛ أي ٤٠٠ مليون وحدة لقوة العمل و٣٠٠ مليون وحدة لمواد العمل و٣٠٠ مليون وحدة لأدوات العمل، إلى التوليفة «١٠٠ + ٧٥ + ٧٥»؛ أي ١٠٠ مليون وحدة لقوة العمل، و٧٥ مليون وحدة لمواد العمل، و٧٥ مليون وحدة لأدوات العمل بحيث تستطيع التوليفة الأخيرة٢٢ أن تجني الربح وقدره ٩٠٠ مليون وحدة؛ وحينئذٍ تصبح قيمة المنتوج الكلِّي لكل رأسمالي مكونة من قيمة العمل الحي (١٠٠) + قيمة العمل المختزن (١٥٠) + قيمة العمل الزائد (٩٠٠) وهكذا تخرج السلعة من مصنع الرأسمالي بقيمتها الاجتماعية (١١٥٠ وحدة)، وفي السوق تبدأ رحلتها مع تقلُّبات الأثمان ارتفاعًا وانخفاضًا حول هذه القيمة الاجتماعية.

فلنفترض الآن أن رأسماليًّا جديدًا، خامسًا، دخل السوق ولكن بتقنيةٍ جديدة، ومن ثَمَّ بتوليفةٍ جديدة، ولتكن «٤٥ + ٢٥ + ٣٠»، فحينئذٍ سوف يحصد هذا الرأسمالي نصيبه من كتلة الربح (٣٦٠٠ ÷ ٥) أي ٧٢٠ مليون وحدة، ولكنه سيتفوق على أقرانه؛ لأنه يجني ربحه الوسطي ببذل أقل قيمة، في حين أن المشروعات الأربعة، بالتقنية القديمة والتوليفة القديمة، تجني أرباحها، التي ستنخفض من ٩٠٠ مليون وحدة إلى ٧٢٠ مليون وحدة؛ بفعل إعادة توزيع كتلة الربح الإجمالي على ٥ مشروعات بدلًا من ٤ مشروعات؛ فالمشروع الخامس، المنضم إلى السوق أخيرًا، ينفق ١٠٠ مليون وحدة ويحصل على ٧٢٠ مليون وحدة، وفي نفس الوقت يبيع سلعته وفقًا للقيمة الاجتماعية وهي ٩٧٠ مليون وحدة (التي تتكون من ٢٥٠ مليون وحدة قيمة قوى الإنتاج + ٧٢٠ مليون وحدة نصيب كل مشروع في كتلة الربح) أي إنه يجني ربحًا إضافيًّا (فرقيًّا) قدره ١٥٠ مليون وحدة؛ لأنه ينفق ١٠٠ مليون وحدة فحسب، وليس ٢٥٠ مليون وحدة، ويحصل على ٧٢٠ مليون وحدة. في حين أن كل مشروع من المشروعات الأربعة ينفق ٢٥٠ مليون وحدة، ويحصل على ٧٢٠ مليون وحدة.

هذا الوضع سيظل قائمًا، مؤقتًا، إلى أن تنتقل تدريجيًّا التقنية الجديدة وتوليفتها الجديدة إلى جميع المصانع حتى تتساوى توليفات المشروعات الخمسة وتصبح القيمة الاجتماعية مكونة من التوليفة: ٤٥ «ق ع» + ٢٥ «أ ع» + ٣٠ «م ع» + ٧٢٠ «ق ز» = ٨٢٠ مليون وحدة؛ ومن ثَمَّ تنخفض القيمة الاجتماعية (المتداولة) من ٤٦٠٠ مليون وحدة إلى ٤١٠٠ مليون وحدة فحسب، فلنلاحظ إذن أن ارتفاع الإنتاجية أدى إلى انخفاض القيمة الاجتماعية، مع بقاء جني المزيد من الأرباح الإضافية (كإمكانية) في إطارِ ضخِّ ٤٦٠٠ مليون وحدةٍ نقدية من قِبل السلطات النقدية.

٧

وفي مجرى الحياة اليومية تتخذ هذه السعرات الحرارية مظهرًا ماديًّا يتجسم في وحدات النقود. فالعامل في الواقع لا يقبض من رب العمل ٥ «س. ح. ض»، إذ ما استثنينا نظام الوجبات، إنما يقبض عددًا من الوحدات النقدية التي تُعبِّر كل وحدةٍ منها عن عددٍ محدد من «س. ح. ض». ومَن يحمل هذه الوحدات، ذات القوة الشرائية للسعرات الحرارية، بإمكانه أن يبادلها مباشرة مع بائع المواد الغذائية (الخضروات، والفاكهة، واللحوم … إلخ) والتي تمدُّه بعددٍ معين من «س. ح. ض»، أو مبادلتها مع الطبيب في سبيل الحصول على العلاج، أو مع المعلم في سبيل تعليم أبنائه، أو مع المحامي من أجل الدفاع عنه في دعوى ما؛ إذ لا شك في أن كلًّا من البائع والطبيب والمعلم والمحامي، وغيرهم، جميعهم يحتاجون إلى عددٍ محدد من «س. ح. ض»؛ كي يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة. وهؤلاء أيضًا بدورهم حينما يتلقَّون هذه الوحدات النقدية المعبرة عن عددٍ معين من «س. ح. ض»، يستطيعون أن يحصلوا بواسطتها مباشرة على السُّعرات اللازمة من بائع المواد الغذائية، أو مبادلتها بما يحتاجون إليه هم أيضًا من أشياء أخرى، كالملبس، والمسكن، والعلاج … إلخ؛ من أجل تجديد إنتاج أنفسهم وتجديد إنتاج طبقتهم.

٨

إذا فهمنا الخطوط العريضة للقوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج الرأسمالي، وفهمنا طبيعة العمل المأجور، وطبيعة الأجر نفسه، على نحوِ ما بيَّنا، فيتعين أن نذكر أننا نمُد هذه القوانين الموضوعية لتشمل كل مَن يُنتج قيمةً زائدةً سواءٌ أكان عامل المنجم، أم أستاذ الجامعة.

وعلى الرغم من توافُق ما وصلنا إليه مع ما انتهى إليه علم الاقتصاد السياسي، تحديدًا بشأن العمل الزائد، فإن الاعتداد بالسُّعرات الحرارية كوحدة قياس إنما يفيدنا لا فحسب في المقارنة بين الأعمال المختلفة من ناحية الشدة والبراعة، أو في إيجاد مقياسٍ ثابت، ومن ثَمَّ وحدةِ قياسٍ ثابتة، للقيمة. إنما يفيدنا كذلك في توسيع مفهوم العمل المنتج الذي يقوم بإنتاج القيمة الزائدة؛ فدائمًا ما تقف صعوبة قياس المجهود المتجسد في قطاع الخدمات عقبة كَئودًا أمام الاقتصاد السياسي في سبيل اعتبار العامل في هذا القطاع منتجًا لقيمةٍ زائدة، بل وإخراج العمل في هذا القطاع من دائرة العمل المنتج بالأساس؛ بالاستناد إلى حُجتَين: الحُجة الأولى هي أن هذا العمل لا يُضيف قيمة. أما الحُجة الثانية فهي أن ذلك العمل يفنى في لحظة أدائه.

«هناك نوع من العمل يضيف قيمة للمادة التي يُبذل فيها. وهناك نوعٌ آخر من العمل لا يضيف قيمة. النوع الأول نُسمِّيه عملًا منتجًا؛ لأنه ينتج قيمة. أما النوع الثاني فهو عملٌ غير منتج، ولكن يجب ألا ننسى أن عمل هؤلاء (يقصد الفئة غير المنتجة مثل خدم المنازل، والحكام، وقادة الجيش، إلخ. م.ع.ز) له قيمته، ويستحق التعويض مثل الفئة الأُولى (يقصد الفئة المنتجة مثل الصناع والحرفيين، م.ع.ز) غير أن عمل الصانع يثبُت ويتحقق في مادةٍ معينة أو سلعةٍ تُباع ويظل لمدة من الزمن بعد أن ينتهي العمل. بالمقابل لا يمكن لعمل الخدم أن يثبت ويتحقق في أي مادة، بل تفنى خدماته في لحظة انتهاء أدائها» (آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الثاني، الفصل الثالث).٢٣

الاقتصاد السياسي إذن كان يؤمن بأن التفرقة بين العمل المنتج والعمل غير المنتج هي تفرقة بين العمل المنتج للثروة المادية والعمل غير المنتج لهذه الثروة المادية؛ ومن ثَمَّ فإن عمل النجار، على سبيل المثال، يُعد عملًا منتجًا، ولكن عمله في سبيل اكتساب مهارات النجارة لا يُعد عملًا منتجًا! وتلك المفارقة جعلت جون ستيوارت مِلْ يعيد النظر في المصطلح، مبرزًا خطأ الاقتصاد السياسي حينما:

«أقام أفكارًا كبرى على مفاهيمَ رخوة ابتداءً من تصنيفاتٍ تعسفية.»٢٤
وبالتالي اعتبر مِل العمل المبذول في سبيل اكتساب المهارات الممكنة من إنتاج الثروة المادية من قبيل العمل المنتج. ولكن، تلك الإضافة التي قدَّمها مِلْ يمكن، في تصوري، أن تفضي إلى نتائجَ غير مألوفة؛ لأنها سوف تؤدي إلى اعتبار العمل الذي يقوم به الشخص من أجل تعلُّم الهندسة المعمارية من قبيل العمل المنتج، ولكن العمل الذي يقوم به الشخص من أجل تعلم الطب لا يُعد كذلك. وهي تفرقةٌ لا تستند إلى أي مبرِّرٍ علمي؛ ولذلك أذهب إلى اعتبار العمل منتجًا إذا كان من شأنه أن يزيد القيمة في حقلَي الإنتاج المادي والخدمي، وأعتبر ازدياد القيمة شرط تحقق مصطلح (العمل المنتج) أما العمل الذي لا يُسهم في خلق القيمة وزيادتها فلا أعتبره عملًا منتجًا، إنما هو محض مجهودٍ إنساني.٢٥ العمل المنتِج إذن هو كل مجهودٍ إنساني يزيد القيمة في حقلَي الإنتاج؛ فالطبيب الذي يعمل في إحدى المؤسسات بأجر، يُعد عاملًا منتِجًا كما العامل الذي يعمل في مصنع للحديد والصلب. الاثنان مأجوران وينتجان قيمةً زائدة؛ فالرأسمالي، صاحب المؤسسة أو المصنع، يشتري قوة عمل، لا عمل، الطبيب أو العامل ويوفِّر لهما وسائل الإنتاج وفي نهاية اليوم أو الشهر يدفع لهما الأجر بغض النظر عن الحالات التي عالجها الطبيب، والمنتجات التي أنجزها العامل. وهنا تبرُز الأهمية العملية، لا الأهمية العلمية فحسب، لاستخدام السعرات الحرارية كوحدة قياسٍ ثابتة في أنها تُمكنَّا من معرفة قيمة كل عمل في قطاع الخدمات (الطبيب المأجور)، كما في قطاع السلع المادية (عامل المصنع) وبالتالي معرفة مقدار القيمة الزائدة المنتَجة سنويًّا داخل الاقتصاد القومي.

•••

ولكي يكتمل تعرفنا إلى المادة الخام لعلمنا، بعد أن تعرَّفْنا إلى القانون العام الذي تتمفصل حوله ظواهر الإنتاج والتوزيع، فيتعين الانتقال منهجيًّا لدراسة قوانين حركة الرأسمال الحاكمة لتجديد الإنتاج الاجتماعي وتوزيعه.

١  ذكرنا سلفًا في الفصل الثاني، هامش «٢»، أن الشيء هو كل موجودٍ ثابت متحقق يصح أن يُتصور ويُخبر عنه سواء أكان حسيًّا ماديًّا أم معنويًّا متخيلًا. والشيء، على هذا النحو، أعم من المنتوج. وما ننشغل به هو الشيء الذي يكون نتيجة العمل ويُسمَّى المنتوج. ونُفرِّق هنا بين المنتوج، الذي يكون من أجل الإشباع المباشر، والسلعة، التي هي منتوجٌ تمَّ إعداده للطرح في السوق، للتبادل، للبيع، للربح. وسوف نستعمل مصطلح المنتوج/المنتج، على الأقل في المراحل المنهجية الأولى من أبحاثنا بُغية الحفاظ على مستوى التجريد الذي نستخدمه.
٢  على أن نُفرِّق بين المجهود الإنساني الذي يتجسد في المنتوج كقيمة، وبين عملية البذل الفعلي لهذا المجهود كعمليةٍ قد يتم من خلالها خلق القيمة، أو لا يتم؛ فعمل البائع في المتجر على سبيل المثال، وكما سنرى، لا يخلق قيمة.
٣  يخلط د. علي وافي (١٩٠١–١٩٩١م)، بين القيمة وتقدير القيمة، حين يكتب: «فالحكم على الشيء بأنه ذو قيمة شبيه بالحكم عليه بأنه صغير أو كبير أو خفيف أو ثقيل؛ لأن الحكم عليه بواحد من هذه الأوصاف يتطلب الموازنة بينه وبين شيءٍ آخر.» انظر: علي عبد الواحد وافي، «الاقتصاد السياسي» (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، ١٩٤٦م)، ص١١. والواقع هو أننا لم نكن لنُقدِّر الثقل كما سنرى بالمتن؛ إذ لم يثبت الثقل نفسه ابتداءً كخصيصة. وكذلك القيمة؛ إذ لا يكون قياس القيمة ومن ثمَّ تقديرها، بل «وموازنتها» كما يقول د. وافي، إلا في مرحلةٍ تالية لتُحقِّق خصيصة القيمة ذاتها ابتداءً.
٤  حتى ذلك غير صحيح؛ لأن القيمة في جوهرها هي كمية عملٍ متجسد في المنتوج. وحينما يقول ماركس إن القيمة تُقاس بكمية العمل، فكأنما يقول: إن القيمة تُقاس بالقيمة! أو إن كمية العمل المتجسد تُقاس بكمية العمل المتجسد! وهو قولٌ لا معنى له!
٥  وكأن علم الاقتصاد السياسي يعتنق نفس تصورات جَدِّنا الأول في الزمن البدائي الذي لم يستطع ذهنه الذهاب أبعد من استخدام طول يوم العمل لتقدير مجهوده وقياس قيمة منتوجه؛ فهو يقيس قيمة صيده بالوقت الذي أنفقه في قنص الطريدة بالإضافة إلى الوقت الذي أنفقه في صنع أداة الصيد، الحربة مثلًا، ثم يبادل صيده على هذا النحو، بمنتوجٍ آخر أُنفق في سبيل إنتاجه نفس الوقت.
٦  الأصل اللغوي لكلمة Value، في اللغة اللاتينية Valeo وتعني: القوة، الإقدام، الصلابة، انظر: “Oxford Latin Dictionary” (Oxford: Oxford University press, 1996). p. 796–8.
وفي اللغة الأكدية القديمة Pelu وتعني قوي، ثور، دراهم، ثمن، قيمة. وفي اللغة الكنعانية Paal وتعني قوي، سيد، رب، إله. انظر: عامر سليمان، «اللغة الأكدية: البابلية-الآشورية، تاريخها وتدوينها وقواعدها» (بيروت: الدار العربية للموسوعات، ٢٠٠٥م)، ص٣٥٩. ويمكننا أن نلاحظ هنا أمرَين؛ أولهما: أن الكلمة تدل، ضمن ما تدل، على القوة البدنية والمعنوية، والصمود وبذل الجهد في سبيل أمرٍ شريف. ثانيهما: يتم الخلط بين القيمة والثمن، ويتأكد هذا الخلط في اللغات الأوروبية الحديثة؛ إذ تعني Value في الإنجليزية وValeur في الفرنسية: القيمة، الثمن، الثروة، وإن كان المعنى أكثر وضوحًا، في مرحلةٍ متقدمة تاريخيًّا، في قاموس أكسفورد، وتأثرًا بآدم سميث؛ حيث الإشارة إلى عنصرَي المنفعة والمبادلة، وقدرة السلع على شراء بعضها البعض. للمزيد من التفصيل، انظر: Clifton & Laughlin, “Nouveau Dictionnaire” (Paris: Librairie Grainer présures 1904), p. 626. Jean-Paul Colin, “Dictionnaire Des Difficultés du Française” (Paris: Les Usuels du Robert, 1977), p. 775. H. W. Fowler & F. Fowler, “The Concise Oxford Dictionary of current English” (Oxford: Oxford University press, 1939), p. 1361.
أما علماء اللغة العربية وفقهاء الأصول، فالقيمة لديهم: «أن يدفع الرجل إلى الرجل الثوب فيُقوِّمه بثلاثين درهمًا ثم يقول: بعه، فما زاد فهو لك. والقيم، وأصله الواو لأنه يقوم مقام الشيء، والقيمة ثمن الشي بالتقويم.» انظر: ابن منظور، «لسان العرب» (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٩٩٤م)، ج٥، ص٤٠٢، ونقل عنه البستاني، انظر: «فاكهة البستان» (بيروت: المطبعة الأمريكانية، ١٩٣٠م)، ص١٣١٢. ويمكننا ابتداءً من كلام ابن منظور أن نجد اتفاقًا بين القدماء من الفقهاء المسلمين على الخلط بين القيمة والثمن، من ناحية، وبين القيمة ومقياس القيمة من ناحيةٍ أخرى؛ فقد أجمعوا تقريبًا على أن القيمة هي: «ما يُقدَّر به الشيء حسب سعره في السوق.» انظر: «شرح المحلى» (٣: ٢٤٨)؛ «بدائع الصنائع» (٤: ٥١)؛ «فتح القدير» (٧: ٤٣٧)؛ «شرح الزرقاني» (٦: ٢٠٨). وللتهانوي الحنفي (القرن الثامن عشر) في «كشاف اصطلاح الفنون»، تعريف يبدو ظاهريًّا أنه يُفرِّق، بوعي، بين القيمة والثمن، ولكنه في التحليل النهائي يخلط بين عدة مصطلحات؛ فهو يخلط أولًا بين الثمن الاتفاقي والثمن الجاري، ثم يخلط، ثانيًا، بين الثمن الجاري والقيمة؛ فقد كتب في اصطلاح الفنون: «الثمن بفتحتَين، هو ما يلزم بالبيع وإن لم يُقوَّم به؛ فالقيمة ما قُوِّم به مُقوَّم، والثمن قد يكون مساويًا للقيمة، وقد يكون زائدًا منه، وقد يكون ناقصًا عنه. والحاصل أن ما يُقدِّره العاقدان، بكونه عِوضًا للمبيع، في عقد البيع يُسمَّى ثمنًا، وما قدَّره أهل السوق وقرَّروه فيما بينهم، وروَّجوه في معاملاتهم، يُسمَّى قيمة.» انظر: التهانوي الحنفي، «كشاف اصطلاح الفنون»، وضع حواشيه أحمد حسن بسبح (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٨٨م)، ج١، ص٢٤٠. بيد أننا في مرحلةٍ متقدمة تاريخيًّا نجد تفرقةً لدى ابن عابدين (١٧٨٤–١٨٦٣م)، في «حاشيته» بين القيمة والثمن، وكأن التفرقة بين القيمة ومظهرها النقدي، الذي يُطلق عليه الثمن، صارت ضرورةً تاريخية ملحة؛ فلقد كتب الشاطبي، إنما مع الخلط بين القيمة ومقياسها: «الثمن هو ما تراضى عليه المتعاقدان سواء أزاد على القيمة، أو نقص، وأما القيمة فهي ما قُوِّم به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان.» انظر: «رد المحتار على الدر المختار» (٤: ٥١)، وقد أخذ صاحب «مرشد الحيران»، حرفيًّا، بتعريف ابن عابدين في «رد المحتار» في المادة ٣٢٠. انظر: محمد قدري، «مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان» (القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية، ١٨٩١م)، ص٥١. ونلاحظ أن العقل العربي، وفي لحظاتٍ استثنائية، خلال هذا التاريخ من الخلط، لن يتمكن من تحليل ظاهرة القيمة إلا حينما يتحرر، وكما ذكرنا، من سلطة الذهن الفقهي؛ فلدى ابن خلدون: «لا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب أو متمول؛ لأنه إن كان عملًا بنفسه مثل الصنائع فظاهر وإن كان من مقتنى الحيوان والنبات والمعدن فلا بد فيه من العمل الإنساني، وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع، فإن كثُرت الأعمال كثُرت قيمها.» ثم يرى أن الأشياء تُنتَج ابتداءً من احتياج الناس إليها أي إنه يعتد بحال أو بآخر بالمنفعة كشرط للقيمة: «أن الصنائع إنما تستجد إذا احتيج إليها وكثر طلبها.» ويكاد يصل إلى ضفافِ ما سوف يُصطلح على تسميته فيما بعدُ «القيمة الزائدة»، حينما ذهب إلى أن: «صاحب الجاه مخدوم بالأعمال؛ فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته، فتحصل قيم تلك الأعمال كلها من كسبه وجميع معاشاته؛ أن تُبذل فيه الأعواض من العمل، يستعمل فيها الناس من غير عوض، فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه.» للمزيد من التفصيل، انظر: ابن خلدون، «المقدمة»، الفصل الخامس. وعند المقريزي: «أن النقود التي تكون أثمانًا للمبيعات وقيمًا للأعمال.» انظر: المقريزي، «شذور العقود في ذكر النقود»، تحقيق محمد عبد الستار (القاهرة: مطبعة الأمانة، ١٩٩٠م)، ص١٥٧. ولدى ابن الأزرق (١٤٢٧–١٤٩١م): «أن الله تعالى خلق حجرَي الذهب والفضة من المعدنيات قيمة جميع المتمولات.» انظر: ابن الأزرق، «بدائع السلك في طبائع الملك»، تحقيق علي سامي النشار (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر، ٢٠٠٨م)، ج٢، ص٧١٧. وعلى مذهب ابن خلدون يرى ابن الأزرق أيضًا: «أن الكسب هو قيمة الأعمال الإنسانية، أما بالصانع فظاهر، وأما ما ينضم لبعضها كالخشب مع النجارة والغزل مع الحياكة، فالعمل فيه أكثر فقيمته أزيد، وأما بغيرها، فلا بد في قيمته من قيمة العمل الذي به حصوله. نعم، ربما يخفَى ملاحظته، كما في أسعار الأقوات في الأقطار التي لا خطر لعلاج الفلح فيها، لخفة مئونته، فلا يشعر بها إلا القليل من أهل الفلح.» انظر: ابن الأزرق، «بدائع السلك» (٢: ٧١٧).
٧  وعلى نهج ماركس، كتب جارودي: «إن آلية السوق العفوية تتيح إمكانية قيام علاقاتٍ جديدة؛ فساعةٌ واحدة من عمل الميكانيكي ستعادل عمل ساعةٍ ونصفِ ساعة من عمل الحائك وهكذا دوالَيك.» انظر: روجيه جارودي، «كارل ماركس»، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: دار الآداب، ١٩٧٠م)، ص٢٠٩. ولكننا هنا أيضًا، ولأننا ابتعدنا عن العلم، لا نعرف على أي أساس قامت آلية السوق العفوية تلك بمعادلة ساعة عمل الميكانيكي بساعة ونصف من عمل الحائك!
٨  حينما يحول الجسم الغذاء إلى حركة تتولد حرارة، طاقة، وحدة قياسها هي السعر الحراري؛ وعليه، فإن الطاقة هي القدرة (القوة) التي تمكِّن الجسم من القيام بالعمليات التي تحافظ على حياته، وهي ليست عنصرًا غذائيًّا بل هي نتاج التمثيل الغذائي للعناصر الغذائية. وعلميًّا يُعرف السُّعر الحراري بأنه كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة ١ جرام من الماء ١ درجة مئوية، أما السعر الكبير، فهو كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة ١كجم ماء بمقدار ١ درجة مئوية.
٩  Calorimeter وهو جهاز له أنواعٌ عديدة، ويتم استخدامه لقياس كمية الحرارة الناتجة عن التفاعلات الكيميائية. ويمكن للقارئ أن يجد التفاصيل العلمية الدقيقة في المؤلفات التي تتناول مبادئ علوم الغذاء، والطبيعة، والكيمياء. انظر: Marion Bennion, “Introductory Foods”, 7 edition (New York: Macmillan Publishing Co, 1974), pp. 123 Ff. Allan Camron and Yvonne Collymore, “The Science of Food and Cooking” (London: Edward Arnold, 1979), pp. 6543–7654. Robert Weber, “Heat and Temperature Measurement” (New York: Prentice-Hall, Inc, 1950), Chapter 10, Calorimetry. pp. 171–89. D. Fenna, “Elsevier’s Encyclopedic Dictonary of measures” (Amsterdam: Elsevier Science B.V., 1998), p. 72. “Handbook on Human Nutritional Requirements” (Geneva: W.H.O, 1974).
جون نيكرسون، لويس رونسيفالي، «أسس علم التغذية»، ط٢، ترجمة واصل محمد أبو العلا، وصبحي سالم بسيوني، مراجعة سعد الدين محمد مليحي (القاهرة: الدار العربية للنشر والتوزيع، ١٩٩٠م)، ص٢١٣–٢٤٣؛ إيزيس نوار، «الغذاء والتغذية»، ط٢ (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ٢٠٠٤م)، ص٢٨٥–٣١٧؛ ﻫ. لامب، «غذاؤك المثالي في نظر طبيب»، ط٨، ترجمة شاكر خليل نصار (بيروت: دار الشرق الأوسط، د.ت)، ص٢٨–٣٨. وانظر كذلك العمل الموسوعي، والذي لم تزل أبحاثه تحتفظ بقيمتها العلمية الرائدة على الرغم من تاريخها المبكر: “Temperature: Its Measurement and Control in Science and Industry”, Papers presented at Symposium held in New York City, November, 1939, under the auspices Of the American Institute of Physics (New York: Reinhold Publishing Corporation, 1941), Chapter 6, Temperature and its Regulation in Man. pp. 525–75.
١٠  ندما نتقدم في التحليل سوف نتعرف إلى العلاقة بين وحدة قياس القيمة وباقي وسائل المعيشة الضرورية.
١١  «تتعين قيمة الأجرة اليومية المتوسطة بما يحتاج إليه العامل من أجل العيش والعمل والتكاثر.» انظر: William Petty, “The Political Anatomy of Ireland with the Establishment for that Kingdom and Verbum Sapienti” (Shannon: Irish University Press, 1970), p. 86.
ومعنى ذلك: أولًا: أن طبقة العمال تجدد إنتاج نفسها بنفسها من خلال أحد أجزاء أجرها؛ وهي، على هذا النحو، تحقق بنفسها شرط بقاء واستمرار الطبقة الرأسمالية؛ فوجود طبقة العمال هو الذي يضمن بقاء واستمرار طبقة مالكي وسائل الإنتاج. على الرغم إذن من التناقُض بين العامل المأجور والرأسمال، فإن الأول يقوم بنفسه بتجديد إنتاج نفسه في سبيل بقاء واستمرار الثاني! ثانيًا: أن كل جيل من طبقة العمال، بالمفهوم العام للعامل، يُولد مدينًا للطبقة الرأسمالية؛ فقد تكفلت الأخيرة بالإنفاق على الأُولى، عَبْر الأجر المدفوع إلى الجيل القديم من الطبقة، حتى تم اكتمال الجيل الجديد وصار بالإمكان الدفع به إلى سوق العمل محلًّا للجيل القديم من طبقته؛ فالرأسمالية حينما تعطي للطبقة الحالية أجرها، تتخذ من العمل المختزن بداخلها محددًا لنفقة إنتاج بديلها الذي سوف يحل محلها في إنتاج القيمة الزائدة؛ وبالتالي تجد الرأسمالية من مصلحتها الإبقاء على الطبقة التي تستمد من بقائها وجودها الاجتماعي كطبقةٍ مسيطرة، بضمان تجديدها المستمر لنفسها بأحد أجزاء الأجر الذي تقوم بدفعه لها.
١٢  عندما نقول التبادل وفقًا لقانون القيمة، يتعين أن يكون مفهومًا، كما أكد ماركس ومن قبله سميث، أنه افتراض لا يعني سوى أن القيمة هي مركز الجاذبية الذي تدور حوله أثمان السلعة؛ فمن المهم هنا التأكيد على أن قانون القيمة لا يوجب إتمام التبادُل على نحوٍ منضبط؛ فهو لا يحقق دومًا تبادُل السلع بقيمها الاجتماعية، هو يكشف عن مركز الجذب ولا يبرز تأثيره بقوة إلا على فتراتٍ زمنية طويلة، وربما طويلة جدًّا.
١٣  هذان النوعان من الطاقة؛ أي المباشرة والمختزنة، هما في الواقع طاقة متجسدة في المنتوج النهائي. وسنعرف أن مُكَوِّنات المنتوج لا تقتصر على الطاقة المباشرة والمختزنة، إذ سيظهر في مرحلةٍ تالية فكريًّا ما يُسمى بالطاقة الزائدة. ومن الأنواع الثلاثة ستتكون القيمة الاجتماعية.
١٤  نقصد بقيمة السوق، كما هو بالمتن، القيمة التبادلية للمنتوج التي تأتي على نحوٍ غير دقيق لقيمته الاجتماعية؛ فلو تمت مبادلة المنتوج «ع» الذي استلزم ٢٠٠ «س. ح. ض»، بمنتوجٍ آخر «ك» استلزم ٣٠٠ «س. ح. ض»، فإن القيمة الاجتماعية للمنتوج «ع» ستكون ٢٠٠ «س. ح. ض»، أما قيمته في السوق فستكون ٣٠٠ «س. ح. ض». وعلى هذا النحو يختلف مفهوم قيمة السوق لدينا عن المفهوم، غير الدقيق، الذي سيُقدِّمه ماركس، ويقصد به، في تحليله النهائي، القيمة الاجتماعية! انظر: ماركس، «رأس المال»، الكتاب الثالث، الفصل العاشر.
١٥  يخلط د. علي وافي بين القيمة والقيمة التبادلية، حين يكتب: «إذ قلت إن هذا الشيء ذو قيمة، كان معنى ذلك أنه يساوي كذا من الأشياء الأخرى؛ فالعلاقات التي أُراعيها في الحكم على الشيء بأنه ذو قيمة هي علاقة تربط ذلك الشيء بشيءٍ آخر.» انظر: وافي، «الاقتصاد السياسي»، ص١١. والواقع أن «كذا» التي في النص، ليست القيمة، إنما هي القيمة التبادُلية.
١٦  ولذا؛ لا نأخذ بتعريف أستاذنا د. محمد دويدار للقيمة بأنها: «خصيصةٌ اجتماعية في السلعة تجعلها محلًّا للمبادلة، وهذه الخصيصة المشتركة تتمثل في أنها كلها نتيجة العمل العمل الاجتماعي المجرد. هذه الخصيصة المشتركة تجعلها قابلة للتبادل فيما بينها رغم اختلاف قيم استعمالها.» بتصرف يسير: محمد دويدار، «مبادئ الاقتصاد السياسي» (الإسكندرية: دار الفتح للطباعة والنشر، ٢٠١٦م)، ص٢١١؛ فالتعريف على هذا النحو يخلط بين القيمة المجردة، وبين شرط قدرة السلعة على المبادلة أو الإشباع؛ فمدى منفعة السلعة هي التي تجعل منها محلًّا للمبادلة أو الإشباع، وليس العمل الاجتماعي المجرد المبذول في إنتاجها، وهو المقصود بعبارة «خصيصة اجتماعية في السلعة»؛ فشرط القيمة هو العمل. أما شرط المبادلة أو الإشباع؛ أي الشرط الذي يحدد هل للسلعة قدرة على التبادل بسلعةٍ أخرى أو إشباع حاجةٍ إنسانيةٍ معينة أم لا، فهو مدى منفعتها.
١٧  يتعين هنا الوعي بأمرَين؛ أولًا: يمكن أن يكون للشيء قيمةٌ مجردة، ولكنه يفتقد القدرة على الإشباع والتبادل، وذلك في حالة عدم نفعه اجتماعيًّا. ولقد ذكرنا أعلاه أنه يفقد قدرته على الإشباع، ولا يفقد قيمته. ثانيًا: يمكن أن يكون الشيء بلا قيمة ومع ذلك يملك قدرة على الإشباع، كما الهواء ومياه الأنهار وأشجار الغابات.
١٨  «إذا كانت كمية العمل المتحقق في السلعة هي التي تُنظِّم قيمة مبادلتها فإن كل زيادة في كمية العمل يجب أن تزيد من قيمة تلك السلعة، كما أن كل انخفاض في هذه الكمية يؤدي إلى انخفاض القيمة.» انظر: ريكاردو، «المبادئ»، الفصل الأول. ولسوف نرى حينما نذهب لتحليل الجهاز الفكري لريكاردو أنه سوف يُدخِل تعديلًا حاسمًا على مذهبه في الفصل العشرين.
١٩  وسنعرف أيضًا بعد قليل أن مُنظِّم القيمة، عَبْر مراحل تطوره، لا يقتصر على الطاقة المباشرة والمُختزَنة فحسب، إنما ستدخل الطاقة الزائدة كذلك في تنظيم القيمة، كما ستدخل، وكما ذكرنا، في مُكوِّناتها.
٢٠  أتصوَّر أنه يجب أن يُنظر إلى إنتاج القيمة الزائدة نظرةً علمية، دون نعراتٍ ثورية مُغيبَّة؛ فهو ليس رذيلةً خالصة، كما يُقال، إن قيل، وإنما النظام الرأسمالي كقاعدة تعمل عليها جميع أشكال التنظيم الاجتماعي، لا يمكن أن يعمل بدونه؛ فهو القانون العام الحاكم لعمل الرأسمال، أيًّا ما كان الشكل الذي يتخذه وأيًّا ما كان حقل توظيف؛ ومن هنا يجب علينا، إن رغبنا في مستقبلٍ إنساني، مراجعة الخطاب الأيديولوجي غير العلمي ضد الرأسمال؛ لأنه مشوش ومعطل وليس بإمكانه دفع عجلات التاريخ؛ فأيًّا ما كانت شرور الرأسمالية (التي هي خضوع الإنتاج والتوزيع في المجتمع لقوانين حركة الرأسمال)، وهي بلا ريب بغيضة، كثيرةٌ ظاهرة، فيجب علينا إن أردنا الوعي والفهم؛ ومن ثَمَّ التغيير، أن نُقدِّر كل حضارة تقديرًا موضوعيًّا بعيدًا عن الأهواء وادعاء امتلاك ناصية الحقيقة الاجتماعية، ونبحث في الوقت ذاته عن القانون الموضوعي الحاكم لعمل النظام ككل. والقانون العام الذي افترض أنه يحكم عمل الرأسمالية (التي هي خضوع الإنتاج والتوزيع في المجتمع لقوانين حركة الرأسمال) هو قانون القيمة؛ وبفهم هذا القانون، فهمًا ناقدًا، نتمكن من فهم النظام بل والقضاء، قدْر الإمكان، على شره؛ ومن ثَمَّ رسم المشروع الحضاري لمستقبلٍ آمن لأجيال لم تأتِ بعدُ، ونتحمل أمامها المسئولية التاريخية كاملة. كتب محبوب الحق: «يكمن جوهر النمو في جعل الكادح ينتج أكثر مما هو مسموح له باستهلاكه لاحتياجاته المباشرة، وفي استثمار وإعادة استثمار الفائض الذي يتحقق عن هذا الطريق ولا يهم كثيرًا ماذا يختار المرء لتسمية هذا الفائض، سواء أكان قيمةً زائدة، كما كان ماركس يفعل عادة، أم مدخرات تكوينٍ رأسمالي كما يَرِد في مصطلحات التحليل الاقتصادي الحديث. كما لا يهمُّ كثيرًا من يمتلك هذا الفائض سواء أكان الرأسماليون، كما في اقتصاد المشروع الحر، أم الدولة، كما في الاقتصاد الشيوعي. ومن المفارقات أن النمو الاقتصادي قد حدث بطريقةٍ متماثلة تقريبًا في أمريكا وروسيا، على الرغم من الاتهامات بالاستغلال الرأسمالي، والاتهامات المضادة بطغيان الدولة. ومن المفارقات بدرجة أكبر أنه لا يوجد مفر من ظهور «القيمة الزائدة» حتى في دولة اشتراكية أو شيوعية، على الرغم من أن ماركس قد أدانه بحدة بوصفه ظاهرة رأسمالية». انظر: محبوب الحق، ستار الفقر: خيارات أمام العالم الثالث، ترجمة أحمد فؤاد بلبع، مقدمة إسماعيل صبري عبد الله (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٧م)، ص٢٧ و٢٨.
٢١  «أن وسيلة الإنتاج لا تعطي أبدًا للمنتوج قيمةً أكبر مما تفقده في عملية العمل. ولا تستطيع وسائل الإنتاج أبدًا أن تضم إلى المنتوج قيمةً أكبر من تلك التي تملكها هي، وذلك بغض الطرف عن عملية العمل التي تخدم فيها.» انظر: ماركس، «رأس المال»، الكتاب الأول، القسم الثالث، الفصل السادس.
٢٢  يتعين أن ننتبه إلى أن التوليفة المذكورة لم تنتج عن المتوسط الحسابي، كما سيفعل ماركس في نظريته في ثمن الإنتاج، وهو ما سوف نناقشه في حينه، بل نتجت عن هيمنة فنٍّ إنتاجيٍّ اقتضى إعادة تركيب الرأسمال الإنتاجي وفقًا له.
٢٣  يجب أن نلاحظ أن آدم سميث يُفرِّق هنا بين العمل المنتج والعمل ذي القيمة. وقد استكمل سميث حديثه في الكتاب الرابع: «عمل الخدم لا يعمل على استمرارية وجود المال الذي يُنفَق عليهم ويُوظِّفهم بل إن ما يُنفَق عليهم وما يُوظِّفهم هو بأَسْره على حساب أسيادهم والعمل الذي يؤدُّونه ليس من طبيعته أن يُسدِّد المصروف فهذا العمل يتكون عادةً من خدمات تنتهي وتزول لحظة أدائها، ولا تحقق ذاتها في سلعةٍ قابلة للبيع يمكن لها أن تعوض قيمة الأجور والإنفاق. وعمل الحرفيِّين والصناع والتجار، بالمقابل، يثبت ويحقق ذاته بشكلٍ طبيعي في سلعةٍ قابلة للبيع». انظر: آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل التاسع. وقارب: ابن خلدون، «المقدمة»، ص٥٤١. وانظر كذلك: ابن الأزرق، «بدائع السلك في طبائع الملك» (٢: ٧١٨) حيث يرى ابن خلدون، وابن الأزرق الذي استند إلى ابن خلدون، أن خدمة الناس ليست من المعاش الطبيعي؛ لأنها ليست من قبيل أصول المعايش الأربعة؛ فهي ليست من الإمارة ولا التجارة ولا الفلاحة ولا الصناعة. كما ذهب رفاعة الطهطاوي، القادم توًّا من غرب أوروبا، إلى: «وقد قسم أرباب الإدارات والتدابير العمل إلى قسمَين، لا ثالث لهما: منتج للمال، وغير منتج له؛ لأن العمل لا يخلو إما أن تزيد قيمة مورده بالربح، فهو المنتج، وإما ألا تنشأ عنه ثمرة تربيحٍ مالي تُنسب إليه؛ فهو غير المنتج، وهذا يرجع إلى الاستغلال وعدمه بالعمل، وكما يُقال للعمل، يُقال للعامل كذلك». انظر: رفاعة رافع الطهطاوي، «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠١٨م)، ص١٢٤–١٣١.
٢٤  انظر: J. S. Mill, “Essays on Some Unsettled Questions of Political Economy: On the Words Productive and Unproductive” (London: Longmans, Green, Reader and Dyer, 1874).
وقارن تطرُّف باستيا: Frédéric Bastiat, “Economic Harmonies” (NY: Irvington-on-Hudson, Foundation for Economic Education, Inc. 1996).Ch, 5. On Value.
٢٥  مثل المجهود الإنساني الذي يبذله بائع السلع في المتجر، فهو يبذل جهدًا/طاقة، ولكن هذا الجهد/الطاقة، وعلى الرغم من أنه يفوق قدر السعرات التي تمثلت في الأجر، لا يخلق قيمة ولا قيمة زائدة، فمهما بذل بائع السلع من جهد فلن يزيد عمله هذا من قيمة السلع التي يبيعها. والأجر الذي يتلقاه هذا العامل من التاجر، صاحب المتجر، هو محض تكاليف تداوُل، ولا يُعد رأسمالًا من أي نوع. وكل ذلك ليس إلا أحد ظواهر الرأسمال؛ فجزء من الثروة الاجتماعية يتعين تقديمه قربانًا لعملية التداول. ولسوف نشرح ذلك، ببعض التفصيل، في الفصل القادم والفصل الثالث من الباب الثاني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠