الفصل السادس

تسرب القيمة الزائدة

مصر والعالم العربي

فلنعالج الآن إشكالية التسرب في القيمة الزائدة التي ينتجها العمال في الأجزاء المتخلفة من الاقتصاد الرأسمالي العالمي المعاصر. ولنتخذ من مصر والعالم العربي نموذجَين، على أن نتعرف في البداية، باختصار، إلى التاريخ العام لاقتصاد مصر في سبيل فهم التكون التاريخي للظاهرة محل انشغالنا.

أولًا: في التاريخ العام لاقتصاد مصر

١

تُعد مصر من أكثر بلدان المعمورة تعرضًا للغزو؛ فخلال حكم الأُسرات الفرعونية تعرضَت مصر لغزو البدو الآسيويِّين والهكسوس والليبيين والآشوريِّين، ومع نهايات حكم الأُسرات الفرعونية، وبعدها، خضعَت، على التوالي: لحكم الفرس، واليونان، والرومان، والعرب، والأتراك، والفرنسيين، والإنجليز. هَيمَن الغزاة دومًا على الفائض وسيطروا على القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد المصريين.

تضافر الغزو المستمر مع حدوث التفاعل الحضاري والثقافي بين المصريين وهؤلاء الأجانب.١ فالعصور المختلفة التي مرت على مصر شهدت قدْرًا كبيرًا من التفاعل الحضاري، وبصفةٍ خاصة حينما جاء «الفتح» الإسلامي في القرن السابع الميلادي؛ فلم يكن ذلك «الفتح» مجرد احتلال للأرض وخيراتها والسيطرة على الشعب وموارده، بل زاد على ذلك أنه كان اختلاطًا واندماجًا؛ فقد استقرت القبائل العربية في مصر، وبصفةٍ خاصة في الجنوب، وساكنَت أهله. وبفضل لغة القرآن فَرضَ العرب لغتهم، كما فَرَضوا ديانتهم كمنتصرين، وأدخلوا الكثير من أعرافهم. وإذ تنتشر جيوش المسلمين بين أرجاء العالم في تاريخه الوسيط، تتشكل الدولة الأموية باسطة نفوذها على قلب العالم وأطرافه المترامية. بيد أن تلك الدولة سيرثها العباسيون، كخصومٍ تاريخيين؛ ومن ثم ستتحول مصر إلى ولاية من الولايات العباسية (٧٤٩–١٢٥٨م). وحينما تضعف السلطة المركزية في العاصمة بغداد؛ سوف تفرض الدويلات المستقلة نفوذها فتنشأ الدولة الطولونية (٨٦٨–٩٠٥م)، ثم الدولة الفاطمية (٩٥٣–١١٧١م)، فالدولة الأيوبية (١١٧٤–١٢٥٢م)، فالمماليك البحريون (١٢٥٠–١٣٨٢م)، ثم المماليك الجراكسة (١٣٨٢–١٥١٧م)، حتى تظهر في الآفاق إمبراطوريةٌ فتية جديدة تتمكن من إقصاء المماليك، ظاهريًّا، والانفراد بحكم مصر، ومد نفوذها إلى بقاعٍ بعيدة في قارَّات العالم الوسيط، إنها الدولة العثمانية. وخلال خضوع مصر لسلطان العثمانيين شكليًّا، وسلطة المماليك واقعيًّا، يأتي نابليون بونابرت (١٧٦٩–١٨٢١م) بجيوشه ساعيًا إلى إقامة دولته الاستعمارية في الشرق. ولقد تحدَّدَت مهام بونابرت، رسميًّا، بالآتي:
«ربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر: كانت هذه إحدى المهام التي عهدت حكومة الديركتوار بها إلى بونابرت. تم ذكر حفر قناة السويس صراحة في القرار الرسمي الصادر يوم ١٢ أبريل ١٧٩٨م: يستولي الجنرال قائد جيش الشرق على مصر؛ يطرد الإنجليز من جميع ممتلكات الشرق التي يستطيع الوصول إليها؛ ويهدم بنوعٍ خاص جميع وكالاتهم التجارية على البحر الأحمر؛ يحتل برزخ السويس ويتخذ جميع الإجراءات اللازمة لتأمين امتلاك الجمهورية الفرنسية للبحر الأحمر بصفةٍ مطلقة.»٢
على هذا النحو جاء بونابرت إلى مصر وأراد إقامة دولته الاستعمارية، إلا أن إنجلترا، سيدة البحار آنذاك، لم تترك له الساحة؛ وأغرقت أسطوله في موقعة «أبو قير» البحرية، ثم أخذت تتربص بمصر، بصفةٍ خاصة أثناء حكم محمد علي، حتى احتلتها (١٨٨٢–١٩٢٢م)، وحولت الاقتصاد المصري إلى اقتصادٍ تابع كليًّا يُصدر المواد الخام وفي مقدمتها القطن للاقتصاد المتبوع، بريطانيا، ويستورد السلع والمنتجات الصناعية (التي يغلب عليها طابع المنتجات الاستهلاكية). وعلى الرغم من أن مصر استقلت، ظاهريًّا، في ١٩٢٢م، إلا أن بريطانيا لم تخرج فعليًّا إلا مع انقلاب الجيش بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ١٩٥٢م. وما إن استقلت مصر، عسكريًّا إلا وقد اتجهت للعمل نحو الاستقلال الاقتصادي؛ بالاتجاه نحو التصنيع؛ الأمر الذي بدا كإعادة هيكلةٍ شاملة للاقتصاد القومي، واستطاع الاقتصاد فعلًا أن يحقق قاعدةً صناعية حقيقية وتنميةً ملحوظة وطفراتٍ هائلة. إلا أن عقد السبعينيات أثناء حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وما تلاه من عقود تحت حكم الرئيس مبارك، وحتى الآن؛ أي بعد سقوط تنظيم الإخوان المسلمين وعودة الحكم للمؤسسة العسكرية، لم تشهد مصر، في إطار تشجيع الاستثمار الأجنبي والتحرير النسبي للتجارة الخارجية، سوى المزيد من الاندماج في السوق الدولية والنظام الرأسمالي العالمي، وإنما كأحد الأجزاء المتخلفة من هذا النظام. ونقول لم تشهد سوى «المزيد» من الاندماج؛ لأن مصر في العصر الحديث اندمجت، بكلمة أدق: أُدمجت، فعليًّا في السوق الدولية والنظام الرأسمالي العالمي مع مجيء الحملة الفرنسية.٣

٢

فقبل الحملة الفرنسية على مصر؛ أي قبل تعرُّف المجتمع المصري إلى الرأسمالية الأوروبية المعاصرة وسُوقها الناشئ، كان المجتمع المصري، في آواخر القرن الثامن عشر، بمثابة ولاية من الولايات العثمانية، يحكم قبضته عليها أحد الأتراك الذي يُعيِّنه السلطان العثماني، ومن الناحية الواقعية كانت السيطرة الحقيقية والسلطة الفعلية بيد فئة المماليك. وإذا نظرنا إلى الأرض، في زمن المماليك تحت الهيمنة العثمانية، فسنجد أن الأراضي كانت مقسمة، بوجهٍ عام، إلى:
  • (١)

    أراضي الفلاحة: وهي التي يزرعها الفلاح ويدفع عنها الضريبة، ولم يكن له عليها أي حقوقٍ قانونية ثابتة.

  • (٢)

    أراضي الأوسية: وهي التي يمنحها السلطان للملتزمين من المماليك، أو شيوخ البدو، وبعض العلماء، وكانت معفاة من الضرائب.

  • (٣)

    أراضي الرزق: وهي التي يُنعِم بها السلطان على بعض المقرَّبين، وكانت معفاة أيضًا من الضرائب.

  • (٤)

    مسموح المشايخ: وكان يشمل، في بعض الأحيان، قرًى بأكملها.

  • (٥)

    مسموح البدو: وهذا أيضًا شمل مساحاتٍ ليست قليلة.

وفي ظل حكم المماليك بلغت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر مبلغًا ملحوظًا من الانحطاط والتدهور؛ فلقد هُجرت الأراضي الزراعية من قِبل الفلاحين الذين أرهقتهم الضرائب والإتاوات، وأصبح الفلاح يجد صعوبة في الحصول على قوت يومه. في الوقت نفسه أَهمَلَت الإدارة الحكومية مشروعات الري وترميم السدود وإصلاح الجسور، وما هو من الضروري واللازم من أجل النشاط الزراعي ككل، وهي المشروعات التي لا يمكن، بطبيعة الحال، أن تتم بجهود الفلاحين الفردية. وما يمكن قوله عن سوء أحوال الزراعة والنشاط الزراعي، يمكن قوله، وبدقة، بشأن الصناعة والنشاط الصناعي.

ولأن الأتراك والمماليك سيطروا على جُل القيمة الزائدة ولم يتركوا للفلاح المصري من حاصلات زراعته ما يحفظ رمقه ويجعله قادرًا على الاستمرار في زراعة الأرض، والتي لم يكن له حق ملكيتها أو التصرف فيها بأي طريق من طرق التصرفات القانونية، فقد اضطر الفلاحون إلى تطبيق مبدأ الاكتفاء الذاتي٤ بأن تكفي القرية نفسها بنفسها؛ فهي تستخدم طمي نيلها في بناء أكواخها، وتَحصُل من الأشجار على ما يلزمها من أخشاب لمساكنها ووقودها وسواقيها. وتغزل وتنسج أصواف أغنامها وأوبار إبلها لتصنع لباسها، وهي إن لم تفعل ذلك فلن يفعله لها غيرها!٥

أما بشأن التكوين الاجتماعي قبل الحملة الفرنسية، فقد كانت مصر مكونة من: حضر، وفلاحين، وعرب؛ بكلماتٍ أدق: مَن يسكنون المدن الكبرى مثل القاهرة، ومَن يسكنون الريف، ومَن يسكنون الصحراء.

ويمكننا التمييز، داخل كل مُكوِّن من الثلاثة، بين شرائح وفئاتٍ مختلفة، تؤلِّف في مجملها الكل الاجتماعي، فداخل هذه المُكوِّنات نجد الأسياد والعبيد والمُلَّاك والأُجراء والحكام والمحكومين والمصريين والأجانب.

ومع هيمنة نظام الالتزام، الذي بمقتضاه، وباختصار، يلتزم سنويًّا أحد المماليك البكوات بجمع مبالغَ نقدية ومحاصيلَ زراعية يتم توريدها إلى خزانة الوالي، ممثل السلطان، والذي بدوره يقوم بإرسالها إلى السلطان في الآستانة. تبلورَت، على صعيد السلطة، بالمفهوم العام للسلطة، الفئات المتدرجة اجتماعيًّا والطبقات المهيمِنة نسبيًّا؛ فنجد: الوالي، الذي هو ممثل السلطان العثماني في مصر، وقاضي الشرع الذي كان من أهم رجال النظام المنوط بهم إقامة العدالة في الريف. لكنَّ جَعْل أجور القضاة على عاتق المتقاضين أدَّى إلى تدهور القضاء واستشراء الفساد داخل مؤسسة العدالة. وفي كل ولايةٍ آنذاك من محافظات/أقسام/مديريات مصر الخمس الكبرى،٦ وهي: الغربية، والبحيرة، والشرقية، والمنوفية، وجرجا، كان يُعيَّن حاكم من بين الأمراء المماليك. ويُعزِّز حكم هؤلاء الأمراء المماليك الأوجاقات OCAK العسكرية التي كانت مقسَّمة عند بداية الحكم العثماني إلى ستة أوجاقات، أضاف إليها السلطان سليمان أوجاقًا سابعًا، هو أوجاق الجراكسة، وبذلك صارت الأوجاقات: متفرقة، وعزبان، وجاويشان، ومستحفظان، وجمليان، وتفكجيان، وجراكسة. وقد تَمتَّعَت فرق الأوجاقات السبعة بكثرةٍ عددية ونفوذٍ لا مثيل لهما، وبلَغ هذا النفوذ حد التدخل في عزل حكام المحافظات؛ وبالتالي سنجد أن الثروة، في مرحلةٍ أولى، سوف تبحث عن السلطة كما ستبحث السلطة عن الثروة، ثم تتصادم معها في مرحلةٍ ثانية، وتندمج معها في مرحلةٍ ثالثة؛ وذلك حين عمل الحرفيون والتجار على الالتحاق بفرق الأوجاقات، وعمل الأوجاقات على مزاولة الحِرَف المختلفة.٧
وإذا انتقلنا إلى تحليل القوى الاجتماعية في الريف،٨ فسنجد عدة قوى فاعلة؛ فهناك شيخ القرية، وهناك المسئول عن تسجيل الأطيان ويُسمى الشاهد، ويُوجد الصرَّاف الذي كان وكيلًا للملتزم، وكان يهوديًّا في الغالب قبل أن تنتقل هذه الوظيفة إلى المسيحيين. كما نجد الخولي الذي يشرف على زراعة أراضي الوسية الخاصة بالملتزم، وكذا الوكيل الذي يعينه الملتزم للإشراف على حصة التزامه. نجد أيضًا المشد الذي كان مسئولًا عن استدعاء المتمردين من الفلاحين لعقابهم أمام الملتزم. كما يوجد الخفير والكلَّاف، والأول كان عمله أشبه بعمل الشرطي في الريف، أما الثاني فكان عاملًا من عمال الملتزم وهو مسئول بصفةٍ خاصة عن علف بهائمه، وتَحوَّل فيما بعدُ إلى بيطري بهائم وأغنام للقرية ككل.٩ وإذا ما انتقلنا، في مجرى تحليلنا للكل الاجتماعي، إلى فئة العرب، البدو الرُّحَّل، فسنجدهم على قسمَين: عرب مزارعين، وعرب محاربين. والعرب المزارعون هم العائلات التي قَدِمَت، في الغالب، من صحراء شبه الجزيرة العربية مع دخول الإسلام وعملوا بالزراعة، بعد أن استقروا على شواطئ نهر النيل. أما القسم الآخر؛ أي العرب المحاربون، فقد تَشكَّلوا من العرب الذين قَدِموا من شمال أفريقيا وشغَلوا الشاطئ الغربي للنيل، وغالبيتهم يقيمون تحت الخيام ويزرع لهم الأرضَ الفلاحون المصريون. ولا نُغْفِل عرب سَيْناء الذين قَدِموا كذلك من صحراء شبه الجزيرة العربية وسكنوا مصر وسيناء وجنوب فلسطين:
«ومن أخبار المصريين القدماء أن أولئك الأقوام البدو كانوا يغرهم خصب مصر فكلما سنحت لهم فرصة غزوا أطرافها الشرقية فنهبوا وسلبوا وعادوا إلى صحرائهم، وذلك منذ بدء التاريخ حتى قيل إن الألهة كانت تحتاط لنفسها من غزواتهم.»١٠

ولقد كان لهؤلاء العرب، بعد أن استقروا في مصر، النفوذ الطاغي حتى في مواجهة السلطة المركزية. وسيكون لدى محمد علي الوعي بأن هؤلاء العرب قوة ليست هينة؛ فنجده يتبع معهم سياسة المهادنة. وحينما أدرك عدم جدوى هذه السياسة؛ قمعهم، جاعلًا شيوخ القبائل رهن الاعتقال لديه في القاهرة؛ ضمانًا لعدم خروج أبناء القبائل عليه، وفي نفس الوقت ضمانًا لعدم ممارستهم أعمال النهب التي كانت بمثابة القانون العام الحاكم لحياة العرب في صحراء مصر:

«في الوقت الذي تسلم محمد علي فيه زمام مصر، كان العربان قد بلغوا من الجبروت وشدة البأس النهاية؛ فقد كانوا يفرضون الإتاوات على سكان مصر ويضربون الفدية، بل كان لا يصدُّهم أحد عن الزحف على مدينة القاهرة ودخولها دخول الفاتح لسبي النساء وخطف الأطفال ونهب الأموال، وكان لا يجرؤ أحد على زيارة الأهرام بغير رضائهم، وكانت القوافل التي تجتاز برزخ السويس تدفع لهم الفرض الفادحة من المال.»١١

كما جاء في «وصف مصر»:

«ويغير هؤلاء البدو من منطقة إقامتهم إذا ما بدت لهم منطقةٌ أخرى أكثر وفرة في مراعيها أو في مياها أو أكثر مواتاة لمشروعاتهم ولأغراضهم في السلب وأعمال العنف، فهؤلاء في الواقع سواء في حالة حرب أو في حالة سلم يمارسون نفس القدر من أعمال السلب والعنف.»١٢
«وبخلاف الانتهابات التي كان يقوم بها المماليك، فقد كان على الفلاحين أن يعانوا من غارات العربان الذين كانوا يغيرون ليغتصبوا منهم قطعان مواشيهم وكل ما أهمل الأولون أن يأخذوه.»١٣

٣

حتى الآن كنا نحلل النظام الاجتماعي والاقتصادي، بإيجاز بطبيعة الحال، في مرحلةِ ما قبل الحملة الفرنسية، فماذا مع الحملة؟ وماذا بعدها؟ تاريخيًّا، يمكننا القول بأن المجتمع المصري لم يكن، ليتعرف في فترةٍ تاريخية مبكرة إلى الرأسمالية الأوروبية المعاصرة الناشئة، وفي توسعها المستمر، إلا من خلال الحملة الفرنسية، وهي الحملة العسكرية التي مثلت بدايات إدماج مصر في الاقتصاد الرأسمالي «الصناعي» العالمي في العصر الحديث، مع تحوُّل أرضها إلى أرض معاركَ ضارية بين قوى العالم الرأسمالي آنذاك؛ فلقد جاء نابليون بونابرت إلى مصر في أول يوليو عام ١٧٩٨م، واستولى على الإسكندرية، ثم على القاهرة بعد انتصاره على المماليك، ولكن بريطانيا لم تجعل الأيام تمر دون أن يتمكن الأميرال نلسون (١٧٥٨–١٨٠٥م) من القضاء على الأسطول الفرنسي في معركة «أبو قير». واستمر هذا الصراع بين قوى الرأسمال الدولي؛ من أجل فرض الهيمنة على سوق المواد الخام، والتمكن من الموقع الاستراتيجي. ولم ينتهِ الصراع، ظاهريًّا، إلا بإعلان انتهاء الحِماية البريطانية على مصر في عام ١٩٢٢م.

ولمَّا كان من أهداف الحملة الفرنسية تعويض الخسائر الفادحة التي لحقت بفرنسا في حروبها الاستعمارية مع إنجلترا، مع ضرورة توفير الغذاء بعد ازدياد السكان وبصفة خاصة في جنوب فرنسا، بتحويل مصر إلى مزرعةٍ هائلة تمد الصناعات الفرنسية بما يلزمها، بالإضافة إلى جعلها منطلقًا استراتيجيًّا في البحر المتوسط، فقد تعين اتخاذ عدة إجراءات بشأن المسح الشامل للأراضي المصرية ودرسها بما فيها وبمن عليها درسًا علميًّا وهو الأمر الذي تحقق من خلال العديد من الدراسات والأبحاث، لعل أهمها، وأشهرها «وصف مصر».١٤ وهو الأمر كذلك الذي تطلب عدة إجراءات بشأن تنظيم الملكية العقارية والإدارة ونظم الضرائب، بما يحقق السيطرة على الإنتاج الزراعي. ولإتمام ذلك بطريقةٍ علمية تم إنشاء المعهد العلمي على غِرار المعهد العلمي في فرنسا. وفي الجلسات الأُولى للمعهد العلمي في مصر طرح بونابرت ١٢ سؤالًا عمليًّا:
«كيف يمكن تحسين أفران الخبز للجيش؟ وهل يمكن العثور على مادةٍ بديلة لحشيشة الدينار لصنع البيرة؟ وهل تُوجد طريقة لتنقية مياه النيل ولتبريدها؟ وهل من الأفضل إقامة طواحين هواء أم طواحين ماء في مصر؟ وما هي المواد المحلية التي يمكن استخدامها لصنع البارود؟ وكيف يمكن تحسين النظام القضائي والتعليم في مصر؟ وهل يمكن زراعة العنب في مصر؟ وهل يمكن حفر آبار في الصحراء؟ وكيف يمكن تزويد قلعة القاهرة بالمياه؟ وكيف يمكن الاستفادة من أكوام الأنقاض المحيطة بالقاهرة؟ وهل يمكن بناء مرصد؟ وكيف يمكن إقامة مقياس على النيل؟»١٥
ويمكننا التعرف إلى التكوين الاجتماعي المصري والطبقات المهيمنة حينما نزلت جيوش بونابرت أرض مصر، من خلال التعرف إلى الفئات والأطياف التي ظهرت على المسرح الاجتماعي آنذاك، فقد كان هناك:
  • (١)

    المماليك: الذين كانوا الفئة الحاكمة فعليًّا، ولم يكن موقفهم من الفرنسيين يختلف عن موقفهم من العثمانيين، وهو الوصول الانتهازي إلى نوعٍ ما من المشاركة في السلطة والثروة.

  • (٢)

    البرجوازية الناشئة: ممثلة في كبار العلماء والأعيان من جهة، والأقباط من جهةٍ أخرى؛ فمن جهة العلماء والأعيان كان من الواضح، باستثناء كلٍّ من: عمر مكرم نقيب الأشراف، والسادات أحد كبار الصوفية، والمحروقي كبير التجار، مقدار تفاهمهم مع الفرنسيين، وبصفةٍ خاصة الشيخ الشرقاوي شيخ الأزهر!

    أما الأقباط، وعلى الرغم من أنهم استبشروا الخير مع قدوم الحملة، ومعها الفكر العلماني الذي ربما يعيد صوغ وضعهم الاجتماعي بعد أن قاسَوا في أوقاتٍ كثيرة من المعاملة التمييزية ضدهم من قبل النظام العثماني، إلا أن المكاسب التي حققوها على الصعيد الاجتماعي، وبصفةٍ خاصة في الريف، بدت وكأنها صارت مهددة مع الحملة؛ الأمر الذي أدى إلى ارتباك علاقتهم بالفرنسيين.

  • (٣)
    أصحاب الطوائف الحرفية: كمحمد كريم، وحسن طوبار.١٦ ولا ينفصل الدور الذي قاموا به عن وضعهم الاجتماعي كنُخبٍ متحالفة مع السلطة١٧ التي كانت أحد أدوات النظام في السيطرة على أي حِراكٍ اجتماعي ضد النظام السياسي من قِبل العمال والحرفيين.
  • (٤)

    البدو: ونراهم يشتركون في جميع المعارك ضد الفرنسيين، ربما يُقال بدافع الوطنية، ولكنني أرى أن اشتراك العرب في هذه المعارك كان من مستلزمات حياتهم القائمة بالأساس على الغزو والغنائم.

  • (٥)

    الفلاحون: وإذا دققنا في حالة الفلاح المصري في ظل النظام العثماني، ربما نفهم أسباب مقاومة الفلاح للمستعمِر الفرنسي؛ فلقد ساء وضع الفلاح كثيرًا في ظل النظام العثماني، الذي أطلق يد المماليك، ثم أتى الفرنسيون بقسوة لا تقل عن قسوة المماليك في جباية الضرائب المتعددة، والأمرُّ من ذلك أن الفرنسيين لم ينزلوا قرية إلا تقريبًا خربوها وأعدموا المعترض!

٤

وحينما تولى محمد علي حكم مصر بتأييدٍ شعبي، في ١٨٠٥م، قام بحصر أهدافه في ثلاثة أمور حددها بدقة:
  • (١)

    تصفية الطبقة الإقطاعة المهيمنة على الأرض، والتي تمثَّلَت في المماليك بصفةٍ خاصة.

  • (٢)

    تصفية الإقطاع نفسه، كنظامٍ اجتماعي.

  • (٣)

    احتكار الاقتصاد وإعادة تعبئة الفائض، بالسيطرة على القيمة الزائدة، من أجل نهضةٍ اقتصادية/عسكرية شاملة.

ولقد نجح محمد علي في تحقيق أهدافه الثلاثة في زمنٍ قصير؛ إذ حقق هدفه الأول وقضى على ٤٠٠ من المماليك في مذبحة القلعة.١٨

وحقق محمد علي هدفه الثاني من خلال مجموعة من الإجراءات التي تمكنت من ضرب النظام الإقطاعي ذاته، وفي مقدمة هذه الإجراءات مصادرةُ أراضي الالتزام في الوجه القبلي دون تعويض، أما في الوجه البحري فقد صُودرت أراضي الفلاحة وسُمح للملتزمين بالاحتفاظ بأراضي الأوسية طول حياتهم فقط ومُنح أصحابها حق الهبة والوقف، والبيع أيضًا، وإنما للحكومة فقط.

كما تَمَكَّن محمد علي من تحقيق هدفه الثالث، وهو احتكار الاقتصاد، بما فرضه من تنظيم لعلاقات الإنتاج والتجارة، واحتكار لوسائل الإنتاج الاجتماعي.

ومن المهم أن نذكر أن تحليل نوعية الإيرادات العامة آنذاك تُظهر مقدار هذا الاحتكار؛ فقد احتكر محمد علي الأرز (وهو أول محصول تم احتكاره) والحبوب، والقطن، والنخيل، والحرير، والتيل، والجلود، والحصير، والصودا، والملح، والخيوط الذهبية، والمسكوكات، وسبك الفضة، والصيد ببحيرة المنزلة، وبيع الأسماك وبيع المواشي بالقاهرة. الملاحظة المهمة هنا هي: أن إيرادات دولة محمد علي، وبالعكس لما هو شائع، لم تمثل فيها أرباح الاحتكار إلا جزءًا يسيرًا بالمقارنة مع الإيرادات الأخرى مثل الضرائب العقارية، وعوائد نقل الحبوب، ودخل الحكومة من جمرك الإسكندرية والسويس والقصير وبولاق ومصر القديمة وأسوان، وكذلك رسوم الصيد في بحيرة المنزلة.

وبعد إلغاء نظام الالتزام قام محمد علي بتوزيع الأراضي على المزارعين الذين يقومون بزراعتها. وعلى الرغم من أن محمد علي استهدف إلى حدٍّ ما عدالة التوزيع، إلا أن الواقع أسفر عن تكوُّن طبقة من كبار ملَّاك الأراضي. بدأ هذا التكون مع إلزام محمد علي كبارَ الموظفين وكبارَ ضباط الجيش الذين تضخَّمَت ثرواتهم وصاروا من الأثرياء بدفع متأخرات الضرائب على الأراضي التي عجز الفلاحون عن سدادها بعد تراكم العبء الضريبي إثر الهروب من الأرض أو التجنيد في الجيش، من أجل الحروب المفتوحة التي شَنَّها محمد علي، وأُطلق على هذا النظام نظام العهدة؛ إذ يقوم كبار الموظفين وكبار الضباط بسداد الضرائب المُستحَقَّة على الأرض، ومن ثَمَّ يتملكونها بموجب هذا السداد لخزانة الوالي؛ من هنا بدأَت تتكوَّن طبقة من كبار الملَّاك. استَكملَت هذه الطبقة تكوُّنها التاريخي مع نظامٍ آخر، وهو نظام الأبعادية، وهي الأراضي التي مُنحَت لكبار الموظفين وكبار رجال الجيش أيضًا، مع إعفاء هذه الأراضي من الضرائب، بشرط التزام هؤلاء بإصلاحها وتحسينها وإعدادها للزراعة، وهذا أيضًا عزَّز بناء الطبقة الجديدة.

وإلى جوار العهدة والأبعادية، وُجد الجفليك (ملكية الأسرة الحاكمة وكبار رجال الحاشية) وهو يُعد من أهم العوامل التي أدت إلى تكوين الضياع الكبرى؛ فالقرى التي هجرها أهلها، للأسباب المذكورة، كانت تُضم إلى ملكية الأسرة المالكة.١٩
في إطار هذا التصور لتوزيع الأرض في دولة محمد علي، يمكننا التمييز بين ثلاثة أنواع من الحيازات:
  • (١)

    الأراضي الخراجية، وهي التي وزَّعها محمد علي على الفلاحين بعد تصفية نظام الالتزام.

  • (٢)

    أراضي الأوسية، ولكن بتنظيمها الجديد بصفةٍ خاصة في الوجه البحري؛ إذ إن الأوسيات في الجنوب تمت مصادرتها بلا تعويض.

  • (٣)
    أراضي المسموح، وهي التي أعطاها محمد علي إلى مشايخ القرى في مقابل الخدمات التي يقومون بها للحكومة والأعباء التي يتحملونها في استضافة عمالها الذين يمرون بالقرى أو ينزلون بها، وكذلك خصص لبعض الأعيان الذين يقومون بإطعام المسافرين والمترددين على القرى مساحاتٍ أخرى عُرفت باسم مسموح المصاطب، وحُدِّدت مساحة أطيان المسموح بنسبة ٤ أو ٥ أفدنة عن كل ١٠٥ أفدنة من أطيان المعمور بالقرية، أما كبار المشايخ المعروفين «بالمقدمين» فخصص لهم ١٠ أفدنة عن كل ١٠٠ فدان من أراضي القرية.٢٠

ويمكننا القول بأن النصف الأول من القرن التاسع عشر، تحديدًا في الفترة من (١٨١١–١٨٤٠م) عرف تجربةً للدولة في مصر ابتغت بناء الاقتصاد السلعي المستقل في إطار السوق الرأسمالية العالمية. يتم ذلك عن طريق إعادة تنظيم النشاط الزراعي، على نحو يُمكِّن من تعبئة الإنتاج الزراعي، الذي يُستخدم مباشرة، أو على نحوٍ غير مباشر، من خلال التجارة الدولية، في تحقيق نوعٍ من البناء الصناعي، بما يعني الإنتاج ابتداءً من طلب السوق، والسوق الدولية على وجه التحديد؛ فالأمر إذن أقرب ما يكون إلى إعادة ضخ للقيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد المصريين في عروق الاقتصاد المصري من خلال دولةٍ مركزية طامحة إلى تنميةٍ مستقلة معتمدة على الذات. كانت الدولة، في هذا الوقت تهيمن على ملكية الأرض، ولم يعُد الأمر يتعلق بمجرد استقطاع الضريبة، أو جزءٍ من الإنتاج؛ فقد كانت السمة الجديدة هي (احتكار الدولة للإنتاج وللتجارة) هذا بالإضافة إلى (احتكارها لتحديد الأثمان داخليًّا وخارجيًّا) بما يحوي بين طياته من فكٍّ للروابط التي قد تفرضها السوق الرأسمالية العالمية.

لقد بنى محمد علي سياساته بأكملها بهدف تحقيق الاستقلال الاقتصادي واحتكار كلِّ ما يمكن أن يُحتكَر من مرافق الإنتاج. واعتمد ومستشاروه من الفرنسيين على الأبحاث السابقة (بصفةٍ خاصة أبحاث «وصف مصر») التي أعدها علماء الحملة الفرنسية على أسسٍ علمية (والتي ستستفيد منها فرنسا ذاتها، بل وأوروبا). لقد كان أثر الفرنسيين ظاهرًا في سياسة محمد علي الاقتصادية؛ ففي الزراعة تحققت مشاريع الري التي اقترحها علماء الحملة، وصارت الأراضي الزراعية ملكًا للحكومة واتبع في الوصول إلى هذا الغرض نفس الطريقة التي اتبعها قواد الحملة الفرنسية من طلب مستندات الملكية والاستيلاء على أراضي الملتزمين من المماليك الباقين. وفي الصناعة أُقيمت المصانع الكبيرة واحتكَرت الحكومة الصناعات الجديدة كما احتكرها الفرنسيون أو شرعوا في ذلك. وفي التجارة نُفِّذَت اقتراحات علماء الحملة من مد الطرق والجسور إلى تشييد القناطر وشق الترع، واحتكار التجارة نفسها من أجل حماية الإنتاج المحلي أمام المنافسة الأجنبية. أما في الإدارة فقد احتذت الحكومة حذو الفرنسيين في قيامها بنفسها، من خلال موظفيها، بجمع الضرائب والقضاء على نظام الالتزام وفي ترتيب الميزانية وفقًا للطريقة الأوروبية والعمل على موازنة الإيرادات والمصروفات.

إن الاحتكار، الذي فُرض ابتداءً من عام ١٨٠٨م على الحبوب، سوف يمتد فيما بعدُ ليشمل جميع المنتجات القابلة للتصدير، في محاولة للسيطرة على شروط تجديد الإنتاج الاجتماعي، وخلق نوعٍ ما من الاستقلالية المستندة إلى فك الروابط وعزل الأثمان الداخلية عن الأثمان الخارجية، وبالتبع إنشاء دولةٍ متطورة وقوةٍ عسكرية متقدمة. وقد نَجحَت التجربة فعلًا؛ حتى كادت جيوش محمد علي أن تدخل الآستانة، شارعةً في تهديد المصالح الأوروبية، بصفةٍ خاصة تهديد الرأسمال البريطاني في شرق حوض البحر المتوسط؛ الأمر الذي قاد إلى التدخل العسكري ضد مصر ابتداءً من عام ١٨٤٠م.٢١ وتوقيع معاهدة لندن بين الدولة العثمانية وكلٍّ من روسيا وبروسيا وبريطانيا والنمسا، ثم انضمت فرنسا، لكي يُقضى على تلك المحاولة، الأولى من نوعها، التي سعت كي تبني الاقتصاد المصري على نحوٍ من الاستقلالية في إطار السوق العالمية.٢٢
فحينما أَسفرَت تجربة التنمية المستقلة والمعتمدة على الذات التي أقامها محمد علي على أساس نظام الاحتكار، إلى إعادة ضخ القيمة الزائدة في عروق الاقتصاد القومي؛ وبالتالي تعاظُم نفوذ مصر كقوةٍ عسكرية واقتصادية وسياسية، تمتد حدودها إلى منابع النيل جنوبًا وبلاد الشام شمالًا. مع زيادة إنتاجها الزراعي خمس مرات على إيرادات حكومة القيصر في روسيا وما يعادل نسبيًّا إيرادات فرنسا؛ وهما قُطران يفوق كلٌّ منهما مساحة مصر مساحةً وعددًا.٢٣ وحينما تُسفِر هذه التجربة، كذلك، عن امتلاء خزائن الحكومة بالأموال، والمخازن بالحاصلات، ومن ثَمَّ المضي قدمًا نحو التصنيع، وبصفةٍ خاصة صناعة الأسلحة والسفن الحربية والسلع الاستراتيجية. وحينما يسيطر المجتمع المصري، بوجهٍ عام، على شروط تجديد إنتاجه، ويُعاد ضخ القيمة الزائدة المنتجة بسواعد أبنائه في عروقه مرةً أخرى من أجل تجديد الإنتاج الاجتماعي المستقل والمعتمد على الذات. نقول حينما تسفر تجربة التنمية هذه عن كل ذلك، فلا شك في أن الدول الاستعمارية الكبرى ستعلن وعلى الفور قلقها من هذه القوة الجديدة الآخذة في طريقها نحو تهديد مصالحها في المستعمرات، وبصفةٍ خاصة في البحر المتوسط، وشمال ووسط أفريقيا. ولا شك أيضًا في أنها لن تترك هذا القلق ليستمر دون أن تقضي عليه بالقضاء على مصدره؛ أي القضاء على دولة محمد علي.

٥

قُضي على طموحات إمبراطوية محمد علي فعليًّا بموجب الفرمان الهمايوني الصادر في ١٣ / ٢ / ١٨٤١م والذي بمقتضاه تم منح محمد علي، وورثته من بعده، حكم مصر في مقابل تنازُله عن الشام. كما أن منصب الولاية، وفقًا لهذا الفرمان، لم يعُد يشغله إلا مَن تختاره الآستانة من أُسرة محمد علي. كذلك أُعيد تنظيم الضرائب وفقًا للقوانين السائدة في الممالك العثمانية، وفي الوقت نفسه تم تعيين مراقب للضرائب والميزانية من قِبل السلطان العثماني. كما تقرر توافُق العملة النقدية المضروبة في مصر مع العملة المضروبة في الآستانة من حيث العيار والهيئة والطِّرَاز. أما الجيش، فقد تقرر ألا يزيد، في حالة السلم، عن ١٨٠٠٠ جندي، ويمكن بإرادة الآستانة أن يزيد العدد من أجل أغراض الدفاع عن السلطنة. كذلك اشترط الفرمان تجنيد نحو ٤٠٠٠ جندي من هؤلاء، تجنيدًا إجباريًّا في الآستانة لمدة خمس سنوات. كما تضمن الفرمان تحريم بناء سفنٍ حربية أو منح رتبٍ أعلى من ملازمٍ بحري أو بري. وبشأن السودان فقد نص الفرمان على انتهاء سلطة محمد علي في النوبة ودار فور وكردفان وسنار بموته، فلا تنتقل السلطة إلى ورثته من بعده.٢٤
وعلى الرغم من أن العدوان العسكري على مصر قد حقق أهدافه حين قضى على فكرتَي الاستقلال الاقتصادي والتوسُّع الاستعماري، فإن محاولة السيطرة على شروط تجديد الإنتاج الاجتماعي ومحاولة خلق تلك الاستقلالية تجاه الاقتصادات الرأسمالية الكبرى، ونجاح هذه المحاولة إلى حدٍّ كبير، قد ساهم بفاعلية في تهيئة الاقتصاد المصري للاندماج في السوق العالمية المعاصرة، وإنما كاقتصادٍ تابع، وخاضع بصفةٍ خاصة لسيطرة الرأسمال البريطاني الذي سينشغل بإجراءات إلغاء الاحتكار الذي فرضَته الدولة في عهد محمد علي، وهو الأمر الذي سوف يستتبع إعادة النظر إلى الأرض بجعلها سلعةً يمكن طرحها في مجال التداول بيعًا وشراءً ورهنًا وإيجارًا.٢٥
ولقد تحقق تحرير الأرض في عام ١٨٥٥م مع إلغاء سعيد باشا الجزية التي كانت مفروضة على غير المسلمين، وحصول الرعايا الأجانب على حق شراء الأراضي، وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ مصر التي تتحول فيها الأرض إلى جزءٍ من الملكية الخاصة. من هنا يبدأ الرأسمال الأجنبي في فرض هيمنته؛ الأمر الذي يؤدي إلى فقدان المجتمع للسيطرة على شروط تجديد إنتاجه، على الأقل من جهة الأرض التي صارت محلًّا للتداول من خلال الرأسمال الأوروبي. ويتعمق تغلغُل الرأسمال المالي الدولي في الاقتصاد المصري بعد اتجاه الدولة إليه كمقترضةٍ في عهدَي سعيد وإسماعيل. وسلوك سبيل الاقتراض المفتوح على هذا النحو يأتي على نحوٍ مختلف تمامًا عن سلوك محمد علي الذي كان يستبعد، وبوضوحٍ تام، الرأسمال الأجنبي.٢٦
ومع اندماج الاقتصاد المصري في النظام الرأسمالي العالمي، ابتداءً من الشروع في نهضةٍ اقتصادية شاملة وانتهاء بأزمة مديونيةٍ طاحنة، دخلت مصر حلبة الصراع بين الرساميل القومية، وبصفةٍ خاصة أن الباب قد صار مفتوحًا على مصراعَيه أمام الأجانب من اليهود٢٧ والأرمن٢٨ واليونانيين٢٩ وغيرهم من الفرنسيين والبريطانيين والألمان والروس والشوام والبلجيك والبلغار … إلخ.

ومع تولي عباس باشا الأول (١٨٤٨–١٨٥٤م) حكم مصر، عمل على عدم إزعاج الرساميل الأجنبية الراغبة في المواد الأولية من أجل مصانعها، والباحثة عن الأسواق من أجل تصريف منتجاتها. ووجد أن هذه الرساميل تنزعج من تدخُّل الدولة في النشاط الاقتصادي، فقرر منع تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية؛ فكانت سياسته بمثابة موافقة على الوجود الرأسمالي الغربي في مصر.

أما سعيد باشا (١٨٥٤–١٨٦٣م) فقد جعل الموافقة على وجود الرأسمال الأجنبي أكثر إيجابية؛ مقررًا إلغاء الضرائب المفروضة على كل الواردات الأوروبية، وبذلك شَهِدَت أيام حكمه القضاء على البقية الباقية من الاحتكار.

يستكمل إسماعيل باشا (١٨٦٣–١٨٧٩م) مسيرة الترحيب بالرأسمالية الأوروبية، ويفتح أبواب البلاد، بشكلٍ غير مسبوق، أمام الأجانب الذين أخذوا يتدفقون على اقتصاد مصر، فعملوا في المهن التجارية والحرفية المختلفة، كما عملوا بالطب وبالمحاماة، مستفيدين بحرية التعامل بينهم وبين الأهالي، من جهة، وانخفاض الرسوم الجمركية وتنظيم حركة العمل بالجمارك، من جهةٍ أخرى، بالإضافة إلى وجود المجالس التجارية والامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة التي دعمت وجود الأجانب في مصر. وفي أيام إسماعيل شهدت مصر نقلةً نوعية كبيرة وتطورًا اجتماعيًّا بارزًا، تمثل في إتمام حفر قناة السويس، وإجراء إصلاحاتٍ شاملة على الصعيد الإداري والقضائي، كما تغيرت معالم القاهرة والإسكندرية فصارتا أشبه بالعواصم والمدن الأوروبية، وبصفةٍ خاصة باريس. وفي أوائل عام ١٨٧٤م قام إسماعيل باشا بحركةٍ إصلاحية كبيرة في حقل التجارة كي تتلاءم مع متطلبات الحرية الاقتصادية؛ فأنشأ الغرفة التجارية، وأصدر القوانين المنظمة لأعمال السماسرة والصيارفة، كما وحد الموازيين والمقاييس كي يمكن للأجانب التعامل التجاري بشكلٍ موحد، في الوقت نفسه أدخل إصلاحاتٍ مهمة في نظام الجمارك. وتوسع في إنشاء الشركات المساهمة وأنشأ العديد من معامل السكر (مع التوسُّع في زراعة قصب السكر عقب انهيار أسعار القطن بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية) ومعامل الورق والقطن، ومصانع النسيج والطوب والمعادن والفخار، كذلك قام بمد وتوسيع شبكة المواصلات والبريد، كما وسَّع نطاق المطبعة الأميرية، وأتم إنشاء القناطر الخيرية، وجدَّد إرسال البعثات العلمية، وأنشأ الجمعية الجغرافية المصرية، ووزارة الزراعة، ودار الكتب المصرية. كما شهد عصره ظهور الصحافة الحرة؛ فأصدر يعقوب صنوع، وهو يهودي مصري، بالاتفاق مع جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده جريدة «أبو نظارة» في عام ١٨٧٧م لانتقاد أعمال إسماعيل نفسه، بعباراتٍ تُكتب باللغة المحكية. كما أنشأ الأخوان سليم وبشارة تقلا جريدة «الأهرام» في عام ١٨٧٦م، وأصدر إبراهيم اللقاني «مرآة الشرق» في أوائل عام ١٨٧٩م، وأنشأ ميخائيل عبد السيد جريدة «الوطن» في أواخر عام ١٨٧٧م، إلى غير ذلك من مظاهر النهضة، ولا نُغفِل بالطبع تسبُّبه، بالاستدانة، في وضع الاستعمار البريطاني في حالة تأهُّب كي ينقضَّ على البلاد.٣٠

أعاد إسماعيل تسليح الجيش، مستفيدًا بالامتيازات التي منحها له الباب العالي ومنها زيادة عدد الجند حسب الحاجة، وكوَّن جيشًا قويًّا لإعادة الروح إلى المشروع التوسُّعي الاستعماري الذي بدأه محمد علي؛ فقد استعان بالجيش والأسطول التجاري في خطة توسُّع شاملة في الجنوب، فأرسل في عام ١٨٦٨م حكمدار السودان إسماعيل باشا أيوب قائدًا لجيش قام باحتلال أعالي النيل ودارفور، وكلَّف في عام ١٨٦٩م صمويل بيكر بتوسيع الإمبراطورية في الجنوب والقضاء على تجارة الرقيق. وتولَّى المهمة بعد ذلك إنجليزيٌّ آخر هو تشارلز جوردون، والذي تمكن من إخماد التمرُّد في دارفور، وإعادة الهدوء إلى الحدود الإثيوبية بعد أن فشِل في غزوها، كما استطاع إلى حدٍّ ما تقليص حجم تجارة العبيد في الجنوب.

ولم تكن إصلاحات إسماعيل وعمله المتواصل من أجل تطوير المجتمع (وسيطرته على شروط تجديد إنتاجه بسيطرته على تسرب القيمة الزائدة المنتجة داخل المجتمع المصري، وهو الأمر الذي يتضح من تحليل حركة الصادرات والواردات) دونما اهتمام بمصالح الدائنين الأوروبيين المتربصين، إنجلترا وفرنسا، إلا خطوةً على طريق الإقصاء؛ فلقد أصدر السلطان العثماني قرار عزله في ١٨٧٩م. ولمَّا عَلِم جوردون بذلك قام على الفور بتقديم استقالته؛ الأمر الذي كان بمثابة نهايةٍ تدريجية للدور المصري في السودان، وهو ما تزامن مع إعلان المهدية (نسبة إلى محمد المهدي ١٨٤٣–١٨٨٥م) عن نفسها كحركةٍ دينية ثورية هدفها إعادة صوغ الوعي الديني وتصحيح الأوضاع الاجتماعية المتردية بالتصدي للفساد الفقهي الذي جاء به العثمانيون ومن ثم التصدي للوجود الأجنبي، ولا سيما في الشمال!

وبتولي توفيق باشا الحكم (١٨٧٩–١٨٩٢م)، بعد إقالة إسماعيل، زادت حرية التجارة، بصفةٍ خاصة، وأن تم إلغاء العديد من الضرائب والرسوم، وتوقيع اتفاقيات للتجارة الحرة، ولكن، هذه الحرية لم تكن لصالح مصر ولم يستفد منها المجتمع؛ إذ حينما تولى توفيق باشا الحكم كانت مصر تحت المراقبة المالية الدولية وخزائنها خاوية والنفوذ الأوروبي يزداد يومًا بعد آخر، والأجانب يتميزون عن المصريين في كل شيء، وبصفةٍ خاصة في الجيش؛ الأمر الذي تسبب في قيادة أحمد عرابي للثورة (١٨٧٩–١٨٨٢م) التي سوف تتخذها بريطانيا ذريعة لاحتلال مصر!٣١
ومع الاحتلال البريطاني تم ربط مصر، سياسيًّا واقتصاديًّا ونقديًّا، بالاقتصاد البريطاني الاستعماري/الصناعي. وصارت زراعة الأرض مرتبطة بما تحتاجه الأسواق البريطانية، وبالتالي ما تحتاجه السوق الدولية، وبصفةٍ خاصة ما تحتاجه من محصول القطن، وهو الأمر الذي تأكد حينما تولى الخديو عباس الثاني (١٨٩٢–١٩١٤م) الحكم؛ حيث اهتم بالزراعة، فزادت المساحة الزراعية من ٥ ملايين فدان إلى ٧ ملايين، وكانت الأراضي التي تُزرَع قُطنًا نحو ٩٠٠ ألف فدان، فصارت مليونًا ونصف المليون فدان، وكانت غلة القطن سنة ١٨٩١م نحو ٤ ملايين و٦٠٠ ألف قنطار، فصارت ٧ ملايين قنطار.٣٢ كما أنشأ مدرسة الزراعة، والمعارض الزراعية، والبنك الزراعي. وكانت قناطر أسيوط وخَزَّان أسوان من أهم مشروعات الري في تلك الفترة.
بيد أن كل هذه الطفرات كانت في إطارٍ من هيمنة الأجانب على مساحاتٍ كبيرة جدًّا من الأرض؛ فإذا كانت ملكيات المصريين للأرض تُقسَّم عادة بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، فإن ملكية الأجانب كانت كبيرةً جدًّا دائمًا، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الشركات؛ ففي سنة ١٩١٩م بلغَت نسبة الملكيات الكبيرة للأجانب ٩٢٫٩٪ من مجموع الملكيات الأجنبية، و٩٣٫٠٪ في عام ١٩٢٩م، و٩١٫٢٪ في عام ١٩٣١م ثم وصلَت إلى ٩٠٫٩٪ في عام ١٩٤٩م، مع الأخذ في الاعتبار أن حجم ملكية الأجانب كان يتأثر ارتفاعًا أو انخفاضًا بالوضع السياسي في البلاد؛ ففي أعقاب معاهدة ١٩٣٦م وإلغاء الامتيازات الأجنبية في ١٩٣٧م بموجب معاهدة مونتريه انخفَضَت نسبة ملكياتهم انخفاضًا كبيرًا فبلغَت حوالي ٧٠٠٠٠ فدان، وإلى ١٠٠٠٠ فدانٍ تقريبًا في عامَي ١٩٤٨م / ١٩٤٩م، كما أن قانون الشركات الذي صدر في عام ١٩٤٧م حدَّ من نشاط الأجانب في امتلاك الأراضي.٣٣

٦

ولسوف تشهد الفترة التالية لقيام حركة يوليو في عام ١٩٥٢م، ليس الحد من نشاط الأجانب فحسب، وإنما كذلك خروجهم من البلاد. ويمكن أن نرى الفترة التالية لأحداث يوليو على مرحلتَين: الأولى: من ١٩٥٢–١٩٥٦م، وكانت أغلبية المشروعات رأسماليةً مملوكة لأفراد، وبصفةٍ خاصة في مجال الصناعة. وفي إطار تشجيع مبادرة الرأسمال الفردي لم تمارس الدولة سوى الدور الرقابي على الاقتصاد القومي. أما المرحلة الثانية، وهي التي تمتد من بعد عام ١٩٥٦م حتى أوائل السبعينيات، فقد قام الجيش بحركةِ تأميمٍ شاملة للأراضي والمصانع والمنشآت والوكالات التجارية، في سبيل إعادة هيكلة الاقتصاد القومي على نحوٍ صناعي من أجل بناء اقتصادٍ مستقل، ولكن، أيضًا، في إطار السوق الرأسمالية العالمية، وابتداءً من رأسمالية الدولة!

والواقع أن محاولة إعادة هيكلة الاقتصاد القومي المستقل والمعتمد على الذات، وإن كانت في إطارٍ رأسمالي، لم تأتِ على نحوٍ مفاجئ؛ فقد تم الاستفادة من البناء الصناعي السابق والذي كان له الدور الحاسم في تجربة ناصر. كما تم التمهيد لها ابتداءً من العشرينيات بدءًا بقيام بنك مصر، بإنشاء مجموعة من الشركات المصرية، تساهم فيها رساميلُ مصرية، منها: مصر لحلج الأقطان ١٩٢٤م، ومصر للنقل والملاحة النهرية ١٩٢٥م، ومصر لغزل ونسج القطن ١٩٢٧م، ومصر للكتان ١٩٢٧م، ومصر لتصدير الأقطان ١٩٣٠م، ومصر للطيران ١٩٣٢م، ومصر للتأمين ١٩٣٤م، ومصر للسياحة ١٩٣٤م، ومصر للملاحة البحرية ١٩٣٤م، ومصر لصناعة وتجارة الزيوت ١٩٣٧م، ومصر لصناعة الأسمنت ١٩٣٨م، ومصر للحرير الصناعي ١٩٤٧م؛٣٤ بناءً عليه، يمكننا تحديد الخطوط العريضة التي تحدد اتجاه الاقتصاد، بل والمجتمع، خلال الفترة من الخمسينيات إلى أوائل السبعينيات من القرن العشرين كما يلي:
  • ابتداءً من الاستفادة من البناء الصناعي السابق تكوينه، تم تحويل ملكية وسائل الإنتاج من ملكيةٍ خاصة فردية، إلى ملكيةٍ خاصة للدولة عن طريق التمصير والتأميم.

  • سيطرة الدولة على الصناعة والخدمات. وعلى الرغم من الحروب التي دخلتها مصر في هذه الفترة وتوتُّر العلاقات مع الإمبريالية العالمية ممثلة في إنجلترا وفرنسا، مع وضع العراقيل أمام الاقتصاد المصري، فقد تم التوسع في البناء الصناعي، من خلال حركةِ تصنيعٍ شاملة، مما انعكس على زيادة الوزن النسبي للصناعة من ١٥٪ (١٩٥٢م) إلى ٢٢٪ (١٩٧٠م). مع ارتفاع العاملين بالقطاع الصناعي من ٢٠٫٨٪ (١٩٤٧م) إلى ٥٠٫٤ (١٩٦٦م)، وانخفاض العاملين بالقطاع الزراعي من ٤٣٫٨٪ (١٩٤٧م) إلى ٩٫٢٪ (١٩٦٦م)، مع اتجاه القوى العاملة نحو قطاع الخدمات من ٣٢٫٣٪ (١٩٥٩م) إلى ٣٦٫٨٪ (١٩٧٤م). وتمكنت المصانع المصرية من أن تنتج: السيارات وعربات السكك الحديد وأسطوانات الغاز ومواقد وأفران وسخانات البوتاجاز ومحركات الديزل والدفايات والتليفزيونات والراديوهات وإطارات السيارات. مع الأخذ في الاعتبار أن الاقتصاد تمكن من تحقيق الفائض، ومن ثَمَّ تصدير العديد من السلع منها: غزل القطن والأقمشة القطنية والأقمشة الصوفية والبصل المجفَّف والثوم المجفَّف والخضروات المجفَّفة والجمبري المجمَّد والسردين المعلَّب والنبيذ والسكر والنفط والأثاثات الخشبية والأحذية والأسمنت والإطارات وخام المنجنيز.

  • كان من أبرز الملامح في خريطة توزيع الملكية الزراعية عشية ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، التركيز الشديد في ملكية الأرض الزراعية، والتزايد المستمر والسريع في عدد صغار الملَّاك الزراعيين بالنسبة لرقعة الأرض الزراعية؛ فحوالي ٠٫٤٪ من ملَّاك الأراضي الزراعية يملكون ٣٤٫٢٪ من المساحة المزروعة في مقابل ٧٢٪ منهم يملكون ١٣٫١٪ من هذه الأراضي. والواقع أن الفشل كان حليف جميع المحاولات العديدة من قِبل القوى الاجتماعية لإحداث التعديل في خريطة توزيع الملكية في الريف قبل ١٩٥٢م؛ فقد أعلنت البرجوازية الحاكمة رفضها التام لأي تقييد للملكية الزراعية. وهو الإجراء الذي اتخذته حكومة يوليو، وقامت بإعادة توزيع نحو مليون فدان لصالح صغار الفلاحين مما أدى إلى توسيع قاعدة الملكية في مرحلة أولى، فتفتيتها في مرحلةٍ ثانية، ثم تركيزها في مرحلةٍ ثالثة؛ حينما ابتلعَت الملكيات الكبيرة الملكيات القزمية.٣٥

٧

ومع بدايات فترة السبعينيات وازدياد العجز، المزمن، في الميزان التجاري من ٧٨٫٦ مليون جنيه (١٩٥٢م) إلى ٨٧٥٫٢ مليون جنيه (١٩٧٧م)، يأخذ الاقتصاد المصري اتجاها مختلفًا نسبيًّا. فلقد شهدت حقبة السبعينيات تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي،٣٦ والتي بدت بمثابة إعادة تشكيل للبنية الاجتماعية على نحوٍ جديد. وتميزت هذه الحقبة بأمرَين: الأول: هو ذلك التسرب السافر للقيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد العمال في مصر، من خلال التكون الواضح للرأسمالية الطفيلية، كطبقةٍ ناشطة في حقل الاستهلاك، والاستيراد، دونما أي انشغال بحقل الإنتاج. ووفقًا لتصورنا عن ظاهرة تجديد إنتاج التخلف، يمكننا القول بأن هذه الفترة شهدت النموذج الواضح، بل الفاضح، لظاهرة تسرُّب القيمة الزائدة إلى خارج الاقتصاد القومي من أجل شراء السلع والخدمات الاستهلاكية المنتَجة في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي. أما الأمر الثاني الذي تميزت به حقبة السبعينيات، فهو: مساندة النظام السياسي لهذه الطبقة الرأسمالية الطفيلية؛ الأمر الذي أدى إلى انتشار التوكيلات التجارية الأجنبية التي ساعدت التشريعات على ظهورها وانتشارها. هنا نجد ظاهرة ممارسة كبار الموظفين، وكبار رجال الدولة ﻟ «بيزنس» ضخمٍ من خلال هذه التوكيلات إما بأسمائهم أو بأسماء أبنائهم وزوجاتهم، وهو الأمر الذي أدى إلى نتائجَ كارثية على البنية الاجتماعية؛ فلقد هيمنت ثقافة الكسب السريع، وغير المشروع، والإثراء الفاحش، وبالتبع سادت أنماط الاستهلاك البذخي. في الوقت نفسه تدهورت مستويات معيشة غالبية السكان، وازداد الاستقطاب الاجتماعي، وتدهورت بالتالي القوة الشرائية للأجور، مما قاد إلى إحباطٍ عام، وبصفةٍ خاصة بين صفوف الشباب؛ فصار الشباب بين أمرَين: إما أن يسلك سلوكًا انسحابيًّا من المجتمع، والمخدرات الأشد فتكًا بأنواعها المختلفة كانت تتمتع بالوفرة النسبية، أو يندمج في جماعات التمرد الديني والعنف المسلح، في محاولةٍ يائسة للهروب من سراب البحث في معنى الحياة والهدف منها.٣٧ وعلى وجه الإجمال يمكن أن نميز بين بنيتَين اجتماعيتَين، الأُولى في الريف، والثانية في الحضر. أما الأُولى فهي تشمل: أغنياء الفلاحين، ومتوسطي الفلاحين، والشرائح الوسطى من الإداريين والفنيين، وصغار الحائزين، والعمال الأُجراء، وفقراء الفلاحين. أما الثانية فتشمل: الرأسمالية المحلية في القطاع الخاص، والبيروقراطية، والمواقع الوسطي، والعمال الأُجراء، وفقراء الحضر.٣٨

٨

ومع الثمانينيات، واستمرارًا لتنفيذًا لشروط صندوق النقد الذي تضخم نفوذه وطغت تصوراته على سياسات رجال الدولة وأفكارهم. ومع تبني النظام الحاكم لاقتصاد السوق بالتزامن مع الانسحاب التدريجي للدولة من النشاط الاقتصادي بتصفية شركات القطاع العام أو دمجها أو بيعها للرأسمال الخاص، وتشجيع الرأسمال الأجنبي بالمقابل. ومع استكمال سياسات تصدير العمالة المصرية للخارج، وبلدان الخليج بخاصة؛ وبالتالي استيراد ثقافة الصحراء. يتعمق، بدرجة أو بأخرى، إدماج الاقتصاد في النظام الرأسمالي العالمي كأحد أجزائه المتخلفة من جهة، وإعادة تشكيل ثقافة المجتمع بأَسْره من جهةٍ أخرى. في هذا الإطار تبلورت، بصفةٍ خاصة مع نهايات التسعينيات، علاقات الصراع بين السلطة السياسية والرأسمال، والتواطؤ بينهما في نفس الوقت. حتى ثارت الجماهير في محاولة، فشلت، لإسقاط نظامٍ استنزف موارد البلاد طيلة أربعة عقودٍ من تسرب القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد المصريين.

٩

والآن، في عام ٢٠١٩م، يمكن النظر إلى المجتمع المصري، على صعيد العملية الإنتاجية، كفلاحين، وعمال، ورأسماليين، وموظَّفين، وجنرالات، وداخل كل طبقة من هذه الطبقات نستطيع أن نميز بين شرائح وفئاتٍ مختلفة؛ فطبقة الفلاحين تُوجد داخلها شرائحُ تمثل كبار ملَّاك الأراضي، والطبقة الريعية، التي عملت على تفتيتها حركة يوليو ١٩٥٢م، وشرائحُ أخرى تتمثل في صغار الملاك، والمزارعين الأجراء. دون إغفال المعدَّمين. وداخل طبقة العمال نجد عمال النفط، كفئاتٍ ذات امتيازٍ نسبي، إلى جوار عمال المصانع وعمال اليومية المسحوقين، وداخل الطبقة الرأسمالية نميز أيضًا بين الرأسمالية الصناعية والرأسمالية التجارية والرأسمالية المالية، وداخل فئات الموظفين نجد كبار رجال الحكومة كما نجد الموظفين تحت خط الفقر. أما الجنرالات والجيش فيمكن، من جهةٍ أولى، ملاحظة أن القوات المسلحة المصرية لا تُعد قواتٍ حرفية، بمعنى أن الأغلبية الساحقة، والتي تمثل القاعدة، هي أغلبية مجندة، أي تم إلحاقها إجباريًّا بالخدمة العسكرية. وهو الأمر الذي يعني من جهةٍ ثانية: أن تلك القاعدة، المجندة إجباريًّا، إنما تمثل في واقعها الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب على اختلاف مهنهم وبيئاتهم؛ إذ هناك الحداد، والنجار، والمحامي، والمهندس، والشماس، وإمام الجامع … إلخ. وهو الأمر الذي يؤدي من جهةٍ ثالثة: إلى أهمية إعادة النظر إلى القوات المسلحة على أساس انقسامها إلى قسمَين أساسيَّين: القسم الأول: قاعدة عريضة جدًّا تضم مختلف فئات الشعب؛ أما القسم الثاني: فنخبة من الجنرالات، تمثل القمة، وترتبط مصالحها بمصلحة الرأسمالية العالمية بعد انخراط تلك النخبة من الجنرالات (كمؤسسة) في عالم الأعمال الدولي (البيزنس). كما تُوجد شريحةٌ وسطى بين القاعدة وبين القمة، وهي التي يتم الدفع بها نحو الحصول على مؤهلاتٍ علمية أعلى في تخصصاتٍ مختلفة كي يتم إلحاقها بمختلف مؤسسات ومرافق وهيئات ومصالح الدولة، بما يضمن ولاء تلك الشريحة، من جهة، وإحكام السيطرة على الدولة، بترسيخ وجود القوات المسلحة في جميع قطاعات الحكومة، من جهةٍ ثانية.

ثانيًا: تسرب القيمة الزائدة في مصر

بعد أن تعرفنا إلى الخطوط العريضة التي حددت تاريخيًّا مسار الاقتصاد المصري في الزمن الطويل، يمكننا الآن التعرف إلى كيفية تسرب القيمة الزائدة إلى خارج الاقتصاد المتخلف المنتج لها. وقد اقترحنا في هذا الصدد الاعتداد بمعيار «مدى التبعية» أو «مدى الاعتماد على الرأسمالية العالمية من أجل تجديد الإنتاج، بل ومن أجل تجديد وجودنا الاجتماعي اليومي» وحاصل معيارنا الذي يعتمد على قانون القيمة، هو معرفة مدى اعتماد المصريين على الرأسمالية العالمية إنتاجًا واستهلاكًا، من خلال التعرف إلى نسبة متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية، التي تلتهم القيمة الزائدة، إلى نسبة متوسط نصيب الفرد من المنتوج المحلي السلعي الإجمالي، وهو معيارٌ نفترض أنه يقيس مدى التبعية الاقتصادية للخارج بقياسه مقدار التسرب في القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد العمال الأُجراء في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي. وقد توصلنا، وفقًا لمعيارنا أعلاه، إلى أن تبعية المجتمع المصري في الفترة من عام ٢٠٠٠ إلى عام ٢٠١٦ مقدارها ٤٤٪ تقريبًا.٣٩ أي إن، وكما سنوضح بعد قليل، متوسط استخدام المواطن المصري لسلع السوق الرأسمالية العالمية، ومن ثَمَّ اعتماده عليها في حياته اليومية، يُقدَّر بأكثر من الثلث من جملة استخدامه للسلع المختلفة، بل وفي بعض سنوات الفترة المذكورة تجاوزت نسبة «التبعية» هذا المتوسط بكثير وحققت، في عام ٢٠٠٨، نحو ٦٣٪ تقريبًا، فهل صار الآن واضحًا أكثر أين تتجه القيمة الزائدة؟ هل علمنا الآن أين اتجهت القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد العمال في مصر؟ وهل اتضح ما نعنيه بالتبعية؟ لقد اتجهت القيمة الزائدة المنتجة داخل الاقتصاد المتخلف/التابع لتمويلٍ متوسط «مدى التبعية» ونسبته (٤٤٪ تقريبًا) من خلال شراء السلع المنتَجة في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي؛ أي إن ما ينتجه العمال في مصر، وبالمثل ما ينتجه العمال في بلدان الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، إنما يذهب لتدعيم صناعاتٍ معقدة ومتطورة في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي!
ومعيارنا الذي نقترحه لقياس التبعية، ابتداءً من قانون القيمة، على أساس نسبة متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية، التي تلتهم القيمة الزائدة، إلى نسبة متوسط نصيب الفرد من المنتوج المحلي السلعي الإجمالي،٤٠ من أجل قياس مقدار تسرب القيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد العمال في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، إنما يختلف جوهريًّا عن المساهمات التي ادعت انشغالها بقياس التبعية، على الرغم من أن بعض هذه المساهمات، مثل مساهمة د. إبراهيم العيسوي على سبيل المثال، تعتد ضمن عشر مجموعات، بنسبة الواردات إلى المنتوج المحلي الإجمالي، إلا أن هذا الاعتداد إنما ينبني، مثل جُل المساهمات،٤١ بعيدًا عن قانون القيمة، ومن ثَم تمسي النتائج مختلفة، فنحن نخلص، وفقًا لمعيارنا المرتكز على قانون القيمة، إلى أن الاقتصاد تابع لأنه يعتمد على الرأسمالية العالمية في سبيله إلى تجديد إنتاجه الاجتماعي، ومن ثَم فهو فاقد للسيطرة على الشروط الموضوعية التي تمكنه من هذا التجديد دون أن يعتمد على الخارج. في حين أن المساهمات الأخرى لا تستطيع أن تضع يدها على بيت الداء؛ لأنها في الواقع لا تستهدفه بالأساس، وتنطلق، بكل حرية، ربما مفرطة، على صفحات الحديين والكينزيين والنقديين كي تدرس مفردات الاقتصاد القومي ككل.٤٢ وفي المنتهى لا تقول لنا إلا ما نعلمه، كأُناسٍ عاديين أو باحثين، من أن الاقتصاد سيئ الأداء، مشوَّه الهيكل، والشعب فقيرٌ جاهل، والعملة الوطنية متدهورة القيمة، والتضخم مستشرٍ، والاستثمار متراجع، والركود متزايد، بل ربما قالت لنا إن درجات الحرارة غير مستقرة … إلخ! فإن أفضل ما لدى جُل المساهمات في حقل التبعية، وكما تراها هي، كي تقوله هو: أن الاقتصاد واهنٌ سقيم. ونحن نعلم ذلك! يجب أن تتكاتف الجهود الوطنية المخلصة كي تنقذه وتقيله من عثراته. ونحن نعلم ذلك أيضًا ولا جديد! وعلى الفور نقرأ ونسمع سيلًا من المقترحات (خارج علم الاقتصاد السياسي) توصي أولًا بمسحٍ شامل للاقتصاد (تقريبًا وفق مؤشرات البنك الدولي!) فإذا ما وجَدتَ، وحتمًا ستجد، الاقتصاد القومي المتخلِّف يعاني من التضخم والكساد والبطالة والركود … إلخ، انتقلتَ إلى المرحلة الثانية التي تُوصي فيها، ولو ضمنًا، بالنظر إلى ما هو متبَع من سياساتٍ اقتصادية في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي والمناداة، ربما العُصابية أحيانًا، بتطبيقه حتى يمكن إصلاح الاقتصاد! ويكون من لوازم هذا النداء، النداء بضرورة الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية على الرغم من أن نفي التبعية مرتهن بمدى رفض الاعتماد على هذه السوق العالمية من أجل تجديد الإنتاج الاجتماعي في الاقتصاد المتخلِّف، التابع؛ أي إن نفي التبعية يكون بالتنمية المستقلة المعتمدة على الذات. بيد أن ما نستنتجه من المساهمات التي تعتنق التصورات الحدِّية، أو الكينزية في أفضل الأحوال، هو أن الخروج من التبعية يكون باتباع سياسات الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر!

إن التبعية، كما نفترضها، هي أن يفقد المجتمع الاستقلالية الاقتصادية؛ يفقد القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي.

والمجتمع يفقد الاستقلالية الاقتصادية حينما تتسرب القيمة الزائدة المنتجة داخله، بفضل عرق العمال، صوب الأجزاء المتقدمة؛ وبالتالي يفقد المجتمع القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي حينما يمسي عاجزًا عن الإنتاج دون أن يعتمد على السوق الرأسمالية العالمية التي تحتكر إنتاج وسائل الإنتاج التي يعتمد عليها المجتمع المتخلف، التابع، في سبيله إلى تجديد إنتاجه السنوي، بل وفي سبيله إلى تحقيق وجوده الإنساني اليومي؛ الأمر الذي يجعلنا نسأل سؤالًا واحدًا، ومحددًا، هو: ما مقدار اعتمادنا، نحن أبناء الأجزاء المتخلفة، على الرأسمالية العالمية في سبيلنا إلى تجديد إنتاجنا الاجتماعي السنوي، وتحقيق وجودنا الإنساني والاجتماعي اليومي؟

هذا السؤال هو ما نعتبره «سؤال التبعية». وهو السؤال الذي لا يمكن، في تصورنا، مناقشته إلا ابتداءً من قانون القيمة. وقانون القيمة فقط. أما البحث في مفردات الاقتصاد القومي ككل، وفقًا لنظريات البنك الدولي، والمؤسسة التعليمية الرسمية، فنحن في الواقع لا ننكره ولا نرى مبررًا لإهدار نتائجه، وإنما لا نتجاوز به حدوده التي لا ينبغي له أن يتعداها كبحث ينتهج التصورات الحدية ولا يرى الاقتصاد القومي إلا من خلال معدَّلات التضخم، وبيانات البطالة والفقر، ونسب الجوعى والمرضى، وإحصاءات الدخل … إلخ؛ لأن هذه الدراسات على هذا النحو تنشغل بعمل أبحاث، إنما حدِّية/آنية، في المشكلات الآنية للاقتصاد المَعنيِّ دون أن تثير الكيفية التاريخية التي شكَّلَت هذا اﻟ «آن» الذي تبحثه!

إن دراسة الاقتصاد (بوجهٍ عامٍّ جدًّا) من الأمور السديدة منهجيًّا بلا شك (إنما بشكلٍ جزئي) بل من الواجب علميًّا، في مرحلةٍ منهجية أُولى، أن يُدرَس الاقتصاد القومي، آنيًّا، من جوانبه كافة، إنما من غير الصحيح، في تصوُّري، هو أن نُسمِّي هذا البحث (العام جدًّا) بحثًا في التبعية؛ لأن التبعية كمقياس لظاهرة تجديد إنتاج التخلُّف الاقتصادي والاجتماعي إنما يتعين أن تقيس مدى اعتماد الاقتصاد القومي على الرأسمالية العالمية في سبيل تجديد المجتمع لإنتاجه السنوي؛ تقيس مدى فقد المجتمع للسيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي؛ تقيس مدى فقد المجتمع للقدرة على الإنتاج المستقل المعتمد على الذات؛ تقيس مدى تسرُّب القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد العمال في الاقتصاد القومي المتخلِّف إلى خارجه صوبَ الأجزاء المتقدمة من أجل شراء وسائل الإنتاج اللازمة لتجديد الإنتاج. وحينئذٍ يمكننا تكوين الوعي بالأزمة المركزية؛ وبالتالي طرحها على نحوٍ صائب يمكِّن من تجاوزها.

أما البحث في مفردات الاقتصاد القومي، ابتداءً من تصورات حدِّية/آنية، وفقًا لمؤشرات البنك الدولي، والنظرية الرسمية التي يُعدِمون بها الطلبة في الجامعات، كي نصل إلى أن الاقتصاد واهنٌ كاسدٌ متصدع الهيكل، ثم نُسمي ذلك تبعية! فهذا ما نتصور أنه في حاجة إلى مراجعة، على الأقل من أجل تصحيح فهم التبعية نفسها، وفهمها فهمًا ناقدًا بقصد الخروج منها. وهو ما يتطلب فهمها فهمًا متجاوزًا للرؤى الخطية والتصورات الميكانيكية. فهمها ابتداءً من قانون القيمة؛ فقانون القيمة بمفرده، ودون ادعاء امتلاك ناصية الحقيقة الاجتماعية، هو القادر على أن يشرح التبعية بمعناها المفترض صحته؛ وبالتالي يمكننا من النفي التاريخي لها كمقياسٍ لتجديد إنتاج التخلف الاقتصادي والاجتماعي.

جدول ٦-١: الميل العام لتبعية الاقتصاد المصري للسوق الرأسمالية الدولية في الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠١٦م.*
السنة متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية متوسط نصيب الفرد من المنتوج المحلي السلعي الإجمالي معدَّل التبعية ٪
٢٠٠٠ ٠٫٧٦ ٢٫٦ ٢٩٫٢٣
٢٠٠١ ٠٫٧٧ ٢٫٦٧ ٢٨٫٨٣
٢٠٠٢ ٠٫٨٤ ٢٫٩٣ ٢٨٫٦٦
٢٠٠٣ ٠٫٩٤ ٣٫٣٢ ٣٢٫١٢
٢٠٠٤ ١٫١٥ ٣٫٦٥ ٣١٫٥٠
٢٠٠٥ ١٫٦٢ ٤٫١١ ٣٩٫٤١
٢٠٠٦ ١٫٦٢ ٤٫٧٠ ٣٤٫٤٦
٢٠٠٧ ٢٫٠٨ ٥٫٩ ٣٥٫٢٥
٢٠٠٨ ٣٫٨٦ ٦٫١ ٦٣٫٢٧
٢٠٠٩ ٣٫٢٨ ٦٫٧٢ ٥٣٫٧٧
٢٠١٠ ٣٫٨٢ ٧٫٦٧ ٤٩٫٨٠
٢٠١١ ٤٫٦١ ٨٫٥٢ ٥٤٫١٠
٢٠١٢ / ٢٠١٦ ٤٫٨٠ ٩٫٨
المتوسط العام للتبعية في الفترة ٢٠٠٠–٢٠١٦م = ٤٣٫٨٩٪
المصدر: حسبت بالاعتماد على المقارنة والمقاربة والترجيح بين الأرقام الواردة في التقارير الآتية: “Report of the World Development” (1993) (1998) (2010) (2011) (2012) (2013) (2014) (2015) (2016). “CIA-The world fact book” (2008) (2009) (2010) (2011) (2012) (2013) (2015) (2016). “Human Development Report” (2010) (2011) (2012) (2014) (2016). “Report of the World Social Situation” (2009) (2010) (2011) (2012) (2013) (2015) (2016). “World Economic Outlook” (2010) (2011) (2012) (2013) (2015) (2016). I“nternational Financial Statistics” (March 2010) (May 2011) (May 2012) (March 2013) “Education for All by 2015. Will we make it?” (2008). “Yearbook of Labour Statistics” (2009) (2010) (2011) (2015).

ثالثًا: تسرب القيمة الزائدة في العالم العربي

وليكن عالمنا العربي نموذجنا الثاني لفهم وتحليل فرضية تسرُّب القيمة الزائدة، وللتعرف إلى مدى اعتماد الاقتصادات العربية على ما يحدث خارجها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي حين تجديدها لإنتاجها على الصعيد الاجتماعي. والجدول التالي٤٣ يوضح مقدار «تسرُّب القيمة» الزائدة في قطاعٍ واحد، ربما الأهم نسبيًّا، وهو القطاع الزراعي في الفترة ٢٠١٢-٢٠١٣م.
جدول ٦-٢
البلد عدد السكان (بالمليون نسمة) القوة العاملة في قطاع الزراعة (٪) من إجمالي العاملين المنتوج الزراعي (بالمليون دولار) الصادرات (بالمليون دولار) الواردات (بالمليون دولار)
الأردن ٦٫٢٠٠ ٨٫٨ ٧٣٠ ٦٠٦ ٢٥٠٠
الإمارات ٨٫٢٦٤ ٥٫٢ ٢٫٦٥٥ ١٧٩٠ ٤٧٠٠
البحرين ١٫٣٠ ٢٫٤ ٩٣ ٢٥٧ ٥٩٠
تونس ١٠٫٥٠٠ ١٦٫٢ ٣٫١٧٥ ٢٩٠٠ ٢٤٤٩
الجزائر ٣٥٫٨٠٠ ١٣٫١ ١٣٫٤٨٥ ٢٦٠ ٧٥٨٥
جيبوتي ٩٢٣ ٧٤٫٩ ٣٦ ٢٢ ١٥٠
السعودية ٢٧٫٥٢٢ ٤٫١ ١١٫٢٠٤ ٢٨٠٠ ١٨٨٢٢
السودان ٤١٫١٦٠ ٤٤٫٥ ٢٢٫٧٨٥ ١٧١ ٤٨٠
سوريا ٢٠٫١٢٥ ١٣٫٩ ١٢٫٢١٥ ٢٢٦٥ ٣٢٥٤
الصومال ١٠٫٤٩٠ ٣٥٫٥ ٢٢ ٥٩٠
العراق ٣٣٫٤٠٨ ١٤٫٠ ٧٫٢٩٨ ١٠ ٢٠٠٠
عمان ٣٫٤١٥ ٢٠٫٥ ٨٥٧ ٣٥٠ ٢٥٨٩
فلسطين ٧٫٩٠٠ ٧٢ ٣٥٤
قطر ١٫٦٩٩ ١٫٦ ٢٨١ ١٠ ٤١٥
الكويت ٣٫٥٥٤ ١٫٨ ٢٦٢ ١٨٠ ١٩٢٠
لبنان ٤٫٠١٨ ٢٫٢ ١٫٩٦٣ ٣٦٠ ٢٢٦٥
ليبيا ٧٫٧٧٤ ٤٫٩ ١٫٦٣٢ ٧ ٢٠٦٩
مصر ٨٣٫٦٨٢ ٢٩٫٩ ٢٩٫١٣٥ ٣٦٠٠ ٦٩٤٠
المغرب ٣١٫٥٨٩ ٤٢٫٦ ١٢٫٥١٠ ٣٨٠٠ ٤٢٣٣
موريتانيا ٥٫٧ ٤٦٫٥ ٥٧٥ ٦٤ ٩٥
اليمن ٢٣٫١٥٤ ٣٦٫٩ ٣٫٤٩٢ ٣٨٩ ٢٢٥٦
وعلى هذا الجدول لنا الملاحظات الآتية:
  • (١)

    من العبث أن يُدرس الاقتصاد العربي ككلٍّ واحد؛ إذ الواقع يؤكد عدم تجانُس الاقتصادات العربية، وإنَّ الأخذ بالمتوسطات الحسابية، التي تُخفي أكثر مما تظهر، يُعَد خطأً علميًّا فادحًا إذا ما تم استخلاص نتائج (نهائية) بناءً عليها؛ فثمة بلدان تحقق فائضًا نسبيًّا، وأخرى لديها نقصٌ شديد. وثَمَّةَ بلدان تعداد سكانها يفوق عشرات المرات تعداد سكان بلدانٍ أخرى. وثَمَّةَ بلدان يكون نصيب الفرد فيها مرتفعًا، وأخرى منخفضًا. وثَمَّةَ بلدان يعمل جُل سكانها بالزراعة ومع ذلك تستورد طعامها من الخارج، وبلدانٌ أخرى يندر بها النشاط الزراعي، فكيف يتم درس اقتصاداتٍ غير متجانسة بهذا الشكل، بل ومع افتراض تجانسها؟ إذ الشائع في درس الاقتصادات العربية هو درسها ككل، كوحدةٍ واحدة. والاعتماد على الأرقام الإجمالية التي قد تُقدِّم صورةً أحيانًا وردية في بعض القطاعات والبنود، وإنما زائفة في مجموعها!

  • (٢)

    بعد خصم قيمة الواردات، في قطاع الزراعة، فإن المنتوج الزراعي الكلِّي لا يفي بحاجات السكان في غالبية بلدان العالم العربي! ربما باستثناء، ونسبيًّا: بلدان الإمارات، والبحرين، وجيبوتي، والسعودية، وعُمان، وقطر، والكويت، ولبنان، وليبيا، وموريتانيا.

  • (٣)

    فوائض الزراعة والثروة السمكية في بعض بلدان العالم العربي، مثل: السودان ومصر ولبنان والعراق وسورية، تتمثل غالبيتها في بعض أنواع الأسماك وبعض أنواع الفواكه وبعض أنواع الخضروات، مع نقصٍ (شديد أحيانًا) في المنتجات الزراعية الأساسية كالحبوب والدقيق والأرز والشعير والبطاطس والبقوليات واللحوم والزيوت والألبان ومنتجاتها.

  • (٤)

    تُوجد بلدان تتوقف عملية إطعام السكان فيها على ما يحدث خارجها في النظام الرأسمالي العالمي، مثل الأردن والإمارات والبحرين والسعودية وعمان وقطر والكويت ولبنان وليبيا؛ فهي بلدان تستورد طعامها من الخارج بنسبةٍ كبيرة؛ حيث لا يفي إنتاجها بحاجات السكان. وتلك البلدان إنما تمول عملية استيراد الغذاء من خلال القيمة الزائدة المنتَجة بسواعد العمال في قطاعاتٍ أخرى، كقطاع الصناعة، الاستخراجية عادةً، والخدمات. وذلك بالنظر إلى نوعية وكمية الصادرات والواردات كما سنرى لاحقًا.

  • (٥)

    تفاوُت مستوى الإنتاجية يُعد من الخصائص اللصيقة بالاقتصادات العربية؛ فمثلًا: ما ينتجه مزارعو وفلاحو الأردن يُنتَج ضعفه تقريبًا في دولة الإمارات. وما يُنتَج في تونس يُنتَج ثلاثة أضعافه في المملكة العربية السعودية، وما يُنتَج في العراق يُنتَج ضعفه في الجزائر. وما يُنتَج في موريتانيا يُنتَج ستة أضعافه تقريبًا في مصر!

  • (٦)

    يؤدِّي كلٌّ من: اختلاف سعر صرف العملة، والإنتاج من أجل السوق، وإنما السوق الرأسمالية الدولية، الدور الحاسم في هيكل الزراعة العربية؛ فالرأسمال المستثمر في قطاع الزراعة لا يهمه سوى الربح، سواء تحقق بإطعام أهل البلد الذي يستهلك أرضه، أم خارجه.

  • (٧)

    ومن هنا كان الإنتاج دائمًا من أجل السوق، وليس من أجل تأمين الاكتفاء الذاتي للمجتمع، أو تنمية معتمدة على الذات، وفك الروابط مع الرأسمالية العالمية؛ إذ في بعض البلدان، تونس مثلًا، يستطيع إجمالي الإنتاج الزراعي تأدية دوره النموذجي في خلق الشخصية الوطنية المستقلة في مواجهة الرأسمالية الدولية في توسعها المستمر؛ إذ يُقدَّر الإنتاج الزراعي، وفقًا لأرقام ٢٠١١م، بنحو ٣٫١٧٥ مليار دولار، يُصدِّر تونس منهم ٢٫٩٠٠ مليار دولار، ويستورد في المقابل نحو ٢٫٤٤٩ مليار دولار! يتعين هنا الوعي بعلاقات الملكية العقارية، وتركيبة الطبقات المهيمنة وتكوُّنها التاريخي في ركاب الرأسمال الأجنبي!

  • (٨)

    ثَمَّةَ بلدان، مثل المملكة العربية السعودية قُدِّر منتوجه الزراعي، وفقًا لأرقام ٢٠١١م بنحو ١١٫٢٠٤ مليار دولار، كما قُدِّرت قيمة صادراته بنحو ٢٫٨٠٠ مليار دولار، في الوقت الذي قُدِّرت قيمة الواردات بما يقارب ١٩ مليار دولار؛ أي إن المجتمع السعودي يحصل على جُل غذائه من السوق الدولية! (يتعين هنا الوعي بتفاصيل عقود التخصيص التي تحصلت عليها المملكة في الأراضي السودانية).

  • (٩)
    بلدٌ أخر مثل السودان،٤٤ قُدِّر منتوجه الزراعي في عام ٢٠١١م، بنحو ٢٢٫٧٨٥ مليار دولار، وبعد خصم الصافي الزراعي، وقدره ٣٠١ مليون دولار، فيكون السودان قد حقق نحو ٢٢٫٤٨٤ مليار دولار! ولم يزل السودان يجدد يوميًّا تخلفه! لماذا؟ لأن، أولًا: جُل هذا المنتوج لصالح رأسمالٍ خاص أجنبي يستهلك أرضه (سعودي، إماراتي، تركي، كوري جنوبي). ثانيًا: لأنه يُعد مثالًا نموذجيًّا، ليس لإهدار الفائض٤٥ كما هو شائع، وإنما لتسرُّب القيمة الزائدة التي تم إنتاجها داخله من أجل استيراد كل ما هو ضروري ولازم لتجديد الإنتاج على الصعيد الاجتماعي!

    وللانتقال منهجيًّا خطوة أكثر تقدمًا، يتعين أن نعاين هيكل الصادرات والواردات في ضوء المنتوج المحلي الإجمالي في الفترة ٢٠٠٩–٢٠١٢م.

ولسوف نعتد في الجدول ٦-٣٤٦ بالمنتوج المحلي الإجمالي في قطاعات الإنتاج السلعي (أي: الزراعة والصيد، والصناعات الاستخراجية، والتشييد، والكهرباء، والغاز، والماء) من دون الاعتداد بقطاع الخدمات مثل التجارة والمطاعم والفنادق والتمويل والتأمين والمصارف، وقطاع الخدمات الاجتماعية (الإسكان والمرافق، والخدمات الحكومية) إذ يعكس الإنتاج المادي، السلعي، صورةً أوضح نسبيًّا تسعفنا في سبيل شرح فرضيتنا الخاصة بتسرب القيمة الزائدة.
جدول ٦-٣
البلد المنتوج المحلي الإجمالي من السلع (من دون الخدمات بالمليار دولار) الدين الخارجي بالمليار دولار الصادرات بالمليار دولار أنواع السلع المصدَّرة الواردات بالمليار دولار (تسرب فعلي) أنواع السلع الواردة الإنفاق العام بالمليار دولار (تسرب محتمل)
الأردن ٧٫٩٠٥ ٨٫٣٤٥ ٨٫٢١٨ ملابس، أسمدة، بوتاس فوسفات، خضروات، فواكه، مواد صيدلانية ١٧٫٧٣ نفط خام، آلات، معدات النقل، اتصالات سلكية ولاسلكية، حديد، حبوب، مواد غذائية، سلع رأسمالية ٨٫٠٥١
تونس ١٤٫٧٦٨ ٢٤٫٥٠ ١٧٫٨٧ ملابس، سلع نصف مصنعة، منسوجات، منتجات زراعية، فوسفات، مواد كيميائية، هيدروكربونات ٢٣٫٤٩ منسوجات، آلات، معدات نقل وأجزاؤها، مواد هيدروكربونية، مواد كيميائية، مواد غذائية، إلكترونيات، سلع رأسمالية، مواد لصناعة الورق ١٣٫٤٦٦
جيبوتي ١٢٤ مليون دولار ٨٠٢٫٩ مليون دولار ١٠١٫٧ مليون دولار جلود، بن ٤٦٥٫١ مليون دولار أطعمة، مشروبات، معدات النقل وأجزاؤها، آلات، كيماويات، منتجات بترولية، أسلحة، ذخائر وأجزاؤها ٤٢٤ مليون دولار
سوريا ٣٢٫٢٨٠ ٨٫٨٩٠ ٤٫٩٨١ نفط خام، معادن، منتجات نفطية، فواكه، خضروات، ألياف، قطن، منسوجات، لحوم حية، ملابس، قمح ١٧٫٦ آلات، معدات النقل، آلات الطاقة الكهربائية، مواد غذائية، ثروة حيوانية معادن، منتجات معدنية، كيماويات، مواد كيماوية، بلاستيك، غزل، أسلحة ١٥٫١٩٦
الصومال ٥٫٨٩٦ ٣٫٢٥٤ ٥١٥٫٨ مليون دولار ثروة حيوانية، معادن الخردة، موز، جلود، أسماك، فحم ١٫٢٦٣ آلات، معدات، منتجات نفطية، مواد غذائية، أسلحة، ذخائر
لبنان ٩٫٥٤٣ ٣٢٫٦٤ ٥٫٦٥٥ مجوهرات، معادن، مواد كيميائية، فواكه، خضروات، تبغ، ألياف النسيج، جلود وفراء ومنتجاته، نسيج ٢٠٫٧٣ منتجات بترولية، سيارات، آلات معدات نقل، منتجات طبية، ملابس، لحوم، سلع استهلاكية، مواد صناعة الورق، أقمشة، ١١٫٣٠٨
مصر ١٠٧٫١٣٢ ٣٤٫٨٨٩ ٢٨٫٣٧ نفط خام، منتجات نفطية، قطن، منسوجات، منتجات معدنية، مواد كيميائية، أغذية المصنعة، جلود، حيوانات حية ٦٩٫٨٤ آلات، معدات، مواد غذائية، مواد كيميائية، منتجات خشبية، إلكترونيات، مواد صيدلانية، ملابس، منسوجات، منتجات معدنية، ٦٦٫٢٧٢
المغرب ٣٧٫٣١٥ ٢٩٫٤٢ ٢٢٫٢٣ ملابس ومنسوجات، معادن خام، منتجات نفطية، حمضيات، أسماك وخضروات ٤٢٫٤٩ بترول خام، نسيج، معدات وآلات إنتاج، سلع استهلاكية، اتصالات سلكية ولاسلكية، قمح، غاز، كهرباء ٢٩٫٩٢٠
موريتانيا ٢٫٠٤٧ ٢٫٩٤٢ ٢٫٨٧٨ خام الحديد، أسماك، منتجات سمكية، ذهب، نحاس، نفط ٤٫١٥٢ آلات، معدات، منتجات بترولية، سلع رأسمالية، مواد غذائية، سلع استهلاكية، سلاح، اتصالات سلكية ولاسلكية ١٫٠٣٠
اليمن ١٣٫٢٩٨ ٦٫٧٢٤ ٧٫٩٥٨ نفط خام، غاز طبيعي، أسماك جافة ومملحة ١٢٫٨٩٣ مواد غذائية، منتجات بترولية، أسلحة، ذخائر وأجزاؤها ١٠٫٢٨٨
ولقد تعمدنا الاعتداد بأرقام الفترة من ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٢م؛٤٧ للتعرف إلى الاتجاه العام للحركة، في المدى القصير، والذي يعكس في الواقع خلاصة الاتجاه الطويل في الفترة السابقة، وفي نفس الوقت يعطي بعض المؤشرات الواقعية، إلى حدٍّ ما، على الاتجاه العام في الفترة التالية على سنوات التحليل. فيمكننا إجمال بعض الملاحظات على الجدول ٦-٣، على النحو التالي:
  • (١)

    لم تزل بلدان العالم العربي، حتى بعد خروج الاستعمار الأجنبي، تمثل بالنسبة للأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي المصدر الأساسي للمواد الأولية والمواد الخام، كما يظهر في بند نوعية السلع المصدَّرة.

  • (٢)

    لم تزل بلدان العالم العربي، وحتى بعد خروج الاستعمار الأجنبي، تعتمد على السلع الإنتاجية والاستهلاكية التي تنتَج في مصانع الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي. وخطورة هذه السلع تكمن في كونها السلع التي تتوقف عليها عملية تجديد الإنتاج الاجتماعي نفسه داخل الاقتصاد القومي، مثل الآلات والمعدَّات عالية التقنية، كما يتضح من بند أنواع السلع الواردة.

  • (٣)
    يتضح من الجدول ٦-٣ أيضًا أن الواردات تلتهم جُل قيمة المنتوج المحلِّي الإجمالي، الواهن بالأساس.
  • (٤)

    وبالتالي؛ تمثل قيمة الواردات ونوعيتها، أزمةً حقيقية لغالبية بلدان العالم العربي أمام القدرة على الوفاء بالديون الخارجية من جهة، والقيام بالدور الاجتماعي للدولة المتمثل في الإنفاق على التعليم والصحة والإسكان … إلخ، من جهةٍ أخرى.

  • (٥)

    والإنفاق العام ذاته يمثل، وفي نفس الوقت، مثالًا للتسرب المحتمل في القيمة الزائدة المنتجة داخل الاقتصاد القومي إلى خارجه نحو الأجزاء المتقدمة من أجل استيراد السلع والخدمات التي تستهلكها الحكومات، أو تُوفِّرها للمواطنين مدعمة.

ومع الأخذ في الاعتبار تأكيد تحفُّظنا على التحليل الاقتصادي والاجتماعي للعالم العربي وفقًا للنظريات المبنية على المتوسط الحسابي إذا، وكما ذكرنا، استخلصت منه نتائج نهائية، فإذا ما أردنا التعرف إلى مدى تبعية البلدان العربية (غير النفطية، وهي الأشد تبعية!) للأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي وفقًا لقانون القيمة، في عامٍ واحد، وليكن عام ٢٠١٠م، فسوف نجد أن تبعية هذه البلدان تعكس صورةً واضحة للغاية لعملية التخلُّف الاجتماعي والاقتصادي كعمليةٍ اجتماعية قوامها تسرُّب القيمة الزائدة المنتَجة في هذه البلدان العربية (وهذا فحسبُ ما نريد البرهنة عليه، كفكرة، باستخدام المتوسط الحسابي)، فإذا قمنا بحساب نصيب الفرد من الواردات السلعية، المنتَجة غالبًا في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي، ونسبته إلى نصيب الفرد من المنتوج المحلي السلعي الإجمالي، في بعض البلدان العربية غير النفطية، فسنجد أن معيار «مدى التبعية» يسجل ٦٧٫٦١٪، وفقًا للجدول ٦-٤.٤٨
جدول ٦-٤
البلد نصيب الفرد من الواردات السلعية نصيب الفرد من المنتوج المحلي السلعي الإجمالي
الأردن ٢٫٨٥ ١٫٢٧
تونس ٢٫٢٣ ١٫٤٠
جيبوتي ٠٫٥٠ ٠٫١٣
سوريا ٠٫٨٧ ١٫٦٠
الصومال ٠٫١٢ ٠٫٥٧
لبنان ٥٫٨ ٢٫٢٣
مصر ٠٫٨٤ ١٫٢٩
المغرب ١٫٣٣ ١٫١٨
موريتانيا ٠٫٧٢ ٠٫٣٥
اليمن ٠٫٥٥ ٠٫٥٧
المجموع ١٥٫٨١ ١٠٫٦٩
مدى التبعية: ٦٧٫٦١٪
ومن أجل رؤية الصورة الأكبر أوضح، فلننتقل إلى الجدولَين ٦-٥ و٦-٦:
  • الأول: يوضح حجم المنتوج القومي الإجمالي وحجم الصادرات والواردات في بعض الدول المتقدمة طبقًا لأرقام ٢٠١٨م.
  • الثاني: يوضح التركيب السلعي كما في حركة الصادرات والواردات لذات الدول طبقًا لأرقام نفس العام.
جدول ٦-٥: حجم المنتوج القومي الإجمالي وحجم الصادرات والواردات في بعض الدول المتقدمة طبقًا لأرقام ٢٠١٨م.*
البلد المنتوج القومي بالتريليون دولار الصادرات بالتريليون دولار الواردات بالتريليون دولار
ألمانيا ٣٫٦٧٧ ١٫٤٦٧ ١٫١٢٠
الولايات المتحدة ١٩٫٣٩٠ ١٫٧١٨ ٢٫٣٥٧
اليابان ٤٫٧٨٢ ٨٩٢٫٢٠٠ (مليار دولار) ٦٧٢٫٣١٢ (مليار دولار)
فرنسا ٢٫٥٨٢ ٧٩٨٫٧٠٠ (مليار دولار) ٥٣٥٫٧٠٣ (مليار دولار)
إيطاليا ١٫٩٣٤ ٨٧٨٫٤٠٠ (مليار دولار) ٤٣٣٫٨٠٧ (مليار دولار)
كندا ١٫٦٥٣ ٤٩٦٫٨٠٠ (مليار دولار) ٤٧٦٫٨٠٤ (مليار دولار)
المملكة المتحدة ٢٫٦٢٢ ٦٠١٫٦٠٠ (مليار دولار) ٤٤٦٫٦٠٤ (مليار دولار)
المصدر: نفسه.
جدول ٦-٦: التركيب السلعي كما يتضح من حركة الصادرات والواردات لبعض الدول المتقدمة طبقًا لبيانات ٢٠١٨م.*
البلد أنواع السلع المصدَّرة أنواع السلع الواردة
المانيا آلات، معدات، سلع رأسمالية، سيارات، منسوجات آلات، سيارات، مواد غذائية
الولايات المتحدة منتجات زراعية، إمدادات صناعية، ترانزستورات، طائرات، سلاح، سيارات، قطع غيار السيارات، إلكترونيات، أجهزة الكمبيوتر، معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، أدوية نفط خام، ملابس، سيارات، أثاثات، أدوية، لعب الأطفال، معدات الاتصالات
اليابان إمدادات صناعية، سيارات، قطع غيار السيارات، إلكترونيات، أجهزة كمبيوتر، معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، أشباه الموصلات، إلكترونيات، مستلزمات وأجهزة طبية، ومنتجات صيدلانية نفط خام، وقود، مواد غذائية، مواد خام
فرنسا آلات، معدات النقل، طائرات، سلاح، إلكترونيات، منتجات صيدلانية، حديد وصلب، مشروبات، سيارات نفط خام، لدائن، مواد كيميائية
كوريا الجنوبية أشباه الموصلات، إلكترونيات، معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، أجهزة كمبيوتر، سفن، بتروكيمياء، وأسلحة نفط، آلات، معدات، كيماويات عضوية، بلاستيك
إيطاليا منتجات هندسية، منسوجات، ملابس، آلات، سيارات، معدات نقل، أغذية، مشروبات، تبغ، معادن غير الحديد نفط، منسوجات، ملابس، آلات، سيارات، معدات النقل، أغذية، مشروبات
كندا سيارات، آلات، معدات، قطع غيار السيارات، نفط، غاز طبيعي، إلكترونيات، أخشاب، لب الخشب سيارات، نفط خام، سلع استهلاكية معمرة
المملكة المتحدة آلات، معدات، سلع مصنعة، أسلحة، وقود، مواد كيميائية، أغذية، المشروبات نفط خام، مواد غذائية، سلع مصنعة
المصدر: نفسه.
ويتضح من الجدولَين ٦-٥ و٦-٦:
  • (١)

    أن الأجزاء المتقدمة لا تسمح بتسرب القيمة الزائدة المنتَجة داخل اقتصاداتها القومية إلى خارجها؛ إذ لا يغطي المنتوج القومي قيمة الواردات فحسب، وإنما تغطيها، عادة، قيمة الصادرات؛ الأمر الذي يعني المزيد من التراكم الرأسمالي الممكِّن من اعتبار العالم بأَسْره حقل عمليات الرساميل التابعة لتلك الأجزاء.

  • (٢)

    إذ يتضح أن الأجزاء المتقدمة تتفوق تفوقًا هائلًا، بالنظر إلى إجمالي المنتوج القومي؛ الأمر الذي يعني صلابة وقوة هيكل الاقتصاد القومي، والتعاون والتكامل ما بين قطاعاته الإنتاجية.

  • (٣)

    أن اقتصادات الأجزاء المتقدمة تتميز بالتوازن النسبي بين قيمة الصادرات والواردات. وحينما يحدث التغيُّر فإنما يكون في مصلحة الصادرات. وابتداءً من حساب قيمة الصادرات والواردات نجد أن تلك الأجزاء المتقدمة تحقق من الفائض الاقتصادي ما من شأنه تدعيم توسعها المستمر في تجديد إنتاجها الاجتماعي على نحوٍ مستقل معتمد على الذات.

  • (٤)

    أن الأجزاء المتقدمة إنما تتخصص في السلع كثيفة التكنولوجيا والرأسمال؛ الأمر الذي يعني هيمنتها في حقل إنتاج السلع التي يتوقف عليها تجديد الإنتاج الاجتماعي في الأجزاء المتخلفة، والتي كما نعرف تعتمد كليًّا، تقريبًا، في تجديد إنتاجها الاجتماعي على وسائل الإنتاج التي تنتجها الأجزاء المتقدمة.

  • (٥)
    أن غالبية واردات الأجزاء المتقدمة تنحصر في المواد الأوَّليَّة والخام، التي تفتقر إليها، أو التي تحتفظ منها بمخزون استراتيجي ولا ترغب في استخدامه.٤٩

على هذا النحو نكون قد انتهينا من نقدنا للتكوين العضوي للجسم النظري لعلم الاقتصاد السياسي كما تبلور من خلال مساهمات الآباء المؤسسين، ويتعين علينا الآن الانتقال خطوةً فكرية لنقده خارجيًّا.

١  يمكن القول بأن كثرة عدد المصريين، وعلى الأخص في القرى، بالإضافة إلى انشغال الغزاة بالسلطة والثروة اكتفاءً، في الغالب، باستغلال الشعب المصري، والفلاح بالأخص، دون أن يلفت نظرهم الاختلاط بالشعب، كل ذلك ساهم، بحسم، في أن ظل عنصر المصريين، نسبيًّا إلى حدٍّ ما، موحدًا ونقيًّا، ولم تصبح مصر مستعمرة بالمعنى الصحيح؛ إذ لم يجد هؤلاء الغزاة لهم مكانًا في الحياة المصرية لقلة عددهم، ولاكتفائهم، كما ذكرنا، بالحكم والسيطرة دون الاندماج في أهل البلاد، أو الحلول محلهم؛ فمثلًا في عصر المماليك، نجد أن مماليك مصر لم يختلطوا بأهلها، بل ظلوا بمعزلٍ عنهم محتفظين بجنسيتهم وعاداتهم. والمماليك على كل حال لم يتزوجوا من نساء مصر إلا قليلًا جدًّا، فتزوج بعضهم من بنات القضاة وكبراء المسلمين من التجار والأعيان ولم يتزوجوا من المسيحيات، مع أن الإسلام يبيح التزوج منهن. وللإجابة عن: إلى أي الأجناس ينتمي المصري، المعاصر، والفلاح المصري بوجهٍ خاص؟ نجد العديد من النظريات والفرضيات، لعل أقربها إلى المعقول هي التي تفترض أنه في عصور ما قبل التاريخ لا بد أن تكون شعوبٌ أسيوية، عرب أو بابليون، قد احتلت وادي النيل واختلطوا، رغم سيادتهم بمن كانوا فيه، وهم خليط من السكان الأصليين والأحباش، وبتقادُم الزمن اندمجوا في كتلتهم. وهذه الفرضية، وفقًا لهنري عيروط، لها ميزة أنها تسمح بدخول المصريين في مفهوم شعوب البحر الأبيض المتوسط السامية التي تشغل أفريقيا وجزءًا عظيمًا من آسيا الوسطى وشواطئ البحر الأبيض المتوسط وتشمل شعوبًا سوداء متاخمة مثل إثيوبيا؛ ومن ثَمَّ يمكن إرجاع المصريين إلى ثلاثة عناصر، تكون منها شعب مصر على طول الحقب التاريخية: الساميون، وأبناء شواطئ البحر المتوسط، والليبيون. كتَبَ عيروط: «ومهما يكن الأمر، وإذا كنا لا نعرف شيئًا يقينيًّا عن أصل المصريين القدماء، ولا من أين أتوا، فنحن نعرف يقينًا أن سكان مصر الحاليين، الفلاحين منهم على الأقل، ينحدرون من المصريين القدماء من عهود الفراعنة، ويتصل نسلهم بدون انقطاع مدة خمسين قرنًا لم يختلطوا خلالها بالأجناس الأخرى تقريبًا.» انظر: هنري حبيب عيروط، «الفلاحون»، ترجمة محيي الدين اللبان (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠٠٩م)، ص١٥٠. وكذا: وليم موير، «تاريخ دولة المماليك في مصر»، ترجمة محمود عابدين وسليم حسن (القاهرة: مكتبة مدبولي، ١٩٩٥م)، ص٢٠٣. أما هيرودوت، فلقد كتب: «إن المصريِّين وُجدوا على الأرض منذ أن ظهر البشر على الأرض، ثم انتقل الكثيرون منهم بعدما اتسعت أرض الدلتا بمرور الزمن وانتشروا في الأرض الجديدة، بينما ظل كثيرون منهم يمكثون حيث كانوا أصلًا، وكان اسم مصر يطلق في العصور الغابرة على طيبة.» هيرودوت، «تاريخ هيرودوت»، ترجمة عبد الإله الملاح (أبوظبي: المجمع الثقافى، ٢٠٠١م)، ص٢٣١.
٢  مذكور في: روبير سوليه، «مصر: ولع فرنسي»، ترجمة لطيف فرج (القاهرة: دار المستقبل العربي، ١٩٩٩م)، ص٣٩-٤٠.
٣  يجب الوعي بأن الاندماج في السوق الدولية قديم قدم الحضارة المصرية، ولا يعني قولنا بالاندماج في السوق الدولية مع الحملة الفرنسية إلا الرغبة في الولوج مباشرة في البرهنة على ظاهرة التسرب في القيمة في التاريخ الحديث، ولا يعني تسليمنا بالخطأ المنهجي الذي يؤسس للتخلف في مصر ابتداءً من الحملة، وكأن اقتصاد مصر، قبل الحملة، كان منعزلًا لا علاقة له بالسوق الدولية، بل إننا نؤكد على الاندماج التاريخي لاقتصاد مصر في السوق الدولية منذ عهود بعيدة جدًّا؛ فكما ضخت إنجلترا القيمة الزائدة المنتَجة بسواعد المصريين في عروق لندن، قامت الإمبراطورية الرومانية بضخ ذات القيمة في عروق روما.
٤  ولقد نقل لنا علماء الحملة الفرنسية «وصف مصر»، صورة اقتصاد أقرب ما تكون إلى اقتصادات الاكتفاء الذاتي، على الأقل في الأجزاء المختلفة من مصر الوسطى، في مجالَي الإنتاج والتبادل من خلال المقايضة طبقًا لقانون القيمة؛ إذ تُتبادل السلع بالسلع، بالطبع وفقًا لمقياس يحدد قيمة السلع المتبادَلة، وعندئذٍ لا يكون أمام المتبادلِين سوى أن يُقيِّم كلٌّ منهما سلعته بقدْر الجهد المبذول في سبيل إنتاجها، وحينما يحدث أي تغير في سوق هذه السلعة يؤدي إلى حدوث تغير في عرض السلعة أو/و الطلب عليها، تبعًا لتقلبات السوق، فإن بعض التغير، حين المقايضة، يطرأ على مادة السلع نفسها بالزيادة أو النقصان، وليس ثمنها. جاء في «وصف مصر»: «وفي غالب الأحيان، فإنه تنهض كل ثمانية أيام في كل مدينة من مدن مصر العليا سوق يأتي إليها سكان القرى المجاورة ليبيعوا المواد والأقمشة التي يصنعونها. ويُنقل ما يفيض عن الاستهلاك إلى مناطقَ أخرى عن طريق التجار الذين يتجرون في هذا النوع من البضائع، وهكذا يُصدَّر إلى القاهرة سكر فرشوط وأخميم وجرجا، وزعفران طنطا، والأقمشة الكتانية من صنع أسيوط، وكذلك الغلال والفول والعدس وزيوت بذر الكتان والقرطم واللفت، وتُستبدل بكل المنتجات الزراعية وكذلك مختلف الأشياء المصنَّعة. وما لم تكن ثَمَّةَ ظروفٌ خاصة تتناول هذه البضائع فإن هذا التبادُل لا تتناوله إلا تغييراتٌ طفيفة في المواد التي تكون موضوعًا لها.» للمزيد من التفصيل، انظر: ب. س. جيرار، «وصف مصر: الحياة الاقتصادية في مصر في القرن الثامن عشر: النظام المالي والإداري في مصر العثمانية»، ترجمة زهير الشايب (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩م)، ج٤، ص٢٢٩.
٥  انظر: أحمد محمد الدماصي، «الاقتصاد المصري في القرن التاسع عشر: دراسة وثائقية لنظام الاحتكار، وأثره في التطور الاقتصادي لمصر (١٨٠٠–١٨٤٠م)» (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٤م)، ج١، ص١٦–١٩.
٦  للمزيد من التفصيل حول التقسيمات الإدارية لمصر، بصفة خاصة تحت حكم محمد علي، انظر: هيلين آن ريفلين، «الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر»، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى، ومصطفى الحسيني (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٦م)، ص١٢٤–١٢٨. وأهم ما نلاحظه على هذا المؤلَّف هو اعتماده في الكثير من مباحثه، بصفةٍ خاصة فيما يتعلق بشخص محمد علي، على محفوظات الخارجية البريطانية التي تعكس مدى التحامل الاستعماري على والي مصر.
٧  للمزيد من التفصيل، انظر: أندريه ريمون، «الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر»، ترجمة ناصر أحمد إبراهيم، وباتسي جمال الدين، مراجعة رءوف عباس حامد (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٥م)، ج٢، ص٩٠٧.
٨  حيث يتخذ إبراهيم عامر من شكل الملكية وشكل علاقات الإنتاج أساسًا لتقسيم القوى الاجتماعية في الريف؛ يقسم تلك القوى إلى: الملاك العقاريين، والمزارعين الأغنياء، والمزارعين المتوسطين، والمزارعين الفقراء، والمعدمين والعمال الزراعيين. انظر إبراهيم عامر، «الأرض والفلاح: المسألة الزراعية في مصر» (القاهرة: مطبعة الدار المصرية للنشر، ١٩٥٨م)، ص١٢٤.
٩  انظر: عبد الرحيم عبد الرحمن، «الريف المصري في القرن الثامن عشر» (القاهرة: دار الكتاب الجامعي، ٢٠٠٤م)، ص٥٧.
١٠  انظر: نعوم شقير، «تاريخ سيناء: القديم والحديث وجغرافيتها» (بيروت: دار الجيل، ١٩٩١م)، ص٤٢٧.
١١  انظر: أ. ب. كلوت، «لمحة عامة إلى مصر»، ترجمة محمد مسعود (القاهرة: دار الموقف العربي، ٢٠٠١م)، ص٤٢٤.
١٢  «وصف مصر» (٢: ٢٢٨).
١٣  «وصف مصر» (٤: ٣٦٠).
١٤  استلزم هذا العمل العلمي الموسوعي مجهود ١٥٠ عالمًا، و٢٠٠٠ فنان، ونحو ٢٥ عامًا من البحث. وقارن مساهمة نللي حنا، الناقدة، التي برهنت على انتقال التقنيات والخبرات من مصر إلى فرنسا، ومن الأخيرة إلى أوروبا، انظر: نللي حنا، «مصر العثمانية والتحولات العالمية (١٥٠٠–١٨٠٠م)»، ترجمة مجدي جرجس (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠١٦م).
١٥  سوليه، ص٣٩-٤٠.
١٦  ولقد رأى صادق سعد أن مواقف محمد كريم وحسن طوبار كانت أقرب إلى الأعيان وأن مواقفهما من الفرنسيين كانت تمثل سياسة الأعيان وأصحاب الثروة المصريين أكثر من أنها مثلت سياسة الطوائف الحرفية. للمزيد من التفصيل حول هذا الرأي، انظر: أحمد صادق سعد، «تاريخ مصر الاجتماعي-الاقتصادي: في ضوء النمط الآسيوي للإنتاج» (بيروت: دار ابن خلدون، ١٩٧٩م)، ص٨٤ وما بعدها.
١٧  وذلك، ربما، بحكم الظروف التاريخية التي صاحبت نشأة الطوائف الحرفية في مصر، كما سنرى في الباب الثالث.
١٨  للمزيد من التفاصيل، انظر: عبد الرحمن الجبرتي، «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (القاهرة: مكتبة مدبولي، ١٩٩٧م)، ج٥، ص٩١٣–٩٢٨. ونرى الجبرتي في «عجائب الآثار» يعيد النظر فيما كتبه من قبلُ في كتابه «مظاهر التقديس»، حيث قام بمراجعة موقفه من الفرنسيين، بعد عودة العثمانيين، وبصفةٍ خاصة بعد أن تكشف له أن عودة الحكم العثماني لم يأتِ بالخير الذي ظنه، وظنه معه الكثيرون من أبناء الشعب؛ فلقد عاد الحكم العثماني أشد بطشًا وأكثر شرهًا ونهمًا للثروة والسلطة، وهو ما قاد الجبرتي إلى تعديل وجهة نظره.
١٩  انظر: ج. باير، «تاريخ ملكية الأراضي في مصر الحديثة ١٨٠٠–١٩٥٠م»، ترجمة عطيات محمود (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٨م)، ص١٨–٢٠. ولعل أهم وأكبر توسُّع في منح أراضي الأبعاديات والجفالك حدث في عهد إسماعيل عام ١٨٦٣ حتى ١٨٧٠م. وبعد إفلاس إسماعيل والحكومة المصرية في عام ١٨٧٨م حدثت تغيراتٌ هامة وملحوظة في توزيع الملكيات الكبيرة؛ فقد بِيعَت معظم الأراضي لكبار الأثرياء الأجانب، ولبعض الأغنياء من المصريين.
٢٠  انظر: علي بركات، «تطور الملكية الزراعية في مصر وأثره على الحركة السياسية ١٨١٣–١٩١٤م» (القاهرة، دار الثقافة الجديدة، ١٩٧٧م)، ص٣٠–٣٩. وكذلك: أنور عبد الملك، «المجتمع المصري والجيش»، ترجمة محمود حداد، ميخائيل خوري (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٣م)، ص٨٣–١٠٩.
٢١  للمزيد من التفصيل، انظر: Geoffrey Butler, & Simon Maccoby, “The Development of International Law” (New Jersey: The Lawbook Exchange, Ltd.‏ 1929), pp. 437–40.
٢٢  للمزيد من التفصيل، انظر: محمد لهيطة، «تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة» (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ١٩٤٤م)، ص٨٦. وكذا: عبد الرحمن الرافعي، «عصر محمد علي» (القاهرة: دار المعارف، ١٩٨٩م)، ط٥، بصفةٍ خاصة الفصل الثاني عشر: التعليم والنهضة العلمية، والفصل الثالث عشر: أعمال العمران والحالة الاقتصادية. ولتحليل السياسة الزراعية لمحمد علي، انظر: هيلين آن ريفلين، «الاقتصاد والإدارة في مصر»، المصدر نفسه، بصفةٍ خاصة الفصل العاشر: الصناعة والزراعة.
٢٣  انظر: الدماصي، «الاقتصاد المصري» (١: ٣٦١).
٢٤  للمزيد من التفصيل، انظر: محمد فريد، «تاريخ الدولة العلية العثمانية» (القاهرة: مكتبة الآداب، ١٩٩٧م)، ص٣٤٨.
٢٥  أي إخضاع الأرض لمنظومةٍ قانونية تنتمي إلى أحكام القانون المدني، وذلك بعد أن كانت القوانين العثمانية تعامل الأراضي القابلة للزراعة على أنها مملوكة للدولة وليست ملكيةً خاصة للفلاحين؛ وبالتالي لم تكن خاضعة لأحكام الإرث في الشريعة الإسلامية. وكانت، على هذا النحو، بعيدة عن تفتيتها بتوزيعها شرعًا أو بالتصرُّف فيها قانونًا.
٢٦  بلغ الدين العام عند وفاة سعيد باشا ١١١٦٠٠٠٠ جنيه إنجليزي، وبلغ في عهد إسماعيل سنة ١٨٧٦م ما مقداره ١٢٦٣٥٤٣٦٠ جنيهًا إنجليزيًّا، انظر: عبد الرحمن الرافعي، «تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر: عصر إسماعيل» (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٩م)، ص١٨٧. أما دافيد لاندز، فيذكر: «فبعد ثلاثة عشر عامًا من تولي إسماعيل العرش ارتفع الدين القومي من ٣٣٠٠٠٠٠ جنيه إلى ٩١٠٠٠٠٠٠ جنيه.» انظر: دافيد س. لاندز، «بنوك وباشوات»، ترجمة عبد العظيم أنيس (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٦م)، ص١١٥. وللمزيد من التفصيل بشأن تغلغل الرأسمال المالي في مجالات البنية الأساسية للخدمات والتجارة، انظر: محمد دويدار، «المشكلة الزراعية والتطور الرأسمالي في مصر» (القاهرة: مجلة قضايا فكرية، ١٩٩٠م)، ص٢٤–٦٥. ولاستكمال التصور النظري لخط سير الاقتصاد المصري بعد إدماجه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي المعاصر، انظر: محمد دويدار، «الحركة العامة للاقتصاد المصري في نصف قرن: رؤية استراتيجية» (القاهرة: إصدارات سطور الجديدة، ٢٠١٠م).
٢٧  «أتى معظم المهاجرين اليهود في هذه الفترة بحثًا عن الرزق، غير أنهم أصبحوا بعد مضي بضع سنوات من أبناء الطبقة الوسطى فالتحق أبناؤهم بالمدارس، وسرعان ما اندمجوا في المجتمع، وأسهموا في تأسيس الطبقة الوسطى البرجوازية ذات الميول الغربية، وبدأ هؤلاء المهاجرون في الاشتغال بالمهن الحرة، فاشتغل بعضهم كأطباء ومحامين، وموظفين في الجمارك، وشهد المجتمع اليهودي في مصر على مدى قرن من الزمان تحولاتٍ ضخمة؛ فبينما كان لا يحق للتجار ولصغار المشتغلين في حارة اليهود خلال القرن التاسع عشر امتطاء الخيول، وبينما كان يتعين عليهم عدم السير في مواجهة أي مسلم احترامًا وإجلالًا له، فقد أصبحوا من كبار التجار، ومن رجال الأعمال، ومن المحامين والأطباء ذائعي الصيت. ولم يشعر اليهود أنهم ظاهرةٌ عابرة في المجتمع المصري إذ أحسوا أن إقامتهم بمصر ذات طابعٍ دائم. لقد أسهم يهود مصر في إقامة نظامٍ صناعي وتجاري ومالي حقيقي في مصر.» انظر: يعقوب لانداو، «تاريخ يهود مصر في الفترة العثمانية ١٥١٧–١٩١٤م»، ترجمة جمال أحمد الرفاعي، وأحمد عبد اللطيف حماد (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٠م)، ص١٧٤.
٢٨  «مارس الأرمن تقريبًا الأنشطة الاقتصادية كافة في مصر، وتشكل هيكلهم من ٤٥٫٨٪، من القوة الأرمنية العاملة حرف، و٢٧٫١ مهن حرة ووظائف وملاك، و١٩٫٨٪ تجار، و٧٫٣٪ صناعات. بيدَ أن الأرمن لم يُؤلِّفوا رأسماليةً ثقيلة، عدا الدخان، مثل الأوروبيين واليونانيين واليهود، إذ نَزَحوا بلا رءوس أموال وكوَّنوا مشروعاتهم وثرواتهم المتفاوتة في مصر ووفقًا لما تيسر لهم من مناخٍ مناسب، وظلوا يمارسون نشاطهم الاقتصادي بحريةٍ تامة حتى صدور قوانين التأميم الاشتراكية في عام ١٩٦١م التي قلصت هذه الحرية كثيرًا.» انظر: محمد رفعت الإمام، «الأرمن في مصر ١٨٩٦–١٩٦١م» (القاهرة: جمعية الصداقة الخيرية الأرمنية العامة، ٢٠٠٣م)، ص٦٦٨.
٢٩  «اليونانيون من أهم وأقدم الجاليات الأجنبية في مصر، حيث اتخذوا من الإسكندرية منذ عهد محمد علي مركزًا لهم وانتشروا في كل بقعة من ريف مصر ومدنها، وأهم ما يميزهم عن غيرهم من الأجانب أنهم كانوا من أكثر الجاليات تداخلًا مع الأهالي؛ ولذلك تفوقوا في التجارة الداخلية وبصفةٍ خاصة تجارة التجزئة.» انظر: ماجد عزت إسرائيل، «طوائف المهن التجارية في مصر في الفترة من ١٨٤٠–١٩٤٠م» (القاهرة: مكتبة مدبولي، ٢٠٠٨م)، ص٢٨. ويمكن تقسيم الوجود اليوناني في مصر إلى ثلاث مراحل: الأولى: من ١٨٣٠م إلى ١٨٨١م؛ أي من عصر محمد علي حتى الاحتلال البريطاني لمصر، وفي هذه المرحلة تم إنشاء قنصليات للدولة اليونانية وجمعيات وروابط ومؤسسات. والمرحلة الثانية: من ١٨٨٢م إلى ١٩١٣م، وشَهِدَت هذه المرحلة مساهمةً جيدة من اليونانيين في النشاط الاقتصادي والاجتماعي؛ فقد تم إنشاء المدارس والمستشفيات والكنائس، كما تم ميلاد الجيل الأول في هذه المرحلة. أما المرحلة الثالثة: من ١٩١٤م إلى ١٩٤٠م، وكانت مرحلة ازدهار؛ فقد وُلِد الجيل الثاني، وتوسَّعَت المشروعات والفبارك القائمة كما تأسَّسَت منشآتٌ جديدة. بَيدَ أن إلغاء الامتيازات جعل القلق يتسرب إلى اليونانيين. ومع بداية الخمسينيات وحركة التأميم خرج اليونانيون من مصر. للمزيد من التفاصيل انظر: إفثيميوس سولويانيس، «اليونانيون بمصر في العصر الحديث»، ترجمة صموئيل بشارة (أثينا: رابطة الصداقة اليونانية المصرية، ٢٠٠٨م)، ص٥٥-٥٦.
٣٠  انظر: إلياس الأيوبي، «تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا من سنة ١٨٦٣م إلى سنة ١٨٧٩م» (القاهرة: مكتبة مدبولي، ١٩٩٠م)، ج١، ص٨٢–١٢٥. وانظر أيضًا: بيير كرابيتس، «إسماعيل المفترى عليه»، ترجمة فؤاد صروف (القاهرة: دار النشر الحديث، ١٩٣٧م). وفي هذا الكتاب القيم يُفنِّد المؤلف، بدقة وبراعة، الاتهامات الموجهة إلى أخلاق إسماعيل، ويجد أن السمعة السيئة التي تم ترويجها من قِبل بريطانيا كانت من لوازم ضرب الدولة المصرية ومشروعها التنموي/التوسعي.
٣١  للمزيد من التفصيل، انظر: جوان كول، «الأصول الاجتماعية والثقافية لحركة عرابي في مصر: الاستعمار والثورة في الشرق الأوسط»، ترجمة عنان علي الشهاوي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠٠١م)، بصفةٍ خاصة الفصل السابع.
٣٢  للمزيد من التفصيل، انظر: جرجي زيدان، «تاريخ مصر الحديث من الفتح الإسلامي إلى الآن» (القاهرة: مكتبة مدبولي، ١٩٩٩م)، ج٢، ص٣٣٢.
٣٣  انظر: عاصم الدسوقي، «كبار ملَّاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري ١٩١٤–١٩٥٢م» (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، ١٩٧٥م)، ص٤٣.
٣٤  انظر: راشد البراوي، «حقيقة الانقلاب الأخير في مصر» (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥٢م)، ص٥٦. فرغلي تُسن هريدي، «الرأسمالية الأجنبية ١٩٣٧–١٩٥٧م» (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٣م)، ج٢، ص٤٧–٥٧. وكذلك: أنور عبد الملك، «المجتمع المصري والجيش»، بصفة خاصة الفصل الثاني: الجيش والثورة الصناعية.
٣٥  للمزيد من التفصيل، انظر: عادل حسين، «الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية ١٩٧٤–١٩٧٩م» (القاهرة: دار المستقبل العربي، ١٩٨٢م)، ج١، ص٤٠. كذا: عبد الرحمن الرافعي، «ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢م: تاريخنا القومي في سبع سنوات ١٩٥٢–١٩٥٩م» (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥٩م)، ص٣٩٧.
٣٦  «الصورة المألوفة والمعروفة للاستثمارات الأجنبية هي صورة تصدير الرأسمال من بلدٍ رأسمالي متقدم إلى بلدٍ متخلف؛ حيث يستثمر في مشروعات استخراج أو إنتاج لخاماتٍ معدنية أو زراعية، تُوضع في خدمتها بعض المرافق الأخرى الضرورية لاستخراجها أو إنتاجها كالبنوك والطرق والمواصلات على أن يتم تصدير الخامات إلى البلد الرأسمالي المتقدم حيث يُعاد تشكيلها بالصناعة إلى منتجاتٍ تبلغ قيمتها أضعاف قيمة الخامات، وعندئذٍ يُترك للبلد المتخلف أن يشتري من الخارج بدخله الضئيل الناتج من بيع خاماته قليلًا من المنتجات الصناعية المستوردة. إن التصنيع يتم عندئذٍ بشكلٍ ناقص؛ فالرأسمالية العالمية إنما تريد في الواقع أن تتخلى لأسبابٍ اقتصادية عن بعض الصناعات الثانوية غير الديناميكية، إما لأنها بسيطة تكنولوجيًّا، وإما لأنها تحتاج إلى أيدٍ عاملة وفيرة، وإما لأنها صناعاتٌ تلوث البيئة؛ فقد ثبت مثلًا أن تكلفة القضاء على التلوث أعلى من تكلفة استيراد منتجات تلك الصناعات الملوثة للبيئة. من هنا تقبل الرأسمالية العالمية أن تنقل إلى البلدان النامية صناعاتٍ مثل السيارات وبعض الصناعات البتروكيمائية، بالإضافة إلى صناعة المنسوجات والملابس والصناعات الجلدية». انظر: فؤاد مرسي، «هذا الانفتاح الاقتصادي» (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، ١٩٧٦م)، ص٨٨.
٣٧  انظر: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، «ملامح طبقية جديدة: الانفتاح الاقتصادي»، في: «المسح الاجتماعي الشامل للمجتمع المصري ١٩٥٢–١٩٨٠م» (القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ١٩٨٥م)، ص٢٤١–٢٥٧.
٣٨  انظر: عبد الباسط عبد المعطي، «الطبقات الاجتماعية ومستقبل مصر: اتجاهات التغير والتفاعلات ١٩٧٥–٢٠٢٠م» (القاهرة: دار ميريت للنشر، ٢٠٠٢م)، ص٥٩–٧٢. وكذلك: محمود عبد الفضيل، «التحولات الاقتصادية والاجتماعية في الريف المصري ١٩٥٢–١٩٧٠م» (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٨م)، ص٢٣٩–٢٤٩.
٣٩  وعلى الرغم من هذه التبعية، فإن البنك الدولي يرى أن مصر ليست مندمجة بما يكفي في النظام الرأسمالي العالمي! فلقد وضع البنك الدولي ستة معايير لمعرفة مدى اندماج دولةٍ ما في السوق الرأسمالي الدولي؛ فبالنسبة لمعيار نسبة التجارة السلعية إلى المنتوج المحلي الإجمالي، فقد انخفضت هذه النسبة إلى المنتوج المحلي الإجمالي من ٣٦٫٨٪ في عام ١٩٩٠م إلى ٢٢٪ في عام ٢٠١١م. وبالنسبة لمعيار التجارة السلعية إلى المنتوج المحلي السلعي الإجمالي؛ فقد انخفضت أيضًا من ٥٠٪ إلى ٤٦٪. أما بالنسبة إلى المعيار الثالث وهو معيار نسبة صادرات الخدمات إلى صادرات السلع، فلقد أشارت الأرقام إلى ارتفاع النسبة من ١٣٨٪ في عام ١٩٩٠م إلى ١٥٥٪ في عام ٢٠١١م. وبالنسبة إلى النمو في التجارة الحقيقية مطروحًا منه النمو في المنتوج المحلي الإجمالي الحقيقي، فإن هذا المعيار يعكس الفارق السلبي (−٢٫٤٪) بين حجم التجارة المصرية بالأسعار الثابتة ونمو المنتوج المحلي الإجمالي الحقيقي. ويشير المعيار الخامس وهو نسبة التدفقات الرأسمالية الخاصة إلى ارتباك مستوى اندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت النسبة من ٦٫٨٪ في ١٩٩٠م إلى ٨٫٦٪ في ٢٠٠٣م، ثم انخفضت إلى ٤٫٢٪ في ٢٠١١م. وأخيرًا، وهو معيار نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المنتوج المحلي الإجمالي، فقد انخفضت نسبة إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنتوج المحلي الإجمالي من ١٫٧٠٪ في عام ١٩٩٠م إلى ٠٫٤٧٪ في عام ٢٠١٢م. معنى ما سبق أن الاقتصاد المصري، وفق معايير البنك الدولي، أقل اندماجًا في الاقتصاد الدولي، وأقل انفتاحًا على السوق العالمي، على أقل تقدير من جهة التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية المباشرة! تُعد معالجة د. العيسوي من المعالجات الجيدة لهذه المعايير. انظر: إبراهيم العيسوي، «الاقتصاد المصري في ثلاثين عامًا» (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، ٢٠٠٧م)، ص٤٥–٧٦.
٤٠  انظر، مؤلفنا: «اقتصاد مصر: التبعية مقياس التخلف» (القاهرة: دار قرطبة للنشر والتوزيع، ٢٠١٥م).
٤١  من هذه المساهمات على سبيل المثال، انظر: إبراهيم العيسوي، «قياس التبعية في الوطن العربي» (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية: جامعة الأمم المتحدة، مشروعات المستقبلات العربية البديلة، ١٩٨٩م)، نادر فرجاني، «هدر الإمكانية: بحث في مدى تقدم الشعب العربي نحو غاياته» (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٠١م) ط٥، ص٨١. محمد محمود الإمام، في: «الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة»، أعمال المؤتمر الثالث للجمعية العربية للبحوث الاقتصادية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٧م)، ص١٧–٣٥. يوسف صايغ، «موجبات البحث في موضوع الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة»، المصدر نفسه، ص٤٣–٦٥. سمير أمين، «حول التبعية والتوسع العالمي للرأسمالية»، في: «التنمية المستقلة في الوطن العربي» (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٧م)، ص١٤٩–١٨٩.
٤٢  من هذه المفردات على سبيل المثال: درجة التركز الجغرافي للصادرات، نسبة الواردات الوسيطة إلى الاستهلاك الوسيط، ونسبة الواردات الاستهلاكية غير الضرورية إلى الواردات، ونسبة واردات الطاقة إلى جملة الواردات، ومدى قوة العلاقة القائمة بين الدول المعنية وهيئات التمويل الرأسمالية الدولية، ومدفوعات خدمة الدين الخارجي كنسبة من حصيلة الصادرات، ونسبة مساهمة الموارد غير المتجددة والقطاعات الحساسة في النمو الاقتصادي، ودرجة التركز الجغرافي للدين القائم، ونسبة استثمارات الدولة في الخارج إلى جملة إيراداتها الجارية من النقد الأجنبي، ودرجة التركز القطاعي لمساهمة الأجانب في رساميل الشركات العاملة في الدولة. انظر: إبراهيم العيسوي، «قياس التبعية في الوطن العربي»، ص٦٦–٧٣. وهي جميعها «وسائلُ وصفية ذات قدرةٍ تحليلية محدودة.» انظر: سمير أمين، «حول التبعية والتوسع العالمي للرأسمالية»، ص١٥٧.
٤٣  المصدر: نفسه.
٤٤  يمكن القول إن القطاع الزراعي في السودان، على سبيل المثال، يعكس جُل مظاهر التخلف، الذي يميز القطاع الزراعي العربي بوجهٍ عام، على النحو التالي: «أولًا» عدم إجراء مسحٍ شامل للثروة الحيوانية منذ عام ١٩٧٥-١٩٧٦م وكان المسح في ذلك العام قد أُجري عن طريق المسح الجوي (العشوائي والبدائي) ولم يتمَّ التدقيق في بياناته. يُضاف إلى ذلك تدهور المراعي الطبيعية وانكماشها، وعدم توافر مياه الشرب الصالحة للحيوان، واندلاع نيران الحروب من أجلها بين القبائل المتناحرة، وبين القبائل وبين السلطة المركزية. وهو الأمر الذي تضافَر مع مشاكل حيازة الأراضي، وغياب سياسات تنظيم استخداماتها، وما يستتبع ذلك من إثارة لإشكاليات الصراعات القبلية وبسط النفوذ (على الأرض بما فيها وبمن عليها) في مرحلةٍ أولى؛ كي تُطرح في مرحلةٍ ثانية إشكالية الصراع بين الطبقات المكونة للقبيلة ذاتها. «ثانيًا» الاعتماد الكامل تقريبًا، مع الاتجاه إلى تحديث الزراعة والإنتاج من أجل السوق، على وسائل إنتاج (الجرارات، والمحاريث، والحصادات، والهراسات، والمضخات، ومجموعات الري، والمحركات … إلخ)، منتجة في الأجزاء المتقدمة أو الآخذة في طريقها إلى بلوغ هذه الأجزاء (كاتربلر، فورد، فيرجسون، هيتاشي، كوماتسو، ميتسوبيشي، ياماها … إلخ)؛ الأمر الذي يعني تسرب القيمة الزائدة إلى الخارج من أجل شراء أدوات العمل، بالإضافة إلى السلع الاستهلاكية والغذائية المنتجة في الأجزاء المتقدمة. «ثالثًا» انتشار الفقر (٧٧٪ من سكان الريف تحت خط الفقر) والأمراض المستوطنة والوافدة. والتاريخ المرضي للجنوب السوداني يزخر بالمآسي بعد تدمير الانعزال الصحي الطبيعي مع أول تعارفٍ عدائي مع الرأسمال الدولي المعاصر؛ الأمر الذي تساوَق مع استمرار وجود الآفات الزراعية والأمراض الحيوانية، وعدم اعتماد برامجَ وقائية للحماية منها. «رابعًا» ضعف آليات ومصادر التمويل الوطنية (كانت حكومة الخرطوم قبل الانفصال تدعم الزراعة بخمسين مليون دولار، في حين تدعم البنزين ﺑ ٣٠٠ مليون دولار!) مع ارتفاع نفقة التمويل وقصر مدته واقتصاره على عمليات الإنتاج من أجل التصدير؛ أي من أجل السوق العالمية؛ وبالتبع الاندماج المباشر في منظومة الأثمان الدولية، وإنما ابتداءً من «تسرب القيمة الزائدة المنتَجة بسواعد أبناء الأجزاء المتخلفة إلى الأجزاء المتقدمة»؛ فكما ذكرنا بالمتن، حين ناقشنا نظرية التبادل غير المتكافئ، أن ما يُنفَق من أجل إنتاج عاملٍ أوروبي يفوق ما يُنفَق من أجل إنتاج عاملٍ أفريقي مثلًا؛ ومن ثَم يكون من المنطقي أن يُعوَّض بالأجر المختلف عن هذه النفقات المختلفة. ونفس الأمر ينطبق على العامل/الفلاح السوداني، الذي لا يتكلف إنتاجه (كعامل/كفلاح) سوى لقيماتٍ قليلة وكساءٍ متواضع وشربةِ ماء ملوثة! فهو تقريبًا بلا ثمن! للأسف! «خامسًا» ارتفاع نفقة الإنتاج، مع ارتفاع نسبة الهدر، إضافة إلى الأعباء الضريبية السائدة على المدخلات وتعدد الرسوم (ضرائب العبور)، والجبايات على حركة الحيوان. بالإضافة إلى انخفاض أثمان بعض المنتجات الزراعية، وهو ما ينعكس سلبًا على قرارات الإنتاج. وكذلك ارتفاع نفقات الإنتاج، وانخفاض مستويات الميكنة الزراعية (١٣٫٨ جرارًا لكل ١٠٠ كيلو متر، على الرغم من تدفق الاستثمارات السعودية، والإمارتية، والكورية الجنوبية، وتخصيص آلاف الأفدنة لتغذية شعوب هذه الدول!) أضف إلى ذلك عدم توافُر التقاوي والبذور المحسنة والمبيدات بالشكل الكافي (٧٫٩ كيلوجرام سماد لكل هكتار) مع استمرار الضعف في البنى الخدمية والتسويقية للنشاط الزراعي. وهذا كله إنما يتم في إطارٍ من تدهور علاقات التبادل بين القطاعات الاقتصادية، وانعدام آلية التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية وذات الصلة بالثروة الحيوانية (المراعي، المياه، الأبحاث … إلخ). «سادسًا» تأثير الوضع الأمني المرتبك في دارفور؛ حيث يُوجد في إقليم دارفور أكثر من خُمس الثروة الحيوانية في السودان. «سابعًا» ونذكر أنه في بداية عام ٢٠٠٨م تسبب ارتفاع سعر النفط في زيادة أثمان الغذاء العالمية، مما دفع العديد من الدول العربية والآسيوية إلى التوجه للبحث عن الأراضي الزراعية من أجل إنتاج المحاصيل الزراعية الأساسية، وبالفعل، كما أشرنا بالمتن، وقع اختيار عدة دولٍ عربية، مثل المملكة العربية السعودية (لم يُعلن حجم الاستثمارات السعودية!)، والإمارات المتحدة (٤٠٠ ألف هكتار)، وكذلك كوريا الجنوبية (٦٩٠ ألف هكتار) على الأراضي السودانية من أجل تأمين احتياجات شعوبهم الغذائية؛ الأمر الذي استصحب تلقي السودان مجموعة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الزراعة؛ وهو ما يعني في نهاية المطاف المزيد من إنتاج القيمة الزائدة بفضل يد الفلاح السوداني، والمزيد من تعميق حالة التخلف (وبسبب التحديث النسبي للزراعة تأخذ إنتاجية العامل الزراعي، النسبية، اتجاهًا عامًّا نحو الارتفاع من ٨٩٠ دولارًا عام ٢٠٠٠م، إلى ٩١٨ دولارًا عام ٢٠٠٣م، ثم ٩٢٩ دولار عام ٢٠٠٨م، ثم ١٣٥٠ دولارًا عام ٢٠١٨م)، ولأن السودان سوف يستكمل نزيف الماضي الاستعماري؛ لأنه سينتج لغيره، ويرهق تربته الخصبة، ولا يستخدم الفائض، إن وجد، من أجل سد حاجات الشعب السوداني، وإنما من أجل تغذية الشعوب الشقيقة في قارة آسيا! فلسوف يكون مشروعًا السؤال عن المستفيد من هذا الريع الناتج عن تأجير أرض الوطن للدول الشقيقة! بكلماتٍ أدق: ما هي الطبقة المهيمنة التي ستفرض، في الواقع هي الآن تفرض، سطوتها على الريع الناتج عن إنهاك التربة، وضخ المزيد من القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد الفلاح السوداني نحو خارج الوطن؟ «ثامنًا» بناءً عليه؛ يمسي منطقيًّا، ويصبح سائغًا فهم استمرار التخلف والتبعية وفقًا لما كتبه والتر رودني: «لقد نشأَت تناقضاتٌ غير منطقية عديدة على نطاق أفريقيا المستعمرة؛ فإن السودانيين والأوغنديين يزرعون القطن، لكنهم يستوردون سلعًا قطنية مصنعة. كما أن ساحل العاج تنتج الكاكاو لكنها تستورد الكاكاو المعلَّب والشوكولاتة.» انظر: والتر رودني، «أوروبا والتخلف في أفريقيا»، ترجمة أحمد القصير، مراجعة إبراهيم عثمان، عالم المعرفة؛ العدد ١٣٢ (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ١٩٩٨م)، ص١٨٩. «تاسعًا» وأخيرًا نذكر عدم استقرار سعر صرف العملة الوطنية بالنسبة إلى الدولار الأمريكي؛ الأمر الذي انعكس على المدخلات بشكل أساسي. انظر: «التقرير السوداني السنوي الخامس» (٢٠٠٤م). مركز البحوث الأفريقية، «التقرير الاستراتيجي الأفريقي» (٢٠٠٧م)؛ (٢٠٠٩م). مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، «تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية» (٢٠١٢م). وللمزيد من التحليل لظاهرة تجديد إنتاج التخلف ابتداءً من قانون القيمة، انظر مؤلفنا: «الاقتصاد السياسي للتخلف: مع إشارة خاصة إلى السودان وفنزويلا» (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠١٢م)، بصفةٍ خاصة الفصل الخامس.
٤٥  بمناسبة الفائض؛ فثمة دراسة قام بها د. عبد الهادي النجار، بحث من خلالها ظاهرة تعبئة الفائض المنتَج في القرية، كما بحث ظاهرة فصل الريف عن المدينة، والتناقض بينهما، في إنجلترا والولايات المتحدة ومصر، ولكن لا تتجاوز الدراسة حدود الإنتاج الزراعي بل هي تجد الفائض الزراعي مرادفًا للفائض الاقتصادي! الأمر الذي يوحي، وهو غير صحيح، بأن الفائض لا يُنتَج إلا في القطاع الزراعي. وإن صح ذلك تاريخيًّا بحكم الأهمية النسبية التي احتلتها الزراعة في خطط الاستعمار، فالطرح في حاجة إلى إعادة نظر؛ لأن المدينة وإن كانت تؤدي دور الموزع للفائض الذي تتحصل عليه من الريف وتعيد ضخه إلى الاقتصاد الأم، المتبوع، فهي الآن تفعل الأمر نفسه، ولكن بطريقة أخطر، وهي تسريب، بلا وعي غالبًا، القيمة الزائدة التي تُنتَج بسواعد الطبقات المطحونة داخليًّا، وبصفةٍ خاصة في قطاع الزراعة والصناعة، إلى الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي. انظر: عبد الهادي النجار، «الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لتعبئة الفائض الزراعي نحو المدينة»، مصر المعاصرة؛ العدد ٣٧٦ (القاهرة: الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، ١٩٧٩م)، وللمزيد من التفصيل، انظر: أطروحة عبد الهادي النجار، «الفائض الاقتصادي الفعلي، ودور الضريبة في تعبئته»، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، ١٩٧١م. ولن يختلف الطرح كثيرًا لدى: شارل بتلهايم، وبول باران، حيث نجد نفس الدوران حول قانون القيمة دون بلوغه، وبالتبع دون الاحتكام إليه على صعيد التحليل العلمي للظاهرة. انظر: شارل بتلهايم، «التخطيط والتنمية»، ترجمة إسماعيل صبري عبد الله (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٦م)، بول باران، «الاقتصاد السياسي والنمو»، ترجمة أحمد فؤاد بلبع (القاهرة: دار الكاتب العربي، ١٩٦٧م) ونشفق كثيرًا على هؤلاء الذين يرون أن الأجزاء المتخلفة تعاني من «هدر الفائض!» أو «استغلال هذا الفائض من قِبل الإمبريالية العالمية!» فهم يستشعرون أن بلادهم منتهَكة خيراتها، ولكن لا تسعفهم الأرقام والإحصاءات! إذ إن الواقع يقول إن الأجزاء المتخلفة تعاني من العوز بل والعوز الشديد وليس الفائض؛ فنراهم يعملون جاهدين من أجل ليِّ عنق الواقع لإثبات هدْر الفائض! على الرغم من أن قانون القيمة، إن فهموا إياه دون صلف وعنت، بإمكانه أن يمد هؤلاء بفكرةٍ واضحة وواقعية عن التسرب في القيمة، وبإمكانهم أن يُسمُّوه حينئذٍ بما يحلو لهم من فائض أو غيره، إنما دون احتيال لا نتحرك به إلا إلى الوراء!
٤٦  المصدر: نفسه.
٤٧  انظر: بحثنا: «اقتصادات تنزف عرقًا»، في: «الاقتصادات العربية بعد عام ٢٠١٠م، تداعيات الركود وتطلعات النمو»، تحرير شريف قاسم، ومحمد الطناحي (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، ٢٠١٧م)، ص٢١–٥١.
٤٨  المصدر: نفسه.
٤٩  على سبيل المثال، انظر مقال كريس بارانيوك: «لماذا تخفي أمريكا ٧٠٠ مليون برميل من النفط تحت الأرض؟» http://www.bbc.com/future/story/20150921-why-the-us-hides-700-million-barrels-of-oil-underground.
ويجب ملاحظة أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على النفط في ٩٠٪ من عملية الإنتاج الزراعي، والصناعات المرتبطة بهذا الإنتاج. للتفصيل انظر: “Environment Energy and Economy”: Strategies for Sustainability, Edited by Yoichi Kaya and Keiichi Yokobori (New York: United Nations University Press, 2009).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠