بلاد العرب السعيدة

وليست كل جزيرة العرب على هذه الحال من الجفاف والجفاء والجدب والإقفار والفقر ومظاهر الهلاك والعدم، بل إن فيها أقسامًا اختصها الله بخيره وبره، وأنعم عليها بالخصب والري؛ فإن في اليمن أو العرب السعيدةِ أراضيَ خضراءَ تفوح من أدغالها روائحُ النبات الطيبة، وبها وديان كوادي الذهب، ولا حيف في الاسم؛ فهو من أجمل الوديان وأخصبها، تجري فيه المياه، ويُزرع ثلاث مرات في السنة الواحدة كأخصب أرض في القطر المصري، ترى الناس يحصدون ثلاث زراعات من الحنطة والشعير والذرة والعدس والحلبة والقات والبن، فإذا سرت في الوديان أو صعدت في العقبات السالكة في الجبال العالية — واسمها في اليمن «نقيل» — تشرف منها على مشاهد بهجة من السهول المزروعة والقمم الخضراء والجرداء، ثم تدخل في نجد الأحمر — وهي بقعة من الأرض الحمراء تعلو صخورها سطح البحر بأربعة آلاف — فيجف الهواء ويثلج الماء ويشف النسيم وتتعدد حولك الأزهار والرياحين، حتى لكأنك في جبال سويسرا أو لبنان. وإذا ما تركت واديَ الذهب إلى وادي المرفد وجدته يفوق واديَ الذهب خصبًا وجمالًا؛ ففيه شجرة البن التي تشبه بورقها وزهرها شجرة الليمون، وفيه الجوز واللوز والخرنوب وبساتين غضة من العنب والموز، تجري في ظلالها مياه النهر الذي يتدفق من جبل سمارة، فإذا صعدت إلى قمة سمارة — وهي أعلى ذروة في اليمن — رأيت تحت أقدامك قاع الحقل، فيتجلى لك القاع بمزروعاته المنوعة وبقاعه القريبة العهد بالحصاد كأنه طنافس خضراء وصفراء وبيضاء وسمراء تملأ العين بهجة، وتملأ النفس سرورًا.

وهكذا جعل الله اليمن في مكانٍ من الأرض شاء أن يكون ربيعه دائمًا. إنَّ الهواء والسماء والماء تبسم كلها لأرض اليمن، وفي تلك السهول تلقى ماءً حيثما بحثت؛ لأن في قديم الزمان كان يجري نهر غزير الماء، ولا تزال المياه تتدفق من الجبال كما هي الحال في لبنان وسويسرا وشمال إيطاليا، وإنترلاكن وشلالات أمريكا.

وإن هذه السهول المخصبة المخضلة، وتلك الجبال المشرقة، وتلك الأنهار المتدفقة، وهاتيك البساتين المزهرة، وتلك المياه المثلوجة المترقرقة؛ قد أنجبت مدنية عجيبة وهيَّأت لها من أسباب المجد والشهرة والعمران ما لأكبر بلاد العالم المتحضر في عصرنا هذا؛ فلها تاريخ غابر مجيد وحضارة بين شمس المجوس وكواكب الأوثان فيها تعدَّدت الهياكل وتنوَّعت المعابد بكهنتها وأسرارها، ولديها عزت الآمال وتحطمت المطامع ووهنت الأماني فكانت مملكة سبأ، وكان حِمْيَر وتبع وقحطان. وقامت الحصون والقصور والقلاع وسدود الماء التي تصغر لديها سدود هذا الزمان وقناطره، ونشأ فيها العلماء والشعراء ونوابغ فنون التحصين والبناء، ثم جاءت كلمة التوحيد ودوَّى صوت المنادي بها في كل مكان، وارتفعت شوكة قريش وعدنان؛ تلك صنعاء اليمن.

وهذا كتاب الإكليل للحسن أحمد الهمداني في محافد اليمن ومساندها ودفائنها وقصورها ومراثي حِمْيَر والقبوريات، حافل بأخبار المجد والنصر وألوان من التاريخ والعلم، وليس ذكر سويسرا هنا مبالغةً أو تفاخرًا أو أنه ليدل على حقيقة واقعة؛ فإنه لا يظن المسافر أن في بلاد سويسرا مشهدًا مثل المشهد الذي ينبسط أمامك في اليمن عندما تقف على ذروة بوعان فتشرف منها على بحرٍ أمواجه قنن الجبال، وسطحه تلك الأودية المتشعبة الملتفة بعضها على بعض، وهناك دون القنن الشاهقة والصخور الشامخة والهضاب المتهرمة والوديان المظلمة المدلهمة والمنحدرات المهولة وفوق ظهر الغمام؛ تلوح جبال حراز وسريح، وأن النسور المحلقة والعقبان المرفرفة على رءوس الجبال بأعناقها الجرداء لتتعثر على حدة بصرها وقوة أجنحتها بسنام تلك الصخور والقنن، ولا تظن وأنت تنظر بعينك الإنسانية التي تكتسب من هذا العلو الشامخ قوةً كقوة عين البازي والصقر أن ما خلقه الإنسان على شكل الطير وسماه طائرة أو منطادًا يستطيع أن يجتاز هذا الفضاء القائمة فيه هذه الجبال كالجبابرة، وإن كان اجتاز قمة إيفرست وعلا جبال هيمالايا التي كانت من قبلُ لا تُنال، فإن هذه الجبال اليمنية قد شمخت برءوسها، ولكنها كمنت كمون العدو في السحاب، فإذا حلق الطائر فوقها فهو لا شك يضل سبيله فيما يشبه تحته بحرًا متلاطمًا بالأمواج، ولكنها أمواج من الصخور التي لا تلين ولا ترغي ولا تزيد.

هذه صورة مصغرة للجزيرة العربية من اليسير أن يتخيلها من يقرأ الجغرافيا ويلم بوصف الأرض ثم يرسمها رسمًا يقرب من الحقيقة العامة، وإن كانت في حاجة إلى التدقيق عند لزوم التطويل وتفصيل الإجمال الذي تدعو إليه فكرة الإيجاز. ورسم هذه الصورة من الضروريات لمن يريد أن يقف على حالة الجماعات البشرية التي عمرت تلك الأراضيَ الشاسعة صحراءها وواحاتها، جبالها وسهولها، قراها ومدنها، سواحلها ونجودها، وديانها وهضابها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠