الصحابة

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (سورة الفتح).

توفي النبي والذين رأوه وسمعوا منه وجالسوه يزيدون على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وطفل، كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية، ومع هذا فلم يزد عددهم عند حصرهم في كتب الحديث عن ثمانية آلاف، وقد ذكروا أنهم ثلاثة آلاف وخمسمائة لم يزيدوا ولم ينقصوا، والمراجع في تحديد هذا العدد كثيرة؛ من أهمها كتب علم مصطلح الحديث والصحاح الستة كالبخاري ومسلم، ومنها كتاب الإصابة للعسقلاني وأسد الغابة لابن الأثير وكتاب التجريد للحافظ الذهبي والبغوي والطبراني وغيرهم.

وقيل مات النبي راضيًا عن اثني عشر ألفًا من أصحابه، وليس معنى هذا أنه كان غاضبًا على آخرين من صحابته؛ فقد شبههم بالكواكب أو النجوم وأوصى بالاقتداء بهم، ولم يميز بينهم ولم يفرق ولم يفضل، بل قال: فبمن اقتديتم اهتديتم.

والذي يُفاد من تعريف الصحابي أنه من لقي رسول الله مؤمنًا به ومات على الإسلام. وفيهم من طالت مجالسته له أو قصُرت، ومن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه ولو لم يجالسه، ومن لم يرَه رأي العين؛ لعاهة في بصره، ويخرج من الصحابة من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى بعد إسلامه، وكذلك يخرج من الصحابة من لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.

وهناك خلاف فيمن رآه منهم وآمن به بأنه سيبعث مثل ورقة بن نوفل وبحيرا الراهب، ويخرج من الصحابة من لقيه وارتد بعد إسلامه ومات على ردته؛ كعبيد الله بن جحش الذي ارتد في بلاد الحبشة وترك أم حبيبة فتزوجها النبي . وعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، وربيعة بن أمية بن خلف وغيرهم، وإن ارتد ثم عاد إلى الإسلام ولقيه فالأغلب أنه يدخل في الصحابة كالأشعث بن قيس.

ولا بد أن يكون الصحابي قد بلغ الحلم عند لقاء الرسول؛ إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه، ولا صحة السماع والإدراك، بل ولا يكون مسئولًا.

وقد قيد بعضهم الصحبة بعد استيفاء شرطي الإسلام واللقاء ببلوغ الحلم والمجالسة؛ ولو قصُرت.

وكان خلفاء الرسول لا يؤمِّرون إلا صحابيًّا، وقد يقع الاستثناء كما حدث في تأمير عمر بن الخطاب ساريةَ.

وبحثوا في صحبة من رآه — عليه الصلاة والسلام — ميتًا قبل أن يُدفن؛ كأبي ذؤيب الهذلي الشاعر، فلم يلقه حيًّا، ورآه مسجًّى، ولكن الإجماع على أن مثل هذه الرؤية لا تؤدي إلى صحبة.

وبالجملة تنصب هذه الشروط كلها على المعاصرة والتمييز، ويضاف إليها العدل؛ وهو جماع صفات الأمانة والصدق.

وعلى كل حال؛ فإن شأن الصحبة لا يعدله شيء، وقد وردت في حقوق الصحابة آيات كثيرة وأحاديث متعددة؛ كقوله سبحانه وتعالى: لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ.

السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.

لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَىٰ.

فهؤلاء هم أنصار الساعة الأولى والأعوان في الفترة المكية وما تلاها من الهجرتين.

وأول ما يتجه إليه ذهننا في هذه الآونة أم المؤمنين خديجة — رضي الله عنها — وخليل الرسول وصديقه أبو بكر، وربيب محمد وابن عمه وصهره وحبيبه علي بن أبي طالب، فهؤلاء هم الثلاثة الذين قامت على كواهلهم الدعوة المحمدية، وكانوا أول من لقيهم بالبشرى وأنذرهم فصدقوه وآمنوا به وضحوا في سبيله بكل ما يملكون؛ حتى حياتهم لم يضنوا بها.

وقد اجتمع رأي العلماء على أن أكثر الصحابة روايةً مطلقًا سبعة؛ هم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة، وهؤلاء هم صحابة الدرجة الأولى؛ ذلك لأنهم أكثر الصحابة روايةً، وأغزرهم مادةً، وأعمُّهم فتوى.

ويليهم عشرون؛ وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة. ويليهم نحو مائة وعشرين نفسًا مقلُّون في الرواية والفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، ومنهم: أبيُّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، والمقداد. ومن هؤلاء جميعًا فقهاء الصحابة، وهم الذين امتازوا بعلمهم.

وظاهر أن هذا التقسيم ليس للتمييز والتفضيل ولكن بنسبة الكثرة والتوسط والقلة للرواية والفتيا، فصحابة الطبقة الأولى يمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد منهم مجلد ضخم، والثانية يجمع من فتيا كل واحد منهم مجلد صغير، والطبقة الأخيرة يمكن أن يجمع من فتياهم بعد البحث والتنقيب مجلد واحد لا يزيد ولا ينقص.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠