ذكر مملكة آشور

آشُّور بتشديد الشين إقليم كبير متسع من آسية تعرف ناحيته اليوم بكردستان، وهو كريم البقعة غاية في الخصب يخترقه أنهار أربعة كبيرة أحدها نهر دجلة، وليس في ذلك الإقليم أحسن منظرًا منه ولا أقوى اندفاعًا ولا أكثر سرعة في سيره يضاهي الفرات، وبعده نهر أربيس ونهر غرغوس ونهر زابيس، ويتخلل هذا الإقليم جبال متشعبة وأودية كثيرة كانت مشحونة بالبساتين الأنيقة والجنات النضيرة، إلا أن أكثرها اليوم قد عاد قفرًا غامرًا، وكان لآشور من المدن الكبيرة والقلاع الحريزة والضياع الخصيبة شيء كثير جدًّا، وكانت في أول أمرها ضيقة البقعة قليلة العمران، وفيما ذكره موسى النبي — عليه السلام — ما يُستفاد منه أن حدَّها الغربي لم يكن يتجاوز دجلة، وليس في كلامه ما يدل على أنها كانت مملكة في ذلك العهد، ولكنها عقيب ذلك أخذت تتوسع بكثرة الأبنية والسكان ومد العمارة، حتى بلغ طولها خمسمائة ميل في عرض نصفها فيما يقال على التقريب، فتكون مساحة أرضها ما ينيف على مائة ألف ميل مربع.

وقد خبط المتقدمون في الكلام على آشور خبطًا عجيبًا لا يكاد يتخلص منه تحقيق تاريخها، وأغرب ما هنالك أن ديودورس لم يفرق بين آشور وسورية؛ لأنه يقول في بعض كلامه عن هذه المملكة ما معناه أن نينوس رام أن يخلد لنفسه ذكرًا ويصنع ما يعقبه فخره، فأخذ في بناء مدينة كبيرة في سورية يقر فيها سرير ملكه ويجعلها مباءة له ولأعقابه، بحيث لا يكون لها شبيه ولا يُتخيَّل بناء مثلها على ممر الأحقاب. فحشد إليه العَملة والصنَّاع من طوائف شتى وبنى أُسُس المدينة على شكل مستطيل، ثم حوَّطها بسور أكثر ما بلغ طوله ١٥٠ إستادة وأقل ما كان عرضه ٩٠ إستادة، فيكون طول السور أربعمائة وثمانين إستادة، وكان ارتفاعه مائة قدم، وثخنه بحيث تجري عليه ثلاث من العجلات صفًّا واحدًا، وابتنى على السور بروجًا تبلغ ألفًا وخمسمائة عدًّا، وهي تعلو السور بمائة قدم وارتفاعها من الأرض مائتا قدم. قال ولما أتم نينوس هذه المباني ودعا الناس لسكنى المدينة سماها نينوى باسمه، والتقى فيها خلا الآشوريين وهم أعيان المدينة أمم وقبائل شتى تتباين مذهبًا ومشربًا، وما لبثت المدينة إلا يسيرًا حتى صارت من أشهر المدن انتهى ببعض اختصار. وقال هيرودوطس في وصفه لآشور: إنها تشتمل على كثير من المدن الكبيرة، وإن أعظم تلك المدن مدينة بابل، وقد اتخذها ملوك البلاد عاصمة لهم منذ خراب مدينة نينوى. ا.ﻫ. فعدَّ بابل من جملة مدن آشور، وإجماع المحققين على خلافه، ثم ذكر أن بابل إنما اتُّخِذَت مباءة للملوك منذ خراب نينوى، والذي نعلمه أن غير واحد من ملوك الكلدان في بابل وملوك آشور في نينوى كانوا متعاصرين في آنٍ واحد.

وأول من ذكر آشور على حقيقتها بطليموس الفلكي المشهور وهو من أعلام القرن الثاني للميلاد. قال: يحدها شمالًا القسم المحاذي لجبل نيوانا من أرمينية الكبرى، وغربًا بعض ما بين النهرين وهو الجهة التي تُسقَى بماء دجلة، وجنوبًا مملكة شوشانة، وشرقًا مملكة مادي وفيها ثلاثة أنهر تنتهي إلى دجلة بعد أن تسقي معظم أراضيها وهي ليكوس وكابروس وغرغوس. قال: وتقسم آشور إلى عدة أقسام: أحدها أرهباخينس ثم أبولونياتس وموقعها بين سيتاكينا وبلاد الغراميين، ويليها بلاد السمباطيين ثم بلاد الغراميين، وفي جنوبي إذيابينة كلكينيكي ويليها إقليم إربلة، وقد ذكر كثيرًا من مدنها بأسمائها مع تعيين درجات طولها وعرضها كنينوس ومردة وإكتزيفون وغوغاملة وأوزابا وسيتاكي وغومارا وأبولونيا وأسوخيس وغيرها، وجملة ما عدَّده منها أربع وثلاثون مدينة تختلف عظمة واتساعًا، لكنه لم يذكر بينها راسن ولا أولمبيس ولا مسفيليا، وقد كُنَّ من أشهر المدائن في تلك الناحية، فالظاهر أنه اقتصر على ذكر المدن التي عاينها بنفسه؛ لأن هذه كانت في عهده قد صارت إلى تمام الخراب ولم تُبْقِ لها الأيام أثرًا.

ذكر مدينة نينوى

كانت هذه المدينة أبعد مدن آشور شهرة وأعظمها شأنًا، حتى لم يكن في تلك البلاد أشد منها سطوة ولا أوسع ثروة وعمرانًا، ما خلا مدينة بابل فإنها كانت أوسع منها مساحة وأضخم أسوارًا وأفخم أبنية، إلا أن بلوغ كلٍّ منهما حدَّ عظمتهما لم يكن في زمان واحد؛ لأن بابل بلغت مبلغها من العمران والأبهة بعد أن أخذت نينوى في التراجع والانحطاط، وكان معظم شهرة نينوى في عصر سنحاريب وأعقابه، وكانت دار ملكهم ومباءة سريرهم، وكانت تُساق إليها الأرزاق وتحشد إليها الناس من كل وجه والمُلك يزيدها جاهًا وفخامة حتى بلغت من العز والسطوة والغنى ما لم تبلغه مدينة أخرى في ذلك العهد، وما زالت على حالها تلك من النمو والعظمة إلى أن تفرَّغ أهلها للملذَّات والملاهي ودب فيهم داء التَّرَف ونَعْمة العيش، فزحف عليهم البابليون وافتتحوا المدينة ودمروها وحملوا ما فيها من الغنائم والأموال فعادت قاعًا صفصفًا. أما باني نينوى فعلى ما في رواية موسى عليه السلام (تك. ١ : ١١) أنه آشور بن سام، وقد بنى مدنًا أخرى ذكرها هناك، والآشوريون يزعمون أنها سُمِّيت باسم آشور كبير آلهتهم، وأن هذا الاسم يطلق بالاشتراك على كل ملك من ملوكهم تبركًا وهم الذين بنوها، وفي كلام بعض الباحثين أن بانيها أعقاب نمرود ملوك بابل ونواحيها ولم نرَ ما يؤيد هذا القول، وفي الكتاب ما يعارضه بالنص الصريح، وذهب المؤرخون من اليونان والرومان وتابعهم بعض المتأخرين إلى أن أول من وضع أُسُسها نينوس، وقد تقدم في ذلك كلام لديودورس، والله أعلم.

أما موقع نينوى فالمؤرخون فيه على أقوال، أشهرها ما ذهب إليه هيرودوطس وإسترابون من أنها كانت على عدوة دجلة شرقًا، وهو موافق لما تقدم من رواية موسى — عليه السلام — في الكلام على حد مملكة آشور وهو الصحيح، ولا يُعلَم من أمر مساحتها إلا ما ورد في سفر يونان؛ حيث يقول ما صورته: إن نينوى مدينة كبيرة لله مسيرتها مسيرة ثلاثة أيام. إلا أن في هذا الكلام إبهامًا لا يخفى، فلا يُدرَى هل المراد بالمسيرة طول المدينة كما هو المتبادر أم محيطها أم المدة التي تُقْطَع في مطافها كما قال بكلٍّ جماعة من المفسرين، ولا يخفى أن الأول فاحش جدًّا ولم يُنقَل فيما علمنا أن مدينة بلغ طولها هذه المسافة، والأخير بعيد عن أن يكون هو المراد لقلة جدواه في تقدير المساحة، فلعلَّ المقصود هو الثاني، والله أعلم.

ثم إن الذي يتحقق من التاريخ أن نينوى لم تكن دارًا للملك قبل الألف قبل النصرانية، وكانت قبلها مدينة راسن هي أعظم مدينة في آشور كما يستفاد من سفر التكوين من الموضع المشار إليه قُبَيل هذا، وقد خربت نينوى مرتين عن آخرها: المرة الأولى سنة ٧٨٨ قبل الميلاد على يد إرباش المادي وبعليزيس الكلداني، وكانت بينهما محالفة فزحفا عليها بجيوشهما والمالك فيها يوم ذاك سردنابال، وكان ملكًا جبانًا واني الهمة ضعيف الرأي منقطعًا إلى مجالسة النساء وسماع الأغاني. فلما طرقه خبر العدو وإيغالهم في أرضه أفاق من لهوه فحشد لهم وخرج عليهم بجموعه والتحم القتال بين الفريقين، فكانت الغلبة في أول الأمر لآشور، ثم كانت الكرَّة للعدو فظهروا عليهم ودارت في الآشوريين رحى القتل فأبادوا منهم خلقًا كثيرًا خلا من أسروه. فنكص سردنابال على أعقابه حتى أتى المدينة فدخلها بمن معه واعتصم بها، وجدَّ العدو على أثره فحصروه بها زمنًا مديدًا تواترت فيه الحرب بين الفريقين، وقُتِل من الجيشين عدد لا يُحصى، وأجلت العاقبة عن قهر سردنابال، فدخل العدو البلد وأسرفوا في القتل والنهب واستباحوا كل من صادفوه بحد السيف. فلما رأى سردنابال ما حل به وبقومه جمع حطبًا وألقى عليه أمتعته وأمواله وجواهره وأضرم فيه النار، ثم دخل هو وأولاده ونساؤه في جوف اللهيب وتبعه من يتصل به من رهطه وحشمه فكان آخر العهد بهم، وانثنى العدو على المدينة بالإحراق والتخريب ولم يخرجوا منها إلا وقد غادروها ركامًا.

وبعد مضيِّ ما شاء الله من الزمان انتعش الآشوريون من كبوتهم تلك، ورجع إليهم ملكهم واستقلالهم، وعادوا فرمموا مدينة نينوى وردوا إليها سرير الملك إلى أن قام سنحاريب الذي سبق الإلماع إلى شيء من شأنه، فزادت به نينوى عزة وفخامة وتناهى حالها في الجلالة، وله على بعض الآثار هناك ما معناه أني قد أعدت بناء جميع عظائم نينوى دار سلطنتي ومستقر ملكي وجدَّدت شوارعها القديمة، وما كان منها ضيقًا وسَّعته وحوَّلت المدينة من سماجة الخراب إلى مثل بهاء الشمس. ا.ﻫ. وكان لسنحاريب قصر في وسط المدينة بناه له ولمن يخلفُه على سرير آشور، وكان من أحسن أبنية نينوى بهجة وزخارف وأتمها إحكامًا وأوثقها متانة قد أفرغ فيه البنَّاءُون جهد صناعتهم وسقَّفه بخشب السرو والأرز، ولما فرغ من بنائه أمر أن يُنقش على أحد جدرانه ما مفاده أن هذا القصر سيصبح حينًا قديم العهد جدًّا، فيأخذ منه كرور الأحقاب ويغيره توالي العصور، فأتقدم إلى من يتولى عهد هذا المُلك من بعدي أن يُعنَى بتجديد ما يرث من بنائه وتعهُّد ما فيه من الصور والمشاهد، وأناشده أن يطرِّس على جميع الكتابات القائم بها تذكاري كلما طُمس شيء منه أعاد رسمه. أقول طوبى لمن يأتمر بهذا وعليه رضوان آشور وعشتار الإلهين العظيمين، والويل لمن نبذ هذه الوصية ظهريًّا وآشور ربي جلَّ جبروته ينزل به ضرباته الشديدة وسخطه العظيم ويخلعه عن ملكه ويحطم صولجانه ويسلبه سلاحه. انتهى.

واستمرت نينوى على حالها تلك من علو الشأن ونفوذ السطوة إلى أن خُربت المرة الثانية سنة ٦٠٦ قبل الميلاد وقيل سنة ٦٢٥ على اختلافٍ سنورد تحقيقه فيما بعد، وخلاصة ما كان من خبرها أنها لما امتدت شوكتها وقوي عضدها كانت الواقعة بينها وبين الماديين لما بين الفريقين من الحزازات القديمة، فقهرتهم وضربت عليهم الجزية فكانوا يحملونها كل سنة إلى نينوى. فكان ذلك في أنفس ملوك مادي إلى أن أفضى أمر المُلك إلى كياقصر، فعزم على مناهضة الآشوريين وبعث إلى نبوبولاصر ملك الكلدان يستجيش به ويذكِّره ما بين أسلافهما من الولاء على ما سبق ذكره. فأجابه نبوبولاصر بالرجال والأهبة وحشد كياقصر قومه ونزل على نينوى، فحاصرها وعلى سريرها يومئذ أساراقوس، فضايقه أشد المضايقة وقويت صدمته لها فاستفتحها عَنْوَةً وأعمل فيها السيف والنار وفتك في أهلها فتكًا ذريعًا، فكثر فيهم القتل والسبي والنهب، وانتشر الخراب في المدينة أيامًا متوالية حتى دُكَّت عن آخرها دكةً واحدة، وعادت كأن لم يسبق بها عهد، وفر من أفلت من الآشوريين فتشتتوا في الآفاق ولم يجتمعوا بعدها، وأما الملك فكان من أمره أنه لما رأى العدو في المدينة أشفق من وقوعه في أيديهم والتنكيل به، فقتل نفسه بسلاحه وانقرض مذ ذاك ملك آشور آخر الدهر.

هذا جملة ما انتهى إليه أهل البحث من وصف هذه المدينة العظيمة، وإن هو إلا وَشَلٌ من بحر أو ثمد من قطر، وقد بقي وراء تلك المشاهد الخربة والمناظر الموحشة من العظمة والاقتدار والحكمة والثروة والعزة والجمال والبراعة والإتقان ما لا يعلمه إلا الله تعالى وحده، وأغرب ما هنالك أن هذه المدينة مع كل ما بلغت إليه أوان عزها من الشهرة والفخامة لم يذكرها أحد من متقدمي المؤرخين، ولم تلبث بعد خرابها أن صارت نسيًا منسيًّا حتى ذهبت عنا جميع أخبارها وأصبحت معرفة أحوالها موقوفة على توسم تلك المجاهل واستنطاق صداها، وقد عاين زينوفون تلك الأراضي بعد خرابها بقرنين ولم يحكِ شيئًا من وصف ما رآه من نينوى، وكذا مؤرخو الإسكندر لم يوردوا لها ذكرًا مع أنها كانت قبلهم بزمن يسير من أعظم مدن العالم، وفي الجملة فإنه لم يُعلَم أحد نقل عنها شيئًا قبل القرن العاشر للميلاد، وأول من وصفها بنيامين تودالوس اليهودي، وقد قدم الموصل فروى عنها وعن الآثار التي شاهدها إذ ذاك كلامًا طويلًا يقول في جملته: والموصل التي كانت قديمًا تُعْرَف بآشور الكبرى هي أعظم مدينة بفارس يسكنها سبعة آلاف من اليهود أو يزيدون قليلًا، وهي مدينة ذات جمال وسعة موقعها على عدوة دجلة وهو الفاصل بينها وبين نينوى. قال: ونينوى هذه مدينة قديمة قد آلت إلى تمام الخراب وإلى الآن آثار سورها ظاهرة وهو مناهز الدروس والامِّحاء، وهناك آثار عديدة للآشوريين أصحابها يُستدَلُّ بها على أنها كانت من العزة والحسن بمكان. ا.ﻫ.

ويُعرَف موقع نينوى اليوم بقيونجك، وهو اسم تل هناك يبلغ محيطه ٢٥٦٣ يردًا، وارتفاعه ٤٣ قدمًا وحواليه أخربة مبثوثة على مدًى متسع يحيط بها أثر سور يبلغ طوله من الغرب ٢٦٠٠ يرد، ومن الشرق ٣٥٠٠ يرد، ومن الشمال ٢٠٠٠ يرد، ومن الجنوب ١٣٧٠ يردًا، وعلى طول الجهة الغربية منه أثر سورَيْن آخرين يليان السور المذكور من داخل، ولا يُرَى ذلك في الجهات الثلاث الأُخَر وهو من جملة تلك الغرائب، وأوَّل من احتفر في قيونجك رجل من الفرنسيس يقال له بوتا كان متوليًا القنصلية الفرنسوية بالموصل، وذلك في أواسط القرن الحالي على ما سنذكره قريبًا، وجاء بعده اللورد لايرد الإنكليزي، فأمعن في الحفر والبحث زمانًا، وكان في جملة ما كشفه قصر سنحاريب المقدَّم ذكره، وهو بناء كبير يُعَدُّ في جملة عظائم تلك الأعصار حتى يقال إنه لم يكن أعظم منه إلا ما اشتهر من أبنية بابل، وقد بلغ طول حجرة فيه مائة وثمانين قدمًا، وكان هذا القصر مزينًا بجميع ضروب الزخرفة، وفيه كثير من تماثيل الثيران ذات الرءُوس البشرية يبلغ طول الواحد منها نحو عشر أذرع، وهناك صور عديدة ومشاهد صيد وغيره أنيقة الصنعة، وأبدع تلك الصور شكلًا وأكملها صناعة صورة سنحاريب وبجانبه رجال من بني إسرائيل ينكل بهم، وصورة أخرى تمثله على عرشه وهذه حملها الإنكليز إلى لندرة، وبعد انصراف لايرد من هناك جاء لوفُتس الفرنسوي سنة ١٨٥٤، فكشف أشياء أخرى أجلها قصر لسردنابال الخامس المعروف بآشور بنيبال وجد فيه تحفًا كثيرة، فحمل منها جانبًا كبيرًا بقصد إرساله إلى باريز، فسقط منه في دجلة ولم يسلم إلا أشياء قليلة في جملتها صورة سردنابال المذكور صاحب القصر وقطع من الآجُرِّ عليها كتابة بالقلم المسماري.

ذكر مدينة خرساباد

ومما اشتهر من مدن آشور خرساباد وكانت تُسمَّى بصاريوكين، وهي اليوم قرية دانية من كردستان وأكثر سكانها عرب وأكراد، وكانت هذه المدينة ومدن أخرى من آشور قد عفا رسمها وذهب أثرها تحت الردم والأنقاض من نحو ألفي سنة، حتى قدم الموسيو بوتا المشار إليه قُبَيل هذا، وهو أول من كشف هذه المدينة، وكان في جملة ما كشفه فيها قصر لسرجون ولي عهد شلمنأصر الرابع وحواليه أبنية أخرى تُعزى إليه، وهي على ستة عشر كيلومترًا من نينوى إلى الشمال الغربي، وفي أواسط تلك الأبنية رابية مصنوعة على نحو الرابية المؤسس عليها هيكل سليمان — عليه السلام — وفي قمة الرابية سطح مربع طول كلٍّ من جهاته ٢٠٠ متر وعليه بنى القصر وحوَّط الرابية بسور لكلٍّ من جهاته ١٩٠٠ متر طولًا، وكان للقصر باب كبير يُدخَل إليه من الخارج، وعلى كلٍّ من جانبي الباب ثور هائل له رأس بشر وسائر الباب مزين بكثير من ضروب النقوش وعجائب الأشكال والتصاوير، وبجانب الباب من الداخل سلم طويلة يرقى منها إلى سطح القصر، وهو شاهق في الجو مشرف على جميع ما هنالك من الضواحي ليس في تلك الناحية كلها أحسن منها مُطَلًّا ولا أبعد مدًى للناظر، وقد بقي من زخارف القصر في داخله وبديع نقوشه وأشكاله ما يدل على أنه كان من الجمال والإتقان بمكان لا يدانيه كثير من أبنية تلك الأعصار، وآثاره إلى الآن لا تزال أكمل وأبين من جميع ما شوهد من الأبنية الآشورية، ولم يبقَ في شيء منها ما بقي فيه من الأدوات والمناظر المشخصة كثيرًا من شئون أهله.

وبجانب القمة التي عليها القصر قمة أخرى أدنى منها ارتفاعًا وأصغر حجمًا، عليها بناء آخر تابع للقصر وهذا البناء ينقسم إلى قسمين، فصار جملة القصر وما يليه ثلاثة أقسام: أحدها وهو القصر المذكور بلاط الملك، وبناؤه من الآجُرِّ، وفي داخله حُجُرات فسيحة يبلغ طول الحجرة الواحدة مائة وست عشرة قدمًا، وكلها مزينة بالنقوش والصور والآنية الذهبية والفضية والعاجية والخزفية والتروس والسيوف وكثير من الأسلحة المنوعة والأدوات المصنفة والتحف الجليلة والبقايا الثمينة، وهي ست حجرات من هذا النمط وعلى جدرانها صور من الإنسان والحيوان مختلفة الحركات والهيئات، فمن ملك وجنود وجبابرة ومعارك وحصارات وفتوحات، ومن قاتلٍ أسدًا ومساورٍ نمرًا ومجهزٍ على عدو وذابح ذبائح وساجد للآلهة، ومن عساكر يخرجون في القتال وقتلى يقاسون النزع، وغير ذلك مما يطول شرحه ولا يسعنا بسط العبارة فيه. وكثير من هذه الصور ما برحت إلى اليوم على ألوانها الأولى، وذلك شاهد يؤيد صحة ما نقله ديودورس عن أكتزياس من بقاء الألوان فيما شاهده في بقايا بابل على ما أسلفنا ذكره، وهناك وُجِد عرش الملك مرصعًا بالعاج وغيره من الجواهر الكريمة، والقسم الثاني وهو شطر البناء الأصغر المبني على القمة الأخرى دار الحرم وفيه ثلاث حُجُرات فقط، إلا أنها أكمل إتقانًا من حجرات البلاط وأبهى زينة وأكثر أدوات وأمتعة، وقد وجد فيه سُيَّاح الإفرنج من الذخائر والنفائس ما يجل عن الوصف ولا يُقَوَّم بثمن، ويصل بين هذا القسم وبلاط الملك سَرَبٌ تحت الأرض ينزل فيه الملك إذا أراد الإفضاء إلى دار حرمه، والقسم الثالث متصل بهذا القسم مبني على الناحية الأخرى من القمة المذكورة، وهو على شكل القسم المقدَّم، وفيه حجرة تقيم بها الحشم والخدم ومن حولها مساكن بعضها للعبيد وبعضها للكراع والسائمة، وبين دار الحشم والبلاط رواق طويل وهو غاية في الإتقان والزخرفة، وفيه وجد الفرنسيس النفائس التي استصحبها سرجون الملك بعد فراغه من فتوحاته وكاثر بها سائر الممالك، ووجدوا هناك أيضًا كثيرًا من الآنية والجفان والأدوات المختلفة، فحملوها إلى باريس ولا تزال هناك إلى هذا اليوم، وفيما يلي دار الحرم أخربة على شكل هرم من الرفات، ذكر بعضهم أنه كان مدفنًا لأحد ملوك آشور قصد به محاكاة الفراعنة المصريين وتقيُّل أهرامهم، وذهب آخرون إلى أنه المرصد الذي ذكره سرجون غير مرة، وقد تبينوا بعد البحث أنه كان مبنيًّا من سبع طباق تعلو بعضها بعضًا في العَنان، كل واحدة منها أصغر من التي تحتها حتى يُنتهَى إلى السابعة وهي أصغرها، وقالوا إنه كان لكل طبقة لون يخالف ألوان البقية، وكل لون لإله من الكواكب، وكانت أول طبقة لزُحَل، والثانية للزُّهَرة، والثالثة للمشتري، والرابعة لعطارد، والخامسة للمريخ، والسادسة للقمر، والسابعة للشمس، ولجميع هذه الطباق قياس واحد في الارتفاع وإن كانت تتفاوت اتساعًا على ما قدمناه، وكان هذا البرج أشبه ببرج بورسيبا الذي ذكره هيرودوطس على ما أسلفناه هناك. قالوا وكان المرصد في أعلى تلك الطباق، فيكون له طبقة ثامنة، وكان الآشوريون يرقبون منه حركات الكواكب لمعرفة السعد والنحس، وغير ذلك على ما كان من اعتقاد المتقدمين.

ذكر مدن أخرى بآشور

ومن شهير أخربة آشور الموضع المعروف بنمرود، وهو كالح القديمة على ثلاثة كيلومترات من عدوة دجلة الشرقية، وبينه وبين خرساباد ما ينيف على أربعين كيلومترًا، ويليه بسيط من الأرض ينتهي إلى الموصل ومسافته نحو تسعة كيلومترات، وليس في هذا الموضع اليوم إلا أنقاض قد تراكمت أمثال الجبال وبينها بقايا قد شخصت رءوسها في الجو يظنها أرباب البحث مراصد كانت لهم يرقبون منها النجم على نحو ما تقدم قريبًا، وفيما أورده بعض المؤرخين أن نمرود هذه كانت دارًا لطائفة من الملوك في غابر الدهر، وكانت ذات عز ومنعة وآثار ذلك فيها إلى الآن، وقد وجد بين أخربتها اسم نبوزكبيوكين وابنه مرودخ موبازا، وهما فيما قاله بعضهم من ملوك الآشوريين، وقال آخرون: إنهما من الملوك الذين مردوا على آشور وخلعوا طاعتهم، وأيٌّ كان من القولين فهما قديما العهد جدًّا.

وأول من احتفر في نمرود اللورد لايرد الذي تقدم ذكره، فاستبان آثار قصور جمة محكمة الصنعة مزينة بالنقوش وعجائب الأشكال وصور الملوك والآلهة، واحد منها يُعزَى إلى سردنابال الثالث المعروف بآشور نزربال، وكان في خلال القرن العاشر قبل الميلاد وآخر يُنسَب إلى آشور بانيبال بن أسرحدُّون الذي قام بالملك بعده وكان في منتصف القرن السابع، وهما قصران ضخمان يروعان الناظر عظمة وإتقانًا، والثاني منهما أوسع بنية وأتم رونقًا في نظر المتأمل، وكلاهما مشحونان بصُوَر الناس على اختلاف حركاتهم وملابسهم ومشاهد الصيد والمعارك، وصُوَر الآلهة والملوك وتماثيل الحيوان ما بين أسود وذئاب وأنمار وبنات آوى وأبعرة وثيران وشياه إلى غير ذلك مما يطول وصفه، وفي قصر آشور بانيبال منها وجد الإفرنج مكتبة جامعها آشور بانيبال صاحب القصر فاحتملوها إلى أوروبا، وفيها كثير من بيان تاريخ هذا الملك وأعماله على ما هو معلوم من دأب أولئك الملوك أن يدوِّنوا حوادث عهدهم في سجل مخصوص يكون في بلاط الملك تتسلسل فيه مآثرهم وأخبارهم فتبقى على غابر الدهر، وأما القصر فلو لم يظهر من آثار نمرود غيره لكفى معجزة يقف عندها المتأخرون موقف الحائر لما هو عليه من إحكام البناء وجمال الصنعة، وما برح كل من رآه يدهش لغريب هندسته وما فيها من الدقة والتناسب البديع، وهو الشاهد على أن الآشوريين كانوا في ذلك العهد قد بلغوا قمة نجاحهم وتوسطوا باحة علومهم وصنائعهم، وفي هذا القصر غرفة يبلغ مداها ١٤٠ قدمًا يتبيَّن من الأدلة أنها كانت مخصوصة لملاعب النساء والدعوات الحافلة. أما الأصنام والصور التي وُجِدَت في نمرود فشيء كثير جدًّا منها كبيرة ومنها صغيرة ومعظمها متقن الصنع، ومنها أكثر التماثيل التي في أوروبا على ما شهد به الاستقراء، ومن ذلك تمثال لآشور نزربال المذكور واقفًا في طول متر، وقد أخذ بإحدى يديه منجلًا وبالأخرى عصًا، وفي صدره كتابة تبين عن أمره وسنوردها في الكلام عليه، وتمثالان كبيران لنبو عملهما بعلوخوس الثالث وعليهما اسم سموراميت زوجته المعروفة بسميراميس، وهما الأثران الوحيدان الموسومان باسمها، وفي نمرود أيضًا مسلة صغيرة نصبها شلمنأصر الثالث ابن آشور نزربال ونقش عليها صورته وصورًا أُخَر من الناس والحيوان، وذكر فيها بعض فتوحاته على ما سيجيء ذكره، وهي مربعة الشكل مخروطة ذات قاعدة عريضة وأعلاها ينتهي إلى نقطة.

ومن مدائن آشور غوغاملة وصفها إسترابون في كتابه، فعدها من أشهر الأمصار الآشورية قال: وفيها كانت الواقعة المشهورة بين دارا والإسكندر، وكانت العاقبة للإسكندر وبها انقضت دولة الفرس الأولى، فلم تعد آخر الدهر. قال: ومعنى غوغاملة مناخ البعير سماها بذلك داريوس بن هستاسب حين قفل من بلاد التتار، وكان قد قصدها غازيًا فتوغل فيها وأثخن في أهلها وافتتح الأمصار وخرَّب المعاقل وانتسف الحصون وعاد بالغنائم والسبي ومعه الأبعرة تحمل المتاع. فلما تطاول به السير ماتت الأبعرة في الطريق، وكان آخر هالك منها في بطائح غوغاملة، فسماها بهذا الاسم، فبقي ذكرًا لغزوته تلك على الأبد. انتهى بتصرُّفٍ.

ومن مدائنها موغا ملكة وإربلة، وكانت الأولى مدينة حصينة ذات سور متين وفيها الأبنية الرائعة والهياكل الشامخة، وأعظمها هيكل كان مبنيًّا على قارَةٍ واحدة يعدونه من عظائم البنيان، وخربت هذه المدينة في سنة ٣٦٤ قبل المسيح، قصدها يوليانوس الروماني فحاصرها في جيش كثير، وكانت الحرب في أول الأمر سجالًا، ثم اشتد عليه أهلها فأهلكوا من جيشه خلقًا كثيرًا ومالوا عليه ميلة شديدة حتى كادت العاقبة تكون عليه، وفي تضاعيف ذلك وفدت عليه الوفود من أصحابه في نجدة وعدَّة، فشدَّد الحصر على المدينة حتى نهك أهلها واستحوذ عليها عَنْوَةً وحاز منها الغنائم، وما برح عنها حتى غادرها قاعًا صفصفًا، وأما إربلة فكانت من المدن الكبيرة، وكان إبان شهرتها ومبلغ عمرانها في عهد الفرس الأولى وتُنسَب إليها الواقعة التي جرت في غوغاملة سنة ٣٣١ بين دارا والإسكندر على ما مر ذكره فيقال لها واقعة إربلة، وهذه المدينة تنقسم اليوم إلى قسمين متميزين، أحدهما إربلة القديمة وهي مبنية على رابية هناك وعليها سور قد ذهبت به الغارات والأيام ولم يبقَ منه لهذا العهد إلا آثار، والآخر إربلة الحديثة وهي مبنية في السهل عند سفح الرابية يسكنها قوم من الأكراد ينتهون في قول بعضهم إلى الكلدان وهم زهاء ألفي نفس، وقد ذهب عنا معرفة ما كانت عليه هذه المدينة في عهدها الأول ولم يبقَ في آثارها ما يسفر عن أمرها، بَيْدَ أن الناظر إلى ما بقي منها في الجملة يتبين أنها كانت من المواضع الحصينة ذات الثروة والعمران، وبها اليوم منارة ذاهبة في السماء بانيها فيما يقال واحد من خلفاء الإسلام.

وعلى بعد خمسة وعشرين ميلًا من جنوبي أخربة خرساباد أخربة كالح شرعات، وهي غير كالح المقدم ذكرها المعروفة اليوم بنمرود، وهذه الأخربة على شكل أخربة نمرود وخرساباد، وبها تلٌّ من الأنقاض محيطه ٤٦٨٥ يردًا إنكليزيًّا وحوله بقايا سور محكم الوضع قد بُنِيَ من حصى النهر، وهناك وجد الإفرنج تمثالًا لشلمنأصر الثالث أحد ملوك آشور وكثيرًا من المدافن المصنوعة من الرخام، وفيها كثير من العظام بينها حِلًى من المعدن، وهذه المدينة هي المعروفة باسم أيلاصر، وكانت مباءة لملوك آشور دهرًا وفيها بنى إسمي داجون الهيكل المشهور لأوانُّس، ولا يزال فيها إلى اليوم تمثال لملك من آشور قديم العهد، إلا أنه ناقص لا رأس له ولا عنق وعليه لباس ضافٍ من كتفيه إلى الأرض وتحته قاعدة عليها اسمه واسم آبائه.

وإلى شرقي بغداد على أربعة أميال منها وستة أميال من نهر الفرات على ميمنة الترعة السقلاوية أخربة قديمة العهد مبنية بالآجرِّ على شكل هرم، يسميها الناس ببرج نمرود وبعضهم ببرج بابل، وهي غير البرجين المقدم ذكرهما، وكان اسمها الأول أكركوف على ما أثبته نيبوهر السائح الدنمركي، وآجرُّها مربع يبلغ ثخن الواحدة منه ثلاث أصابع وطولها ثلاث عشرة أصبعًا في عرض مثلها، وهي مرصوصة بالسياع، وبين كل سبعة سيفان من الآجر عَرَقٌ من الخيزران أو الأباء ليمسك البناء أن يتصدع على ممر الأزمان، وفي أعالي هذه الأخربة ثقوب كثيرة تمتد امتدادًا أفقيًّا، وبعضها تذهب عموديًّا، ولها ما يشبه أن يكون بابًا، ولكنه عالٍ جدًّا لا يُبْلَغ إليه إلا بعد عناء وجهد عنيف لصعوبة المرتقى وتضارس البناء، وطول هذا الموضع يبلغ ١٥٨ قدمًا إنكليزيًّا وعرضه ١١١ قدمًا وارتفاعه ١٢٩ قدمًا.

وهذا الارتفاع في رأي بعض الباحثين هو ارتفاعه الأول لم يطرأ عليه نقص بدليل التراب المتلبد في أعلى البرج حتى صار في صلابة الحجر، ومنذ قرون قريبة سوَّل الغرور لقوم من العرب أن يهدموا هذا البرج، لظنهم أن هناك كنوزًا وأن الموضع إنما كان مدفنًا للملوك، فشرعوا في أسباب الهدم وقوَّضوا صفحَيْن من البرج حتى انبثَّ الآجر في جميع تلك الناحية، وكان منتهى عملهم الفشل والرجوع بالخيبة بعد أن وهت عزائمهم وأيقنوا بكذب آمالهم، فلم يكن لجهدهم من معنى سوى أنهم شوَّهوا هذا الأثر الجليل وتركوه ينادي بجهلهم وعجزهم، وقد عُنِي السياح المتأخرون بالبحث والتنقيب في آثار هذا البرج غاية ما استطاعوا لعلهم يجدون فيه شيئًا من الكتابة الآشورية، فلم يروا من ذلك شيئًا، ولعل هذا هو السبب الذي حمل بعضهم على نسبة بنائه إلى أحد خلفاء بني العباس على ما أشرنا إليه قبيل هذا لقرب موقعه من دار ملكهم، وهناك مذاهب أخرى لهم لا يتأتى الترجيح بينها لرجوعها إلى الرجم بالغيب وعدم استنادها إلى دليل بيِّن. فمن قائل إنه هو برج بابل المشهور وليس بشيء لأن ذاك يلي دجلة وهذا يلي الفرات، وقالت جماعة إنه كان مدفنًا لأحد ملوك آشور، وفي بعض الروايات أن الآشوريين كانوا قد بنوه مرقبًا لربيئتهم، وكان أعلى مما هو عليه الآن ليمكن مدُّ البصر منه إلى مدى بعيد، وقال آخرون إنه كان مرصدًا لهم يرصدون منه النجوم، وذهب جمهور أهل الجغرافية إلى أن موقعه هو موقع مدينة أكد التي مر الكلام عليها، وخالفهم قوم فقالوا هو موقع مدينة سيتاكي، وذهب غيرهم إلى غير ما ذكر، وعلم الله وراء ما نعلم وهو بكل شيء محيط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١