تصديرٌ

في هذه المجموعة خمسٌ وعشرون قصيدة، معظمُها من شِعْرِي في سنة ١٩٣٤، أنشرها على سبيل النماذج، وقد طبعتُها مُستقلة لارتباطها بمعاني «الإضمار» الذي عبَّرتُ عنه تعبيرًا رمزيًّا مجملًا حين خاطبتُ الطاووسَ الأبيض:١
أنتَ في الحُسْنِ مُضْمَرُ اللَّونِ والحِلْـ
ـيةِ كالنُّورِ يُضْمِرُ الألوانا
إنْ يَعِبْكَ الذين لم يَشعروا بَعْـ
ـدُ فيكفي اجتذابُكَ الفنَّانا

وقد اقترحَ عليَّ غيرُ واحدٍ من أصدقائي الأدباء أن أقسِّم شِعْرِي وأطبعه طبعًا مستقلًّا حسب موضوعاته؛ تيسيرًا للقرَّاءِ، كما ظهر لي من قبل ديوان «مصريات» وديوان «وطن الفراعنة»، ولكني أخشى أن يؤدِّي ذلك إلى كثرة تآليفي كثرةً صناعيةً لا أحبُّها، وسأحاول في اعتدالٍ تلبيةَ اقتراحهم هذا كلما وُجِدَ داعٍ خاص إلى ذلك.

ولا أودُّ أن أثقل هذه المجموعة الصغيرة بتصديرٍ طويلٍ؛ فأكتفي بأن أعزِّز توكيدي لصفات الشِّعْرِ المستقلة توكيدًا لا يُنافي شغفي الشخصي بالموسيقى، التي ينبض بها شِعْرِي نبضًا ذاتيًّا في صميم بِنْيَتِهِ لا في بهرج صناعته؛ فالموسيقى الشعرية يجب أن تكون أصيلةً، مرادفةً للمعاني، متغلغلةً في بيانها، لا أن تكون صورًا من الترديد الإيقاعي الرَّنَّان الذي لا يصحبه شيءٌ من صدق العاطفة، أو عمق الفكرة، بل كله ضحولة وسفسطة كلامية. ورحم اللهُ ابن سعيد المغربي، صاحب «عنوان المرقصات والمطربات»؛ إذ قال عن علقمة الفحل: «معاني الغوص في شِعْرِ عَلْقَمة معدومة، وأقرب ما وقع له قوله:

أوردتُها وصُدورُ العيس مسنفَةٌ
والصُّبْحُ بالكوكب الدُّرِّيِّ مَنْحُورُ

يشير إلى أن كوكب الصبح مثل سنان الحربة طُعِنَ به فسال منه دم الشفق، وإذا تبيَّن هذا المعنى كان من المرقصات، وقوله:

يَحْمِلْنَ أتْرُجَّةً نَضْحُ العبير بها
كأنَّ تَطيابَها في الأنفِ مَشمُومُ

يشير إلى أنَّ ما نال هذه المرأةَ من مَضَضِ السير واصفرار لونها كالأتْرُجَّة، وأنها ما تحركت تزيد طبيًا خلافًا للتحرك البشري، ومنه أخذ ابن الرومي وغيره تشبيه المرأة بالروضة لطيب ثغرها.»

رحم الله ابن سعيد المغربي الذي يقول مثل هذا القول في القرن السابع للهجرة عن علقمة الفحل قرين امرئ القيس، حينما لا نستطيع أن نقول بعض ذلك في القرن الرابع عشر الهجري عن الناظمين المزماريين، الذين استولى بعضُهم على الصحافة بحكم وظائفهم أو علاقاتهم السياسية، وكادوا يدَّعون ملكية الشعر العربي قديمه وحديثه على السواء!

إن الشعر كغيره من الفنون مَلَكةٌ فِطريةٌ يصقلها الاطلاع والتأمُّل، ولكنه قبل كلِّ شيءٍ، وبعد كلِّ شيءٍ، مَلَكةٌ فِطريةٌ، ولا فائدة لمن ليست له هذه المَلَكَة في أن يتحايل عليها بالإيقاع والرنين الصناعي الذي ليست له بِنْيَةٌ شِعريةٌ أصيلةٌ، كما أنه لا فائدة ممن ليست له طبيعة مفكرة في أن يتظاهر بذلك في لُغةِ الإبهام والتهويل والنعيب.

وأعود فأكرر توكيدي لمنزلة الشِّعر المستقلة، على أن تكون موسيقاه هي موسيقى المعاني التي تَبتدع الألفاظَ والنبرات الملائمة لها، لا الألحان الصناعية الجوفاء التي لا تُظهر ولا تُضمر شيئًا من الجمال الشعري الأصيل. وعلى هذا الاعتبار أُفرِّق بين الشاعر الأصيل وبين الناظم المزماري، وإن لجأ الأخيرُ إلى ألوانٍ من العبث الإيقاعي الخلَّاب الذي أكاد أعدُّه طرازًا من الخلاعة والمجون. وشواهد ذلك كثيرة في نظم المناسبات الشائع، وخصوصًا في شِعر المدائح التقليدية. وأمَّا شواهد الموسيقى الشعرية المطبوعة فماثلةٌ في كلِّ شعرٍ قويٍّ مطبوعٍ، قديمًا كان أم حديثًا، ومنها هذه الأبيات للبحتري التي أذكرها في غير اختيار:

لي حبيبٌ قد لَجَّ في الهجرِ جدًّا
وأعادَ الصُّدودَ منه وأبْدَى
ذو فنونٍ يُريكَ في كلِّ يومٍ
خُلقًا مِنْ جفائهِ مُستجدَّا
أغتدي راضيًا وقد بِتُّ غضبا
نَ، وأُمْسِي مَوْلًى وأُصبِح عَبْدَا
وبنفسي أَفدي على كلِّ حالٍ
شاديًا لو يُمَسُّ بالحُسْنِ أعْدَا
مَرَّ بي خاليًا فأطمعَ في الوَصْـ
ـلِ، وعرَّضتُ بالسلامِ فرَدَّا
وثَنَى خَدَّه إليَّ على خَوْ
فٍ فقبَّلتُ جُلَّنَارًا ووَرْدَا
سيِّدي أنتَ! ما تَعرَّضتُ ظُلْمًا
فأُجازَى به، ولا خُنْتُ عَهْدَا
رِقَّ لي مِنْ مَدامعٍ ليس تَرْقا
وارْثِ لي مِنْ جَوانج ليس تَهْدَا!
أتُرَاني مُسْتَبْدِلًا بكَ ما عِشْـ
ـتُ بديلًا أو واجدًا منكَ نِدَّا؟
حاشَ لِلهِ! أنتَ أفتنُ ألفا
ظًا وأحلى شكلًا وأحسنُ قَدَّا!

ولا نزاع في أن أبا عبادة قد استوحى بوجدانه مثالًا من الحسن عزيزًا لديه في صوغ هذه الأبيات الوصفية الرشيقة الجميلة، وإنْ جاءت استهلالًا لقصيدة مدح، فالعاطفة غالبة عليها.

وهناك ضروبٌ أخرى من الموسيقى الشعرية، ولكنها جميعًا لا تُفتعل؛ بل تواتي الشاعر مواتاةً في اختيار ألفاظه، وتشكيل مقاطعها ونبراتها. وشتان بين ذلك وبين النظم الرَّنَّان الأجوف الذي ينادي أصحابُه بأنه هو هو الشِّعر، وكل ما عداه مما لم يملأ الأفواه نُطقًا، والآذان دويًّا، فليس من الشِّعرِ الصحيح في شيء؛ بل هو أمثلةٌ للركاكة اللفظية والتفاهة! وأمثالُ هؤلاء السادة تنحصر ثروتهم الموهومة في الرقة البيانية، وفي محفوظ الكلمات التقليدية، وفي المعاني المكرورة التي سئمها الدهر. وقد أفسدوا بافتتانهم الصناعي حتى الشِّعر الغنائي، ولشعورهم بهذا الفقر لا يَتورَّعون عن الإساءة بتفسيرهم المريض لآرائنا النقدية، ولاتجاهاتنا الجديدة، ومنها ما يَتجلَّى في قصائد هذه المجموعة التي أُهديها على صِغرها إلى أنصار الفنِّ البصير الطليق وأعداء العبودية والأميَّة.

ضاحية المطرية
في ٢٥ يناير سنة ١٩٣٥
١  ديوان «فوق العباب»، ص١٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠