الفصل السادس

الصحاري القادمة

لقد نظرت في البركة، ولكنني لم أرَ وجهي.

بل روحي هي التي كانت غارقة هنالك.

إلى أين أنا أمضي هكذا، مثل جنازةٍ ضائعة في الصحراء؟

الطقس المتقلب اليوم يجعل ذهني يتأرجح بين النور والظلام، كما السماء المترنحة بين الإشراق وزخَّات الأمطار المفاجئة، التي لا أعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. روح الإنسان تتفاعل مع ضوء السماء ومع نور الطبيعة. حينما تعتمُّ الشمس، تعتم روحي كذلك. وحينما يكون هنالك إقمار في الليل، يحدث إقمار آخر داخلي.

هكذا هو الأمر إذن، النظام هو حركة الفوضى، والفوضى هي مآل النظام. كل الأشياء تجري نحو الأمام، وكأنها تبحث عن انتظامات ممكنة، أو انهيارات محتومة.

الورود، ابتسامات الأرض سرعان ما يطالها التحلل، الأنهار والجداول تجري هي كذلك نحو ضفاف لا مرئية، أنفاسي بدورها تسبقني نحو الغد. رمال كل شيء رمال، ما الذي سيتبقى في النهاية غير هذه الصحراء الكونية حيث لا شيء يمكنه أن يترك أثرًا؟ نعم الحقيقة هي اللاأثر، الشواش، التحلل الجميل لكل ما هو جميل.

لقد أحببت أنا أيضًا تلك البيضة الأورجوانية التي تعود لطائر أزرق من الجنة، لكنني الآن وحيد، أخطو في زبد البحر، وأتنفس عبق الريح، أفكر في لا أحد ولا أحد يفكر في. هذا هو قدر الحب، كل عاشق ولهان، يبدأ كملاك بأجنحة وارفة، وينتهي كدودة تحت القمر.

كلا، أفكر فيك أنت يا صغيرتي، آه اسمعيني أيتها الإنسانية، أرجوك يا صديقتي لو أمكنني أن أقول بصدقٍ ما الذي سيكون عليه العالم في الألفية الثالثة. الريح ستصير رمالًا، والرمال ستصبح رذاذًا من نار، المعرفة برمتها لن تكون سوى مجرد ملاحظة عابرة في صحراء الحقيقة، أما الحب فهو الخدَر الذي شعرنا به من وخز الحياة.

لماذا كان ينبغي أن تبتسم الأرض، أن تحلم، وأن تحب هي أيضًا؟ لماذا كان على الغروب أن يكون جميلًا؟ على الحب أن يكون وارفًا؟ لماذا على الحقيقة أن تكون واعدة؟ هل كان كل هذا يستحق العناء؟ أيتها الإنسانية الهائمة في طرقات السماء. لقد أمعنت التفكير في كل شيء حتى في البراغيث والهوامات، وعقدت الآمال على كل شيء، على الألم والموسيقى، على البهجة والغموض، السياسة والضوضاء، الفلسفة والطفولة، الدين والحسرة، العلم والفرص الممكنة … ولكن ما الذي تبقى لك الآن غير الصدى الحزين لتلك الحفلة الكتومة التي اسمها الحياة؟

هل هنالك أحد ما في الأفق؟ أي نهر غامض يجري تحت وسادتي؟ أية ملائكة أخرى ستسقط من السماء؟ الشيء الوحيد الذي نعرفه هو أن ما حققناه ضاع في النسيان، انهار داخل فوضى الحياة، أما ما لم نحققه فهو ينتظرنا هنالك في جمال اللحظة. ما من قول يمكن أن ينهي التفكير في هذا الأمر. لتكن صلاة إذن بدون كلمات، للإله الصامت هناك، للإنسانية المرتجفة، للصحاري القادمة. آه أيتها الإنسانية، يا أختي الفانية! ضجيج الواقع لا يُحتمَل، وحده صمت المقابر يعلمنا معنى الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١