الفصل الأول

(على شاطئ النيل قرب قصر العيني، حيث يجتمع باعة الذرة المشوية والكعك وغيرهم ينادون عن بُعد على بضاعتهم … جلس على الحاجز الحجري المطل على النهر شاب لم يبلغ الثلاثين يقرأ بانهماك جريدة يومية تحت مصباح النور … إنه الدكتور علي حمودة … لا يمضي قليل حتى يظهر رجل في الخامسة والأربعين، متأنِّق … يضع في فمه سيجارًا كبيرًا غير مشتعل، فيقف لحظة ينظر إلى النيل نظرة الفارغ اللاهي … إنه البرنس فريد.)

البرنس (يلتفت إلى الدكتور حمودة ويفحصه بالمونوكل، ثم يقترب منه قائلًا بلهجة الآمر) : كبريت … من فضلك!
الدكتور (وهو مستمر في القراءة لم يرفع رأسه عن الجريدة) : متأسف …
البرنس (يسحب السيجار من فمه، ويضعه في جيب المنديل) : أحسن؛ لا داعي للتدخين الآن … (ويعود إلى النظر إلى النيل، وهو يصفر بفمه أنغام رقصة إفرنجية، ثم يتوقف فجأة ناظرًا إلى الشاب) صفيري يُزعجك؟
الدكتور (بدون أن يرفع عينيه عن الجريدة) : أبدًا …
البرنس (يعود إلى الصفير … ثم يتوقف فجأة مرة أخرى وينظر إلى الشاب) : حضرتك منهمك جدًّا في قراءة الجريدة … لا بد أنه توجد أخبار خطيرة … قل لي من فضلك … أهم الأخبار … ماذا حدث في البلد؟ … أنا لم أقرأ جرائد منذ أيام … لأسباب لا داعي لذكرها الآن … لكن هذا لا يمنع من أن أسأل عن الأخبار … ما هي الأخبار؟
الدكتور (يرفع رأسه عن الجريدة، ويلتفت إلى البرنس قائلًا بلهجة كلها صدق وبراءة) : الأخبار؟ … لا أدري والله!
البرنس (وهو يشير إلى الجريدة) : لا تدري؟! … وماذا كنت تقرأ إذن؟!
الدكتور : أخبار الإعلانات!
البرنس : إعلانات؟! … أنت تشتغل بالتجارة؟
الدكتور : لا … أبدًا … أنا أبحث عن عمل!
البرنس : تبحث عن عمل؟… أنت أيضًا؟ … آه يبدو لي أني أعرفك … لم أرَ وجهك بالطبع قبل الآن … ولكن هذا لا يمنع من أن تكون بيننا صلة بعيدة دون أن أعرف … أسرتنا كما تعلم كبيرة ومتشعِّبة، وليس من الضروري أن يعرف بعضنا البعض … وأنا على الخصوص دائمًا مبتعد … حتى عن ابنتي الكبرى … والصغرى أيضًا؛ لأسباب لا داعي لذكرها الآن … ولعلك تعرفها … هذا شيء لم يعُدْ خافيًا في محيط الأسرة … كانت فضيحة … وأنت بالطبع أدرى!
الدكتور (دهشًا) : أدرى بماذا؟
البرنس : بما حدث لابنتي «مرفت» … ثم بما صنعته بعد ذلك أختها الصغرى «جيهان» … كل الأسرة تعرف … وأنت باعتبار أنك برنس …
الدكتور (مذهولًا) : أنا برنس …؟
البرنس : ألم تقل إنك تبحث الآن عن عمل؟
الدكتور : نعم … أبحث عن عمل … لكن ما هي العلاقة؟
البرنس : آه … لا تؤاخذني … أنا لا شك أخطأتُ الفهم … يحسُن أن تُقدِّم لي نفسك.
الدكتور : أنا اسمي الدكتور علي حمودة.
البرنس : دكتور؟ … آه … فهمت سبب وجودك في هذا المكان … بالقرب من القصر العيني.
الدكتور : لا يا سيدي … أنا لست دكتورًا من مستشفى القصر العيني … أنا دكتور من كلية الآداب.
البرنس : كلية الآداب؟!
الدكتور : دكتور في علم النحو.
البرنس : ما هذا؟!
الدكتور : متخصص — على الأصح — في فرع دقيق من هذا العلم؛ وهي حروف الجر.
البرنس : الجر؟ …
الدكتور : نعم … حروف الجر … أي الحروف التي تجرُّ ما بعدها.
البرنس : آه … فهمت … ميكانيكي!
الدكتور : لا يا سيدي … لا … لا … لا أقصد جرَّ العربات … بل جرَّ الأسماء … في النحو شيء اسمه الجر أي الكسر … هي حروف عديدة تجُرُّ ما بعدها من اسم، أي تكسره … وهي أحيانًا يقوم بعضها مقام بعض، وإن كان — والكلام فيما بيننا — من الخطأ الذي تورَّط فيه كثير من العلماء النحاة القول بنيابة حرف جر عن حرف جر … فالمعنى يتغير تغييرًا دقيقًا طفيفًا في كل حال … على أن رسالتي في الواقع — تلك التي تقدمتُ بها لنَيْل الدكتوراه — لم تكن في صميمها متعلقة بحروف الجر كلها … وإلا فأين إذن التخصيص؟ … إنها كانت منصبَّة ومحصورة في حرف واحد فقط، هو حرف «حتى» … فقد استهواني قول كبير النحاة العلَّامة سيبويه وهو على فراش موته: «أموت وفي نفسي شيء من حتى»؛ ذلك أن حتى هي — في الحقيقة — مشكلة المشكلات التي حيَّرت العقول … ومعضلة المعضلات التي شغلت الأذهان … فهي تجر وتضم وتنصب … أرأيتَ أعجب من هذا؟ … فأنت تستطيع أن تقول: «أكلتُ السمكة حتى رأسِها»، بالكسر … ويمكن أن تقول: «أكلتُ السمكة حتى رأسَها»، بالنصب … ويجوز لك أن تقول: «أكلتُ السمكة حتى رأسُها»، بالضم … مفهوم؟
البرنس : طبعًا مفهوم! … يعني أن السمكة يمكن أن تأكلها دائمًا! … أليس كذلك؟
الدكتور : نعم … بالحركات الثلاث كما وضحتُ لك.
البرنس : وأنت دكتور في هذا؟
الدكتور : نعم.
البرنس : لا يا سيدي الفاضل … ثق أني يوم أريد أن آكل سمكًا فإني لن أحتاج إليك أبدًا! … قلتَ إنك عاطل؛ وإنك تبحث عن عمل؟
الدكتور : مع الأسف … لم أجد حتى الآن عملًا!
البرنس : طبيعي؟
الدكتور : الصعوبة في أمري هي أنه لا يوجد لي مكان الآن في الجامعة، وتخصصي العميق في فرعي جعلني غير صالح للتدريس في المدارس الأخرى … وأنا بفطرتي لم أُخلَق مدرسًا، ولكني خُلِقْتُ عالِمًا … كانت هوايتي منذ الصغر هي النحو والإعراب … كنت في نظر زملائي الصغار حلَّال المشكلات العويصة في الإعراب والنحو … كل شيء يصادفني كنت أعربه، وأشغل نفسي الأيام والليالي في إعرابه … الدنيا عندي كلها كانت الإعراب … لا أهتم بشيء غيره … أفتح الكتب؛ لأعربها لا لأقرأها! … أعربتُ جميع الكتب والجرائد حتى دفتر التليفون! … أما اليوم فكل ما يشغلني من الكون هو كلمة «حتى»؛ صرت أتتبعها في كل سطر يقع عليه نظري … وأرى أثرها في تحريك ما بعدها … حتى أصبحَتْ هي التي تُحرِّك وجودي … هذا الحرف الصغير الضئيل الذي حرَّك قلب سيبويه وهو على أبواب الحياة الأخرى يُحرِّك مصيري أنا أيضًا وأنا على أبواب الحياة العملية!
البرنس : هل عندك إيراد؟
الدكتور : لا … مات والدي منذ أشهر، ولم يترك لي غير بقرة وجاموسة وعجل … كان مستأجِرًا لبضعة أفدنة في أحد التفاتيش … وكان يرسل إليَّ أكثر كسبه؛ لأتعلم … بعتُ مواشيه؛ لأنفق ثمنها على معيشتي؛ فهو لم يُخلِّف شيئًا، ولم يبقَ معي اليوم ما أعيش به … لا بد لي إذن من أن أجد عملًا سريعًا … سريعًا جدًّا!
البرنس : ماذا تستطيع أن تعمل؟
الدكتور : لا أدري بعدُ … ولكني …
البرنس : اسمع … حالتك تهمني!
الدكتور : إنك تفتح لي باب الأمل يا سيدي … عندك لي عمل؟
البرنس : أنا؟! …
الدكتور : إني أتوسم فيك الخير … لعل مقابلتنا الليلة ليست من قبيل المصادفة!
البرنس : ما هو نوع العمل الذي تطلبه؟
الدكتور : أي عمل في الدرجة الخامسة … لأن شهادة الدكتوراه التي أحملها تعادل الدرجة الخامسة … تستطيع أن تستعلم عن ذلك من وزارة المعارف.
البرنس : الدرجة الخامسة؟ … ما هي الدرجة الخامسة؟
الدكتور : الدرجة التي لا يقل مرتبها عن عشرين جنيهًا … ماهية أصلية … أول المربوط!
البرنس : عشرون جنيهًا؟! … كان سائق سيارتي يتقاضى أكثر من ذلك … هل تستطيع أن تقود سيارة؟
الدكتور : لا يا سيدي … ولا أقبل.
البرنس : ولا أنا!
الدكتور : أريد وظيفة حكومية أو حرة … لا يهمني الآن … المهم وظيفة …
البرنس : فكرة … لكن خبِّرني ماذا يمكن أن تعمل في الوظيفة؟ … أسبق لك الاشتغال بشيء لكسب الرزق؟
الدكتور : لم يسبق لي بعدُ.
البرنس : وأنا كذلك!
الدكتور : حضرتك غني … هذا ظاهر من شكلك … ولك سيارة وسائق كما قلتَ … كلمة منك إذَن أو بطاقة صغيرة تستطيع أن تفتح لي باب الوظائف، وتكون قد أسديتَ إليَّ جميلًا لا أنساه.
البرنس : إنك تتكلم كثيرًا عن الوظائف … الوظائف … ما هي الوظيفة؟! … ماذا يمكن أن نصنع فيها لو وجدناها؟ … هل عندك فكرة؟!
الدكتور : لا … أبدًا … ولكن المسألة بسيطة كما سمعت … إنها عبارة عن مكتب … من الصبح إلى الظهر … ثم مُرتب!
البرنس : مكتب ومُرتب … هذا لطيف! … هذا أستطيع أن أفعله … وإن كنتُ — كلام في سرك — لا أستطيع أن أستيقظ في الصباح قبل الحادية عشرة!
الدكتور : أنت لست محتاجًا … والنوم — على كل حال — لذيذ جدًّا في الصباح … إني أيضًا لا أستيقظ إلا متأخرًا … إني أنام كما أشاء … لأني لا أجد ما أعمل غير النوم … وأنت كيف تُمضي وقتك بعد أن تستيقظ؟ … على فكرة … لم أتشرف بعدُ بالاسم الكريم!
البرنس : آه … لا تؤاخذني … أنا اسمي البرنس فريد … قصري هنا في جاردن سيتي على بُعد خطوات.
الدكتور (مرتبكًا ينهض) : البرنس … فريد؟ … حضرتك؟ … سموُّك؟ …
البرنس (يشير إليه بالعودة إلى الجلوس) : أرجوك … اجلس … لا داعي للرسميات الآن … ألم تقرأ في الجرائد ماذا حدث أمس؟
الدكتور : ماذا حدث؟
البرنس : لم تعرف بعدُ؟ … أحسن … فلنتحدث فيما نتحدث فيه … ولا تُغيِّر طريقتك … ماذا كنا نقول؟
الدكتور : كنا — يا صاحب السمو — نقول …
البرنس : تخاطبني بلقبي، فلأخاطبْك أنت أيضًا بلقبك … تكلم يا دكتور … كنا نتحدث عن الوظيفة.

(يمر عندئذٍ بائع ذُرة يدفع عربة يد فوقها ذرة خضراء، وموقد صغير يشوي عليه، وهو يُهوي بمروحة من الريش، وينادي على بضاعته.)

البائع (مناديًا) : الدرة! … اللوز! …
البرنس (يتشمم طويلًا) : رائحة الشواء تفتح الشهية … ما قولك يا دكتور؟!
الدكتور : حقًّا رائحة الذرة لذيذة!
البرنس (مناديًا البائع) : اسمع يا شاطر … اشْوِ لنا كوزين … قم بنا نتخير ونستكبر! (ينهض ومعه الدكتور، ويتجهان إلى عربة الذرة.)
الدكتور (يُقلِّب في الذرة ويتخيَّر إحداها) : أنا أختار لسموِّك هذا الكوز … طري وملآن … وهذا كوز آخر لا يقل عنه … (للبائع) بكم الكوز يا عم!
البائع : بقرش صاغ.
البرنس : قرش صاغ؟! الكوز الواحد …؟
البائع : كثير …؟
البرنس : طبعًا كثير … بكم تشتري الكوز من الغيط بشرفك؟ … إن كان عند مثلك شرف!
البائع : قبَّحنا بالعَجَل! … الكلام يكون بالإنسانية يا باشاوات!
البرنس : لا تراوغ … تكلم … أنا كان عندي أطيان وعارف … لو كان الكوز بنصف قرش فقط لوصل إيراد الفدان إلى مبالغ …!
البائع : الكوز بقرش صاغ … أشوي؟
البرنس : طبعًا … اشْوِ كوزين … أنا فقط أردتُ أن أُظهر طمعكم وجشعكم!
البائع (وهو يضع الكوزين على الفحم) : طمعنا وجشعنا؟! وشرفك — وجنابك طبعًا من أصحاب الشرف — أنا قمت من النوم في أي ساعة؟ … قبل أذان الفجر بمدة … والنجوم طالعة، رحنا الغيط أنا والولد ابني قلعنا الدرة وحمَّلنا العربة … وجئتُ بها ماشيًا على قدمي في الطلِّ والندى … مِن قريتنا … فوق إمبابة بمسافة … إلى أن وصلت إلى هنا … وطول النهار وأنا واقف على رِجلي أشتغل … والليل دخل الآن … وإلى أن أعود إلى قريتي على قدمي — أنا والعربة — وأتعشى بلقمتي وأضع جنبي إلى الأرض يكون الليل قارب الانتصاف … كل هذا التعب بثمن أو بدون ثمن؟ وإذا كان تعب مثلي ليس له ثمن … فمن أين أُطعِم الأولاد الصغار؟
الدكتور : عندك أولاد؟
البائع : عندي أولاد صغار في سن الرعاية … وعندي وَلدان كبيران في سن التعليم … يذهبان بعد الظهر إلى مدرسة القرية … أما في الصباح فيعملان في كسب رزقهما.
الدكتور : كسب رزقهما؟ … أين؟
البائع : أحدهما يعمل في الغيط … في قيراطين اشتريتهما من وفر كسبي وتدبير امرأتي التي تُربِّي الدجاج وتبيع البيض … في هذين القيراطين نزرع الذرة التي أبيعها هنا على العربة … أما الولد الآخر فيعمل أجيرًا في دكان فحَّام، ومن هذا الدكان أجلب الفحم الذي أشوي عليه.
الدكتور : يعني زيتك في دقيقك!
البرنس : بل قُل: دُراه في فحمه!

(يضحكان.)

البائع (وهو يمرُّ بالمروحة على الكوزين) : لولا الفحم ما كان ينشوي الذرة … كل ولد من أولادي لا بد أن يكون له عمل … فلَّاح … فحَّام … المهم الشغل وكسب اللقمة … وعدم العطل.
الدكتور : والمدرسة؟ … العلم؟ …
البائع : العلم عندنا — بلا قافية — هو الشغل … تفضَّل كوزك … اصبر أغلِّفه لك بورقه الأخضر؛ حتى لا يحرق أصابعك … عندنا لا نعرف العالِم ولا الجاهل … الناس عندنا إما عامل وإما عاطل … إما نافع يشتغل ويعرق ويفيد نفسه وغيره … وإما صايع — من غير مؤاخذة — لا شغلة … ولا مشغلة تنفعه وتنفع الناس … وهذا في عُرْفنا — يا أولاد البلد — لا يُعتبر أنه رجل … تفضل الكوز!
الدكتور (يناول الكوز للبرنس) : تفضَّل سموُّك أولًا.
البرنس : لا … لا … تفضَّل أنت يا دكتور.
البائع (يُقدِّم الكوز الآخر) : الكوز الثاني جاهز … حضرتك دكتور هنا؟ … لي قريب بيتعالج هنا في القصر العيني!
البرنس (بسرعة) : لا … لا … حضرته ليس دكتور هنا … حضرته دكتور في … في شيء آخر … كم تريد في الكوزين؟ … قرشين؟!
البائع : قرشين صاغ.
البرنس (وهو يبتعد بكوزه إلى حيث كان أمام النيل) : ادفع له يا دكتور! … الأمراء كالملوك لا يحملون نقودًا!

(الدكتور يُخرِج من جيبه قرشين، وينقد بائع الذرة الذي ينصرف بعربته … ويعود الدكتور بكوزه إلى مكانه من حاجز النيل الحجري.)

البائع (ينادي مبتعدًا بعربته) : الدرة! … اللوز! …
الدكتور (يقضم كوزه شارد الفكر) : آه … رحمة الله عليه!
البرنس (وهو يقضم الكوز أيضًا في يده بشراهة) : من هو؟!
الدكتور : المرحوم والدي … لم أعاونه في شيء … بل هو الذي كافح وعرق ليرسل لي ما أنفقه.
البرنس : حقًّا … أولادنا لا يجلبون لنا غير المصائب … تصوَّر ابنتي مرفت التي ربَّيتها في العز … ماذا فعلت لتكافئ والدها؟ … أول شيء بمجرد بلوغها الحادية والعشرين هو أنها جلبت لي العار، وصيَّرتني أضحوكة في الأسرة …
الدكتور : العار؟! … ماذا فعلت؟!
البرنس : لم يعجبها خطيبها النبيل مدحت … وأحبَّت شابًّا قذرًا … هو ميكانيكي في جراج كانت تصلح فيه سيارتها الكابريوليه، وتزوجته — يا سيدي — على الرغم من أنفي … وسكنت معه في حجرتين في عمارة بحي حقير … وأنجبت منه ثلاثة أولاد أكبرهم الآن في السادسة أو السابعة على ما أذكر … أنا لم أرَ بالطبع هؤلاء الأولاد … لن أراهم أبدًا، ولم أرها هي منذ سنوات … لكن الأدهى والأمرَّ أن أختها الصغرى جيهان قد تركت بيتي منذ عام هي الأخرى … بعد عيد ميلادها الثامن عشر … وقررت اللحاق بأختها والسكن معها … هذه المنكِرة للجميل أيضًا … تتركني وحيدًا مع الخدم … فزوجتي ماتت من سبع سنوات … من أثر الصدمة … صدمة الفضيحة والعار … هذا هو خَلَفي الذي أنجبتُه … أرأيتَ أقذر من هذا الخلف؟ (يبصق في الأرض.)
الدكتور (وهو يقضم الذرة) : ما رأي سموِّك في هذه الذرة المشوية؟
البرنس (بحماسة) : لذيذة جدًّا!
الدكتور : أراك تلتهمها حقًّا بمنتهى الشهية!
البرنس : إنها مغذية … أليس كذلك؟
الدكتور : ومحرشة للمعدة، ومحتوية على فيتامينات …
البرنس : طبعًا أنت دكتور وتعرف … آه … عفوًا … أقصد أنك … كيف عرفتَ فوائدها؟
الدكتور : هذا شيء معروف في الذرة!
البرنس : أنا لم أكن أعرفها — مع الأسف الشديد — كنت أمرُّ بسيارتي من هنا، وأصادف هذه العربات وهؤلاء الباعة بملابسهم الممزقة؛ فتشمئز نفسي … وأحسبها شيئًا قذرًا … من أين لي أن أعرف أن ما احتقرته هو في الواقع شيء ممتع ومفيد؟ (يقضم كوزه بنهم.)

(يسمع بغتة بوق سيارة، وصرير وقوفها بعنف مفاجئ.)

الدكتور (ناظرًا جهة الصوت) : يا ساتر … سيارة كادت تصدم عربة الذرة!
البرنس : هذا البائع المسكين … السعيد بكدحه وأولاده … عينٌ أصابته، نحن — ولا شك — حسدناه! … ألا تظن ذلك؟
الدكتور : ربما … ولكن الله سلَّم … لم تمسه السيارة بسوء.
البرنس (مشاهدًا وهو يقضم كوزه) : الغلطة طبعًا غلطة السائق … رجل متهوِّر فيما أرى … وإلى جواره امرأتان … أليس كذلك؟
الدكتور (مدققًا البصر) : نعم … في مقتبل العمر.
البرنس : إنه يحتاج إلى درس … انتظر.

(يهبط من مجلسه فوق الحاجز الحجري، ويتجه — والكوز في يده — نحو الصوت والسيارة … حيث يعلو لغط مختلط غير مفهوم؛ مما يحدث عادةً في الشارع بين المارة عند وقوع هذه الحوادث.)

الدكتور (صائحًا) : لا تضربه يا صاحب السمو … ليس لنا شأن! (ينظر مشاهدًا لحظة ثم يصيح دهشًا)، ما شاء الله … السيدتان تتعلقان بسموه … إنهما تُشبِعانه تقبيلًا … وأي سيدتين؟! … جمال وأناقة ولطافة! … ما شاء الله … الذرة نأكلها معًا … أما هذا فله وحده … طيب … طيب … (يستمر في النظر)، عجبًا! … إنه يدفعهما عنه … إنه غاضب … بطر … بطر والعياذ بالله! … ها هو قادم!

(لا تمضي لحظة حتى يعود البرنس مقطب الجبين، وهو يخفي كوز الذرة في ثنايا سترته.)

البرنس (صائحًا بغضب) : مستحيل! … مستحيل! …
الدكتور (ناهضًا) : أنا مستعد!
البرنس : لا أقبل مطلقًا … لا أقبل مطلقًا …
الدكتور : أنا قابِل!

(تظهر في الحال آنسة في التاسعة عشرة، هي جيهان، تجري برشاقة نحو البرنس.)

جيهان : كلمة واحدة يا بابا … كلمة … يجب أن تستمع إلى مرفت … تعالَيْ يا مرفت …
مرفت (تظهر مسرعةً) : بابا … أرجوك … اسمعني … دقيقة واحدة!
البرنس : أعرف ما ستقولين.
مرفت : لا … أنت لا تعرف بعدُ شيئًا مما سأقول … لأن هناك أشياء كثيرة قد حدثت لا تعلمها … لأنك لا تريد أن تعلم عني شيئًا … أظن هذا المكان غير مناسب للكلام … لو انتقلنا إلى البيت …
البرنس : بيتي؟ … مستحيل … لقد أقسمتُ ألَّا تدخلي بيتي أبدًا!
جيهان : لقد جئنا من هناك الآن … لم نجدك هناك بالطبع … ولم نجد أحدًا …
مرفت : ولولا وقوف السيارة على هذا النحو لما عثرنا عليك الساعة!
البرنس : ولماذا تريدين أن تعثري عليَّ الآن؟
مرفت : لأعرض عليك أمرًا مُهمًّا.
البرنس : تكلمي بسرعة.
مرفت (تتلفَّت حولها ناظرةً إلى الدكتور حمودة) : هنا؟ … هكذا؟ … وأمام …
البرنس : وما الضرر؟ … أمرك معروف لكل الناس … وحضرته على الخصوص يعرف … (للدكتور مُقدِّمًا) إنك فهمتَ طبعًا أنهما الخلَف الصالح … حضرته الدكتور حمودة … دكتور اختصاصي في … في أكل ذيل السمك … أقصد … لا تؤاخذني … نسيتُ بالضبط … اشرح لها أنتَ الذي قلتَ لي … على كل حال ليس الآن … ليس الآن …
مرفت : تشرفنا يا دكتور … تسمح أكلم بابا كلمتين؟!
الدكتور (مرتبكًا) : تفضَّلي يا هانم!

(مرفت تتجه إلى أبيها، مديرةً ظهرها إلى الدكتور، وهي تشير إلى أختها جيهان بأن تبقى هي مع الدكتور … فتبتعد به خطوتين بلباقة، وتشغله بالحديث.)

جيهان : حضرتك دكتور في علم البحار؟!
الدكتور : البحار؟! … وما هي المناسبة؟
جيهان : السمك … ألم يقل بابا الآن …؟
الدكتور : لا … أبدًا … أنا أخصائي في علم النحو.
جيهان : وما العلاقة بين النحو والسمك؟

(يظهر الارتباك على وجه الدكتور حمودة، ويحاول أن يشرح بحركات يديه، وجيهان تضحك بلطف، وهذا كله في منظر صامت … وينتقل الحديث إلى البرنس ومرفت …)

البرنس (متعاليًا وهو يخفي كوز الذرة) : قولي باختصار … ماذا تطلبين مني؟
مرفت : لا أطلب منك شيئًا يا بابا … نحن جئنا لنسألك أن تطلب أنت منا كل ما تريد!
البرنس : أطلب منكم؟!
مرفت : نعم يا أبي … نحن تحت تصرفك … أنا وزوجي «سالم» … أنت بالطبع لم تعرف بعدُ حالتنا المالية اليوم … الشاب الميكانيكي الفقير بالأمس، هو الآن صاحب جراج كبير، ومصنع لعمل «شاسيهات» السيارات … أتعرف أين أقطن اليوم يا بابا؟ … في فيلا ملكنا بالمعادي … لأن ثروة زوجي تقرب الآن من الخمسين ألف جنيه … بالطبع لم نصل إلى هذه الحال إلا بعد أن عشنا حياة الضنك وذقنا مرارة الحرمان سنوات … واحتملنا كثيرًا … وصبرنا طويلًا … وكدحنا وكافحنا وناضلنا … حاربنا الفقر بالعمل … ونجحنا والحمد الله.
البرنس (بخشونة) : كل هذا لا يهمني.
مرفت : أعرف ذلك يا بابا … ولكننا لا نستطيع الآن أن نتركك مجردًا محتاجًا.
البرنس : من قال لكم إني محتاج؟! … إني لم أزل في قصري!
مرفت : لم تزل في قصرك … هذا صحيح … ولكن قانون الثورة قد جرَّد الأمراء والنبلاء من ألقابهم وأموالهم؛ ليعملوا مثل الآخرين … وأنا أعرف أنك لا تُحسِن أي عمل!
البرنس : هذا شأني!
مرفت : وشأني أيضًا … أنت أبي على كل حال … وإذا كنتَ قد أغلقت بيتك في وجهي ووجه زوجي … فإن بيتنا مفتوح لك في كل حين … ثق أنها ليست فكرتي وحدي … إنما هو سالم … ذلك الرجل الكريم الخُلُق … قد سبقني إلى التفكير في مصيرك وهو يطالع الجرائد ويتتبع الأخبار.
البرنس : تفكرون في التصدق والإحسان عليَّ؟!
مرفت : لا تضع الأمر هذا الوضع … إنما هو عرفان للجميل.
البرنس : يا لسخرية الأقدار! … هذا الشاب القذر الحقير يريد أن يتصدَّق على أسياده؟!
مرفت : إنك لست سيده … بأي حق تقول ذلك؟!
البرنس : تنكرين هذا الحق؟! … انحدرتِ يا ملعونة … انحدرتِ إلى مستوى هؤلاء الكلاب؟!
مرفت : تستطيع يا بابا أن تهينني … ولكن لا تُهِن زوجي … إنه رجل … رجل … اعتمد على ذراعه وخُلقه … لم يأنف يومًا من ارتداء لباس العامل الملطَّخ بالشحم والزيت؛ ليعمل تحت إمرة أسطى في الورشة — وهو المهندس خريج الجامعة — حتى ألمَّ بالجانب العملي، وعاش من برَكة العمل اليدوي — كما قال — وصعد السلَّم من أسفله … واستطاع أن يكتشف طريقة جديدة لتحسين الكاربوراتير … هكذا شقَّ طريقه، واستحق في نظري كل احترام … نعم … إني لم أكن مخطئة يوم تركتُ خطيبي الأول … ذلك النبيل المُخنَّث الذي لا يُحسِن شيئًا غير التطلُّع في المرآة، وعقد ربطة عنقه!
البرنس : أولاد الأصول … من أسرتنا العريقة … لستِ بهم جديرة!
مرفت : أسرتنا العريقة؟! … مَن مُؤسسها؟! … شاب ميكانيكي؟! … لا … بل شاب فقير حقير كان يعمل في دكان دخان! … أليس كذلك … ولكنه عمل ونجح … فجاء أحفاده الذين لا يعملون شيئًا يُسمُّون عمله أصلًا عريقًا … غدًا يأتي أحفاد زوجي سالم؛ فيعيشون على سمعة عمله ويسمُّونه الأصل العريق … ما من أصل إلا وفي جذوره عمل … الأصل هو العمل … ولا شيء غير ذلك.
البرنس : عمل … عمل … عمل … العمل للخدم والعبيد!
مرفت : العمل هو الحرية … لقد تعلمتُ أشياء كثيرة منذ عشتُ مع زوجي سالم … شعرتُ أني إنسانة تعيش حقًّا منذ بدأت يداي تعملان … شعرت أني بدأتُ أنطلق من سجن الفراغ … لست أدري كيف تطيق الحياة بغير عمل يا أبي … إني أرثى لك!
البرنس : أنتِ التي ترثين لي؟ … يا للعجب! … لقد انقلبت الأوضاع! … في كل شيء … وانتهى الأمر!
مرفت : بابا … دعني أنقذك!
البرنس : ماذا تقولين؟
مرفت : إنك أسأت فهْمنا الساعة، حين ظننتَ أننا فكَّرنا في التصدُّق والإحسان … لا … لا … إننا أردنا أن نعاونك على أن تعيش كما يجب أن يعيش إنسان كريم … فكرنا في أن نسند إليك عملًا …
البرنس (بغضب) : عملًا؟ … في جراج زوجك! … يا لَكِ من وقحة!
مرفت : لا … لا تغضب … ليس في جراج زوجي … بل في مكان مستقل لن يخدش إحساسك العمل فيه … دعْ زوجي سالم يوضح لك … إنه ينتظر في السيارة إشارة مني؛ فهو لا يريد أن يُقحِم نفسه عليك بغير إذنك … سأدعوه … (تشير بيدها مُلوِّحةً وتصيح) سالم … سالم … (ثم تلتفت إلى أبيها) أحسِن استقباله من أجلي … أرجوك …

(سالم يظهر، وهو رجل في نحو الخامسة والثلاثين … حسن الزي، في غير أناقة مفتعلة، ويقف لحظة حائرًا بين الرجلين والمرأتين … إلى أن تتم عملية التعارف.)

مرفت (تُقدِّم زوجها لأبيها) : طبعًا هذه أول مرة ترى فيها زوجي سالم.
سالم (في تلعثم) : إني سعيد … (ثم يمد يده.)

(البرنس يمد يده التي بها الكوز، ثم يخفيها بسرعة، ويمد الأخرى بدون كلام، وهو يفحص سالم بنظرة متعالية.)

مرفت (تُسرِع بإنقاذ الموقف، فتقدِّم زوجها للدكتور) : زوجي سالم سعداوي … (ثم تقدم الدكتور وقد نسيت اسمه) الدكتور …
جيهان (تبادر بذكر الاسم) : الدكتور علي حمودة.
سالم : تشرفنا يا دكتور.
مرفت : عن إذنكم! … (تقود زوجها ناحية أبيها) تعالَ يا سالم وضِّح لبابا وجهة نظرك في الموضوع إياه.
البرنس (في صيحة غضب) : مرفت … لا شك أنكِ جُننتِ!
مرفت (مأخوذةً) : أنا؟
البرنس : ما هذه الجرأة؟! … كيف تجسُرين على فتح موضوع يمس شئوني الخاصة … وتسمحين لشخص غريب لم أره قبل الآن أن يخوض فيه؟!
مرفت : شخص غريب؟!
البرنس : بالنسبة إليَّ أنا على الأقل.
سالم : نحن — يا سيدي — لم نُرِد التدخُّل في شئونك الخاصة … ولكنا أردنا أن نضع ما عندنا من جهد تحت تصرُّفك.
البرنس : هل طلبتُ إليكم ذلك؟
سالم : لا … ولكن …
البرنس : إنك تخطئ إذا ظننتَ أني سأتضوَّر جوعًا … وأنك أنت الذي ستنقذني!
سالم : لم يخطر ذلك ببالي … كل ما في الأمر …
البرنس : يجب أن تفهم أني لست في حاجة إلى شيء … ولا إلى أحد … ويوم أحتاج إلى معونة، فإني لن أطلبها منك أنت على كل حال.
سالم : أنا متأسف.
مرفت : بل أنا المتأسفة يا عزيزي سالم.
سالم (يمد يده إلى البرنس) : مهما يكن من أمر، فإني سعيد بلقاء والد زوجتي … أسعدت مساءً يا سيدي.
البرنس (بغير أن يمد يده) : أسعدتَ مساءً!
مرفت (تُسلِّم على أبيها) : إني أفهم حالتك جيدًا … أورفوار يا بابا.
البرنس (يمد يده التي بها كوز الذرة) : أورفوار!
مرفت (ترى الكوز) : ما هذا؟
البرنس (يُخفي كوز الذرة بسرعة) : لا شيء … لا شيء.
مرفت : كان يسرُّنا أن تتناول معنا العشاء الليلة.
البرنس : ليست عندي شهية للأكل!
مرفت (لأبيها وهي تلحق بزوجها سالم) : إنك متكبر وعنيد … أرجو ألَّا أيأس منك يومًا … تعالَي يا جيهان.
جيهان (تترك مكانها بجوار الدكتور، وقد كانا ينظران إلى النيل ويتحادثان) : انتهيتِ يا مرفت؟ … هكذا بهذه السرعة؟!
مرفت : لا فائدة يا جيهان!
جيهان (تلتفت إلى أبيها) : بابا … ألم يحصل تفاهم؟
البرنس : الحقي بأختك … مع السلامة!
مرفت (لأختها الحيرى) : تعالي يا جيهان … لا تضيعي الوقت … أنا أخبرك بكل شيء.
جيهان (تُسلِّم على أبيها) : أورفوار يا بابا.
البرنس : أورفوار.

(جيهان تلتفت إلى الدكتور وتُحيِّيه، وكذلك يُحيِّيه سالم ومرفت بإشارة من الرأس قبل مغادرتهم جميعًا المكان … ولا تلبث السيارة أن تتحرك ويُسمع بُوقها … والدكتور يُشيِّعها بنظراته … وعندئذٍ يُظهِر البرنس كوز الذرة، ويستأنف الأكل بشهية.)

الدكتور (وهو لا يزال يُشيِّع السيارة بأنظاره) : في منتهى الظُّرف والتواضع!
البرنس (وهو مشغول بالأكل) : مَن؟
الدكتور (وفكره شارد بعيدًا) : الآنسة …
البرنس (وهو يأكل) : أي آنسة؟!
الدكتور : كريمة سموِّك!
البرنس (يبصق ما في فمه) : اسكت … لا تصدَّ نفسي!
الدكتور : سبحان الله!
البرنس : العِرْق دسَّاس … أمُّهما كان فيها عرق مصري … بلدي … أبوها كانت أمه جارية من هنا … من بنات البلد!
الدكتور : وما الضرر؟
البرنس : لقد رأيتَ النتيجة بعينيك!
الدكتور : نتيجة سارَّة!
البرنس (بغضب) : ماذا تقول؟!
الدكتور : ما كنت أحسب بنات البرنسات بهذا اللطف … كانت الآنسة تحادثني كما لو كنتُ زميلًا لها في الجامعة … قالت لي إنها تعلمت في مدرسة الحياة في عام واحد أكثر مما تعلمته على أيدي المعلمات والمربيات في خمسة عشر عامًا … ثم نظرَتْ إلى النيل وحدثتني طويلًا … أتدري في ماذا يا صاحب السمو؟ … في صناعة صيد السمك … لم أفهم بعدُ ما الذي جعلها تظن أن لي صلة بذلك، ولكنها ذكرت — على كل حال — ملحوظات طريفة … قالت إنها قرأت عن صناعة صيد السمك بواسطة الكهرباء في إحدى المجلات العلمية التي يطالعها زوج أختها … ومن رأيها أن طريقة الصيد العتيقة لن تجعل من هذا المورد الطبيعي من موارد مصر الخصبة صناعة كبرى، لكن هذا سيحدث حتمًا — كما سمعت من زوج أختها — يوم تتوافر القوة الكهربائية، ويوم يصبح السمك في نيلنا الكبير وبحيراتنا العديدة وبحارنا الواسعة مادة للتصدير الخارجي وللاستهلاك المحلي على نطاق واسع … قالت الآنسة: يجب أن يأتي اليوم الذي يجد فيه كل فرد من الشعب مهما يكن فقيرًا طعامه الوفير من هذا السمك المغذي، بالثمن الزهيد الذي يحصل به على الطعمية والفول المدمس.
البرنس (وهو يقذف الكوز بعد أكل ما فيه في النيل) : والذرة المشوية.
الدكتور : مثلًا!
البرنس : وهل نحن دفعنا ثمنًا زهيدًا في هذه الذرة المشوية؟! … اسمع … ما داموا قد تعلموا في هذا البلد الطمع والجشع، فلن يباع شيء بثمن زهيد!

(يُسمع صوت بائع ينادي على بضاعته … ثم يظهر وهو يدفع عربة كبيرة مغطاة بالزجاج.)

البائع (ينادي) : فول وطعمية وبيض وبسبوسة!
الدكتور (وهو يتأمله) : مطعم متحرك!
البرنس : نعم … ومن يجسُر أن يتناول شيئًا منه؟ … لقد شوانا بائع الذرة المشوية … فهل تريد أن يقلينا بائع البيض والطعمية؟
الدكتور : سُموُّك جوعان؟!
البرنس : لا … لقد تعشيتُ وانتهى الأمر … كوز الذرة فيه الغذاء الكافي — كما تقول — وإن كان لا بأس من الحلو … ماذا تقترح؟
الدكتور : طبق بسبوسة؟!
البرنس : فكرة وجيهة!
الدكتور : انتظر سموك حتى أعُدَّ ما في جيبي من نقود!

(يُخرِج نقوده ويَعُدُّها.)

البرنس (بلهجة الأمر) : أسرِع!
الدكتور (يفرغ من العدِّ، ويضع النقود في جيبه) : تستطيع أن تطمئن يا صاحب السمو … ستتناول الحلو.
البرنس : وأنت؟
الدكتور : وأنا أيضًا.
البرنس : برافو! … (ينادي البائع) اسمع يا … شاطر! … طبق بسبوسة لي وطبق للبك. (يشير إلى الدكتور بإصبعه ليتبعه، ويتجهان إلى العربة، ويقفان حولها ينظران إلى الصينية!)
بائع البسبوسة (وهو يقطع ويضع في الطبق) : سمن زيادة؟
البرنس : طبعًا … طبعًا …
الدكتور : اتوصى بنا يا معلم!
بائع البسبوسة : أنتم الخير والبركة! (يمدُّ الطبق، فيتناوله البرنس.)
البرنس (وهو يشرع في الأكل) : كلام طيب … يُستحسن الآن يا دكتور عدم السؤال عن الثمن … حتى نتمتع بالطبق بدون منغصات!
البائع : المسألة بسيطة! (يمدُّ الطبق الآخر للدكتور.)
البرنس : طبعًا بالنسبة إليك … أنت طبعًا عندك أولاد … أحدهم — ولا شك — يعمل عند تاجر سمن … والآخر في دكان دقيق … هنا نستطيع أن نقول: إن زيتك أو — على الأصح — سمنك في دقيقك بحق وحقيق! … أليست فراستي في محلها؟
البائع : لا يا أستاذ — وأنت الصادق — عندي ثلاثة أولاد … كلهم في الجامعة.
الدكتور (والطعام في فمه) : في الجامعة؟!
البرنس : تلاميذ؟!
البائع : كانوا تلامذة من سنين … وتخرجوا … واحد ليسانس حقوق … والثاني دبلوم تجارة … والثالث بكالوريوس زراعة.
البرنس : ما شاء الله! … ماذا يشتغلون الآن؟
البائع : لا شيء … في البيت!
الدكتور : لم يجدوا عملًا؟
البائع : قدَّموا طلبات للتوظُّف … ولكن لا توجد الآن وظائف، ونحن في انتظار الفرج من المولى — سبحانه وتعالى — مَن يدري … ربما توافينا الأيام على غير ميعاد بناس كحضراتكم من ذوي النفوذ والقدرة يقدمون لنا المساعدة … وإذا صدقت فراستي فأنتم من أصحاب الهمة والمقدرة على توظيف الأولاد.
الدكتور : مَن يوظفهم؟
البائع : حضرتك وحضرته … ألستما من أصحاب الوظائف؟
الدكتور (ساخرًا) : العفو!
البائع : من أصحاب الأعمال؟
البرنس : أي أعمال؟! … أنت ليس عندك نظر بالمرة؟!
البائع : لا تؤاخذني … أنا علمي على قدي … أنا لم أذهب إلى مدرسة … كل تعليمي كان في كُتَّاب من كتاتيب سيدنا الحسين … وعرفت القراءة والكتابة بالممارسة ومطالعة الجرائد … وكوَّنت معلوماتي بالقوة … ومعاركة الأيام والليالي … فأنا إذا كنت غلطت في حق حضراتكم فأنا أرجو السماح والمعذرة.
الدكتور : لم تغلط في شيء يا معلم.
البائع : أنا كل غرضي أن أرجو حضراتكم المساعدة في إيجاد عمل.
الدكتور : أنا بالفعل جاري البحث.
البائع : الله يعمر بيتك! … هذا وعد بأنك ستبحث؟!
الدكتور : وهل يشغلني إلا هذا الموضوع؟!
البائع : وإذا وفَّقك الله في البحث وعثرتَ على عمل … أين أجد حضرتك؟
الدكتور : لن تجدني هنا بالطبع!
البائع : مفهوم … أعطني إذن عنوانك … عنوان البيت أو الشغل.
الدكتور : عنوان الشغل؟
البائع : إذا تفضلتَ!
الدكتور : يجب أن يوجد الشغل أولًا حتى يوجد عنوانه!
البائع (لم يدرك المقصود) : قصد حضرتك …
البرنس : قصد حضرتنا إننا مشغولون بأعمال كبرى أهم عندنا من البحث عن شغل لأولاد حضرتك … ومع ذلك لماذا لا يشتغلون مثلك؟
البائع : مثلي؟ … يجرُّون هذه العربة؟
البرنس : ولِمَ لا؟ (يغافل البائع، ويغرف من السمن الذي في الوعاء إلى طبقه.)
البائع : إنهم بيكوات … كانوا في الجامعة إذا سُئِلُوا عن أبيهم احمرَّت وجوههم خجلًا … فإذا دخلوا البيت مدُّوا أيديهم لأبيهم يطلبون مصروفات الملابس والكرافاتات وثمن دخول السينمات! … قلت لهم بالأمس فقط افعلوا مثلي … إني أكسب من هذه العربة جنيهًا في اليوم … وهذه العربة التي أدفعها من الصبح إلى الليل هي التي دفعتكم إلى ما وصلتم إليه … وها أنتم اليوم أساتذة وأصحاب ليسانس ودبلوم وبكالوريوس، وما زالت العربة الحقيرة هي التي تنفق عليكم يا حضرات الأساتذة البيكوات!
البرنس (بقوة) : اطردهم!
البائع : وأين يذهبون؟ … إنهم لا يستطيعون أن يكتسبوا مليمًا … والوالد والد على كل حال!
البرنس (وهو يمد يده إلى وعاء السمن، ويغرف منه إلى طبقه مغافلًا البائع) : وماذا تريد أن نصنع لك؟
البائع : ولو شغلة كتابية بسيطة بعشرة جنيهات … إنهم الآن يقبلون ذلك … ولو أنهم يقولون إن مؤهلاتهم وشهاداتهم تعطيهم الحق في الدرجة السادسة على الأقل!
البرنس : ما هذه الدرجة السادسة أيضًا؟
الدكتور : أول مربوطها اثنا عشر جنيهًا.
البائع (للدكتور) : تمام … حضرتك عارف!
البرنس : هذا السمن مخلوط … لو كان أحدهم اشتغل عند تاجر سمن …؟
البائع : لا يا سيدي الفاضل … هذا سمن بلدي عالٍ … وهل نجده بسهولة هذا السمن الأصلي؟ … إنه أغلى من الذهب!
البرنس : اغرف لي منه قليلًا … بسبوستك ناشفة!
البائع : على العين والرأس! (يغرف له نصف ملعقة) وحضرتك طبعًا لك شغل مهم!
البرنس (وهو يلتهم) : طبعًا!
البائع : ولا مؤاخذة … في أي جهة الشغل؟
البرنس : شغلي؟ … ليس له جهة!
البائع : قصدي … من أي نوع؟
البرنس : ليس له نوع!
البائع : يعني؟ …
البرنس : يعني … مضبوط … كما تقول … تمام!
البائع : أنا لم أقل أي شيء!
البرنس : أنت حر!
البائع : يظهر أني فهمت!
البرنس : كان يجب أن تفهم!
البائع : حضرتك لا بد أن تكون من البيكوات إياهم!
البرنس (وهو يمد يده إلى وعاء السمن) : أنا بيك فقط؟! … أنا أكثر من باشا … ألا تعرف من أنا؟ … أنا …
البائع (وهو يُبعد وعاء السمن عن يد البرنس) : مفهوم … الله … الله … حاسب السمن!
البرنس : يظهر أنك عديم الذوق … قليل الطهي … (للدكتور) ادفع له حسابه بسرعة … بسرعة!
البائع : قليل الطهي؟! … أنا يا ناس؟ … بسبوسة بقرشين يلحس عليها حضرته رطل سمن؟!
الدكتور (متدخلًا بلطف) : حقك علينا يا معلم … روَّق بالك! … خد حسابك مع جزيل الشكر. (ينقده الثمن.)
البائع : عشت يا ابني! … كرامة لإنسانيتك ولفظك الحلو كل شيء يهون … سلام عليكم … (يدفع عربته وهو ينادي) فول وطعمية … وبيض وبسبوسة.
البرنس (وهو يمشي إلى مكانه الأول قرب النيل) : أنا لا أعرف التفاهم مع هذه الطبقة أبدًا!
الدكتور (كالمخاطِب نفسه) : عجيب ما قاله هذا الرجل! … لم ألتفت إلى ذلك من قبل! … المرحوم والدي — إذن — كان يفكر هذا التفكير.
البرنس (وهو مشغول بإخراج السيجار الكبير من جيبه) : أي تفكير؟!
الدكتور (متابعًا تأملاته شارد اللُّب) : ولكنه لم يفاتحني بشيء على الإطلاق … كان يعمل طول حياته ليدفع ثمن تعليمي … وهأنذا الآن قد تعلمت … ولم أدفع له أي شيء … عمله قد خدم علمي … ما الذي يجب أن يخدم الآخر؟ … العمل هو الذي يخدم العلم؟ … أم العلم هو الذي يخدم العمل؟ … هل العلم شيء منعزل عن العمل؟ … وماذا يصنع عندئذٍ للناس؟ … وما قيمته في الحياة؟ وما معناه؟

(تُسمع دقات ساعة كبيرة عن بُعد.)

البرنس : ساعة القصر العيني!
الدكتور (متابعًا تأملاته) : يا للعجب!
البرنس : ماذا؟
الدكتور : كلام بائع الذرة! … كان يقول منذ لحظة: «العلم عندنا هو الشغل … كيف أدرك ذلك هذا الذي نسميه جاهلًا، ولم يدركه مثلي؟! … إنهما حقًّا كذلك … لا وجود لهما في الحياة إلا وهما متداخلان … أحدهما يؤدي إلى الآخر … بل إنهما لمتَّحِدان حتى في اللفظ … العلم … العمل! … الفرق بينهما مجرد اختلاف يسير في موضع اللام والميم … ضع الميم قبل اللام أو بعدها يصبح أحدهما هو الآخر … نعم … نعم … ألاحظتَ ذلك يا صاحب السمُو؟ … هذا اكتشاف للتو والساعة … اكتشاف … يا له من اكتشاف!
البرنس : الساعة دقت العاشرة … وهذا فيما أظن ليس وقت الاكتشافات في علمك الذي … نسيتُ اسمه — ولا مؤاخذة — (ينهض متحركًا) أنا مضطر أن أعود إلى القصر؛ لأستريح وأنام مبكرًا … وأنت؟ … أين بيتك؟
الدكتور (شاردًا) : بيتي؟
البرنس : طبعًا بيتك؟ … ألا تنام ليلًا في بيت؟
الدكتور : أنا … أنام في فندق بسيط بحي الأزهر.
البرنس : بالنقود طبعًا … كم تدفع؟
الدكتور : عشرة قروش في الليلة … ولكني …
البرنس : في إمكانك توفير نقود الفندق … اسمع … عندي في القصر عشرون حجرة خالية … أحتفظ أنا لنفسي بواحدة، والباقية تحت تصرفك … ما رأيك؟
الدكتور : شكرًا … ولكن هذا كثير!
البرنس : تقصد العشرين حجرة؟! … بدون شك … ولكن من الذي برغمك على أن تشغلها كلها؟!
الدكتور : بل أقصد …
البرنس : لا تقصد شيئًا! … هلم بنا.
الدكتور : أقبل الضيافة مؤقتًا … إلى أن أجد عملًا.
البرنس : عملًا … لك أنت فقط؟ … كيف؟
الدكتور : ربما عثرتُ في إعلانات الجرائد!
البرنس : إعلانات الجرائد؟! … برافو! … برافو … اسمع … خطرت لي الآن فكرة نيِّرة جدًّا … أرني الجريدة التي معك … (يتناول منه الجريدة) أين الإعلانات؟ … آه … هنا … شيء بديع. حل الموضوع …
الدكتور : أي موضوع؟!
البرنس : غدًا تعرف … وتُهنِّئني … نعم ستُهنِّئني غدًا على هذا الاكتشاف … نعم أنا الذي سأكتشف شيئًا نافعًا لا أنت … الآن هيا بنا إلى القصر … انتظر حتى أشعل السيجار … هذه عادتي بعد العَشاء … أدخن سيجاري الهافانا!
الدكتور : تريد سموك الكبريت؟ … لا يوجد معي كبريت.
البرنس : ها هي علبة كبريت بأكملها … (يُظهرها من جيبه) تنفعنا الليلة وغدًا … أخذتها برشاقة من أمام بائع البسبوسة، وهو منهمك في الثرثرة!
الدكتور : سرقتَها؟
البرنس (وهو يُشعل سيجاره بالكبريت) : هذا بالنسبة إليك أنت وأمثالك يُعتبر سرقة … أما بالنسبة إلينا — نحن أولياء النعم؛ الأمراء والملوك — فنأخد من الناس ما نريد، ويُعتبر هذا حقًّا لنا، وتشريفًا لهم! (ينفخ دخان السيجار في الهواء) … إلى القصر.

(ثم يمشي بكبريائه وتعاليه … يتبعه الدكتور في صمت.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦