الفصل الثاني

(قصر البرنس فريد … بهو فاخر الرياش، به سُلم كبير يؤدي إلى الطابق الثاني … شمس الصباح تملأ المكان … ولكن غطيط النوم العميق يرتفع من جثتين متقابلتين في البهو بينهما منضدة كبيرة فوقها آنية زهر ثمينة فارغة … في إحدى الجهتين ينام البرنس فوق أريكة من أرائك البهو، وفي الجهة الأخرى ينام الدكتور حمودة فوق أريكة مماثلة … جرس الباب يدق فلا يتحرك النائمان … ويعود الجرس إلى الرنين طويلًا، فينقطع غطيط البرنس فجأة … ويستيقظ رافعًا رأسه دور أن يترك فراشه.)

البرنس : جرس الباب! … دكتور! …

(الدكتور يرسل غطيطًا طويلًا ولا يُجيب.)

البرنس (صائحًا) : دكتور … دكتور …
الدكتور (يستيقظ فجأةً) : ماذا جرى؟
البرنس : جرس الباب يرن … قم وافتح يا دكتور!
الدكتور : قم وافتح أنت يا … صاحب السمو السابق! (يعود إلى نومه وغطيطه.)
البرنس : شيء جميل! … حسنة وأنا سيدك! … أنت لست هنا في فندقك الحقير بحي سيدنا الحسين … أنت الآن هنا في قصري … في قصري الفاخر يا دكتور … افهم ذلك جيدًا يا دكتور … وانهض بسرعة يا دكتور!
الدكتور (يكفُّ عن النوم ويرفع رأسه) : أف … وبعدها لك؟! … يا صاحب اﻟ… اسمع! … أنا لا أحب مَن يُزعجني في هذا الصباح الباكر … أنا كنت في فندق «الكوكب المنير» بحي الأزهر أنام ملء جفوني نومًا لذيذًا كما يحلو لي … لا أجد بجانبي أميرًا من الأمراء يملأ أذني طنينًا: دكتور … دكتور … دكتور …
البرنس : ولكن الشمس طالعة منذ وقت طويل ولا شك … والباب يدق … وربما كان هذا أحد زباين الإعلان الذي ننتظره!
الدكتور : أنت قد استيقظت قبلي … لماذا لا تنهض أنت وتفتح؟
البرنس : أنا أذهب لأفتح الباب؟!
الدكتور : كثير عليك؟!
البرنس : إني غير معتاد …
الدكتور : وأنا كذلك!
البرنس : ماذا؟ … لا تعرف كيف تفتح بابًا؟!
الدكتور : لم يكن عندي قصر له باب حتى أتعوَّد فتحه!
البرنس : تعلَّم.
الدكتور : ولماذا لا تتعلم أنت؟ … لماذا تستمرُّ في اعتبار نفسك خيرًا مني؟ … أنت مُفلِس وأنا مُفلِس … ولقد عرفتُ كل شيء عنك الآن، وعرفتَ أنت كل شيء عني … نحن معًا مفلسان … أليس كذلك؟ … وأنت صاحب سموٍّ سابق، وأنا دكتور حالي! … أي أن لقبك مفقود ولقبي موجود! … فأنا في هذا خير منك … أنت تستطيع أن تقول لي دائمًا: «يا دكتور» … وأنا لا أستطيع أن أناديك ﺑ «يا صاحب السمو السابق» إلا تبرُّعًا!
البرنس : تبرُّعًا؟!
الدكتور : أليست هي الحقيقة؟ … وحتى قصرك الفاخر هذا لم يعُد قصرك؟ … القانون لا يبيح لك أن تمس فيه قشة … ولا أن تؤجره أو تُعِيره … لك فقط أن تقيم فيه … أن يؤويك … وها هو ذا يؤويك الآن!
البرنس : ويؤويك أنت أيضًا!
الدكتور : ليس هذا فضلًا منك — كما توهمتُ أنا ليلة دعوتني إليه منذ يومين — لو كان دافعك مجرد الكرم لما دخلتُه في حياتي! … ولكن الخدم والحشم قد هجروه … وأصبحتَ فيه وحدك … وأنت معتاد أن تُخدَم … أليس كذلك؟ … أنت وحدك في قصر فخم ضخم … تجلس الآن في حجرتك وتضغط على زر الجرس فما من مُجيب … أتذكر الليلة الأولى؟ … يوم دخلنا وصعدتَ أنت إلى حجرتك في الطابق الثاني … ولم يمضِ من الليل قليل حتى نسيتَ أنت حاضرك، وأخذت تضغط على زر الجرس تطلب الخادم ليسقيك كوب ماء؟! … فنصحتُك أن تترك حجرتك النائية، وأن نتخذ هذا البهو الواسع مكانًا لنومنا وجلوسنا … ليلبِّي أحدنا طلب الآخر … ونكون بقرب الباب الكبير! … أتذكر؟
البرنس : وهل نفَّذتَ أنت الاتفاق؟ … هل لبَّيتَ لي طلبًا؟ … قلتُ لك: قم وافتح!
الدكتور : لا يا سيدي الفاضل … تلبية الطلبات ليس معناها خدمتك … بل معناها إسعافك وقت اللزوم!
البرنس : إسعافي؟! … تقصد أنه لا بد أن تقع على رأسي مصيبة حتى تلبي لي طلبًا؟!
الدكتور : بالضبط! … أما فيما عدا ذلك، فكل منا يخدم نفسه بنفسه.
البرنس : والباب؟ … أليس هذا شيئًا يهمُّنا نحن معًا؟ … مَن يدريك أن الطارق ما جاء إلا لك أنت؟
الدكتور : لي أنا؟! … العفو! … هذا العنوان الفاخر من يمكن أن يسأل عني فيه؟
البرنس (وهو يُصغي إلى صوت الجرس يعود إلى الرنين) : أراهن أنه لك!
الدكتور : أنا أراهن أنه لك أنت!
البرنس : قبلتُ الرهان … اذهب وانظر!
الدكتور : يا لكَ من عنيد يا صاحب السمو السابق! … تصرُّ على أن أفتح؟ فليكن … سأفتح هذه المرة وأرى لِمَن القادم؟ (ينهض ويتحرك نحو الباب الكبير.)
البرنس : لا يا دكتور … ليس الباب الكبير … هذا جرس باب الخدم … «السرفيس»!
الدكتور (بصوت ذي مغزًى) : فهمتُك يا … نهايته …

(الدكتور يتحرك إلى ناحية باب الخدم … بينما ينهض البرنس على قدميه، ويأخذ في تحريك يديه وقدميه وعمل التمرينات الرياضية الصباحية.)

البرنس (وهو يرفع يديه) : بير … هيك … بير … هيك …
الدكتور (يعود بعد لحظة) : هات الرهان من فضلك!
البرنس (وهو يُجري التمرينات) : القادم لي أنا؟!
الدكتور : طبعًا … ولمن غيرك؟
البرنس : من هو؟
الدكتور : الزبال!
البرنس : ماذا يريد؟
الدكتور : زبالة المطبخ طبعًا!
البرنس : وماذا قلتَ له؟ … المطبخ مغلق … نحن لا نطبخ الآن!
الدكتور : قلتُ له ذلك … قلتُ له: لا أحد هنا الآن … ولا توجد زبالة الآن هنا … غير البرنس!
البرنس : ماذا تقول؟
الدكتور : أقصد لا يوجد في القصر الآن هنا غيرك!
البرنس : مضبوط … اسمع … على ذكر الزبالة … لا بد من تنظيم هذا البهو بسرعة و… كنس السلم.
الدكتور : كنس السلم؟!
البرنس : ضروري … الإعلان نُشِر أمس … وربما حضر اليوم بعض الناس … ويجب أن يجدوا القصر في منتهى النظافة.
الدكتور : بدون شك!
البرنس : اتفقنا … المكنسة عندك بالقرب من المطبخ … هاتها وأرني هِمَّتك!
الدكتور : همَّتي؟! … وهمتك أنت أين راحت؟!
البرنس : أنا عليَّ تنظيم البهو.
الدكتور : مفهوم … الشغلة النظيفة التي تليق بمقامك السامي … أما الكنس والمسح فمن نصيبي أنا! … أنا الدكتور على حمودة الحائز على دكتوراه كلية الآداب بدرجة جيد جدًّا! … يا لسوء الحال، وخيبة المآل، وضيعة الآمال!
البرنس : لا تغضب يا دكتور … المسألة غير مقصودة … كل ما في الأمر أني أفهم أكثر منك في مسألة تنظيم البهو!
الدكتور : ومسألة الكنس … لا يفهمها غيري؟! … أليس كذلك؟ … أقسم لك إني ما أمسكت بمكنسة قط في حياتي.
البرنس : ولا أنا طبعًا.
الدكتور : أنا لم أعرف غير الإمساك بكتب الأدب.
البرنس : ولكن الإمساك بكتب أدبك الآن لا يحل لنا الإشكال … هذا المكان لا بد أن يُنظَّف بسرعة … مَن ينظفه؟
الدكتور : أنت! …
البرنس : لا أعرف … لا تنسَ أني كنتُ …
الدكتور : بالطبع … لا تعرف غير الضغط على زر الجرس!
البرنس : والعمل الآن؟ … هذه المناقشة العقيمة لن تؤدي إلى شيء … ونحن … لا نعرف أن نعمل شيئًا لتنظيف المكان … وهذا القصر يجب أن يُنظَّف … هذا في مصلحتنا … في مصلحتي ومصلحتك … لأن الفكرة إذا نجحت فمعناها أن نجد أنا وأنت المسكن والطعام والخدمة والعناية بنا دون أن نعمل عملًا أو ننفق مليمًا … أليس كذلك؟
الدكتور : اسمع … لا داعي للكنس والمسح … ولا لزوم لبهدلتنا، مَن سيأتي ليقطن هذا القصر سيُحضر — ولا شك — الخدم الذين يقومون بذلك … يكفينا الآن مجرد ترتيب البهو كما كان … كل منا يقوم بتنظيم ركنه … هيا بنا.
البرنس : معقول!
الدكتور (وهو يتجه إلى أريكته) : قبل كل شيء، يجب أن نضع الأرائك في أماكنها.
البرنس (وهو يحمل أغطية فرشه) : وأن نسوي الأغطية والمفارش هكذا … ونخفيها تحت المقاعد!

(جرس الباب الكبير يرن.)

الدكتور : الباب! …
البرنس : هذا جرس الباب الكبير!
الدكتور (بارتباك) : لا بد أنه …
البرنس (يتحرَّك مُرتبكًا) : نعم … الإعلان … أسرِعْ … انتظر! … أتقابلهم هكذا … بالبيجاما … أنا عندي الروب دي شامبر (يرتدي في الحال روبه، ويلتفت إلى الدكتور الحائر) … وأنت؟
الدكتور : ليس عندي روب!
البرنس : إذن البس «الجاكته» فوق بيجامتك … هذا أخفُّ الضررَين.
الدكتور : فكرة! (يُسرِع بارتداء جاكتة البدلة فوق بيجامته.)
البرنس : مَن يفتح؟
الدكتور : شكلي غير مناسب!
البرنس : بل مناسب جدًّا لفتح الباب!
الدكتور : عُدنا إلى الكلام الفارغ!
البرنس : لا … لا … ليس عندنا الآن وقت للمناقشة … سأفتح أنا هذه المرة.

(يتجه إلى الباب الكبير ويفتحه، فيظهر على العتبة رجل متوسط العمر (هو شعبان أفندي.)

شعبان أفندي : هنا القصر المعلن عنه في الجريدة؟
البرنس : بالضبط!
شعبان : البك والست في العربة تحت … تسمح لها حضرتك بإلقاء نظرة على الغرف والمحتويات؟
البرنس : بالطبع … تفضلوا!
شعبان : لحظة واحدة! (يختفي في الحال.)
الدكتور (وهو ينظِّم المقاعد) : البك والست؟! … مَن يكون حضرته وحضرتها؟ … برنسات؟ … مستحيل … انتهى! … أصحاب أطيان؟ … لا يمكن بعد تحديد الملكية بمائتين من الفدادين … إنهما على كل حال من الأغنياء … حتى يسكنا هذا القصر كله … مع ما يستلزمه من خدم … نعم … لا بد أن يكونا غنيَّيْن … من أي نوع تظن؟
البرنس : ربما … من أصحاب المصانع … مَن يدري؟
الدكتور : حقًّا … لقد قالت لي كريمتك الآنسة جيهان …
البرنس (مقاطعًا وهو ينظر إلى الباب المفتوح) : اسكت اسكت … ها هم قادمون!

(يظهر شعبان أفندي، وهو يدفع الباب؛ ليوسع طريقًا لسيدة ضخمة في الخمسين، يتبعها رجل في الستين، أنيق الملبس نشيط الحركة.)

الست (للبرنس) : بونجور يا بك!
البرنس : بونجور يا هانم!
الست : تسمح لنا …؟
البرنس : طبعًا … طبعًا … تفضلوا!
البك (بعد أن سلَّم على البرنس) : حضرتك بالطبع المالك؟
البرنس (مترددًا) : أظن … بالتأكيد … بالتأكيد …
البك (لزوجته وهو يجيل النظر في أنحاء البهو) : قصر فخم يا ظاظا!
الست (لزوجها وهي تتأمل ما حولها بإعجاب) : جدًّا يا لولو!
البك (للبرنس) : يحتوي على كم حجرة؟
البرنس : حوالي عشرين.
الست : عين المطلوب!
البرنس : الأسرة كبيرة إلى هذا الحد؟!
البك : كبيرة، وفي ازدياد مستمر … هي حتى الآن — خلافي أنا وزوجتي والخدم — تضم نحو أربعين فردًا!
البرنس : ما شاء الله! … ما شاء الله! … ولكن العشرين حجرة لن تكفي أيضًا على هذا الوضع!
الست : انتظر حتى أحسب … نعم … تكفي … كل حجرة يمكن أن نضع فيها أربعة معًا … ممكن … ممكن.
البرنس : كل أربعة في حجرة؟
البك : وعند اللزوم كل خمسة في حجرة … ما المانع؟
الست : لا يا لولو … لا أحب أن أحشرهم حشرًا … لقد تركنا منزلنا بمصر الجديدة خصيصًا من أجلهم … لنُدبِّر لهم المسكن المتسع الفسيح … يرتعون فيه بكل راحة وحرية وبحبوحة … دعنا أولًا نشاهد الغرف … (للبرنس) ممكن …؟
البرنس : طبعًا … القصر تحت تصرفكم.
الست : نبدأ بغرف النوم والحمامات …
البرنس : فلنصعد إذن إلى الطابق الثاني … تفضلوا … اتبعوني.
البك (وهو يتجه إلى السلم) : هنا خلاف البهو توجد — فيما أظن — قاعة الطعام والصالونات وحجرة المكتب … ونحو ذلك.
البرنس (وهو يصعد بالست والبك السُّلَّم) : بالضبط.

(يختفون في الطابق الثاني … ولا يبقى في البهو غير شعبان أفندي، والدكتور الواقف في رُكنه بلا حراك.)

شعبان (للدكتور) : تسمح حضرتك بسؤال بسيط؟
الدكتور : تفضل!
شعبان : حضرتك بالضرورة تعرف الموضوع …
الدكتور : أي موضوع؟
شعبان : قصدي هذه الشغلة … أنا مستعد أنهيها بأي مبلغ يعجبكم … اطلبوا أي مبلغ ولا يهمكم … أصحابنا معهم نقود … لا يأكلها حطب ولا نار … اتركوا لي الشغلة وأنا أخلصها … ولي السمسرة … اتفقنا؟
الدكتور : حضرتك غلطان … أنا ليس لي شأن في هذا الموضوع!
شعبان : وأنا مثلك … لا شأن لي … ولكن الشغل شغل.
الدكتور : أي شغل؟
شعبان : شغلنا … أنت طبعًا وكيل أشغاله … كما أني وكيل أشغال أصحابنا … نبقى متفاهمين … كالمعتاد … نتقاسم السمسرة بالنصف!
الدكتور : متأسف … أنا لست وكيل أشغال … أنا هنا مجرد ضيف!
شعبان : ضيف؟! … آه … لا تؤاخذني!
الدكتور : العفو … حضرتك إذن وكيل أشغال هذا البك؟
شعبان : من عشرين سنة.
الدكتور : وما هي أشغاله؟
شعبان : القطن.
الدكتور : صاحب أرض؟
شعبان : ليس له شبر أرض … يشتغل فقط في القطن.
الدكتور : مُزارِع؟
شعبان : لا يا سيدي الفاضل … لم يزرع ولم يقلع، ولم يذهب عمره إلى بلاد الفلاحين!
الدكتور : وكيف يشتغل إذن في القطن؟
شعبان : في البورصة … البورصة!
الدكتور : ماذا يعمل هناك؟
شعبان : منشار … يأكل في الصعود ويأكل في الهبوط!
الدكتور : هذا كل عمله؟!
شعبان : فقط!
الدكتور : وجمع من ذلك ثروة؟
شعبان : ضخمة … وظَّفها في العمارات والأسهم والسندات.
الدكتور : عنده طبعًا أولاد … عدد كبير!
شعبان : لا ولد ولا بنت … لم يُنجب.
الدكتور : ماذا تقول؟ … لم يُنجب؟! … وهذه الأسرة الكبيرة من أربعين فردًا!
شعبان : ليسوا أولاده …
الدكتور : أولاد الست … زوجته؟
شعبان : ولا أولاد الست!
الدكتور : أولاد الأقارب؟ … أولاد الملاجئ؟
شعبان : ولا أقارب … ولا ملاجئ … ولا أولاد … ولا بني آدم! من غير مؤاخذة … قطط!
الدكتور : قطط؟!
شعبان : الست تمارس هواية تربية القطط!
الدكتور : شيء لطيف!
شعبان : للقطط عندنا غرف مخصوصة … وخدم خصوصيون … وأكل مخصوص، ولحم من عند الجزار مخصوص … وطباخ مخصوص!
الدكتور : اللهم اجعلنا من برَكَاتهم!
شعبان : عز … مال من غير تعب ولا شقا! …
الدكتور : ودودة القطن — أقصد منشار القطن — ما زال عمله الأكل في البورصة؟
شعبان : بورصة القطن أقفلوها … فحوَّلنا الشغل على بورصة الأسهم والسندات … ولو أن خيرها قليل … لكن من اغتنى من القطن اغتنى وانتهى الأمر.
الدكتور : وحضرتك …؟
شعبان (يلتفت إلى أعلى السلم) : البك والست …

(تظهر الست والبك وخلفهما البرنس يهبطون درجات السلم.)

الست : أظن عدد الغرف يكفي.
البرنس : بالتأكيد يا هانم … كل غرفة يمكن أن تتسع بالراحة لأكثر من سريرين وكومودينو وشيفونيير … وكل ما تريدون.
الست : فقط عدد الحمامات قليل!
البرنس : قليل؟ … أربعة حمامات؟ … مهما يكن عدد أفراد الأسرة كبيرًا، فإنهم لن يستحمُّوا كلهم في وقت واحد … خصوصًا أن مواعيد الاستحمام في العادة مختلف … أليس كذلك؟
الست : لا بأس … سأدبِّر هذا الأمر … على كل حال المكان متسع ومريح … إني مسرورة … ما رأيك يا لولو؟
البك : ما دُمتِ مسرورة يا ظاظا فأنا مسرور … أنتِ وحدكِ التي تُقدرين راحة أعزائك!
الست : إني أتصور أعزائي هنا في أتم راحة وسعادة … خصوصًا: ظريفة، وزقزوق، ومشمش، وفرهود، وسعيدة، ومرجان، وعنبة، وعنقود …
البرنس : أسماء جميلة … أصحابها — ولا شك — أجمل!
الست : وأي جمال وأي ظُرف … (للبرنس مباهيةً) تصوَّر يا بك أن «ظريفة» نالت الجائزة الأولى في مسابقة عالمية في «إكس ليبان» العام الماضي …
البرنس : في الجمال؟! … هذا شيء عظيم … إني أودُّ التشرُّف برؤيتها!
الست : ستراها بدون شك، وستُعجب بها مثلي.
البرنس : صغيرة السن بالطبع!
الست : جدًّا!
البرنس : هذا صحيح … لي بنتان كنت أحبهما وأعجب بهما عندما كانتا صغيرتين … فلما كبرت سنُّهما تغيَّرت نظرتي نحوهما.
الست : ومع ذلك فإن «سعيدة» أيضًا جميلة، مع أنها كبيرة السن!
البرنس : ربما كانت طيبة الطباع … وهذا خير من الجمال!
الست : إنها حقًّا طيبة الطبع مطيعة … تجلس في موضعها ولا تتحرك إلا إذ أشرتُ إليها.
البرنس : أرأيتِ — يا سيدتي — هذا ما كنت أتمناه في ابنتيَّ الكبرى والصغرى … الطاعة … الطاعة!
الست : عندي من كل صنف … عندي المطيع والعفريت … عندي الذي يحب الهدوء والذي يحب الحركة … الذي يلزم مكانه والذي يهيم بالحرية …
البرنس (من بين أسنانه) : الحرية … الحرية … نعم … مع الأسف!
الست : على كل حال … في مثل هذا القصر المتسع سيعيش الجميع في هناء … أليس كذلك يا لولو؟
البك : أظن … يستحسن الآن أن نتكلم في الشروط … المكان أعجب الست وأعجبني … كم الإيجار الشهري؟
البرنس : هل قرأتم الإعلان جيدًا؟
البك : قرأنا الإعلان … إعلان مقتضب مبهم … هو على ما أذكر: «قصر للسكن بدون ثمن»!
البرنس : نعم … بدون ثمن!
البك : طبعًا هذا من قبيل الترغيب … أي أن الثمن أو الإيجار المحدد للسكن بسيط بالنسبة لفخامة القصر!
البرنس : لا يا سيدي … المقصود هو بالضبط المنشور في الإعلان … هذا القصر معروض للسكن بلا إيجار ولا ثمن!
البك : أهذا معقول؟
البرنس : ألم تقرأ الجرائد يا بك؟ … هذا قصر أحد الأمراء …
البك : آه … فهمت الآن … هذا قصر أمير … وحضرتك …؟
البرنس : أنا … أنا البرنس فريد … أقصد سابقًا!
البك : تشرفنا … وهذا القصر متروك لسكنك!
البرنس : بالضبط … ومحظور إيجاره أو استغلاله … ومن جهة أخرى لا أستطيع أن أسكن فيه بمفردي … لذلك وجدتُ الحل: أن أدعو أسرة من الأسر تسكنه … على أن …
البك : مفهوم … على أن تسكن معها … (يلتفت إلى زوجته) ما رأيكِ يا ظاظا؟
الست : يعني البرنس يريد أن يحتفظ لنفسه بحجرة في هذا القصر، وأن نتكفل نحن بجميع طلباته … أليس كذلك يا لولو؟
البك : نعم … هذا هو المقصود.
الست : وما المانع يا لولو؟ … هذا لن يكلفنا شيئًا … الخدم كثيرون والطعام موجود … وغسل الملابس وكيُّها يتم عندنا كل يوم.
البك : صدقتِ يا عزيزتي … إن خدمته لن تكون شيئًا إلى جانب خدمة أعزائك الأربعين! … اتفقنا إذن يا سيدي البرنس … اختر لنفسك الحجرة التي تعجبك … هل أنت بمفردك حقًّا؟
البرنس : نعم … بمفردي … والأنسب لي بالطبع الحجرة المنعزلة هنا في هذا الطابق قرب قاعة المكتب!
الدكتور (يتقدم) : وأنا؟ … أنسيتَني؟
البرنس (متجاهلًا إياه) : أنت؟ … مَن أنت؟
الدكتور : مَن أنا؟! … أهذا هو الاتفاق؟!
البرنس : أي اتفاق؟ … من أين طلعت لي حضرتك؟!
الدكتور : الآن تسأل من أين طلعتُ لك؟! … من عند بائع الذرة وبائع البسبوسة! … متشكر على كل حال! (يتحرك للانصراف.)
البك : اسمحوا لي بكلمة … القصر متسع … ولا يضايقنا على الإطلاق شغل حجرة أخرى بضيف آخر … حضرته …؟
البرنس : حضرته الدكتور … (آمرًا الدكتور) قدِّمْ نفسك.
الدكتور : أنا اسمي الدكتور على حمودة.
البك : تشرفنا يا دكتور … حضرتك دكتور في …؟
البرنس (بسرعة) : في السمك!
الست (في صيحة فرح) : بيطري؟! … طبيب بيطري؟! … يا حُسن حظنا! … هذا من بختنا وبخت أعزائي! … القصر كله تحت أمرك يا دكتور … اختر أحسن حجرة تعجبك يا دكتور!
الدكتور : لا يا سيدتي … متأسف! … أنا لست طبيب سمك ولا قطط … أنا دكتور في علم النحو.
الست : علم ماذا …؟
الدكتور : قصدي دكتور من كلية الآداب.
الست (في خيبة أمل) : آه.
البك : على أي حال، نحن على أتمِّ استعداد لخدمة البرنس وخدمة الدكتور.
الدكتور (مرتبكًا) : أنا — في الحقيقة — في غاية الخجل … وعاجز عن شكركم.
البك : لا … العفو … المسألة في منتهى البساطة … (يلتفت إلى البرنس) اتفقنا إذن يا سيدي البرنس على كل شيء؟
البرنس : تقريبًا … لم يبقَ إلا شرط أخير.
البك : تفضَّل!
البرنس : يجب الاتفاق فيما بيننا على صفة إقامتكم في هذا القصر … لا يجب أن يفهم أحد أنكم مستأجرون … وإلا تعرضتُ أنا للمسئولية.
البك : صحيح … وإذن؟
البرنس : إذن يجب أن تكون لإقامتكم هنا صفة مقبولة.
البك : حقًّا …
البرنس : لا يوجد غير صفة واحدة مقبولة معقولة لإقامتكم معي هنا؛ هي أن تقولوا إني أحد أقاربكم!
البك : أنتَ أحد أقاربنا؟!
الست (صائحةً) : وصلنا إلى هذا؟! … كل شيء إلا هذا … هيا بنا يا لولو … بسرعة يا لولو … بسرعة!
البك (وهو يقود زوجته إلى الباب) : نحن في شدة الأسف … لا تؤاخذونا … في شدة الأسف … سلام عليكم!

(يخرج البك والست ووكيل الأشغال بغاية السرعة، كمن يهرب من مصيبة … تاركين البرنس والدكتور واقفين مذهولين.)

البرنس : ماذا جرى لهم؟! … مجانين ولا شك!
الدكتور : بل عقلاء جدًّا!
البرنس : لماذا هرولوا هكذا نحو الباب؟!
الدكتور : لأنك أردت أن تجعلهم أقارب لك!
البرنس : هذا شيء يُشرِّفهم!
الدكتور : ها أنت ذا قد رأيتَ بعينيك!
البرنس : يهربون هكذا؟ كأن مصيبة ستلحق بهم!
الدكتور : وأي مصيبة …!
البرنس : ماذا تقول؟
الدكتور : هؤلاء ناس أغنياء من ذوي الأعمال … لهم أموالهم ومصالحهم التي لا يدري أحد كيف تكوَّنت، ولا من أي طريق جاءت … أتريد أن يتعرضوا للبحث والفحص … عندما يقال إنهم أقارب لبرنس مثل حضرتك؟!
البرنس : آه … فهمتُ!
الدكتور : نعم … يجب أن تفهم أن الاقتراب من مثلك مخاطرة لمن كان صاحب مال أو مركز!
البرنس : والعمل الآن؟ … لقد ضاعت آمالنا إذن؟
الدكتور : آمالك أنت وحدك!
البرنس : وأنت؟
الدكتور : أنا؟ … وما شأنك بي؟ … وماذا يهمُّك الآن من أمري؟ … إنك لم تكد الساعة ترى مشكلتك تُحَلُّ حتى نسيتَني وأنكرتَني.
البرنس : لا تكن أحمق … إني كنت أمزح معك!
الدكتور : لا … بل هي أنانيتك!
البرنس : الوقت غير مناسب لإلقاء الاتهامات … لا تُفسد ما بيننا من صداقة بهذا الكلام الفارغ … نحن الآن في مأزق … إذا لم ينجح الإعلان فماذا يكون مصيرنا؟ … تكلم في هذا الأمر المفيد.
الدكتور : ولماذا تريد أن أربط مصيري بمصيرك؟
البرنس : ألسنا في نفس الوضع؟
الدكتور : نعم … ولكنا لسنا بنفس المؤهلات!
البرنس : المؤهلات؟!
الدكتور : أنسيتَ أني دكتور؟!
البرنس : آه … اسكت … لا تُضحكني!
الدكتور : لا … أنت مخطئ … مهما يكن من أمر فأنا رجل لي مركزي … ولا بد لي أن أجد عملًا — يومًا ما — يليق بي!
البرنس : إلى أن تجد هذا العمل اللائق بك فنحن متساويان في الظروف … المصلحة أن نتعاون بكل همة وصفاء ذمة؛ للعثور على …
الدكتور : عمل؟
البرنس : بل على مَن يخدمنا بدون عمل … هذا هو الوضع … هذا هو الوضع الذي اعتدنا عليه … الوضع اللائق بنا … أليس كذلك؟
الدكتور : ليس هذا بالأمر السهل الآن … كما رأيتَ!
البرنس : مَن يدري … هل أنت يائس؟
الدكتور : وأنت؟ …
البرنس : إني أنتظر … قد يأتينا أناس آخرون يقبلون الشروط … إننا لم نزل في أول النهار.
الدكتور : بعد الذي رأيتُ من هرب هؤلاء … لا أستطيع أن أتفاءل كثيرًا.
البرنس : هربوا عندها عرضتُ عليهم قرابتي … يا لهم من أنذال! … اسمع … عندي فكرة! … فكرة مدهشة!
الدكتور : ما هي؟
البرنس : إذا جاءنا أناس آخرون، فإننا نعرض عليهم الموضوع على وجه آخر … أتدري كيف؟ … نقترح عليهم أن يقولوا إنهم أقاربك أنت … أتراهم يخافون إذا عرضنا عليهم ذلك؟
الدكتور : أن يقولوا إنهم أقاربي أنا؟ … طبعًا لن يخافوا … ولكن هذا لن يحلَّ المُشْكِل … لأن القصر ليس قصري؛ بل قصرك!
البرنس : مفهوم … ولكنك أنت الذي ستستقبل الناس على اعتبار أنك المقيم فيه … وأنك صاحب الإعلان … وتشترط عليهم أن يقولوا إنهم من أقاربك … وهم — ولا شك — لن يرفضوا … فأنت اسمك الدكتور حمودة لا البرنس فريد!
الدكتور : وإذا سُئِلْتُ عن صفتي في قصر البرنس السابق فريد؟
البرنس : عندئذٍ تقول إنك من أقاربي!
الدكتور : أنا من أقاربك؟
البرنس : وما الذي تخشاه أنت من ذلك؟ … هل عندك مال أو مركز تخاف عليه؟
الدكتور : صدقت … ولكن …
البرنس : ولكن ماذا؟ … أيرفض مثلك هذا الشرف؟!
الدكتور : دعنا الآن من حكاية الشرف! … إني أفكر في الموضوع من الناحية العملية … كل هذه الشبكة «الملخبطة»، من قرابة زيد لعمرو، وقرابة عمرو لزيد؛ ستؤدي في النهاية إلى نقطة واحدة هي البرنس … أي حضرتك … وهذه النقطة الواحدة تكفي أن تعكر البحر كله.
البرنس : احفظ لسانك!
الدكتور : لا مؤاخذة! … لا أقصد شخصك … أنا أتكلم عن موضوعنا بصفة عامة.
البرنس : والنتيجة؟
الدكتور : النتيجة … هي أننا …

(جرس الباب الكبير يرن.)

البرنس (في لهفة) : الباب! …
الدكتور : لعله الفرج! … افتح بسرعة!
البرنس : افتح أنت … لقد جربتُ حظي!
الدكتور : صدقت! … فلنجرب حظي أنا …

(يتجه الدكتور إلى الباب ويفتحه … فتظهر على العتبة امرأة شابة، في نحو الثالثة والثلاثين أو الخامسة والثلاثين، هي «كريمة» … وهي وسيمة وديعة في ثياب بسيطة، ولكنها منسجمة على قدها المعتدل ومظهرها المحتشم … وقد ظهر خلفها رجل وقور قارب السبعين، يحمل في يده مِسبَحة.)

كريمة (في شيء من الحياء) : جئنا من أجل الإعلان!
الدكتور (وهو يُفسِح الطريق) : تفضلوا!
كريمة (وهي تُقدِّم الرجل الوقور عليها في الدخول) : هذا والدي الحاج عبد السلام أفندي.
الدكتور (وهو يرمق البرنس الذي يفحص القادمين بوجوم) : حصل لنا الشرف!
عبد السلام : وحضرتك …؟
الدكتور : أنا؟ … أنا لا أكذب على حاج مثلك! … صاحب القصر هو حضرته … (يشير إلى البرنس.)
عبد السلام : مفهوم.
الدكتور : أنا هنا مجرد صديق … في ضيافته.
البرنس (وهو يفحص بنظره القادمَيْن، مستصغرًا شأنهما) : أنتم جئتم للسكن في هذا القصر؟!
عبد السلام (بتواضُع) : إذا سمحتَ …
البرنس : هل عندكم خدم؟
كريمة : أنا التي أقوم بخدمة والدي، يساعدني خادم صغير؛ لقضاء الحاجات من الخارج.
البرنس : فقط؟!
كريمة : أهذا قليل؟
البرنس : أقصد … أهذه كل الأسرة؟
عبد السلام : نعم … هذه كل الأسرة الآن … كنا منذ ثلاث سنوات أربعة نقطن معًا في مسكن واحد … أنا وزوجتي، وابنتي وزوجها … فتُوفي زوج ابنتي … ثم تُوفيت أمها … ولم يبقَ غيري أنا وبنتي.
البرنس : ومعكما خادم صغير!
كريمة : نعم.
البرنس : وتريدون أن تسكنوا أنتم الثلاثة هذا القصر الكبير؟!
عبد السلام : وأنت يا سيدي؟ … هل معك أسرة كبيرة في هذا القصر الكبير؟
البرنس : ليس لي أسرة … أنا هنا وحدي …
كريمة : ولماذا إذن تستكثر علينا القصر أنا وأبي وخادمنا … ونحن ثلاثة؟!
عبد السلام : لقد وعد الله تعالى في كتابه العزيز كل مؤمن بقصر في الجنة هو — ولا شك — أعظم وأفخم من قصرك هذا …
البرنس : نعم … ولكن قصور الجنة لن تحتاج إلى المسح والكنس!
عبد السلام : المهم … هل أنت قابِلٌ يا سيدي؟
البرنس : الأمر متوقف عليكم أنتم … هل أنتم قابِلون؟!
عبد السلام : بالطبع … ولهذا جئنا.
البرنس : هل تعرفون الشروط؟
عبد السلام : الإعلان يقول «قصر للسكن بدون ثمن».
البرنس : أصدَّقتم ذلك؟
عبد السلام : إني لم أعتَدْ تكذيب الغير … لأن سوء الظن إثم … وحاشا الله أن أقْدِم على ارتكاب إثم!
البرنس : هو حقًّا بدون ثمن … ولكن …
عبد السلام : إذا كنتَ قد حددتَ إيجارًا أو أردتَ مالًا فقل بصراحة … إني مستور ولله الحمد!
البرنس : لا … لا يوجد إيجار … ولكن …
عبد السلام : ولكن ماذا؟
البرنس : كل المسألة …
الدكتور (بسرعة) : اسمح لي أنا أُفهِمهم بكل اختصار … القصر ملك أحد الأمراء … أي بحكم القانون الآن لا يمكن بيعه أو استغلاله، بل هو مخصص فقط لسكنى الأمير … وحيث إن الأمير مفلس ويستحق الإحسان …!
البرنس (صائحًا) : اخرس!
الدكتور (مستدركًا) : أقصد … يستحق الرعاية … فكل المطلوب من الأسرة التي تسكن القصر — بدون ثمن طبعًا — هو أن تترك حجرة لسكن البرنس … وأن تكفل له الأكل والشرب والخدمة وحق الدخان!
عبد السلام : هذا واجب … وأقل من الواجب.
الدكتور : شرط آخر …
البرنس (في قلق) : نعم … يوجد شرط آخر فيه شيء من … من الدقة، ويحتاج إلى بعض …
عبد السلام : تفضَّل … اعرض الشرط بكل حرية.
البرنس (للدكتور) : قل لهم أنت هذا الشرط!
الدكتور : هذا الشرط هو أنه … نظرًا لكوني صديق البرنس النازل في ضيافته؛ فالمطلوب هو معاملتي بمثل معاملته … من حيث السكن والخدمة وخلافه!
البرنس (الذي لم يتوقَّع هذا الجواب يقول بغير ارتياح) : هذا ليس …
عبد السلام (يقاطع بسرعة) : بل هذا أيضًا واجب … وأقل من الواجب.
الدكتور (للبرنس بعتاب واحتجاج) : هذا ليس ماذا؟
البرنس : أقصد ليس بالشرط الخطير الذي يحتاج إلى توضيح خاص؛ لأنه مفهوم من نفسه!
الدكتور : لا يا سيدي البرنس — السابق — هذا شرط يجب أن يُنصَّ عليه قبل كل شيء!
عبد السلام : حصل خير … حصل خير … كل طلباتكم على العين والرأس.
البرنس : شكرًا يا … يا حاج عبد السلام أفندي … فقط … أريد أن أسأل سؤالًا …
عبد السلام : تفضل!
البرنس : أيمكن بسهولة خدمتنا وإجابة طلباتنا بهذا … بهذا الخادم الصغير؟!
عبد السلام : ابنتي تجيب … تكلمي يا كريمة!
كريمة : اطمئنَّ يا سيدي! … لن ينقصك شيء … ستجد حجرتك نظيفة … وطعامك مُعَدًّا … وملابسك مغسولة ومكويَّة … وكذلك ضيفك …
البرنس : ولكن القصر كبير!
كريمة : لي طريقتي في العناية به … وإن كنا بالطبع لن نشغله كله … إني أحب العمل … ومعتادة عليه … وكل وقتي كان مكرسًا لخدمة أسرتي يوم كانت أكبر عددًا … سترى يا سيدي كيف سأعتني بالقصر وبساكنيه.
البرنس (وهو يتأملها) : أصدِّقك يا سيدتي.
كريمة : كل ما أرجوه هو أن تخبرني بألوان الطعام التي تحبها … وبأوقات الفطور والغداء والشاي والعشاء التي اعتدتَ عليها.
البرنس : هذا جميل حقًّا!
عبد السلام : ستكون مرتاحًا ومسرورًا يا سيدي.
البرنس : إني واثق … فقط … أتسمح لي بسؤال آخر؟
عبد السلام : تفضَّل!
البرنس : أليس في ذلك عبء ثقيل على ميزانيتكم؟
عبد السلام : أبدًا … لقد قلتُ لك إني رجل مستور — والحمد الله — معاشي الذي أتقاضاه بعد خدمة أربعين سنة في مصلحة السكة الحديد يبلغ حوالي ثلاثين جنيهًا شهريًّا … وهذا ليس بالقليل … أليس كذلك؟
البرنس : ثلاثين جنيهًا؟!
عبد السلام : في الشهر! … ماذا تحسبنا إذن يا سيدي؟ … نحن ملوك … اسأل ابنتي كريمة … هي التي تتسلم مني هذا المبلغ الكبير أول كل شهر … تعطيني منه مصروفي، وتنفق الباقي على معيشتنا … وتوفِّر منه أيضًا … وأي معيشة التي نعيشها؟ … معيشة ملوك! … اللهم نحمدك يا رب.
البرنس : شيء عجيب!
عبد السلام : ستعيش معنا يا سيدي … وسترى بعينيك!
البرنس : جائز … كل شيء جائز هذه الأيام … لكن ما هي الفكرة في تركِكُم سكَنَكُم؟ … أولًا … أين تسكنون؟
عبد السلام : في شبرا … نسكن حي شبرا من زمن … في شقة بعمارة قديمة، ولكنها نظيفة.
البرنس : ولماذا أردتم السكن في هذا القصر؟
عبد السلام : أنا الذي اقترحتُ ذلك على ابنتي كريمة … إنها تحب الحديقة؛ فلما قرأت الإعلان، قلت لها: ها هو قصر لا بد أن تكون له حديقة … فلا بد من أن أحقق لكِ حُلمكِ بالسكن في قصر بحديقة مرة قبل أن أموت!
البرنس : إنك تحب ابنتك كثيرًا!
عبد السلام : إنها تستحق كل حُب!
البرنس : نعم … لأنها تستحق … ليس كل البنات كذلك!
عبد السلام : هذا من فضل ربي أيضًا … والآن يا سيدي اتفقنا على الشروط؟
البرنس (مترددًا) : نعم … ولكن …
عبد السلام : تكلم بكل صراحة.
البرنس : يوجد شرط أخير … إني غير واثق من قبوله … اعرضه أنت يا دكتور!
الدكتور : لا … لا شأن لي بهذا الشرط!
عبد السلام : أهو شيء لا نقدر عليه؟
البرنس : ربما تجدونه غير …
عبد السلام : غير ميسور؟ … إن الله الذي يسَّر لنا أمورنا، وقوَّانا على مصاعب حياتنا، لَقادر على تسهيل كل شيء … تكلم يا سيدي … نحن قادرون بمشيئة الله … أقوياء بإذن الله …
البرنس : الشرط الأخير هو تحديد صفة إقامتكم هنا … بما أنكم لستم مستأجرين … الصفة المقبولة هي أن تقولوا إنكم أقاربي.
عبد السلام : أقاربك؟!
البرنس : لا تؤاخذوني إذا ضايقكم هذا!
عبد السلام : يضايقنا أن تكون بيننا قرابة؟! … ما وجه المضايقة في ذلك؟ … لماذا تقول هذا يا سيدي؟!
البرنس : لستُ أدري … ولكن …
عبد السلام : هذه الصفة تسرُّنا … أليس كذلك يا كريمة؟
كريمة : بالتأكيد يا أبي … لا لأنه أمير سابق … بل …
عبد السلام : بل لأنه رجل طيب فيما أرى … إنسان! …
الدكتور : أليس عندكم مال تخشون عليه؟!
البرنس (بغضب واستياء) : اسكت أنت من فضلك!
الدكتور : الأمانة تقتضي أن نُبصِّرهم بالعواقب … أقارب الأمراء يتعرضون لفحص مصدر أموالهم.
عبد السلام : قرأنا ذلك في الجرائد!
البرنس (للدكتور) : ها هو قد ردَّ عليك وأخجلك!
الدكتور : كان يجب توضيح الشرط … الشرط نور …
عبد السلام : تُشكر! … وقد قبِلْنا الشرط … يوجد شيء آخر؟
البرنس : لا … هذا كل شيء.
عبد السلام : تم الاتفاق إذن؟
البرنس : منذ الساعة القصر تحت تصرُّفكم!
عبد السلام : وأنا منذ الساعة عمُّك … ولك أن تناديني: عمك الحاج!
البرنس : عمي الحاج؟!
الدكتور (ينادي هو أيضًا) : عمي الحاج!
البرنس (مشيرًا إلى كريمته) : والست تبقى بنت عمي … بنت عمي الحاج!
الدكتور (يردد هو كذلك) : بنت عمي الحاج!
البرنس : أتدخل أنتَ أيضًا في الأسرة؟!
الدكتور : ولِمَ لا؟ … أنسيتَ أنك طلبت مني منذ قليل أن أسبقك إلى ذلك؟
البرنس (يتركه ويلتفت إلى كريمة) : اسمعي يا … بنت عمي! … أنتِ طبعًا المتصرِّفة هنا الآن … على هذا الاعتبار ماذا ستطبخين لنا الليلة في العشاء؟
كريمة : اطلب!
الدكتور (يتدخَّل بسرعة) : يطلب أي شيء … أي شيء! … المهم عندنا الآن هو أن يكون هناك عشاء!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦