الفصل الثالث

(عين منظر الفصل الثاني … قصر البرنس فريد … نفس البهو، ولكنه الآن يبدو وقد مرت عليه يد التنظيم والتنظيف … وآنية الزهر الخاوية قد وُضِعَت فيها الأزهار نضرةً منسقةً … لا يوجد بالبهو غير الحاج عبد السلام أفندي، وقد لبس ثياب المنزل وطاقية على رأسه، وتربَّع فوق أريكة يُسبِّح بمسبحة … وجلس بجواره على مقعد مريح الدكتور حمودة بملابس الخارج ما عدا الجاكتة؛ أي بالقميص والبنطلون.)

الدكتور : أنتم — والله — آنستمونا وملأتم علينا القصر.
عبد السلام : شكرًا يا ابني … هذا من لطفكم!
الدكتور : لعلك مرتاح — يا عمي الحاج — من الأيام القليلة التي قضيتَها هنا؟
عبد السلام : بوجودكم … أنا مرتاح ما دامت مسبحتي في يدي … وسجادة الصلاة بقربي … وكريمة ابنتي مسرورة … ماذا ينقصني بعد ذلك؟ … «ساعة البهو تدق دقة النصف» ما هذا؟ … قربنا على أذان المغرب؟
الدكتور : لا … إنها تدق النصف بعد الرابعة!
عبد السلام (يُخرِج ساعة من جيب صدره، وهي معلقة فيه بسلسلة فضية) : صدقت! … ما يزال على صلاة المغرب وقت طويل.
الدكتور : نحن الآن مقبلون على ساعة الشاي.
عبد السلام : على فكرة يا ابني … أين البرنس؟
الدكتور : في المطبخ!
عبد السلام : ماذا يصنع في المطبخ؟!
الدكتور : أظن أن بنت عمنا الست كريمة نزلت الحديقة تجمع بعض الأزهار؛ لوضعها على المائدة بمناسبة الشاي اليوم، وتركت البرنس أمام النار يراقب غلْي اللبن!
عبد السلام : إنه — والله — مؤدب ونشيط.
الدكتور : بالعكس … لم يظهر أدبه ونشاطه إلا في هذه الأيام!
عبد السلام : لعله لم يكن معتادًا.
الدكتور : حقًّا … ولكنه قد تعود الآن … وأصبح يؤدي أعمالًا لم يكن يخطر على باله أنه سيؤديها يومًا … الملوخية التي أكلناها اليوم في الغداء هو الذي قطفها … والبصل هو الذي خرَّطه … والثوم هو الذي فصَّصه!
عبد السلام : ما شاء الله! … همة عظيمة!
الدكتور : كلما تذكرت هذه اليد التي ما كانت تعرف — فيما مضى — غير الضغط على زر الجرس، ولبس القفاز، ورائحة العطور …
عبد السلام : أخشى أن يكون مستاءً أو متورطًا.
الدكتور : بل إنه يفعل ذلك مغتبطًا … ويلحُّ على الست كريمة في أن تُكلِّفه بخدمة!
عبد السلام : هو إذن يريد أن يتسلى بالعمل ويشغل وقته … ليس أشق يا ابني من البطالة!
الدكتور : لا أظن البطالة هي السبب!
عبد السلام : بل هي البلاء الأكبر … وسلْني أنا … إن البطالة هي المرض الذي يهدم كيان الإنسان … جسمًا وروحًا … إني منذ تقاعدتُ وأنا أرى الغد كأنه قبر فاتحٌ فمه ليتلقفني … لقد بدأتُ حياتي قرَّاض تَذاكِر، وتركتُ الخدمة وأنا ناظر محطة … ما من يوم توعَّكتُ أو أخذتُ إجازة مَرَضية … كنتُ أسير بصحَّتي كالقطار نفسه … وكانت أيامي تجري كأعمدة التلغراف … التي تمر أمامي من نافذة القطار السريع … متشابهة حقًّا، ولكنها غير مملة … أما الآن فأيامي جامدة هامدة؛ لأني أصبحت كالقطار القديم الذي تركوه ليأكله الصدأ.
الدكتور : نعم … الصدأ … لعنة الله عليه! … أنا أيضًا منذ فرغتُ من تحضير رسالتي الجامعية أشعر كأن الصدأ يكاد يأكل ما كان في رأسي من نحو!
عبد السلام : الصدأ في مثل سنك هذه وأنت في مقتبل العمر؟! … حذار!
الدكتور : ماذا أصنع؟
عبد السلام : لا … لا تترك ما في رأسك من علم طعامًا للصدأ … كنتَ تُحدثني البارحة عن ذلك العالِم النحوي الذي وضع كتابًا في معاني القرآن …
الدكتور : نعم … هذا العالِم هو أحد «معاصري» سيبويه واسمه «الفَرَّاء».
عبد السلام : حدِّثني عن كتابه هذا … حدِّثني!
الدكتور : كان الفرَّاء — فضلًا عن تمكُّنه من علوم اللغة — مُلمًّا بكثير من العلوم التي …

(تظهر كريمة تحمل آنية بها أزهار … وخلفها البرنس يحمل صينية عليها فناجين شاي فارغة … ويتجهان بحملهما إلى المائدة.)

البرنس (ملتفتًا إلى الدكتور) : شيء جميل! … جالس تتكلم في علومك إياها … وتتركنا للعمل في المطبخ وخارج المطبخ في مثل هذا اليوم الذي سيحضر فيه ضيوف لتناوُل الشاي؟!
الدكتور : البركة فيك!
كريمة (للبرنس) : أخشى — يا سُمو البرنس — أن أكون قد أتعبتُك أكثر من اللازم من أجل ضيوفنا.
البرنس : اسمعي يا ست كريمة! … أولًا: التعب من أجلكم ومن أجل ضيوفكم راحة وسرور … ثانيًا: لقب «سمو البرنس» الذي تناديني به من وقت لآخر لا محل له بالمرة!
الدكتور : خصوصًا بعد تخريط سموِّه للبصل، وتفصيصه للثوم!
البرنس (للدكتور) : اسكت أنت من فضلك! … لا تحشر نفسك!
الدكتور : صدقتَ … الداخل بين البصلة وقشرتها!
البرنس : ماذا تقصد؟
الدكتور : لا شيء على الإطلاق … كل ما في الأمر أن القافية تحكُم!
البرنس : القافية … أهذا وقت القافية؟ … أليس أحسن من ذلك أن تقوم قليلًا وتساعدنا؟!
كريمة : دعه مستريحًا … ليس من حاجة تدعو إلى أن نُتعِبه …
البرنس : ولكني أريد أن أراه يعمل شيئًا في هذا المنزل.
الدكتور : وهل أنا لا أعمل شيئًا؟! … اسأل عمي الحاج …
عبد السلام : حقًّا … الدكتور لا يترك فرصة إلا ويفيدني بعلمه!
الدكتور : قل له يا عمي الحاج … قل له … قل له.
عبد السلام : الحقيقة أنا أشهد — والشهادة الله — الدكتور بحر في العلم.
البرنس : بحر! … طبعًا … أعرف مسألة البحر هذه جيدًا … ذلك موضوع قديم … نحن الآن نبدأ حياة جديدة تحتاج إلى نشاط … أنا الآن بدأت أحب العمل … والفضل في ذلك لبنت عمِّنا … كلما رأيتها تعمل في البيت من طلوع الشمس؛ تحركت في نفسي الرغبة أن أفعل مثلها … وهأنذا أعمل على قدر جهدي … إني حديث عهد … كل أملي أن تكون هي راضية عن عملي.
كريمة (باسمةً) : كل الرضا!
البرنس : أشكركِ من كل قلبي.
الدكتور (ينظر إليهما مليًّا) : شيء لطيف!
البرنس (يلتفت إليه فجأةً) : ما هو؟
الدكتور : موقفي!
البرنس : ماذا تقصد؟
الدكتور : لا شيء … فقط يجب — على ما أظن — أن أساعدكم … هل أمسك بالمكنسة؟
البرنس : لا يا سيدي … كل شيء نظيف … المطلوب منك فقط الآن أن تسكت!
الدكتور : طبعًا كل شيء نظيف؛ بفضل الست كريمة … هذا لا شك فيه … ولكن … هل يجب أن أقف هكذا أنظر وأشاهد وأتفرج؟
البرنس : ماذا تريد أن نصنع لك؟
الدكتور : إني أسألك … ماذا تسمي هذا الموقف؟
البرنس : شيء بارد!
الدكتور : بل — على الأصح — شيء مُخجل!
البرنس : أنت حر!
الدكتور : أظنُّ لم يبقَ لي غير السكوت كما نصحتَني … وهو عين الحكمة.
البرنس : حان الوقت لأن تنهض وتُكمل لبسك … وأنا أيضًا … لنستعدَّ للخروج.
كريمة : الخروج؟!
البرنس : طبعًا … لنترككم مع ضيوفكم.
عبد السلام : ما هذا الكلام؟! … تتركونا مع ضيوفنا؟! … أهذا يصح أن يُقال؟
كريمة : أليس ضيوفنا هم ضيوفكم؟
عبد السلام : قولي لهم يا كريمة! … ألسنا أسرة واحدة؟ … ألم يكن هذا هو الاتفاق؟
كريمة : لن نسمح لكم بالخروج … ستبقون معنا، ونتناول معًا جميعًا الشاي.
البرنس : أمرك …
الدكتور : ما دام الأمر قد صدر؛ فلألبس على الأقل.
كريمة : لا يا دكتور … لا تلبس أكثر من ذلك … هذا يكفي … أنت في منزلك.
البرنس : وأنا …؟
كريمة : وأنت أيضًا على ما يرام هكذا … بالقميص والبنطلون.
عبد السلام (وهو ينهض) : أما أنا يا بنتي فلا بد أن أضع فوق الجلباب …
كريمة : نعم … روبك نعم … روبك … الروب الذي صنعتُه لك أخيرًا.
عبد السلام : بل أُفضِّل عباءتي الخفيفة «الألاجه».
كريمة : أعلم أنك تفضِّلها دائمًا … لا بأس … فليكن … وأنا أيضًا أحتاج إلى أن أرتب هندامي قليلًا … عن إذنكم.

(تخرج كريمة ومعها والدها الحاج عبد السلام … ويبقى في البهو البرنس والدكتور وحدهما.)

البرنس (بعد تردُّد) : أنت صديقي … وتعلم أني صديقك … أليس كذلك؟
الدكتور : هذه مسألة فيها نظر!
البرنس : أعندكَ شك؟
الدكتور : أجبني أولًا: هل سبق لك أن عرفتَ الصداقة؟ … هل سبق أن كان لك أصدقاء؟
البرنس : بالطبع … ولكن …
الدكتور : أين هم الآن؟
البرنس : هناك … في نادي السيارات!
الدكتور : أفهم أنك لا تستطيع أن تذهب إليهم الآن … ولكن لماذا لا يأتون هم؛ ليسألوا عنك؟
البرنس : ولماذا يسألون عني الآن؟
الدكتور : كانوا إذن أصدقاء البرنس! …
البرنس : بالضبط!
الدكتور : ولمَّا ذهب اللقب ذهبوا!
البرنس : بالضبط!
الدكتور : أتُسمِّي هؤلاء أصدقاء؟
البرنس : صدقت! … لا يجب أن يُسمَّوا كذلك … ولكن هذا كل ما يستطيع أن يحصل عليه صاحب السمو وصاحب الجلالة … وأنا الآن قد تجرَّدت من لقب السمو، وأصبحت رجلًا كبقية الناس، أليس من حقي إذن أن أحصل على صديق؟
الدكتور : وماذا تصنع بالصديق؟ … تقترض منه نقودًا؟
البرنس : لا يا سيدي الفاضل … أنت تعلم أني لا أحب أن أقترض من أحد … ولا أن يتصدَّق عليَّ أحد … إني أريد الآن الصديق لأكشف له عما في نفسي!
الدكتور : عمَّا في نفسك؟ … وماذا يمكن أن يوجد في نفسك؟
البرنس (مترددًا) : شعور!
الدكتور : أنت؟!
البرنس : لا تهزأ بي من فضلك!
الدكتور : لن أهزأ بك … تكلم.
البرنس : شعور خاص … نحو شخص معين …
الدكتور : شخص معين … موجود؟
البرنس : نعم … هنا.
الدكتور : وهذا الشعور الخاص … من أي نوع؟
البرنس : عطف … ومودة … وحنان …
الدكتور : بدون لف ودوران: حب وعشق وغرام!
البرنس : شيء من هذا القبيل!
الدكتور : أظن أنا فاهم … وأنت فاهم أني فاهم.
البرنس : لاحظت ذلك من نظراتك وتلميحاتك.
الدكتور : بالاختصار أنت تحب كريمة …
البرنس : نعم … بنت عمي كريمة.
الدكتور : بنت عمك؟!
البرنس : أقصد …
الدكتور : عارف قصدك … اسمع الكلام المفيد … يظهر أن غرضك قطع عيشنا، وضياع اللقمة اللينة من فمنا … الحاج عبد السلام رجل جد ومُتديِّن … وإذا لمح منك شيئًا من هذا القبيل فإن النتيجة معروفة مقدمًا … وأنا أُحذِّرك وأنفض يدي … وقد أعذر من أنذر.
البرنس : لحظة واحدة … أنت أسأتَ فهمي … الموضوع شريف … أنا قصدي الحلال.
الدكتور : الحلال؟!
البرنس : طبعًا … وأنا عزمت أطلب يدها.
الدكتور : تتزوجها؟
البرنس : وما المانع؟
الدكتور : هل أنت واثق من شعورها هي نحوك؟
البرنس : أظن أنها لا تكرهني! …
الدكتور : هذا لا يكفي … لا بد من وجود عاطفة متبادلة.
البرنس : متبادلة؟ … أرجوك لا تُعقِّد المسائل!
الدكتور : على الأقل يجب أن يكون عندها شيء من العاطفة بالنسبة إليك …
البرنس : أعتقد أنه ليس لديها سبب لرفض طلبي!
الدكتور : فليكن! … هذا من جهتها … فلنبحث الموضوع من جهة والدها.
البرنس : والدها؟
الدكتور : بالطبع … أتريد أن تتزوجها بدون إرادة والدها؟ … إن مثلها لا تقبل زواجًا إلا برأي والدها ورضاه.
البرنس : هذا — على كل حال — أسهل … إذا كان الأمر متعلقًا برأي والدها فإني متأكد أنه يُرحِّب.
الدكتور : يرحِّب بمثلك؟!
البرنس : ولِمَ لا؟
الدكتور : عشم إبليس في الجنة!
البرنس : ماذا تقول؟!
الدكتور : أقول إنك واهم! …
البرنس : واهم؟! … أنا؟ … أنسيت يا سيدي مَن أنا؟ … أيرفض عبد السلام أفندي هذا مصاهرتي أنا؟ … ألستُ خيرًا من زوج بنته المتوفَّى؟ … هل تعرف بمن كانت متزوجة؟ … كان المرحوم زوج كريمة — كما قالت لي — معاون محطة كوبري الليمون … ألستُ في نظر الحاج عبد السلام أحسن — على الأقل — من معاون محطة كوبري الليمون؟ … أنسِيَ مَن كنتُ؟ أنَسِيَ مَن أنا؟
الدكتور : أنت الذي لا تريد أن تنسى ذلك — مع الأسف الشديد — وتريد بعد ذلك أن يكون لك أصدقاء من النوع الحقيقي … لقد تجردتَ من لقبك … ولكنك لم تتجرد بعدُ من …
البرنس (يثوب ويتنبَّه) : لا تؤاخذني … إنك استثرتني!
الدكتور : من يريد أن يتزوج كريمة يجب أن يحس أنه من طينة مثل طينتها …
البرنس : وهذا اعتقادي.
الدكتور : كلامك الآن لا يدل على ذلك!
البرنس : كلام غضب، لا يمثل إحساسي الحقيقي.
الدكتور : اسمح لي أشك قليلًا!
البرنس : شُكَّ كما تريد … أنا أدرى بما في نفسي.
الدكتور : ومن أدرانا أنك لا تخدع نفسك؟
البرنس : وأنا ماذا أفعل لأغير رأيك؟ … إنك لا تريد أن تقتنع بأني منذ جاءت كريمة إلى هذا البيت وعاشت هنا، وأنا أحس أني تغيرت … وأصبحت رجلًا جديدًا … أنا — على كل حال — لا أطلب منك أن تصدقني … ولكني أطلب منك أن تساعدني.
الدكتور : أساعدك؟
البرنس : بحقِّ الصداقة التي بين رجل ورجل …
الدكتور : تقصد بين مفلس ومفلس!
البرنس : بالضبط.
الدكتور : أنا مستعدٌّ لمساعدتك … ولكن كيف؟
البرنس : أولًا دبِّرني وانصحني وأشِرْ عليَّ … ماذا أصنع لأحقق هذا الأمر؟ … هل ترى أن أفاتح الحاج عبد السلام في الموضوع؟ … وإذا فاتحته، فماذا تظن أن يكون رده؟ … افرض أنك في مكانه …
الدكتور : في مكانه؟
البرنس : نعم … ضع نفسك الآن موضعه … أنت عمي الحاج … وأنا أتقدم إليك!
الدكتور : انتظر … أليس هنا مِسبَحة أضعها في يدي؟!
البرنس : لا داعي لهذه التفاصيل … دعني أجرب ماذا سأقول … وأنت أجبني كما لو كنتَ الحاج!
الدكتور (يتنحنح مقلدًا حركات الحاج عبد السلام) : تفضل يا ابني … ماذا تريد أن تقول؟
البرنس : أريد — يا عمي الحاج — أن أقول لك بسرعة وبدون مقدمات … إننا بالطبع أصبحنا عائلة واحدة … زيتنا في دقيقنا!
الدكتور : وأين هو الزيت؟ … وأين هو الدقيق؟
البرنس : أنا الزيت، وبنت عمي كريمة الدقيق!
الدكتور : مفهوم.
البرنس : وطبعًا توافق …
الدكتور (يتنحنح) : هذا يتوقف على نوع الزيت … لا بد أن نعرف أولًا هل هو زيت طيب، أو زيت وسخ؟!
البرنس : وسخ؟! … اخرس!
الدكتور : أتقول اخرس لعمك الحاج؟!
البرنس : بل أقولها لحضرتك … الحاج رجل مؤدب وألفاظه مهذبة … تكلم مثله بجد من فضلك … نحن الآن في موقف جد … سألتُ بأدب … أجبني بأدب …
الدكتور : تريد أن تتزوج كريمة؟
البرنس : إذا سمحتَ.
الدكتور : تعرف طبعًا تكاليف الزوجية … لا بد طبعًا من أن تفكر في ذلك قبل الإقدام على الزواج … لأن الزوج هو الذي يتولى الإنفاق على زوجته … ويكفل لها ضرورات المعيشة من طعام ومسكن وكسوة ونزهة … وخلافه … وأنت … هل تستطيع الإنفاق على زوجتك؟
البرنس : لحظة واحدة!
الدكتور : ما هي صنعتك؟
البرنس : اسمح لي …
الدكتور : ما هو كسبك؟
البرنس : شيء بارد!
الدكتور : ماذا تقول لعمك الحاج؟
البرنس : عمي الحاج لا يسأل هذه الأسئلة السخيفة … عمي الحاج رجل نبيل … لا يلتفت إلى الماديات … إنه يُقدِّر العواطف!
الدكتور : وهو أيضًا والد مسئول … يُقدِّر مستقبل بنته.
البرنس : مستقبل البنت هو أن تتزوج.
الدكتور : نعم … نتزوج … ولكن ممن له عمل!
البرنس : الزواج أولًا … والعمل يأتي فيما بعد!
الدكتور : بل العكس هو المنطقي: ابحث عن العمل أولًا … فإذا أصبح في يدك فابحث عن الزواج بعد ذلك.
البرنس : هذا كلام رجل أحمق … قليل العقل … ثقيل الظل … مُتزمِّت مُتعنِّت … لا يريد أن يجمع رأسين في الحلال!
الدكتور (صائحًا في لهجة تمثيلية) : أتصِفُ عمك الحاج عبد السلام بأنه قليل العقل، ثقيل الظل، مُتزمِّت مُتعنِّت؟!

(يدخل الحاج عبد السلام، وقد ارتدى العباءة وهو يتمتم تلاوته، ويفرك مِسبحته.)

البرنس (بسرعة للدكتور) : هس … اسكت! … (همسًا) يا للمصيبة!
عبد السلام (ينظر إليهما وقد لزما الصمت فجأة) : يظهر أني قطعتُ الحديث!
الدكتور : لا … مطلقًا… الحديث مستمر … لأنه في موضوع عائلي يهمك بالذات يا عمي الحاج.
عبد السلام : يهمني؟
البرنس (همسًا للدكتور) : أنت مجنون؟
الدكتور (لا يلتفت إلى البرنس، ويواصل كلامه) : الست كريمة — بما لها من صفات عالية، وأخلاق سامية، وتهذيب وتدبير — لا بد أن تكون موضع أمل كل رجل يفهم قيمة المرأة المؤدبة المدبِّرة المطيعة النشيطة … (للبرنس) أليس كذلك يا صديقي؟
البرنس (وهو مطرق في حَرَج) : بدون شك.
الدكتور : طبيعي إذن — يا عم الحاج — أن يوجد الآن رجل يريد مصاهرتك …
عبد السلام : يريد كريمة؟
الدكتور : نعم … وبسرعة وبدون مقدمات أقول لك إن هذا الرجل هو صديقي هذا.
عبد السلام (بدهشة) : البرنس؟!
الدكتور : لقد أدَّيتُ مُهمَّتي … وقمتُ بواجب المساعدة … وتركتُ الجمل للجمال … وانتهت مأموريتي، ونفضتُ يدي.
البرنس (في مأزق يتمتم مُتلعثمًا) : في الحقيقة … أنا …
عبد السلام : هذه مفاجأة لم أكن مستعدًّا لها.
البرنس : أنا — على كل حال — متقدِّم بهذا الطلب … وأرجو من عمي الحاج …
عبد السلام : تريد موافقتي؟
البرنس : أكون سعيدًا.
عبد السلام (يُفكِّر لحظة) : هل فاتحتَ كريمة في هذا الموضوع؟
البرنس : لا … بالطبع.
عبد السلام : اسمع يا ابني … أنا شيخ فرغ من الدنيا … وكريمة ليست صغيرة ولا غريرة … بل امرأة ناضجة السن، راجحة العقل … جرَّبَت الدنيا، وعركَت الحياة … وهي المتصرفة في شئونها وشئوني … وأنا — كما ترى وتعلم — قد تركتُ لها تدبير كل شيء يخصني … فنقودي في يدها … وأموري هي التي تتولاها … فمن باب أولى شئونها هي وأمورها … خصوصًا هذا الموضوع … فإذا سمعت كلامي فإني أقول لك: هذه مسألة هي وحدها التي تستطيع أن تقطع فيها برأي.
البرنس : وإذا وافقَتْ هي؟
عبد السلام : يكون الأمر قد تمَّ على خيرة الله.
البرنس : وموافقتك يا عمي؟
عبد السلام : تُعتبر قد تمَّت بمجرد موافقتها هي … لأنها هي صاحبة الأمر في نفسها.
البرنس (وهو يتلفَّت بعينيه باحثًا) : شكرًا جزيلًا.
الدكتور (وقد فهم معنى بحث البرنس) : إنها في المطبخ!
البرنس (همسًا للدكتور وهو يهمُّ بالخروج) : كيف عرفتَ؟
الدكتور (همسًا) : لمحتُها الآن متجهةً إليه … بعد أن تزيَّنت … لعلها تريد أن تُلقي نظرة أخيرة على معدات الشاي … اذهب إليها بسرعة قبل أن يبرد.
البرنس : الشاي؟!
الدكتور : الموقف!

(البرنس يخرج مهرولًا في اتجاه المطبخ.)

عبد السلام (وقد تربَّع فوق الأريكة) : قل لي يا دكتور … أريد أن أسألك سؤالًا دقيقًا.
الدكتور : أقول لك الصراحة — أنا لا يصح أن أكذب عليك — أنا لا أعرف!
عبد السلام : بل تعرف … ومَن يعرف ذلك غيرك أنت؟!
الدكتور : ثِقْ أني على الحياد.
عبد السلام : ها أنت بحُسن فطنتك قد أدركتَ سؤالي … أنا لا أريد أن تنحاز إلى أحد الطرفين … ولكني أريد رأيك فيهما.
الدكتور : معرفتي بهما ليست …
عبد السلام : لا تتواضع! … لقد كنتَ تُحدثنى عنهما البارحة حديثًا مستفيضًا!
الدكتور : ماذا قلتُ عنهما؟!
عبد السلام : قلتَ إنك تُعجب بأحدهما إعجابًا لا حدَّ له!
الدكتور : أنا قلتُ ذلك؟!
عبد السلام : أتكون ذاكرتك أضعف من ذاكرتي؟!
الدكتور : أنا قلتُ إني مُعجَب؟ … ربما كان البرنس هو الذي قال ذلك!
عبد السلام : بل أنت …
الدكتور : أنا؟ … قلتُ إني مُعجَب بأحدهما؟
عبد السلام : إعجابًا لا حدَّ له … هذه عبارتك!
الدكتور : شيء غريب! … مُعجَب بأحدهما؟ … أنا؟!
عبد السلام : وقد وصفتَ لي مزايا كل منهما وصفاته ومحاسنه وصفًا دقيقًا … بارعًا … رائعًا!
الدكتور : وماذا قلتُ عن صفات البرنس؟!
عبد السلام : وما دخْل البرنس هنا؟
الدكتور : أليس هو أحدهما؟
عبد السلام : أتمزح في العلم يا دكتور؟! … أحدهما سيبويه، والآخر الفرَّاء!
الدكتور : آه … قصدك سيبويه والفراء!
عبد السلام : نعم … قلتَ إن سيبويه …
الدكتور : اليوم سأحدثك عن نفطويه!
عبد السلام : ومن هو نفطويه؟
الدكتور : هو ذلك الذي قال فيه ابن دريد:
لو أُوحِيَ النحو إلى نفطويه
ما كان هذا العلم يُعزى إليه
أحرقه الله بنصف اسمه
وصيَّر الباقي صياحًا عليه.
عبد السلام : شيء لطيف! … نفطويه … أحرقه الله بنصف اسمه أي «نفط» … وصيَّر الباقي أي «ويه» صياحًا عليه!
الدكتور : هذا نوع يسمى الاشتقاق … استخرجه الإمام أبو هلال العسكرى، وذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف بالصناعتين … وعرَّفه بأن قال: هو أن يشتق المتكلم من الاسم معنى في غرض يقصده، من مدح أو هجاء.
عبد السلام : هذا حقًّا نوع بديع في علم البديع.
الدكتور : عبارتك هذه تسمى في هذا العلم «التطريز».
عبد السلام : التطريز؟
الدكتور : نعم … وهو نوع يبتدئ فيه المتكلم بذكر جمل غير منفصلة … ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قرَّره وقدَّره في تلك الجملة الأولى … كقول ابن الرومي:
قُرونٌ في رُءوسٍ في وُجوهٍ
صِلابٌ في صِلابٍ في صِلابِ
عبد السلام : قُرون!
الدكتور (وهو يشير بإصبعه نحو رأسه علامة القرون) : نعم … قرون … قرون … ألا تعرف القرون؟
عبد السلام : هذا طبعًا معروف.
الدكتور : الحمد الله! … قرون في رءوس في وجوه … هذا شيء مفهوم …
عبد السلام : مفهوم … ولكن هذا شِعر غير …
الدكتور : غير لطيف … أنا معك … إليك مثلًا آخر ربما كان ألطف:
كأنَّ الكأس في يدها وفِيها
عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقِ
عبد السلام : حقًّا … هذا شِعر لطيف … يعني أن الكأس ويدها وفمها عقيق في عقيق في عقيق … آه … ذكَّرتني بأيام الشباب!
الدكتور : أيام شبابك يا عمي الحاج … لا بد أنه كانت لك فيها لحظات أُنْس.
عبد السلام : ليس إلى هذا الحد … كنتُ شابًّا معتدلًا … لأني أضطررت إلى العمل وكسب القوت مبكرًا؛ لأعول والديَّ المريضين الفقيرين … ولكني كنتُ — على كل حال — شابًّا كبقية الشبان في عصري …
الدكتور : طبعًا … لا شك أنك عرفتَ الحُب
عبد السلام : دعنا من أيامنا الآن يا ابني … نحن الآن في أيامكم أنتم … أنت الذي عليك أن تحدثني.
الدكتور : أُحدِّثك عن ماذا؟ … عن الحب؟ … نعم … كان يجب أن … أعرفه … بل لعله موجود … لعل البذور قد أُلقيت … ولكن أين المطر؟
عبد السلام : المطر؟!
الدكتور : زماننا غير زمانكم! … لدينا مشكلات كالصخور … هل تنبت تحت الصخور بذور؟!
عبد السلام : إنك تتكلم بالألغاز!
الدكتور : على ذكر الألغاز … في علم اللغة — أقصد علم البديع — نوع يسمى المحاجاة والتعمية … وهو أن يأتي المتكلم بعدة ألفاظ مشتركة من غير ذكر الموصوف … ويأتي بعبارات يدل ظاهرها على غيره وباطنها عليه، كما قال علماء هذا الفن … وإليك قول أحد الشعراء في وصف كوز:
وذي أذن بلا سمعٍ
له قلبٌ بلا قلبِ!

(يقول ذلك وهو يتناول فنجان شاي من فوق المائدة، ويمسك بأذن الفنجان ويشرح بحركة يده معنى الشعر.)

إذا استولى على حب
فقل ما شئت في الصبِّ
عبد السلام : شيء ظريف!
الدكتور : أظرف من ذلك ما قيل في وصف القلم … افرض إصبعي قلمًا …

(يُمثِّل بإصبعه حركة الكتابة في انحناء القلم … وفي نثر الحبر من طرفه … وفي حركة بريه.)

وذي خضوع راكع ساجد
ودمعه من جفنه جاري
مواظبُ الخمس لأوقاتها
منقطعٌ في خدمة الباري
عبد السلام (يضحك وهو يُمثِّل بإصبعه حركة بري القلم) : في خدمة الباري … حقًّا ظريف … ظريف! … أنت بحر في العلم يا دكتور! … ألم أقُل إنك بحر؟!

(جرس الباب الكبير يرن.)

الدكتور : الباب …
عبد السلام : ربما كانوا هم …
الدكتور (وهو يتحرك نحو الباب) : الضيوف؟

(الدكتور يفتح الباب، فتظهر جيهان، وخلفها أختها مرفت، وزوجها سالم.)

جيهان (وهي داخلة) : الدكتور! … أنت هنا؟
الدكتور (مُفاجأً) : الآنسة جيهان؟!
مرفت (وهي تدخل) : كيف حالك يا دكتور؟!
سالم (داخلًا) : مساء الخير يا دكتور!
الدكتور (بسرعة وارتباك) : شرَّفتم … طبعًا من أجل … البرنس … إنه … إنه … إنه …
عبد السلام (يهمُّ باستقبالهم) : أهلًا وسهلًا! … أهلًا وسهلًا!
الدكتور (لعبد السلام هامسًا) : إنهم ضيوف البرنس.
عبد السلام : بل ضيوفنا!
سالم (يُقبِّل يد الحاج عبد السلام) : كيف حالك يا والدي العزيز؟!
عبد السلام : بخير يا ابني! … وأنت؟ …
مرفت (وهي تُقبِّل الحاج) : مسرور هنا يا بابا؟
عبد السلام : كل السرور يا ابنتي! (يُقبِّلها.)
جيهان (وهي بدورها تُقبِّل عبد السلام) : لو تعلم يا بابا كم كنتُ مشتاقةً إليك! … أين أختنا كريمة؟
الدكتور (ينظر إلى هذا المنظر العائلي بدهشة، ثم يسرع إلى ناحية المطبخ دون أن يخرج من البهو، ويصفر بفمه طويلًا، ثم ينادي) : الضيوف!

(تظهر كريمة مسرعةً، وخلفها البرنس … ولا تكاد كريمة ترى الحاضرين حتى تعانق مرفت وجيهان، وتُسلِّم على سالم بحرارة وعدم كلفة.)

البرنس (يقف مستغربًا) : ما هذه المفاجأة؟ … يظهر أن بينكم معرفة وثيقة؟!
مرفت : نحن — يا بابا — أقارب!
البرنس : أقارب؟ … أنتم أيضًا؟! … قديمة … العبوا غيرها!
جيهان : بل هذا صحيح يا بابا … اسأل بابا الحاج!
عبد السلام (للبرنس) : هذا ابني سالم …
البرنس (مأخوذًا) : ابنك؟!
كريمة : وشقيقي الوحيد.
البرنس (ملتفتًا إلى كريمة) : هو إذن شقيقك؟!
كريمة (للبرنس) : ما كنتَ تتوقع أن تراه بهذه السرعة؟
البرنس : ولماذا لم تُخبريني منذ لحظة بأنه هو الذي سيحضر للشاي؟
كريمة : أردتُ أن أجعلها مفاجأة!
البرنس : إنها بالفعل مفاجأة لي! … مفاجأة سارَّة … إني سعيد يا سالم بك … حقًّا إني سعيد بأن نجتمع هذا الاجتماع العائلي.
سالم : وأنا أيضًا سعيد.
البرنس : نحن إذن أقارب حقيقةً! … وكنا أقارب دون أن نعلم … يا لعجائب المصادفات! … عم الحاج عبد السلام هو والد زوج بنتي … والست كريمة هي أخت زوج بنتي … يا لمحاسن الصُّدَف!
مرفت : أحقًّا أنت مسرور بلقائنا اليوم يا بابا؟
البرنس : كل السرور يا مرفت … كل السرور … ألا يظهر هذا على وجهي؟ … ألا تقرئين على وجهي السعادة؟ … يدهشني أنك لم تُقبِّلي أباكِ حتى الآن … لا أنتِ ولا أختكِ جيهان … ألم تشعرا نحوي بشَوق … كما أشعر الآن نحوكما؟
مرفت (وهي تجري وتتعلق بعنقه) : ما كان يخطر على بالنا أنك ستستقبلنا بهذا الفرح؟!
جيهان (وهي تعانقه) : إني لا أكاد أصدِّق عيني وأذني!
البرنس : إني آسف على الأيام التي مرَّت ونحن بعيدون بعضنا عن بعض … هذه العائلة الجميلة … لماذا كانت مشتتة؟ … لماذا كان بعضها يجهل وجود بعض؟
مرفت (في دهشة) : إنك قد تغيرتَ كثيرًا يا أبي!
البرنس : أتلاحظين ذلك؟
جيهان : بالتأكيد يا بابا … أنت الآن رجل آخر.
البرنس (يلتفت إلى الدكتور) : سامع؟!
جيهان : وهل الدكتور عنده شك في ذلك؟
الدكتور : يا آنسة … المسألة لها أصل …
البرنس (للدكتور بسرعة) : اسكت من فضلك … لا تتدخل بين العائلات … هؤلاء جميعًا الآن أقاربي بحق وحقيق.
الدكتور : وأنا وحدي الآن المزيَّف!
عبد السلام : بالعكس يا دكتور … أنت الخير والبركة … ووجودك كله فوايد … وكلامك كله دُرَر … لأنك في العِلم بحر … بحر.
جيهان (تقترب من الدكتور) : على فكرة … النيل … مشروع النيل الذي تكلمنا عنه … نسيتَه؟
الدكتور : النيل؟!
جيهان : نعم … مشروع استخراج الأسماك من النيل بالكهرباء … متذكر حديثنا في ذلك المساء؟!
الدكتور : آه … صحيح … الكهرباء.
جيهان : منذ ذلك اليوم وأنا أفكر في ذلك … وقد خطرت لي أفكار جديدة للانتفاع بهذا النهر العظيم … هنا موضع على الشط المقابل يمكن استغلاله … أتدري كيف؟ … يجب أن تعاين الموقع أولًا.
الدكتور : إن شاء الله!
جيهان (تقوده من يده إلى الباب الكبير) : تستطيع أن تراه من هنا؛ إنه يبدو واضحًا بالقرب من سور الحديقة الشرقي … تعالَ معي لحظة!

(يخرجان.)

البرنس : أهي مهتمَّة إلى هذا الحد بالمشروعات الصناعية؟
مرفت : هذا ما يُخيَّل إليها.
سالم : إنها — على كل حال — في سن الاهتمام بأي مشروع …
البرنس : كان يجب أن نُفهمها أن صاحبنا الدكتور هو آخر من يهتم بهذه المسائل!
مرفت : وكيف تحكم بذلك يا بابا؟
البرنس : أنا أعرفه تمام المعرفة.
مرفت : إنه فيما يبدو شاب مهذب.
البرنس : هذا موضوع آخر … أنا أتكلم عما يعرفه وما يُحسنه.
كريمة : ألا تريدون أن نتناول الشاي؟
مرفت : الآن؟ … ولماذا العجلة يا عزيزتي كريمة؟ … بعد قليل … حدِّثينا أولًا عن إقامتك هنا … ألم يُتعبك هذا البيت الكبير؟
كريمة : كنت أظن ذلك في مبدأ الأمر … ولكن اتضح لي بعد ذلك أنه ليس متعِبًا بهذه الدرجة.
مرفت : إنكِ نشيطة … كلنا يعرف نشاطك.
كريمة : أنتِ أنشط مني يا مرفت … لقد شاهدتُ عملكِ في بيتكِ بالمعادي … لا تحبين أنتِ أيضًا كثرة الخدم … وكل شيء تعملينه بيديكِ.
مرفت : وممن تعلمتُ ذلك؟ … أليس منكِ أنتِ؟!
كريمة : لا تقولي هذا … أرجوكِ.
البرنس (لكريمة) : وأنا أيضًا تعلمتُ منك … أتنكرين ذلك؟
كريمة (باسمةً) : أهي مؤامرة؟
البرنس : على ذكر المؤامرة … أخبروني من فضلكم بالصراحة … المسألة أصبحت واضحة … ولا يمكن أن يكون كل هذا من تدبير الظروف وحدها … لم يبقَ شك في وجود تدبير آخر مقصود … أليس كذلك يا مرفت؟
مرفت : ماذا تعني يا بابا؟
البرنس : أعني أن مجيء الحاج والست كريمة هنا لم يكن محض مصادفة … لقد فكرتُ في ذلك من قبل … وحاولتُ الاقتناع بالدافع القوي الذي يحملهما على السكن هنا … فلمَّا رأيتكم الآن فهمت …
مرفت : فهمتَ ماذا؟
البرنس : أن الحكاية مُدبَّرة … إنها مؤامرة؛ الغرض منها أن أعيش مُحاطًا بالعناية و… و…
مرفت : وما الضرر في المؤامرة إذا كانت سليمة العاقبة؟
البرنس : هي أكثر من ذلك … لقد أرتني سعادة لم أكن أعرفها … ولكن … ولكن …
مرفت : ولكن ماذا؟ … لا شيء يا بابا … خذ الأمور بكل بساطة … لقد قرأتُ الإعلان في الجريدة … وبالطبع أدركتُ من العنوان غرضك … وهو أنك لا تريد حياة الوحدة والعزلة في هذا القصر الواسع … ولما كنا نخشى غضبك لو جئنا نحن بأنفسنا … فقد اكتشف زوجي سالم هذا الحل؛ مراعاةً لإحساسك!
البرنس : الواقع … سالم بك يُخجلني بكل هذه العناية التي لا أستحقها منه.
سالم : بالعكس … هذا بعض الواجب نحو من هو في حُكم الوالد.
البرنس (في نظرة سريعة نحو كريمة) : أو الأخ الأكبر!
عبد السلام (يتنحنح مصححًا وقد فهم) : حكم الوالد مقامًا لا سِنًّا!
سالم : هذا ما أقصد.
البرنس : كل ما أخشاه هو أن يكون إقامة عمي الحاج والست كريمة هنا إقامة قهرية يحتملانها من أجلي على مضض.
عبد السلام : على مضض؟ … ما هذا الكلام؟
كريمة (للبرنس) : أرجوك لا تحكم بما لا تعلم … إقامتنا هنا تسرنا كل السرور.
البرنس : هذا يسعدني كل السعادة.
مرفت : ونحن أيضًا يا بابا … أنا وجيهان يسرُّنا ويسعدنا أن نأتي لنمكث هنا — إذا سمحتَ — الأيام التي يتغيبها سالم في البحر الأحمر … ألا توافق على ذلك يا عزيزي سالم؟
سالم : بالتأكيد يا مرفت.
البرنس : كنت أودُّ لو يمكث معنا سالم بك؛ لأقوم نحوه ببعض واجب الضيافة على قدر ما أستطيع … ولو أن البيت في الحقيقة بيته … وبيت عمي الحاج والست كريمة … وما أنا هنا إلا ضيف.
سالم : إنه لسرور لي أن أكون معكم … وربما أمكنني ذلك ولو يومًا أو يومين … فأنا مضطر إلى السفر كثيرًا هذه الأيام … لأن شركة البترول التي أساهم فيها اكتشفت أخيرًا بئرًا جديدة.
البرنس : شيء مفرح! … سالم بك مساهم أيضًا في …
مرفت : نعم يا بابا في شركة البترول الشرقية … نسيتُ أن أخبرك عن ذلك … لأنه ساهم فيها أخيرًا جدًّا.
سالم : أنا في الحقيقة لم أساهم لغرض الربح وحده … بل الموضوع ذاته من الناحية العلمية والصناعية يهمني … هي عادة قديمة عندي … أن أمارس كل عمل بروح الهواية … وتَصادف أني قرأتُ واطلعتُ كثيرًا في الأعوام الأخيرة على شئون البترول؛ لارتباطها بوقود السيارات … فوجدتُ نفسي أهتمُّ بالموضوع وأدرسه … وأجد في هذه الدراسة لذة كبرى … لذة الكشف عن منبع نفع للناس … هذه اللذة تفوق عندي لذة الحصول على المال.
مرفت : هذا صحيح … هذا أغرب ما رأيت في طبع زوجي … كنت أظن أول الأمر أن هدفه في الحياة أن يكون غنيًّا … ولكن تبيَّن لي فيما بعدُ أن هدفه الحقيقي هو أن يكون منتِجًا.
البرنس : وهل هناك غني غير مُنتِج؟
مرفت : أنت يا بابا … كنتَ كذلك طول حياتك … ولا تؤاخذني …
البرنس : صحيح … نسيتُ ذلك … ولكن هل يوجد منتِج غير غني؟
مرفت : زوجي يا بابا … إنه ليس غنيًّا … نحن لا نعيش حياة الأغنياء … نحن نقطن في فيلا صغيرة في المعادي … وليس لدينا غير خادم واحد … وسيارتنا يقودها سالم بنفسه … إنه يحيا حياة أي مهندس عادي في المصنع … على الرغم من عشرات الآلاف التي يمتلكها.
سالم : إني أمتلكها اسمًا … لا فعلًا … أقصد في نظري … لي نظريتي الخاصة … وربما كانت هي نظرية رجل الأعمال الحق … أن أموال المنتِج الحقيقي ولو أنها باسمه، لكنها ملك الدولة … إنه يضعها في الأعمال … الأعمال التي يديرها في الظاهر لشخصه … ولكنها في الحقيقة لحياة مئات الأسر … ولحياة العلم الصناعي والتطبيقي … لحياة الإنتاج الشعبي … وحياة النفع العام.
مرفت : هذا ما يقوله لي سالم دائمًا … يقول لي إنه أجير … ويجب أن يعيش كأجير.
سالم : بالضبط يا مرفت … يعيش كأجير وينتِج كمدير … يعيش للأعمال لا للمال … المال عنده مُحرِّك في جهاز الإنتاج العام … لا ينبغي نزعه واللهو به في الترف الخاص.
البرنس : كلام جميل … أظن من المستحسن الآن تقديم الشاي.
مرفت (تلتفت باحثةً) : أين جيهان؟
كريمة (تبحث بعينيها) : أظن في الحديقة.
مرفت : على فكرة … ما رأيكم لو تناولنا الشاي في الحديقة؟ … الجو اليوم بديع.
كريمة : أحسن فكرة … هيا ننقل المعدات إلى الحديقة.
البرنس : وأنا أساعدك.
مرفت : وأنا كذلك.
سالم : وأنا طبعًا.
كريمة : ما دمتم كلكم هكذا من هواة العمل … فعليكم حمل الفناجين والأباريق … أما الكراسي فسأدعو الخادم من المطبخ ليُعِدَّها لنا في الحديقة … هيا بنا إلى العمل … إلى العمل.

(الجميع يحملون ما على المائدة من فناجين وأطباق وخلافه، ويتوزعون حملها فيما بينهم فرحين ضاحكين، حتى الحاج عبد السلام يريد أن يحمل نصيبه، ولكن البرنس يأخذ منه حمله … ويخرجون جميعًا من الباب الكبير إلى الحديقة … ويخلو المسرح لحظة إلا من أصوات الضحكات الآتية من الحديقة … ثم يدخل بسرعة الدكتور وهو يجذب البرنس من كمه.)

البرنس (يريد أن يُخلِّص نفسه ليعود إلى الحديقة) : دعني … أهذا وقته؟
الدكتور : هذا هو الوقت المناسب … نحن الآن في عصر الذرة والصاروخ والوصول إلى القمر في ساعتين!
البرنس : الوصول إلى القمر؟
الدكتور : جيهان!
البرنس : ما لها جيهان؟!
الدكتور : أريد أن أتزوجها.
البرنس : شيء جميل!
الدكتور : جدًّا!
البرنس : وهل أخذتَ رأي والدها ورضاه؟
الدكتور : والدها؟!
البرنس : بالطبع! … أتريد أن تتزوجها بدون رأي والدها ورضاه؟
الدكتور : أوه! … رأي والدها معروف مقدمًا … إنه بالتأكيد يُرحِّب.
البرنس : يرحب بمثلك؟!
الدكتور : بدون شك!
البرنس : عشم إبليس في الجنة!
الدكتور : ماذا تقول؟
البرنس : أتعرف ما هو الزواج؟ … هو أن يتولى الزوج الإنفاق على زوجته … هو أن يوفِّر لها ضرورات الحياة من سكن وأكل وشرب ونزهة وكسوة وخلافه … هل تستطيع حضرتك أن تنفق على زوجتك؟ … ما هي صناعتك؟ … ما هو عملك؟ … ما هو كسبك؟
الدكتور : اسمعني أولًا …
البرنس : ولا كلمة! … أنا والد مسئول … يُقدِّر مستقبل بنته … ابحث عن العمل أولًا … وبعد ذلك ابحث عن الزواج … هذا هو المنطق.
الدكتور : مَن الأحمق المغفل الذي قال لك هذا المنطق؟
البرنس : شخص أنت تعرفه جيدًا!
الدكتور : لا أعرفه … وإذا رأيتُه فإني سأصفعه.
البرنس : أنا مستعد أن أصفعه نيابةً عنك! (يتقدَّم رافعًا يده.)
الدكتور : انتظر! … ذلك الشخص لم يكن يُقدِّر العواطف … ولن تجده الآن … إنه قد تغيَّر.
البرنس : هو أيضًا؟
الدكتور : نعم … إنه الآن شخص جديد!
البرنس : مبروك!
الدكتور : ليس من الحكمة إضاعة الوقت بهذا الشكل في المهاترة … قل باختصار: هل توافق؟
البرنس : شيء غريب … ألا تُفهِمني أولًا ما هو الموضوع؟ … هل بينكما …؟
الدكتور : نعم … شعور متبادَل.
البرنس : متبادَل؟
الدكتور : تجرأتُ وفاتحتُها!
البرنس : في الزواج؟!
الدكتور : وقبلَتْ بدون تردد.
البرنس : قبلتْ؟!
الدكتور : بشرط …
البرنس : تكلم.
الدكتور : أولًا رضا والدها.
البرنس : أنا؟
الدكتور : لذلك أطلب منك أن تساعدني.
البرنس : أساعدك؟
الدكتور : بأن ترضى عن زواج بنتك.
البرنس : بشخص مفلس؟!
الدكتور : بالضبط … كما طلب مني شخص آخر مفلس أن أساعده على الزواج من كريمة!
البرنس : تلك مسألة أخرى؟
الدكتور : لا يا سيدي … إنها نفس المسألة!
البرنس : هل تريد مني أن أخدع نفسي؟
الدكتور : كما أردتَ أن تخدع الحاج عبد السلام!
البرنس : ماذا تقصد؟
الدكتور : أقصد أن وضعنا واحد … وإذا كنت ترى من حقك أن تتزوج كريمة … فيجب أيضًا أن ترى من حقي أن أتزوج جيهان.
البرنس (يهرش رأسه مفكرًا) : حقيقةً هذه …
الدكتور : هذه هي العدالة والمساواة … أليس كذلك؟
البرنس : نهايته! … أهذا هو الشرط؟!
الدكتور : هذا ليس كل شيء … هناك شرط آخر هو الأصعب والأهم.
البرنس : ما هو؟
الدكتور : موافقة سالم.
البرنس : ماذا تقول؟
الدكتور : قالت لي جيهان، إن رضاك مُستحسَن من باب اللياقة والواجب … ولكن الرأي الأعلى والقرار النهائي هو في يد زوج أختها سالم … الذي تعتبره المتصرف الحقيقي في أمر مستقبلها!
البرنس : شيء غريب!
الدكتور : تقصد كلام جيهان؟
البرنس : بل أقصد كلام كريمة … هذا نفس كلام كريمة لي منذ قليل!
الدكتور : ماذا قالت لك؟
البرنس : عندما أخبرتُها بقول أبيها الحاج أنها هي صاحبة الرأي في أمرها … قالت بل الرأي الأعلى النهائي هو لأخيها سالم، الذي تعتبره رب الأسرة الحقيقي.
الدكتور : والنتيجة؟
البرنس : النتيجة لا زواج من كريمة إلا إذا …
الدكتور : وافق سالم!
البرنس : وأنت كذلك! …
الدكتور : لا زواج من جيهان إلا إذا …
البرنس : وافق سالم …
الدكتور : أي أن السعادة لن تتم لي ولك إلا إذا …
البرنس : وافق سالم! …
الدكتور : وافق سالم …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦