الفصل الرابع

(نفس البهو في قصر البرنس فريد … في نفس اليوم، ولكن الشمس أوشكت أن تغيب … يدخل البرنس بحركة سريعة من الباب الكبير المؤدي إلى الحديقة، وهو يقود ابنته مرفت من يدها.)

مرفت : ماذا تريد مني يا بابا؟
البرنس : كلام هام على انفراد.
مرفت : بخصوصي؟
البرنس : خصوصي أنا وخصوص زوجك!
مرفت : سالم! … على فكرة، لقد لاحظتُ يا أبي أنك تلاحقه بنظرك، وتتقرب إليه وتتودد أكثر من اللازم!
البرنس : أنا وحدي؟ … ألم تلاحظي ما كان يفعله الدكتور حمودة؟ … إنه سيُطير من رأسي بُرجًا … كلما أردتُ أن أفتح فمي بكلمة سبقني، وكلما حاولتُ الدنُوَّ بمقعدي من سالم زاحمني!
مرفت : هل تريد شيئًا من سالم؟
البرنس : وأي شيء!
مرفت : نقود؟
البرنس : أجُنِنتِ يا مرفت؟!
مرفت : ماذا تريد منه إذن؟
البرنس : يد أخته.
مرفت : يد أخته؟ … كريمة؟!
البرنس : أيسوؤك أن أتزوج يا مرفت؟
مرفت : بالعكس يا بابا … أنت رجل وحيد … ولستَ مُسِنًّا … بل أنت في عنفوان رجولتك … وفكرة زواجك معقولة جدًّا ومقبولة … ولكن … يا لغرائب الزمن!
البرنس : ماذا؟
مرفت : تقبل الآن أن تتزوج أنت نفسك من هذه العائلة المتواضعة!
البرنس : لا تُوبِّخيني … ولا تحاسبيني على ما مضى … تلك كانت أفكارًا قديمة.
مرفت : وكريمة … أهي موافقة؟
البرنس : إذا وافق سالم!
مرفت : وسالم؟
البرنس : لم أجرؤ على مفاتحته … لهذا جئتُ بك هنا الآن … أتستطيعين أن تُقنعيه بالقبول؟!
مرفت : سأحاول.
البرنس : بل ابذلي كل جهدك يا مرفت … أرجوكِ … وبسرعة … الآن إذا أمكنكِ؛ حتى أطمئن.
مرفت : سأنتحي به ناحية في الحديقة وأكلمه.
البرنس : نعم … كلميه أولًا قبل أن يسبقنا …
مرفت : يسبقنا من؟
البرنس : الدكتور حمودة.
مرفت : أهو يريد أيضًا كريمة؟
البرنس : بل يريد جيهان.
مرفت : جيهان أختي؟ … وهل وافقتْ؟
البرنس : إذا وافق سالم!
مرفت : آه … فهمتُ الآن سِرَّ هذا السباق بينكما على إرضاء سالم!
البرنس : وهذا الدكتور أيضًا مُفلس مثلي … وإن ضربتين في الرأس …
مرفت : تقصد رأس سالم؟
البرنس : لهذا يجب أن نُسرع نحن أولًا بالكلام … ولعل ضربتنا تكون خفيفة … والدكتور حمودة على كل حال لن يجرؤ هو الآخر على مفاتحته مباشرةً على مائدة الشاي.
مرفت : لقد لمحتُه عند قيامنا أنا وأنت، يغمز بابا الحاج عبد السلام وينهض معه.
البرنس : وما معنى ذلك؟
مرفت (ملتفتةً إلى الباب) : ها هما قادمان، فلنخرج إلى الحديقة حيث كنا …
البرنس (بصوت عالٍ مقصود، وهو يخرج معها إلى الحديقة) : كنا نتحدث يا مرفت عن جو المعادي عندكم والخضرة والأشجار … و…
الدكتور (وهو يدخل خلف الحاج) : نريد أن نتحدث يا عمي الحاج عن سيبويه ومنافسة الكسائي!
عبد السلام : حقًّا … أنا لا أشبع من حديثك الطليِّ الفياض عن هؤلاء العلماء … ماذا حصل بين سيبويه والكسائي؟
الدكتور (وهو يختلس النظر إلى البرنس، والبرنس يختلس النظر إليه وهو خارج مع مرفت) : مناظرة علمية طريفة حصلت بينهما في مجلس هارون الرشيد … فقد أقبل الكسائي على خصمه سيبويه سائلًا: «كيف تقول: قد كنت أظن العقرب أشد لسعةً من النحلة فإذا هي هي … أو فإذا هي إياها؟» … فقال سيبويه: «فإذا هي هي ولا يجوز النصب» … فقال له الكسائي: «أخطأتَ ولحَنْتَ» … فوجم لذلك سيبويه، ورأى هارون الرشيد أن يحكم بينهما بعض العلماء … فدخلوا وشهدوا للكسائي … فقام سيبويه مدحورًا … ولكن هارون الرشيد أعطاه عشرة آلاف درهم … غير أنه ما لبث إلا يسيرًا حتى مات كمدًا … وقال أصحابه فيما بعدُ: إن العلماء الذين شهدوا ضده كانوا من أصدقاء الكسائي، وقد تآمر معهم على سيبويه.
عبد السلام (متأثرًا) : إنا لله وإنا إليه راجعون … حتى العلم … وحتى النحو … تُدبَّر فيه المؤامرات … ويُستشهد في ميدانه العلماء! هكذا مات سيبويه إذن؟ … لا من لسعة عقرب أو نحلة … بل لقوله بعدم جواز نصب النحلة أو العقرب.
الدكتور (ينظر إلى الباب، ويتأكد من خُلوِّ المكان) : والآن يا عمي الحاج … فلندخل في الموضوع!
عبد السلام : نعم … ندخل في الموضوع … اشرح لي رأيكَ أنت … هل هو الجواز، أو عدم الجواز؟
الدكتور : رأيي طبعًا … الجواز!
عبد السلام : رأيك الجواز؟
الدكتور : بدون تردد … أنا مصمم على الجواز!
عبد السلام : جواز النصب؟
الدكتور : نصب؟ … لا … لا … لا … جواز الضم.
عبد السلام : ضم العقرب؟
الدكتور : أعوذ بالله!
عبد السلام : ضم النحلة؟
الدكتور : لا … لا … دعنا الآن من النحلة والعقرب!
عبد السلام : ضم ماذا إذن؟
الدكتور : ضم الزهرة … ضم الوردة!
عبد السلام : ولكن موضوع المناظرة التي كانت بين سيبويه والكسائي …
الدكتور : الموضوع الآن يتعلق بمناظرة أخرى … حول جواز آخر!
عبد السلام : مناظرة أخرى؟ … بين سيبويه والكسائي؟
البرنس : بل بيني أنا وبين سالم بك …
عبد السلام : بينك وبين سالم؟! … ما هذا الكلام؟ … سالم ابني يهتم بالنحو، ويناظرك في النصب والضم؟!
الدكتور : نعم … ضم جيهان!
السلام : وما دخْل جيهان هنا أيضًا؟!
الدكتور : أريد أن أتقدم لطلب يدها.
عبد السلام : انتظر! … إنك خرجت بي فجأة من موضوع إلى موضوع.
الدكتور : لا تؤاخذني يا عمي! … لم أستطع مفاتحتك في هذا الأمر مباشرة … ومن باب أولى لا يمكن أن أجرؤ على مفاتحة سالم بك … لا بطريق مباشر ولا غير مباشر … فليس أمامي إذن غيرك أنت … وأنت والده … وليس بينكما بالطبع أي تحرُّج أو كلفة … هل أستطيع الاعتماد عليك يا عمي الحاج؟
عبد السلام : تريد أن تخطب الآنسة جيهان؟
الدكتور : نعم.
عبد السلام : ألا يحسُن أن تطلبها من والدها؟
الدكتور : طلبتُها من والدها، ومن نفسها.
عبد السلام : وهل تمت الموافقة؟
الدكتور : نعم … على شرط أن يوافق سالم.
عبد السلام : وأنت تريد مني …
الدكتور : أن تتفضَّل بإقناع سالم.
عبد السلام : هذا شيء بسيط.
الدكتور : المهم السرعة يا عمي الحاج … لأن البرنس — كما تعلم — ينوي مفاتحته في شأن كريمة … والخوف أن يسبقني … وهو مفلس مثلي … فتكون خطبة وراء خطبة!
عبد السلام : لا تخف! … سأذهب إليه الآن في الحديقة، وأنفرد به قليلًا …
الدكتور : نعم … اذهب يا عمي … وفقك الله وسدد خطاك، وجعل النجاح والبركة على يديك!

(يخرج الحاج عبد السلام، ويبقى الدكتور حمودة رافعًا يديه نحو السماء يقرأ الفاتحة … وقبل أن يختمها بآمين، يدخل البرنس خلف كريمة وجيهان، آتين من الحديقة.)

البرنس (للدكتور) : ولا الضالين آمين.
كريمة : مستجابة بإذن الله!
البرنس : ادعُ لنا معك!
الدكتور : ما الذي جاء بكم كلكم دفعة واحدة؟
جيهان : يظهر أنهم يريدون الكلام على انفراد.
الدكتور : بخصوص مَن؟
البرنس : لم نسألهم.
الدكتور : أنا أخاطب الآنسة!
البرنس : وأنا أجيب بالنيابة عن الآنسة!
الدكتور : هي فاهمة قصدي.
البرنس : وأنا فاهم قصدك!
الدكتور : اتفقنا …
البرنس : هل تريد معلومات أخرى؟
الدكتور : لا مانع … تفضل.
البرنس : هذه اللحظة يتقرر فيها مصير مسألة خطيرة جدًّا.
الدكتور : بالنسبة لمن؟
البرنس : بالنسبة لي أنا طبعًا.
الدكتور : أنت وحدك؟
البرنس : لا شأن لي بغيري!
الدكتور (بصوت منخفض) : الأنانية القديمة! … صدق من قال إن الطبع يغلب التطبُّع!
البرنس : ماذا تقول؟
الدكتور : أقول إنك نسيتَ بسرعة أن مسألتنا متشابهة … وأن مصيرنا جميعًا واحد.
البرنس : وما دخل هذا الآن في الموضوع؟
الدكتور : دخل هذا واضح؛ وهو أن نجاح قضيتي معناه نجاح قضيتك … والعكس بالعكس! … أي بعبارة أخرى أن المسألة الخطيرة التي يتقرر مصيرها في هذه اللحظة ليست مسألتك وحدك … بل هي قضيتنا كلنا … فهمت؟
البرنس : إذن نتحد!
الدكتور : جد هذه المرة؟!
البرنس : هاتِ يدك …

(يتصافحان، وفي هذه الأثناء تهرع جيهان إلى قرب الباب، وتطل برأسها على الحديقة.)

جيهان : تعالَي انظري يا كريمة!
كريمة (مسرعةً نحو الباب) : ماذا يا جيهان؟
جيهان (ناظرةً إلى الحديقة) : إنهم جالسون حول المائدة كأنهم على هيئة محكمة!
كريمة (تنظر بجوار جيهان إلى الحديقة) : نعم … نعم … أخي سالم في الوسط.
جيهان : وأختي مرفت على اليمين.
كريمة (ناظرةً) : وأبي الحاج على الشمال.
البرنس : ماذا يفعلون؟
الدكتور : طبعًا يتداولون!
جيهان (تنظر) : إنهم يتناقشون.
البرنس : بهدوء؟
كريمة (ناظرةً) : أخي سالم يهزُّ رأسه بشدة!
البرنس : بشدة؟!
جيهان (وهي تنظر) : وبعنف!
البرنس : عنف؟!
كريمة : مظهره يدلُّ على الغضب.
البرنس : يا ساتر! …
جيهان : إنه يدق المائدة بقبضة يده.
الدكتور : يا حفيظ! …
جيهان (وهي تنظر) : الظاهر أن الجو مُكهرب.
البرنس : وعضو اليمين؟!
كريمة (وهي تنظر) : ساكت.
الدكتور : وعضو الشمال؟!
جيهان : لا ينطق بحرف.
البرنس (للدكتور وهو يرتمي على مقعد يائسًا) : ما رأيك؟
الدكتور (وهو يجلس قانطًا) : أمرنا إلى الله!
البرنس : يظهر أن عضو اليمين شرابة خرج!
الدكتور : وعضو الشمال طرطور كبير!
البرنس : بالاختصار خسرنا القضية.
الدكتور : مستحيل!
البرنس : هل عندك بعد ذلك أمل؟
الدكتور : الاستئناف! … أليس لكل حُكم استئناف؟ … نستأنف الحُكم!
البرنس : أمام من تستأنف؟ … أيوجد أعلى من سالم؟
الدكتور : وهل يتحكم في رقابنا سالم؟ … هو إذن دكتاتور!
البرنس : ماذا تقول؟
الدكتور : ما دام الرأي الأعلى رأيه … وهو لا يريد أن يسمح لأحد أن يناقشه!
البرنس : حاسب! … أتعلن الثورة ضده؟!
الدكتور : بل ضد الطغيان.
البرنس : هس … الحيطان لها آذان!
الدكتور : فليكن للحيطان آذان … هذا خير من أن يكون لنا نحن ذيول!
جيهان (تترك الباب وتُقبِل هاتفةً) : برافو!
البرنس : أنتِ أيضًا؟ … موافِقة على هذا الكلام؟
جيهان : بالتأكيد … هذا كلام معقول.
الدكتور : هذا هو العدل … يجب أن يسمح لي بعرض رأيي والتعبير عن وجهة نظري … فقد يكون هو المخطئ وأنا صاحب الحق.
البرنس : وقد تكون أنت المخطئ …
الدكتور : ربما … ولكن يجب أولًا سماع رأيي.
البرنس : رأيك في ماذا؟
الدكتور : في قضيتي!
البرنس : رأيك معروف.
الدكتور : لا يا سيدي … ما من أحد يُحسِن التعبير عن رأي شخص إلا الشخص نفسه … هل أستطيع أن أعرف آراءك كما تعرفها أنت؟ … هل في مقدوري أن أقدِّر صفاتك كما تُقدِّرها أنت نفسك؟ … إذن فاسمع: سأعرض عليك صفاتك كما أعرفها أنا …
البرنس : لا يا عزيزي … أرجوك … لا شأن لك بصفاتي! … أعرف مقدمًا ما ستقول عني!
الدكتور : أرأيتَ؟ … أنت خائف من أني لن أقدِّرك كما تُقدِّر نفسك.
البرنس : لأنك لا تعرفني جادًّا.
الدكتور : هذا لا يمنع من أني أعرف لك صفات ومزايا لا سبيل إلى إنكارها؛ لأنها ظاهرة كالشمس.
البرنس : صفات ومزايا لي أنا؟ … ما هي؟!
الدكتور : تحب أن أحدِّثك عنها … بدون أي تملُّق؟
البرنس : أكون لك شاكرًا.
الدكتور : أولًا: أنت لستَ خبيث النفس إلى حد مُزعج … ثانيًا: لستَ رديء القلب بقدر خطير … ثالثًا: لستَ سخيف العقل بشكل موئس … رابعًا: لستَ ثقيل الظل بمقدار مُنفِّر … خامسًا …
البرنس : كفاية … كفاية!
الدكتور : أظن أني أخجلتُ تواضُعك!
البرنس : للغاية!
الدكتور : بالطبع أنت ترى في نفسك أكثر من ذلك!
البرنس : وأنت؟ … دعني أحدثك عن صفاتك.
الدكتور : تفضل …
البرنس : أولًا: أنت لست مشاكسًا إلى درجة مُتعِبة … ثانيًا: لستَ سليط اللسان بمقدار خطير … ثالثًا: لستَ سيئ العشرة بشكل مُزعِج … رابعًا …
الدكتور : إلى آخره … إلى آخره …
البرنس : انتظر …
الدكتور : لا داعي … النغمة مفهومة!
البرنس : أترى في نفسك أكثر من ذلك؟
الدكتور : إنك لا تعرفني.
البرنس : وأنت أيضًا لا تعرفني.
الدكتور : اتفقنا!
البرنس : فليتكلم كل شخص عن نفسه.
الدكتور : هذا ما سبق أن قلتُه.
البرنس : إذن ابدأ بنفسك!
الدكتور : بالطبع أنا أَعْرَف الناس بنفسي وبقضيتي …. أنا شاب مجتهد ولستُ بخامل … لقد سهرتُ الليالي في طلب العلم … ولا يمكن أن يكون جهدي قد ذهب سدًى … علمي في رأسي ولا بد أن يكون مفيدًا … وقد شهد بذلك عمي الحاج … وقال عني إني بحر في العلم …
جيهان : وأنا أيضًا أقول ذلك … وإني واثقة أننا — بإذن الله — نستطيع أن نستخرج من ذلك البحر …
الدكتور : ماذا؟
جيهان : كل ذلك الذي كنا نتحدث عنه … أنسيتَ تلك المشروعات الكبيرة؟ … صيد السمك بالكهرباء؟!
الدكتور : اسمعي يا آنسة جيهان، جاء الوقت لأن نتكلم بصراحة: لماذا تحدثينني دائمًا عن السمك كلما تقابلنا؟!
جيهان : أليس هذا اختصاصك؟!
الدكتور : اختصاصي؟ … من قال ذلك؟
جيهان : ألم تذكر الآن البحر؟
الدكتور : نعم … ذكرتُ أنه يقال إني بحر في العلم … ولكن علمي لا علاقة له بالبحر وسمكه!
جيهان : كيف ذلك؟ … وما هو علمك إذن؟
الدكتور : النحو … اللغة!
جيهان (تلتفت إلى أبيها البرنس مستفسرةً) : اللغة! … النحو!
البرنس (يهز كتفيه) : لا تسأليني أن أفسِّر لك … هذا شيء لا يمكن أن أفهم رأسه من ذيله!
جيهان : مشروعاتنا إذن انهارت؟!
الدكتور : اسمحي لي يا آنسة …
جيهان : أنت إذن خدعتني!
الدكتور : أنا أخدعك؟!
جيهان (تمسح دموعها) : لماذا جعلتني أبني كل هذه الآمال؟
الدكتور : وما الذي جرى لهذه الآمال؟ … إنها لم تزل بخير … وإذا كان على صيد السمك … هذا عمل لطيف ولا ضرر منه … ولكن اختصاصي الأصلي …
جيهان (تبعد باكية، وتخرج إلى داخل القصر وهي تصيح) : دعني إذن … دعني!
الدكتور (يلحق بها قليلًا) : يا آنسة جيهان!
البرنس (يهز رأسه ويتمصَّص شفتيه) : مسكين!
الدكتور (يلتفت إلى البرنس) : أنقذني أرجوك … ألا تجد طريقة لإنقاذي؟!
البرنس : وقعت؟!
الدكتور : خلصني!
البرنس : غرقت؟!
الدكتور : ليس هذا وقت التشفِّي!
البرنس : بحر العلم غريق في بحر الهوى!
الدكتور (يتحرك للانصراف) : سلام عليكم!
البرنس : يئست؟
كريمة (صائحةً وهي بالباب تنظر إلى الحديقة) : عضو الشمال …
البرنس (ملتفتًا إليها) : الحاج؟
كريمة (وهي تنظر إلى الحديقة) : إنه الآن يتكلم.
البرنس (للدكتور) : أبشر يا عم … أبشر!
الدكتور : لا فائدة … قضيتي خسرتها الآن هنا قبل النطق بالحكم … لم يبقَ لي مُوجِب للبقاء هنا … انتهى كل شيء … سلام عليكم.
البرنس : أترحل؟
الدكتور : أليس هذا ما كنتَ تتمناه؟
البرنس : هذه مسألة فيها نظر!
الدكتور : سأذهب الآن إلى حجرتي؛ لأُعِدَّ حقيبتي.
البرنس : أكنتَ جئتَ إلى هنا بحقيبة؟!
الدكتور : لا تؤاخذني … نسيتُ حقًّا أنني جئتُ إلى هنا مُجرَّدًا، وسأنصرف مُجردًا كما جئتُ … وإن كنتُ في الحقيقة …
البرنس : ماذا؟
الدكتور : لن أنصرف من هنا كما جئتُ تمامًا!
البرنس : تقصد أنه قد نقص منك شيء هنا؟
الدكتور : أنت تفهم قصدي جيدًا.
البرنس : أذكر أنك جئت لابسًا بدلتك الكاملة … فلا تنسَ جاكتتك هنا!
الدكتور : لن أنساها … ولكني سأترك هنا ما هو أهم! … سلام عليكم!
البرنس : انتظر!
الدكتور : ماذا تريد مني؟
البرنس : عنوانك …
الدكتور : وما شأنك بعنواني؟
البرنس : عجبًا! … هل نويتَ نهائيًّا قطع جميع العلاقات؟!
الدكتور : أليس هذا من المُستحسَن؟
البرنس : بالنسبة إليك …
الدكتور : وإليك أيضًا …
البرنس : الكلام بخصوصك أنت الآن … هل يسرُّك حقًّا أن ينتهي هكذا كل شيء بيننا؟!
الدكتور : هذه مسألة فيها نظر.
كريمة (صائحةً وهي تنظر إلى الحديقة) : إنهم نهضوا … إنهم قادمون إلى هنا … (تترك الباب سريعًا وتجلس على مقعد.)
البرنس (لكريمة) : هل مظهرهم يدعو إلى التفاؤل؟
كريمة : لا أدري.
الدكتور (متحركًا للانصراف) : يجب أن أذهب.
البرنس : بل الواجب أن تنتظرهم.
الدكتور : لم تَعُدْ لي مصلحة.

(يظهر من الباب الكبير الحاج عبد السلام، وخلفه مرفت وسالم.)

البرنس (ينهض لمرآهم صائحًا كما يفعل حُجَّاب الجلسات) : محكمة!
عبد السلام (وهو يُسرع بالجلوس) : اجلسوا … أستغفر الله!
مرفت (تبحث حولها) : أين جيهان؟
كريمة : ربما ذهبت إلى التواليت … سأبحث عنها حالًا! (تخرج.)
عبد السلام : تريدون بالطبع أن تعرفوا ما استقر عليه الرأي؟
البرنس : نحن على أحرَّ من الجمر.
عبد السلام (ناظرًا إلى الدكتور الواقف بعيدًا) : ما لك يا دكتور واقفًا هكذا بعيدًا؟ … اقترب منا قليلًا.
الدكتور : إني كنت …
عبد السلام (يشير إلى مقعد بجوار البرنس) : تعالَ اجلس هنا …
الدكتور (وهو يقترب) : اسمحوا لي أن …
عبد السلام (مقاطعًا آمِرًا) : اجلس يا دكتور، واسمع الكلام.
الدكتور : كلمة واحدة لتوضيح …
عبد السلام : الصبر طيب يا دكتور! … اجلس.
الدكتور : أصل موقفي الآن …
عبد السلام : أرجوك … اجلس واسمع.
الدكتور : أريد فقط …
البرنس (يشد الدكتور ويُجلسه بجواره بالقوة، ويضع يده على فمه ليُسكته) : اقعد يا أخي واسكت … لا تُضيِّع وقتنا … شيء يفلق! … تفضل يا عم الحاج … كلنا نسمع.
عبد السلام : الواقع أني لم أتكلم كثيرًا في موضوعكم … لأن ابني سالم لم يترك لنا مجالًا للكلام … فقد استعرض الأمر من جميع نواحيه … واستطاع أن يُقنعنا ويُلزمنا الحجَّة … ولذلك أرى أن يتكلم هو الآن ويُقنعكم.
سالم : المسألة في غاية الوضوح … البرنس والدكتور يريد كل منهما تأسيس أسرة … أليس هذا صحيحًا؟
الدكتور (يحاول النهوض) : فيما يخصني …
البرنس (يُجلسه ويكمِّم فمه بيده) : نعم … هذا صحيح.
سالم : تأسيس الأسرة يحتاج إلى كسب.
البرنس (هامسًا) : دخلنا في الجد!
سالم (مستمرًّا) : والكسب يحتاج إلى عمل.
البرنس (بلهجة التشاؤم) : مفهوم!
سالم : والعمل …
البرنس : تمام … عرفنا الحُكم!
سالم : ماذا عرفتَ؟
البرنس : ما دامت المسألة متوقفة على العمل … فقد أصبح الحكم معروفًا.
سالم : هل تعرف العمل؟
البرنس : أبدًا!
سالم : هل تعرف الحُب؟
البرنس (في دهشة) : الحُب؟!
سالم : نعم … الحُب … هل تعرفه؟
البرنس : طبعًا … هذا معروف.
سالم : إذن فقد عرفتَ العمل.
البرنس : وما هي العلاقة؟
سالم : العمل هو الحُب … هو الهوى … هو الهواية … الحب والهوى والهواية … أظنها في اللغة مترادفات … أليس كذلك يا دكتور؟
الدكتور : بالضبط.
سالم : كل عمل حق … كل عمل منتِج هو وليد حب أو هوًى أو هواية … إذا كانت لك هواية، فأخذتها على سبيل الجد، وتعهَّدتها فإنها لا بد أن تنقلب عملًا … وعملًا مُنتِجًا … ولأضرب المثل بنفسي … كانت هوايتي منذ الصغر هي أن أفكَّ أجزاء الساعات والمنبهات، وأبعثر تُروسها وعقاربها ومُحرِّكاتها، ثم أحاول تركيبها من جديد … هذه الهواية انقلبت فيما بعدُ عملًا هندسيًّا وخبرة ميكانيكية … لا خير عندي في العمل الذي يُولَد عن غير طريق الحب … إنه كاللقيط الذي يُلفَظ من بذرة عابرة … أو كالجنين الصناعي الذي قد يخرج يومًا من لقاح مجلوب … أما العمل الحي القوي فهو الذي ينشأ في أحضان الهواية والحب، كالطفل المدلَّل في أحضان الزواج السعيد.
البرنس : كلام جميل!
سالم : قل لي ما هي هوايتك أقل لك ما هو عملك … إني أعرف ما هي هواية الدكتور … اللغة.
الدكتور : النحو.
عبد السلام : مثل سيبويه والكسائي والفراء …
سالم : هذه أسماء أوصلها التاريخ إلى عصرنا هذا … لماذا؟ … لأنها أحبَّت فرعًا من المعرفة. … مهما يكن أثره … حُبًّا كرست من أجله حياة بأكملها.
عبد السلام : ومنهم من مات أيضًا من أجْله.
سالم : إن من الأعمال ما تعظم، لا بأثرها؛ بل بما بُذِل فيها من حب وتضحية!
الدكتور : هذا قول رائع … ولكن …
سالم : ولكن ماذا؟
الدكتور : التخصص في علم النحو لا يُطعِم صاحبه!
سالم : وكيف استطاع أن يُطعم سيبويه وأمثاله؟
الدكتور : كان هناك هارون الرشيد وأمثاله!
سالم : لكل عصر هارونه الرشيد! … وهارون رشيد هذا العصر هو الصناعة الكبرى … هو الإنتاج العام … هو الثروة القومية التي يجب أن تتكفل بإنتاج الذهن الذي يمثل الحضارة … هذا يحدث في كل بلد غني … حيثما وُجِد الثراء وُجِد العلماء … وقلما تجد بلدًا فقيرًا خاملًا غير منتِج يعيش فيه علم أو علماء … حتى ولا في النحو … وهل تتصور سيبويه يعيش بنحوه فقط في صحراء جرداء؟
عبد السلام : مستحيل!
سالم : يجب أن يكون هناك عمل منتج للثروة؛ ليكون هناك عمل منتج للذهن … يجب أن تكون هناك أيدٍ خشنة حتى يمكن أن توجد إلى جانبها الأيدي الناعمة.
عبد السلام : من أجل هذا يرى سالم أن المسألة محلولة على ما يرام!
البرنس : على ما يرام؟
سالم : نعم … بالنسبة إلى الدكتور … إنه يستطيع أن يؤلف في علم النحو الكتب التي تنتجها مواهبه.
الدكتور : ومن يشتري هذه الكتب؟
عبد السلام : هارون الرشيد!
سالم : نعم … شركة البترول.
الدكتور : وما دخْل البترول في النحو؟
سالم : أقول لك … شركة البترول تضم عددًا كبيرًا من العمال، وقد أنشأتُ لهؤلاء العمال ناديًا به مكتبة كبيرة … وقد أظهر العمال رغبة أكيدة في القراءة والمعرفة … وهذه المكتبة في حاجة إلى مدير يُشرف عليها …
عبد السلام (للدكتور) : أفهمت؟
سالم : المرتب جيد … والوقت يتسع للتأليف.
الدكتور : حقًّا المسألة حُلَّت من هذه الجهة … ولكن …
سالم : سننظر في الجهة الأخرى وهي … البرنس … هواية الدكتور عرفناها … (للبرنس) بقي أن نعرف هوايتك!
البرنس : هوايتي؟!
سالم : بالطبع لا بد أن تكون لك هواية … قالت لي مرفت إنك كنت مهتمًّا بهواية.
البرنس : جمع طوابع البريد …

(الدكتور يضحك.)

البرنس : ما الذي يُضحكك؟
الدكتور (همسًا) : العمل الذي يمكن أن ينتج من هواية جمع الطوابع! … ماذا؟ … ساعي بريد؟ … جامع أعقاب سجاير … أي لمَّام سبارس!
البرنس : اخرس …
سالم (للبرنس) : طبعًا كنت تهوى تنظيم وعرض مجموعات الطوابع في ألبومات.
البرنس : نعم … بأحسن ترتيب.
سالم : إذن أنت تحب عملية الترتيب والعرض!
البرنس : من صغري … كنت أهوى قصَّ الصور الخاصة بالطيور من الكتب و«أبروزها»، ولما صرتُ شابًّا هويتُ صور السيارات، فجعلت أقصُّها من المجلات …
سالم : هذا عين المطلوب!
البرنس : المطلوب؟
سالم : نعم … شركة السيارات ستقيم معرضًا دائمًا يضم جميع الموديلات، وهذا المعرض يحتاج إلى مدير.
البرنس (بفرح) : مدير؟
مرفت : المرتب معقول … وتستطيع أن تحصل على سيارة خاصة بسعر بسيط، وبالتقسيط.
البرنس : أنا في حلم! … (للدكتور) اقرصني!
الدكتور (يقرصه بغيظ) : انبسط!
البرنس (يصرخ من ألم القرص وينهض) : أي! … هذه قرصة عقرب!
الدكتور (همسًا) : لتتذكرني؛ لأن فراقنا سيطول!
البرنس : اذهب … الله لا يرجعك!
الدكتور : الآن؟! … بعد أن بلغتَ مرادك!

(تظهر كريمة وهي تقود جيهان التي تمسح من عينيها الدموع.)

البرنس (يصيح بكريمة) : أبشري يا كريمة … الحكم صدر لصالحنا …
كريمة : قبل كل شيء يجب أن نمنع جيهان من البكاء.
عبد السلام : جيهان تبكي؟ … لماذا؟
الدكتور : لأني خدعتُها!
عبد السلام : ماذا تقول يا دكتور؟
الدكتور : تركتُها تفهم أن اختصاصي في علم البحار وصيد السمك بالكهرباء.
جيهان (وهي تنشج بالبكاء) : وجعلني أبني معه مشروعات في غاية الأهمية!
سالم : دعي لي أنا يا جيهان هذه المشروعات، سأحققها لك في يوم من الأيام.
جيهان : وهو … ماذا يعمل؟
سالم : اتركيه يعمل ما يحبُّه هو ويهواه.
جيهان : وأنا ما مهمَّتي؟
سالم : مهمَّتك … اسألي أختك مرفت …
مرفت : مهمتك يا جيهان أن تعاوني زوجك على أداء العمل الذي اختاره هو … لا أن تفرضي عليه العمل الذي تختارينه أنتِ … هل رأيتِني يا جيهان أتدخل في عمل زوجي سالم أو في مشروعاته؟ … إن مهمتي هي أن أسنده لا أن أوجِّهه … أن أسير بجانبه لا أن أسير أمامه … أن أكون شريكة حياته وجهاده، لا شريكة اختصاصه ومهنته … أفهمتِ؟
جيهان (وهي تنظر إلى الدكتور) : فهمتُ.
مرفت : لا تسألي زوجك عن عمله، ولكن اسأليه عما يلزمه من معونتك لينجح.
جيهان (تتجه إلى الدكتور) : ماذا يلزمك من معونتي لتنجح؟!
الدكتور : عطفك وحنانك …
جيهان : فقط؟
الدكتور : أهذا قليل؟ … هذا أثمن كنز …
البرنس : كلام حلو … شاطر وبارع في الكلام الذي يلعب بالمخ والعقل … (ينادي كريمة) اسأليني أنا أيضًا هذا السؤال!
كريمة : أي سؤال؟
البرنس : هذا الذي سألته جيهان!
كريمة : لا لزوم … أنا أعرف ما يلزمك …
البرنس : عطفك وحنانك!
كريمة : وشيء آخر نسيته أنت …
البرنس : ما هو؟
كريمة (باسمةً ابتسامةً ذات معنًى) : تفصيص الثوم وتخريط البصل في المطبخ.

(الجميع يضحكون.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦