الفصل الرابع
(نفس البهو في قصر البرنس فريد … في نفس اليوم، ولكن الشمس أوشكت أن تغيب … يدخل البرنس بحركة سريعة من الباب الكبير المؤدي إلى الحديقة، وهو يقود ابنته مرفت من يدها.)
مرفت
:
ماذا تريد مني يا بابا؟
البرنس
:
كلام هام على انفراد.
مرفت
:
بخصوصي؟
البرنس
:
خصوصي أنا وخصوص زوجك!
مرفت
:
سالم! … على فكرة، لقد لاحظتُ يا أبي أنك تلاحقه بنظرك، وتتقرب إليه وتتودد أكثر
من اللازم!
البرنس
:
أنا وحدي؟ … ألم تلاحظي ما كان يفعله الدكتور حمودة؟ … إنه سيُطير من رأسي بُرجًا …
كلما أردتُ أن أفتح فمي بكلمة سبقني، وكلما حاولتُ الدنُوَّ بمقعدي من سالم زاحمني!
مرفت
:
هل تريد شيئًا من سالم؟
البرنس
:
وأي شيء!
مرفت
:
نقود؟
البرنس
:
أجُنِنتِ يا مرفت؟!
مرفت
:
ماذا تريد منه إذن؟
البرنس
:
يد أخته.
مرفت
:
يد أخته؟ … كريمة؟!
البرنس
:
أيسوؤك أن أتزوج يا مرفت؟
مرفت
:
بالعكس يا بابا … أنت رجل وحيد … ولستَ مُسِنًّا … بل أنت في عنفوان رجولتك … وفكرة زواجك
معقولة جدًّا ومقبولة … ولكن … يا لغرائب الزمن!
البرنس
:
ماذا؟
مرفت
:
تقبل الآن أن تتزوج أنت نفسك من هذه العائلة المتواضعة!
البرنس
:
لا تُوبِّخيني … ولا تحاسبيني على ما مضى … تلك كانت أفكارًا قديمة.
مرفت
:
وكريمة … أهي موافقة؟
البرنس
:
إذا وافق سالم!
مرفت
:
وسالم؟
البرنس
:
لم أجرؤ على مفاتحته … لهذا جئتُ بك هنا الآن … أتستطيعين أن تُقنعيه
بالقبول؟!
مرفت
:
سأحاول.
البرنس
:
بل ابذلي كل جهدك يا مرفت … أرجوكِ … وبسرعة … الآن إذا أمكنكِ؛ حتى أطمئن.
مرفت
:
سأنتحي به ناحية في الحديقة وأكلمه.
البرنس
:
نعم … كلميه أولًا قبل أن يسبقنا …
مرفت
:
يسبقنا من؟
البرنس
:
الدكتور حمودة.
مرفت
:
أهو يريد أيضًا كريمة؟
البرنس
:
بل يريد جيهان.
مرفت
:
جيهان أختي؟ … وهل وافقتْ؟
البرنس
:
إذا وافق سالم!
مرفت
:
آه … فهمتُ الآن سِرَّ هذا السباق بينكما على إرضاء سالم!
البرنس
:
وهذا الدكتور أيضًا مُفلس مثلي … وإن ضربتين في الرأس …
مرفت
:
تقصد رأس سالم؟
البرنس
:
لهذا يجب أن نُسرع نحن أولًا بالكلام … ولعل ضربتنا تكون خفيفة … والدكتور حمودة
على كل حال لن يجرؤ هو الآخر على مفاتحته مباشرةً على مائدة الشاي.
مرفت
:
لقد لمحتُه عند قيامنا أنا وأنت، يغمز بابا الحاج عبد السلام وينهض معه.
البرنس
:
وما معنى ذلك؟
مرفت
(ملتفتةً إلى الباب)
:
ها هما قادمان، فلنخرج إلى الحديقة حيث كنا …
البرنس
(بصوت عالٍ مقصود، وهو يخرج معها إلى الحديقة)
:
كنا نتحدث يا مرفت عن جو المعادي
عندكم والخضرة والأشجار … و…
الدكتور
(وهو يدخل خلف الحاج)
:
نريد أن نتحدث يا عمي الحاج عن سيبويه ومنافسة الكسائي!
عبد السلام
:
حقًّا … أنا لا أشبع من حديثك الطليِّ الفياض عن هؤلاء العلماء … ماذا حصل بين سيبويه
والكسائي؟
الدكتور
(وهو يختلس النظر إلى البرنس، والبرنس يختلس النظر إليه وهو خارج مع مرفت)
:
مناظرة علمية طريفة حصلت بينهما في مجلس هارون الرشيد … فقد أقبل الكسائي على خصمه سيبويه
سائلًا: «كيف تقول: قد كنت أظن العقرب أشد لسعةً من النحلة فإذا هي هي … أو فإذا هي إياها؟»
… فقال سيبويه: «فإذا هي هي ولا يجوز النصب» … فقال له الكسائي: «أخطأتَ ولحَنْتَ» …
فوجم لذلك سيبويه، ورأى هارون الرشيد أن يحكم بينهما بعض العلماء … فدخلوا وشهدوا للكسائي
… فقام سيبويه مدحورًا … ولكن هارون الرشيد أعطاه عشرة آلاف درهم … غير أنه ما لبث إلا
يسيرًا حتى مات كمدًا … وقال أصحابه فيما بعدُ: إن العلماء الذين شهدوا ضده كانوا من
أصدقاء الكسائي، وقد تآمر معهم على سيبويه.
عبد السلام
(متأثرًا)
:
إنا لله وإنا إليه راجعون … حتى العلم … وحتى النحو … تُدبَّر فيه المؤامرات … ويُستشهد
في ميدانه العلماء! هكذا مات سيبويه إذن؟ … لا من لسعة عقرب أو
نحلة … بل لقوله بعدم جواز نصب النحلة أو العقرب.
الدكتور
(ينظر إلى الباب، ويتأكد من خُلوِّ المكان)
:
والآن يا عمي الحاج … فلندخل في
الموضوع!
عبد السلام
:
نعم … ندخل في الموضوع … اشرح لي رأيكَ أنت … هل هو الجواز، أو عدم
الجواز؟
الدكتور
:
رأيي طبعًا … الجواز!
عبد السلام
:
رأيك الجواز؟
الدكتور
:
بدون تردد … أنا مصمم على الجواز!
عبد السلام
:
جواز النصب؟
الدكتور
:
نصب؟ … لا … لا … لا … جواز الضم.
عبد السلام
:
ضم العقرب؟
الدكتور
:
أعوذ بالله!
عبد السلام
:
ضم النحلة؟
الدكتور
:
لا … لا … دعنا الآن من النحلة والعقرب!
عبد السلام
:
ضم ماذا إذن؟
الدكتور
:
ضم الزهرة … ضم الوردة!
عبد السلام
:
ولكن موضوع المناظرة التي كانت بين سيبويه والكسائي …
الدكتور
:
الموضوع الآن يتعلق بمناظرة أخرى … حول جواز آخر!
عبد السلام
:
مناظرة أخرى؟ … بين سيبويه والكسائي؟
البرنس
:
بل بيني أنا وبين سالم بك …
عبد السلام
:
بينك وبين سالم؟! … ما هذا الكلام؟ … سالم ابني يهتم بالنحو، ويناظرك في النصب
والضم؟!
الدكتور
:
نعم … ضم جيهان!
السلام
:
وما دخْل جيهان هنا أيضًا؟!
الدكتور
:
أريد أن أتقدم لطلب يدها.
عبد السلام
:
انتظر! … إنك خرجت بي فجأة من موضوع إلى موضوع.
الدكتور
:
لا تؤاخذني يا عمي! … لم أستطع مفاتحتك في هذا الأمر مباشرة … ومن باب أولى لا يمكن أن
أجرؤ على مفاتحة سالم بك … لا بطريق مباشر ولا غير مباشر … فليس أمامي إذن
غيرك أنت … وأنت والده … وليس بينكما بالطبع أي تحرُّج أو كلفة … هل أستطيع الاعتماد
عليك يا عمي الحاج؟
عبد السلام
:
تريد أن تخطب الآنسة جيهان؟
الدكتور
:
نعم.
عبد السلام
:
ألا يحسُن أن تطلبها من والدها؟
الدكتور
:
طلبتُها من والدها، ومن نفسها.
عبد السلام
:
وهل تمت الموافقة؟
الدكتور
:
نعم … على شرط أن يوافق سالم.
عبد السلام
:
وأنت تريد مني …
الدكتور
:
أن تتفضَّل بإقناع سالم.
عبد السلام
:
هذا شيء بسيط.
الدكتور
:
المهم السرعة يا عمي الحاج … لأن البرنس — كما تعلم — ينوي مفاتحته في شأن كريمة … والخوف
أن يسبقني … وهو مفلس مثلي … فتكون خطبة وراء خطبة!
عبد السلام
:
لا تخف! … سأذهب إليه الآن في الحديقة، وأنفرد به قليلًا …
الدكتور
:
نعم … اذهب يا عمي … وفقك الله وسدد خطاك، وجعل النجاح والبركة على يديك!
(يخرج الحاج عبد السلام، ويبقى الدكتور حمودة رافعًا يديه نحو السماء يقرأ الفاتحة … وقبل أن يختمها بآمين، يدخل البرنس خلف كريمة وجيهان، آتين من الحديقة.)
البرنس
(للدكتور)
:
ولا الضالين آمين.
كريمة
:
مستجابة بإذن الله!
البرنس
:
ادعُ لنا معك!
الدكتور
:
ما الذي جاء بكم كلكم دفعة واحدة؟
جيهان
:
يظهر أنهم يريدون الكلام على انفراد.
الدكتور
:
بخصوص مَن؟
البرنس
:
لم نسألهم.
الدكتور
:
أنا أخاطب الآنسة!
البرنس
:
وأنا أجيب بالنيابة عن الآنسة!
الدكتور
:
هي فاهمة قصدي.
البرنس
:
وأنا فاهم قصدك!
الدكتور
:
اتفقنا …
البرنس
:
هل تريد معلومات أخرى؟
الدكتور
:
لا مانع … تفضل.
البرنس
:
هذه اللحظة يتقرر فيها مصير مسألة خطيرة جدًّا.
الدكتور
:
بالنسبة لمن؟
البرنس
:
بالنسبة لي أنا طبعًا.
الدكتور
:
أنت وحدك؟
البرنس
:
لا شأن لي بغيري!
الدكتور
(بصوت منخفض)
:
الأنانية القديمة! … صدق من قال إن الطبع يغلب التطبُّع!
البرنس
:
ماذا تقول؟
الدكتور
:
أقول إنك نسيتَ بسرعة أن مسألتنا متشابهة … وأن مصيرنا جميعًا واحد.
البرنس
:
وما دخل هذا الآن في الموضوع؟
الدكتور
:
دخل هذا واضح؛ وهو أن نجاح قضيتي معناه نجاح قضيتك … والعكس بالعكس! … أي بعبارة أخرى
أن المسألة الخطيرة التي يتقرر مصيرها في هذه اللحظة ليست مسألتك وحدك … بل هي قضيتنا
كلنا … فهمت؟
البرنس
:
إذن نتحد!
الدكتور
:
جد هذه المرة؟!
البرنس
:
هاتِ يدك …
(يتصافحان، وفي هذه الأثناء تهرع جيهان إلى قرب الباب، وتطل برأسها على الحديقة.)
جيهان
:
تعالَي انظري يا كريمة!
كريمة
(مسرعةً نحو الباب)
:
ماذا يا جيهان؟
جيهان
(ناظرةً إلى الحديقة)
:
إنهم جالسون حول المائدة كأنهم على هيئة محكمة!
كريمة
(تنظر بجوار جيهان إلى الحديقة)
:
نعم … نعم … أخي سالم في الوسط.
جيهان
:
وأختي مرفت على اليمين.
كريمة
(ناظرةً)
:
وأبي الحاج على الشمال.
البرنس
:
ماذا يفعلون؟
الدكتور
:
طبعًا يتداولون!
جيهان
(تنظر)
:
إنهم يتناقشون.
البرنس
:
بهدوء؟
كريمة
(ناظرةً)
:
أخي سالم يهزُّ رأسه بشدة!
البرنس
:
بشدة؟!
جيهان
(وهي تنظر)
:
وبعنف!
البرنس
:
عنف؟!
كريمة
:
مظهره يدلُّ على الغضب.
البرنس
:
يا ساتر! …
جيهان
:
إنه يدق المائدة بقبضة يده.
الدكتور
:
يا حفيظ! …
جيهان
(وهي تنظر)
:
الظاهر أن الجو مُكهرب.
البرنس
:
وعضو اليمين؟!
كريمة
(وهي تنظر)
:
ساكت.
الدكتور
:
وعضو الشمال؟!
جيهان
:
لا ينطق بحرف.
البرنس
(للدكتور وهو يرتمي على مقعد يائسًا)
:
ما رأيك؟
الدكتور
(وهو يجلس قانطًا)
:
أمرنا إلى الله!
البرنس
:
يظهر أن عضو اليمين شرابة خرج!
الدكتور
:
وعضو الشمال طرطور كبير!
البرنس
:
بالاختصار خسرنا القضية.
الدكتور
:
مستحيل!
البرنس
:
هل عندك بعد ذلك أمل؟
الدكتور
:
الاستئناف! … أليس لكل حُكم استئناف؟ … نستأنف الحُكم!
البرنس
:
أمام من تستأنف؟ … أيوجد أعلى من سالم؟
الدكتور
:
وهل يتحكم في رقابنا سالم؟ … هو إذن دكتاتور!
البرنس
:
ماذا تقول؟
الدكتور
:
ما دام الرأي الأعلى رأيه … وهو لا يريد أن يسمح لأحد أن يناقشه!
البرنس
:
حاسب! … أتعلن الثورة ضده؟!
الدكتور
:
بل ضد الطغيان.
البرنس
:
هس … الحيطان لها آذان!
الدكتور
:
فليكن للحيطان آذان … هذا خير من أن يكون لنا نحن ذيول!
جيهان
(تترك الباب وتُقبِل هاتفةً)
:
برافو!
البرنس
:
أنتِ أيضًا؟ … موافِقة على هذا الكلام؟
جيهان
:
بالتأكيد … هذا كلام معقول.
الدكتور
:
هذا هو العدل … يجب أن يسمح لي بعرض رأيي والتعبير عن وجهة نظري … فقد يكون هو
المخطئ وأنا صاحب الحق.
البرنس
:
وقد تكون أنت المخطئ …
الدكتور
:
ربما … ولكن يجب أولًا سماع رأيي.
البرنس
:
رأيك في ماذا؟
الدكتور
:
في قضيتي!
البرنس
:
رأيك معروف.
الدكتور
:
لا يا سيدي … ما من أحد يُحسِن التعبير عن رأي شخص إلا الشخص نفسه … هل أستطيع أن أعرف
آراءك كما تعرفها أنت؟ … هل في مقدوري أن أقدِّر صفاتك كما تُقدِّرها أنت نفسك؟ … إذن
فاسمع: سأعرض عليك صفاتك كما أعرفها أنا …
البرنس
:
لا يا عزيزي … أرجوك … لا شأن لك بصفاتي! … أعرف مقدمًا ما ستقول عني!
الدكتور
:
أرأيتَ؟ … أنت خائف من أني لن أقدِّرك كما تُقدِّر نفسك.
البرنس
:
لأنك لا تعرفني جادًّا.
الدكتور
:
هذا لا يمنع من أني أعرف لك صفات ومزايا لا سبيل إلى إنكارها؛ لأنها ظاهرة
كالشمس.
البرنس
:
صفات ومزايا لي أنا؟ … ما هي؟!
الدكتور
:
تحب أن أحدِّثك عنها … بدون أي تملُّق؟
البرنس
:
أكون لك شاكرًا.
الدكتور
:
أولًا: أنت لستَ خبيث النفس إلى حد مُزعج … ثانيًا: لستَ رديء القلب بقدر خطير … ثالثًا:
لستَ سخيف العقل بشكل موئس … رابعًا: لستَ ثقيل الظل بمقدار مُنفِّر … خامسًا …
البرنس
:
كفاية … كفاية!
الدكتور
:
أظن أني أخجلتُ تواضُعك!
البرنس
:
للغاية!
الدكتور
:
بالطبع أنت ترى في نفسك أكثر من ذلك!
البرنس
:
وأنت؟ … دعني أحدثك عن صفاتك.
الدكتور
:
تفضل …
البرنس
:
أولًا: أنت لست مشاكسًا إلى درجة مُتعِبة … ثانيًا: لستَ سليط اللسان بمقدار خطير … ثالثًا:
لستَ سيئ العشرة
بشكل مُزعِج … رابعًا …
الدكتور
:
إلى آخره … إلى آخره …
البرنس
:
انتظر …
الدكتور
:
لا داعي … النغمة مفهومة!
البرنس
:
أترى في نفسك أكثر من ذلك؟
الدكتور
:
إنك لا تعرفني.
البرنس
:
وأنت أيضًا لا تعرفني.
الدكتور
:
اتفقنا!
البرنس
:
فليتكلم كل شخص عن نفسه.
الدكتور
:
هذا ما سبق أن قلتُه.
البرنس
:
إذن ابدأ بنفسك!
الدكتور
:
بالطبع أنا أَعْرَف الناس بنفسي وبقضيتي …. أنا شاب مجتهد ولستُ بخامل … لقد سهرتُ الليالي
في طلب العلم … ولا يمكن أن يكون جهدي قد ذهب سدًى … علمي في رأسي ولا بد
أن يكون مفيدًا … وقد شهد بذلك عمي الحاج … وقال عني إني بحر في العلم …
جيهان
:
وأنا أيضًا أقول ذلك … وإني واثقة أننا — بإذن الله — نستطيع أن نستخرج من ذلك
البحر …
الدكتور
:
ماذا؟
جيهان
:
كل ذلك الذي كنا نتحدث عنه … أنسيتَ تلك المشروعات الكبيرة؟ … صيد السمك
بالكهرباء؟!
الدكتور
:
اسمعي يا آنسة جيهان، جاء الوقت لأن نتكلم بصراحة: لماذا تحدثينني دائمًا عن السمك
كلما تقابلنا؟!
جيهان
:
أليس هذا اختصاصك؟!
الدكتور
:
اختصاصي؟ … من قال ذلك؟
جيهان
:
ألم تذكر الآن البحر؟
الدكتور
:
نعم … ذكرتُ أنه يقال إني بحر في العلم … ولكن علمي لا علاقة له بالبحر
وسمكه!
جيهان
:
كيف ذلك؟ … وما هو علمك إذن؟
الدكتور
:
النحو … اللغة!
جيهان
(تلتفت إلى أبيها البرنس مستفسرةً)
:
اللغة! … النحو!
البرنس
(يهز كتفيه)
:
لا تسأليني أن أفسِّر لك … هذا شيء لا يمكن أن أفهم رأسه من ذيله!
جيهان
:
مشروعاتنا إذن انهارت؟!
الدكتور
:
اسمحي لي يا آنسة …
جيهان
:
أنت إذن خدعتني!
الدكتور
:
أنا أخدعك؟!
جيهان
(تمسح دموعها)
:
لماذا جعلتني أبني كل هذه الآمال؟
الدكتور
:
وما الذي جرى لهذه الآمال؟ … إنها لم تزل بخير … وإذا كان على صيد السمك … هذا
عمل لطيف ولا ضرر منه … ولكن اختصاصي الأصلي …
جيهان
(تبعد باكية، وتخرج إلى داخل القصر وهي تصيح)
:
دعني إذن … دعني!
الدكتور
(يلحق بها قليلًا)
:
يا آنسة جيهان!
البرنس
(يهز رأسه ويتمصَّص شفتيه)
:
مسكين!
الدكتور
(يلتفت إلى البرنس)
:
أنقذني أرجوك … ألا تجد طريقة لإنقاذي؟!
البرنس
:
وقعت؟!
الدكتور
:
خلصني!
البرنس
:
غرقت؟!
الدكتور
:
ليس هذا وقت التشفِّي!
البرنس
:
بحر العلم غريق في بحر الهوى!
الدكتور
(يتحرك للانصراف)
:
سلام عليكم!
البرنس
:
يئست؟
كريمة
(صائحةً وهي بالباب تنظر إلى الحديقة)
:
عضو الشمال …
البرنس
(ملتفتًا إليها)
:
الحاج؟
كريمة
(وهي تنظر إلى الحديقة)
:
إنه الآن يتكلم.
البرنس
(للدكتور)
:
أبشر يا عم … أبشر!
الدكتور
:
لا فائدة … قضيتي خسرتها الآن هنا قبل النطق بالحكم … لم يبقَ لي مُوجِب للبقاء هنا
… انتهى كل شيء … سلام عليكم.
البرنس
:
أترحل؟
الدكتور
:
أليس هذا ما كنتَ تتمناه؟
البرنس
:
هذه مسألة فيها نظر!
الدكتور
:
سأذهب الآن إلى حجرتي؛ لأُعِدَّ حقيبتي.
البرنس
:
أكنتَ جئتَ إلى هنا بحقيبة؟!
الدكتور
:
لا تؤاخذني … نسيتُ حقًّا أنني جئتُ إلى هنا مُجرَّدًا، وسأنصرف مُجردًا كما جئتُ … وإن
كنتُ في الحقيقة …
البرنس
:
ماذا؟
الدكتور
:
لن أنصرف من هنا كما جئتُ تمامًا!
البرنس
:
تقصد أنه قد نقص منك شيء هنا؟
الدكتور
:
أنت تفهم قصدي جيدًا.
البرنس
:
أذكر أنك جئت لابسًا بدلتك الكاملة … فلا تنسَ جاكتتك هنا!
الدكتور
:
لن أنساها … ولكني سأترك هنا ما هو أهم! … سلام عليكم!
البرنس
:
انتظر!
الدكتور
:
ماذا تريد مني؟
البرنس
:
عنوانك …
الدكتور
:
وما شأنك بعنواني؟
البرنس
:
عجبًا! … هل نويتَ نهائيًّا قطع جميع العلاقات؟!
الدكتور
:
أليس هذا من المُستحسَن؟
البرنس
:
بالنسبة إليك …
الدكتور
:
وإليك أيضًا …
البرنس
:
الكلام بخصوصك أنت الآن … هل يسرُّك حقًّا أن ينتهي هكذا كل شيء بيننا؟!
الدكتور
:
هذه مسألة فيها نظر.
كريمة
(صائحةً وهي تنظر إلى الحديقة)
:
إنهم نهضوا … إنهم قادمون إلى هنا … (تترك الباب
سريعًا وتجلس على مقعد.)
البرنس
(لكريمة)
:
هل مظهرهم يدعو إلى التفاؤل؟
كريمة
:
لا أدري.
الدكتور
(متحركًا للانصراف)
:
يجب أن أذهب.
البرنس
:
بل الواجب أن تنتظرهم.
الدكتور
:
لم تَعُدْ لي مصلحة.
(يظهر من الباب الكبير الحاج عبد السلام، وخلفه مرفت وسالم.)
البرنس
(ينهض لمرآهم صائحًا كما يفعل حُجَّاب الجلسات)
:
محكمة!
عبد السلام
(وهو يُسرع بالجلوس)
:
اجلسوا … أستغفر الله!
مرفت
(تبحث حولها)
:
أين جيهان؟
كريمة
:
ربما ذهبت إلى التواليت … سأبحث عنها حالًا! (تخرج.)
عبد السلام
:
تريدون بالطبع أن تعرفوا ما استقر عليه الرأي؟
البرنس
:
نحن على أحرَّ من الجمر.
عبد السلام
(ناظرًا إلى الدكتور الواقف بعيدًا)
:
ما لك يا دكتور واقفًا هكذا بعيدًا؟ … اقترب منا قليلًا.
الدكتور
:
إني كنت …
عبد السلام
(يشير إلى مقعد بجوار البرنس)
:
تعالَ اجلس هنا …
الدكتور
(وهو يقترب)
:
اسمحوا لي أن …
عبد السلام
(مقاطعًا آمِرًا)
:
اجلس يا دكتور، واسمع الكلام.
الدكتور
:
كلمة واحدة لتوضيح …
عبد السلام
:
الصبر طيب يا دكتور! … اجلس.
الدكتور
:
أصل موقفي الآن …
عبد السلام
:
أرجوك … اجلس واسمع.
الدكتور
:
أريد فقط …
البرنس
(يشد الدكتور ويُجلسه بجواره بالقوة، ويضع يده على فمه ليُسكته)
:
اقعد يا أخي واسكت …
لا تُضيِّع وقتنا … شيء يفلق! … تفضل يا عم الحاج … كلنا نسمع.
عبد السلام
:
الواقع أني لم أتكلم كثيرًا في موضوعكم … لأن ابني سالم لم يترك لنا مجالًا للكلام …
فقد استعرض الأمر من جميع نواحيه … واستطاع أن يُقنعنا ويُلزمنا الحجَّة … ولذلك أرى
أن يتكلم هو الآن ويُقنعكم.
سالم
:
المسألة في غاية الوضوح … البرنس والدكتور يريد كل منهما تأسيس أسرة … أليس هذا
صحيحًا؟
الدكتور
(يحاول النهوض)
:
فيما يخصني …
البرنس
(يُجلسه ويكمِّم فمه بيده)
:
نعم … هذا صحيح.
سالم
:
تأسيس الأسرة يحتاج إلى كسب.
البرنس
(هامسًا)
:
دخلنا في الجد!
سالم
(مستمرًّا)
:
والكسب يحتاج إلى عمل.
البرنس
(بلهجة التشاؤم)
:
مفهوم!
سالم
:
والعمل …
البرنس
:
تمام … عرفنا الحُكم!
سالم
:
ماذا عرفتَ؟
البرنس
:
ما دامت المسألة متوقفة على العمل … فقد أصبح الحكم معروفًا.
سالم
:
هل تعرف العمل؟
البرنس
:
أبدًا!
سالم
:
هل تعرف الحُب؟
البرنس
(في دهشة)
:
الحُب؟!
سالم
:
نعم … الحُب … هل تعرفه؟
البرنس
:
طبعًا … هذا معروف.
سالم
:
إذن فقد عرفتَ العمل.
البرنس
:
وما هي العلاقة؟
سالم
:
العمل هو الحُب … هو الهوى … هو الهواية … الحب والهوى والهواية … أظنها في اللغة مترادفات
… أليس كذلك يا دكتور؟
الدكتور
:
بالضبط.
سالم
:
كل عمل حق … كل عمل منتِج هو وليد حب أو هوًى أو هواية … إذا كانت لك هواية، فأخذتها
على سبيل الجد، وتعهَّدتها فإنها لا بد أن تنقلب عملًا … وعملًا مُنتِجًا … ولأضرب المثل
بنفسي … كانت هوايتي منذ الصغر هي أن أفكَّ أجزاء الساعات والمنبهات، وأبعثر تُروسها
وعقاربها ومُحرِّكاتها، ثم أحاول تركيبها من جديد … هذه الهواية انقلبت فيما بعدُ عملًا
هندسيًّا وخبرة ميكانيكية … لا خير عندي في العمل الذي يُولَد عن غير طريق الحب … إنه
كاللقيط الذي يُلفَظ من بذرة عابرة … أو كالجنين الصناعي الذي قد يخرج يومًا من لقاح
مجلوب … أما العمل الحي القوي فهو الذي ينشأ في أحضان الهواية والحب، كالطفل المدلَّل
في أحضان الزواج السعيد.
البرنس
:
كلام جميل!
سالم
:
قل لي ما هي هوايتك أقل لك ما هو عملك … إني أعرف ما هي هواية الدكتور … اللغة.
الدكتور
:
النحو.
عبد السلام
:
مثل سيبويه والكسائي والفراء …
سالم
:
هذه أسماء أوصلها التاريخ إلى عصرنا هذا … لماذا؟ … لأنها أحبَّت فرعًا من المعرفة.
… مهما يكن أثره … حُبًّا كرست من أجله حياة بأكملها.
عبد السلام
:
ومنهم من مات أيضًا من أجْله.
سالم
:
إن من الأعمال ما تعظم، لا بأثرها؛ بل بما بُذِل فيها من حب وتضحية!
الدكتور
:
هذا قول رائع … ولكن …
سالم
:
ولكن ماذا؟
الدكتور
:
التخصص في علم النحو لا يُطعِم صاحبه!
سالم
:
وكيف استطاع أن يُطعم سيبويه وأمثاله؟
الدكتور
:
كان هناك هارون الرشيد وأمثاله!
سالم
:
لكل عصر هارونه الرشيد! … وهارون رشيد هذا العصر هو الصناعة الكبرى … هو الإنتاج
العام … هو الثروة القومية التي يجب أن تتكفل بإنتاج الذهن الذي يمثل الحضارة … هذا
يحدث في كل بلد غني … حيثما وُجِد الثراء وُجِد العلماء … وقلما تجد بلدًا فقيرًا خاملًا
غير منتِج يعيش فيه علم أو علماء … حتى ولا في النحو … وهل تتصور سيبويه يعيش بنحوه
فقط في صحراء جرداء؟
عبد السلام
:
مستحيل!
سالم
:
يجب أن يكون هناك عمل منتج للثروة؛ ليكون هناك عمل منتج للذهن … يجب أن تكون هناك أيدٍ
خشنة حتى يمكن أن توجد إلى جانبها الأيدي الناعمة.
عبد السلام
:
من أجل هذا يرى سالم أن المسألة محلولة على ما يرام!
البرنس
:
على ما يرام؟
سالم
:
نعم … بالنسبة إلى الدكتور … إنه يستطيع أن يؤلف في علم النحو الكتب التي تنتجها
مواهبه.
الدكتور
:
ومن يشتري هذه الكتب؟
عبد السلام
:
هارون الرشيد!
سالم
:
نعم … شركة البترول.
الدكتور
:
وما دخْل البترول في النحو؟
سالم
:
أقول لك … شركة البترول تضم عددًا كبيرًا من العمال، وقد أنشأتُ لهؤلاء العمال
ناديًا به مكتبة كبيرة … وقد أظهر العمال رغبة أكيدة في القراءة والمعرفة … وهذه
المكتبة في حاجة إلى مدير يُشرف عليها …
عبد السلام
(للدكتور)
:
أفهمت؟
سالم
:
المرتب جيد … والوقت يتسع للتأليف.
الدكتور
:
حقًّا المسألة حُلَّت من هذه الجهة … ولكن …
سالم
:
سننظر في الجهة الأخرى وهي … البرنس … هواية الدكتور عرفناها … (للبرنس) بقي أن نعرف
هوايتك!
البرنس
:
هوايتي؟!
سالم
:
بالطبع لا بد أن تكون لك هواية … قالت لي مرفت إنك كنت مهتمًّا بهواية.
البرنس
:
جمع طوابع البريد …
(الدكتور يضحك.)
البرنس
:
ما الذي يُضحكك؟
الدكتور
(همسًا)
:
العمل الذي يمكن أن ينتج من هواية جمع الطوابع! … ماذا؟ … ساعي بريد؟ … جامع
أعقاب سجاير … أي لمَّام سبارس!
البرنس
:
اخرس …
سالم
(للبرنس)
:
طبعًا كنت تهوى تنظيم وعرض مجموعات الطوابع في ألبومات.
البرنس
:
نعم … بأحسن ترتيب.
سالم
:
إذن أنت تحب عملية الترتيب والعرض!
البرنس
:
من صغري … كنت أهوى قصَّ الصور الخاصة بالطيور من الكتب و«أبروزها»، ولما صرتُ شابًّا
هويتُ صور السيارات، فجعلت أقصُّها من المجلات …
سالم
:
هذا عين المطلوب!
البرنس
:
المطلوب؟
سالم
:
نعم … شركة السيارات ستقيم معرضًا دائمًا يضم جميع الموديلات، وهذا المعرض يحتاج
إلى مدير.
البرنس
(بفرح)
:
مدير؟
مرفت
:
المرتب معقول … وتستطيع أن تحصل على سيارة خاصة بسعر بسيط، وبالتقسيط.
البرنس
:
أنا في حلم! … (للدكتور) اقرصني!
الدكتور
(يقرصه بغيظ)
:
انبسط!
البرنس
(يصرخ من ألم القرص وينهض)
:
أي! … هذه قرصة عقرب!
الدكتور
(همسًا)
:
لتتذكرني؛ لأن فراقنا سيطول!
البرنس
:
اذهب … الله لا يرجعك!
الدكتور
:
الآن؟! … بعد أن بلغتَ مرادك!
(تظهر كريمة وهي تقود جيهان التي تمسح من عينيها الدموع.)
البرنس
(يصيح بكريمة)
:
أبشري يا كريمة … الحكم صدر لصالحنا …
كريمة
:
قبل كل شيء يجب أن نمنع جيهان من البكاء.
عبد السلام
:
جيهان تبكي؟ … لماذا؟
الدكتور
:
لأني خدعتُها!
عبد السلام
:
ماذا تقول يا دكتور؟
الدكتور
:
تركتُها تفهم أن اختصاصي في علم البحار وصيد السمك بالكهرباء.
جيهان
(وهي تنشج بالبكاء)
:
وجعلني أبني معه مشروعات في غاية الأهمية!
سالم
:
دعي لي أنا يا جيهان هذه المشروعات، سأحققها لك في يوم من الأيام.
جيهان
:
وهو … ماذا يعمل؟
سالم
:
اتركيه يعمل ما يحبُّه هو ويهواه.
جيهان
:
وأنا ما مهمَّتي؟
سالم
:
مهمَّتك … اسألي أختك مرفت …
مرفت
:
مهمتك يا جيهان أن تعاوني زوجك على أداء العمل الذي اختاره هو … لا أن تفرضي
عليه العمل الذي تختارينه أنتِ … هل رأيتِني يا جيهان أتدخل في عمل زوجي سالم أو
في مشروعاته؟ … إن مهمتي هي أن أسنده لا أن أوجِّهه … أن أسير بجانبه لا أن أسير أمامه
… أن أكون شريكة حياته وجهاده، لا شريكة اختصاصه ومهنته … أفهمتِ؟
جيهان
(وهي تنظر إلى الدكتور)
:
فهمتُ.
مرفت
:
لا تسألي زوجك عن عمله، ولكن اسأليه عما يلزمه من معونتك لينجح.
جيهان
(تتجه إلى الدكتور)
:
ماذا يلزمك من معونتي لتنجح؟!
الدكتور
:
عطفك وحنانك …
جيهان
:
فقط؟
الدكتور
:
أهذا قليل؟ … هذا أثمن كنز …
البرنس
:
كلام حلو … شاطر وبارع في الكلام الذي يلعب بالمخ والعقل … (ينادي كريمة) اسأليني
أنا أيضًا هذا السؤال!
كريمة
:
أي سؤال؟
البرنس
:
هذا الذي سألته جيهان!
كريمة
:
لا لزوم … أنا أعرف ما يلزمك …
البرنس
:
عطفك وحنانك!
كريمة
:
وشيء آخر نسيته أنت …
البرنس
:
ما هو؟
كريمة
(باسمةً ابتسامةً ذات معنًى)
:
تفصيص الثوم وتخريط البصل في المطبخ.
(الجميع يضحكون.)