كرومر وجورست وكتشنر

في ١٩٠٧ كنت قد بلغت حالًا من القلق النفسي والثقافي جعلتْ مقامي في مصر شاقًّا؛ فقد كنت أعاني هذا الكرب المدرسي الذي أحدثه الإنجليز بنظام الثكنات في المدارس، إلى جنب نكد عائلي آخر أوجدته تلك المطامع العائلية الصغيرة التي أجد من البِرِّ أن أنساها. والقارئ يعرف أننا في مصر نُكابِد خلافات عائلية تتعدد مراجعها من التمييز المالي أو المطامع المالية بين الورثة إلى الاشتباكات التي تعود إلى مصاهرات سيئة تُحِيلُ العائلات إلى قبائل تحيي الثأر وتعيش السنين وهي في الشقاق والنزاع. وقد كابدت من كل ذلك مضضًا وألمًا، ولكني كنت أجِد العزاء في شغفي بالثقافة. بل لقد كانت هذه المساوئ العائلية تحملني على تجنُّب الاختلاط بالاعتكاف للدراسة كما كانت الدراسة نفسها سرورًا أنشُده كي أخفف عن نفسي هذا البلاء.

وحين أرجع بذاكرتي الآن إلى تلك الأيام أجِد أن بؤرة هذه المتاعب كان واحدًا أو اثنين قد أسيء إليهما في طفولتهما بالتدليل المُسرف. فنشأ كلاهما على العدوان والعناد والخطف. والحق أنهما لا يزالان على هذه الحال إلى الآن.

وسافرت إلى أوروبا وأنا على غير وجهة تعليمية معينة سوى الحصول بأية وسيلة على الثقافة العصرية. وقد كان ميراثي من أبي الذي مات وأنا دون السنتين يكفل لي نحو ٢٥ أو ٣٠ جنيهًا في الشهر دخلًا ثابتًا. فلم أحس الحاجة إلى إعداد مهني أتكسَّب به. ولم تكن الوظائف مغرية في ذلك الوقت؛ لأن الحاصل على الدبلوم لم يكن يزيد مرتبه على ثمانية جنيهات.

وقصدت إلى باريس عن طريق إستامبول. وكانت الدولة العثمانية — تركيا — في تضعضُعها قد شاع فيها التفكك والانحلال. وكانت غايتي من اختيار هذا الطريق أن أرى أوروبا قبل أن أهبط باريس، وقد يلذ للقارئ أن أروي له ثلاث حوادث وقعت لي في السفر لا تزال بارزة في ذهني: أولها أنه كان يرافقني في قمرة الباخرة موظف تركي كان قادمًا من اليمن إلى إستامبول، وكان يعرف العربية، وكان يعين مساءه بشرب زجاجة من العرق، ويعين صباحه بملء فمه ماء ثم ينفخ طربوشه نفخًا من فمه ويمسحه بعد ذلك. وكنا نتحدث كثيرًا عن السياسة التي كان يفيض ويصرح في شئونها عقب الكئوس الأولى من العرَق. وكان يسب اليمنيين والعرب عامة. وكانت الباخرة قد قامت من بورسعيد تقصد إلى المواني الشرقية على البحر المتوسط وتلبث في كل منها نحو ثلاث أو أربع ساعات. فكنا ننزل للتفرج. فلما بلغنا أزمير اقترح عليَّ أن يرافقني وأن نستأجر عربة لرؤية المدينة. فلما واجهنا العربات على رصيف الميناء جعل يسأل الحوذية بلغته التركية عن أسمائهم، فطلبت منه أن يخبرني عن السبب لهذه الأسئلة، فأجابني: «أسأل كي أعرف إذا كان مسيحيًّا أم مسلمًا؛ لأننا يجب ألا نركب إلا مع حوذي مسلم.» ولم يكن يعرف أني مسيحي. وبصرت عندئذٍ بإحدى المشكلات التي أدت في النهاية إلى موت السلطنة العثمانية؛ إذ ليس شك أن الأقليات من العرب والأرمن — لما نالها من عسف — حطمت بنيان هذه السلطنة؛ لأن هذا التعصب الديني كان يرافقه تعصب عنصري آخر ضد العرب. كما نعرف نحن ممَّا فعله الشريف حسين الذي ألَّب العرب وانضم إلى الإنجليز وحارب الأتراك في الحرب الكبرى الأولى.

والحادثة الثانية أني وأنا في إستامبول دخلت قهوة تركية كان دخان النارجيلات قد انعقد فيها بحيث لم يكُن الداخل ليستطيع التنفس أو رؤية السقف. وصدمني هذا الجو فارتددت بعد أن فتحت الباب. وعدت إلى الشارع. ولكني تأملت وقلت في نفسي يجب أن أعرف هذا الوسط التركي بعيوبه وميزاته. ورجعت إلى القهوة وقعدت، وأنا من الأصل أكره الدخان. وظني أني على «استهداف» طبي منه، مثل أولئك الذين يستهدفون لهباء القطن أو القمح أو عطور بعض الأزهار. ولم يمضِ عليَّ بهذه القهوة نصف ساعة حتى شعرت بغثيان فخرجت وقِئْتُ في الشارع، وقصدت إلى الفندق وأنا في غاية الكرب في الرابعة بعد الظهر، وآويت إلى الفراش، وفي رأسي ضَرَبان كأن مطرقة تدق دماغي، وتورمت الغدد في عنقي، ولم أُفِقْ إلا في صباح اليوم التالي، وكان واضحًا أني تسممت بدخان هذه القهوة.

أما الحادث الثالث فهو رؤية السلطان عبد الحميد وهو يقصد من قصره إلى المسجد لصلاة الجمعة، وكنَّا نحن المتفرجين قد اصطففنا على الطريق وأمامنا الجنود الأتراك في صف عسكري. وكانت المدافع تطلق قنابلها والنواقيس تدق في المسجد، على غير مألوفنا في مصر. والمؤذن يهتف باللغة العربية، ويدعو إلى الصلاة. وخرج عبد الحميد في عربته وكان قد تجاوز الشيخوخة إلى الهرم المتحطم، فكان منحنيًا يكاد رأسه يلمس ركبتيه. وكانت العربة تسير على مهلٍ وهتاف القائد: «بادي شاه شوك يشا.» يبعث في كل منا حماسة تاريخية وإن تكُن غير ديمقراطية. ولكن أفسد علينا هذه الحماسة التاريخية منظر آخر هو ضابط شركسي كان واقفًا قريبًا منَّا، وكان غاية في جمال الوجه وفتنة القوام، وزادت هذا الجمال شكته العسكرية الزاهية. وكان إلى جنبي وخلفي سيدات أجنبيات فأخذت عيناي تتجسس عليهنَّ كي أرى وقع هذا المنظر فيهن، وكان ما توقعت؛ فقد تركت أعينهن عبد الحميد وتجمعت نظراتهن في بؤرة مفردة هي هذا الضابط الشركسي. وهكذا انتصر عرش الجمال والشباب على عرش السلاطين الأتراك.

وقطعت الطريق من إستامبول إلى باريس على مراحل قصيرة كي أرى العواصم الأجنبية حتى استقررت في باريس. وسأروي في فصل آخر ماذا رأيت في فرنسا. وكنت قد تركت مصر عقب خروج كرومر الطاغية الإنجليزي الذي عاث وعربد في كياننا الاقتصادي والسياسي، وعطَّل بلادنا من التطور، وكان السبب لخروجه فظيعة دنشواي التي فضحت الاستعمار البريطاني في جميع أنحاء العالم المتمدن.

ولم يُكتب إلى الآن في اللغة العربية تاريخ كرومر؛ فقد كان هذا الرجل جاهلًا يتشدق بعبارات لاتينية أو إغريقية قديمة، ولا يعرف شيئًا من العلوم العصرية الجديدة. ولما ترك مصر استخدمته مجلة «اسبكتاتور» في لندن لكتابة النقد للكتب السياسية الجديدة. وكنت أقرأ مقالاته هذه وأنا في لندن فلا أجد نورًا أو معرفة، ولكن حذلقة لغوية جوفاء وآراء سخيفة مُغْرِضة. وكان استعماريًّا مسرفًا في الاستعمار، فمنع التعليم، وخاصة تعليم المرأة، وقتل الصناعة المصرية، وأحال القطر المصري إلى عزبة للقطن. ولما أصر السر هنري كامبل بانرمان رئيس وزارة الأحرار على طرده من مصر عقب فظيعة دنشواي وقف في دار الأوبرا يودع أصدقاءه الإنجليز وأعداءه المصريين فقال هذه الكلمات التالية التي تدل على حنقه وعجزه، وذلك في ٤ مايو من ١٩٠٧:

أخاف أن أكون قد أتعبتكم أيها السادة بطول الكلام، ولكن ما قلته إلى الآن كان عن الماضي، فإذا تكرمتم عليَّ بالإصغاء فإني أقول شيئًا عن المستقبل.

ما هي حقائق الحال المصرية الآن؟ أولها أن الاحتلال البريطاني سيدوم إلى ما شاء الله. وقد قالت لنا حكومة صاحب الجلالة الملك ذلك رسميًّا. والثاني أنه ما دام الاحتلال البريطاني باقيًا فالحكومة البريطانية تكون بالضرورة مسئولة عن الخطة التي تجري عليها الحكومة المصرية. ولا يكونن عند أحد أقل ريب في هذه الحقيقة الثابتة. والنتيجة التي أستخلصها من هذه المقدمة أن نظام الحكم الحاضر دائم.

وإذا كانت هذه الكلمات تدل على حَنَقِهِ فإنها أيضًا توضح سياسته التي اتبعها في مصر.

وجاء بعد كرومر من يدعى جورست، وكان قد أدرك أن الخديوي عباس يرأس الحركة الوطنية ويؤيد مصطفى كامل في جهاده الوطني، وأراد أن يجتذب الخديوي إلى الإنجليز، فاخترع ما كان يسمى «سياسة الوفاق»؛ أي إن الإنجليز يجدون المحالفة مع الخديوي أَسْوَسَ له وأنفع لمصالحهم من الخلاف المستمر والتصادم بينهم وبينه. وكان ما أراد جورست؛ فإن الخديوي تنكَّر لمصطفى كامل بعدما أُطلِقت يد الخديوي في «نظارة» الأوقاف، بل أصبح يناوئ حزب الأمة الذي كان يطالبه بالدستور. وكان أحمد لطفي السيد قد أصدر — بمعاونة بعض الأعيان — «الجريدة»، وجعل رسالتها الأولى الدعوة إلى الدستور. وكان من وقتٍ لآخر يحمل على الخديوي لأنه تُتاح له الفرصة لمنح الدستور ولكنه لا يمنحه. ووقعت البلاد من هذا «الوفاق» بين عميد الاستعمار البريطاني وأمير البلاد في هاوية من اليأس. وتوطدت الصداقة بين عباس باشا وجورست حتى إنه عندما مرض هذا سافر إليه الخديوي وزاره في لندن وهو في فراش الموت كما سبق أن ذكرتُ.

ثم كان هذا الانبعاث الوطني الجديد في الأمة، فعمد جورست إلى مناورة استعمارية أخرى هي إيجاد الخلاف والشقاق بين المسلمين والأقباط. فكان الموظفون الإنجليز يُحرِّضون الأقباط من ناحية على المسلمين ثم يعودون فيحرضون المسلمين من ناحية أخرى على الأقباط. وشرعت المصالح الحكومية تُخرِج إحصاءات غير مطلوبة كي تبين عدد الموظفين من القبط والمسلمين. وشرع كل فريق يعقد المؤتمرات ويطالب بطلبات كأن مصر لم يعُد لها طلبات قبل الإنجليز المعتدين علينا جميعًا، وإنما صار كل ما نطمع فيه أن يطلب المسلمون من الأقباط ترك هذه الوظائف أو تلك، ويطلب الأقباط من المسلمين هذا الحق أو غيره. وهكذا انتهى جورست إلى «تهنيد» مصر. وسعد الإنجليز وشقِينا نحن ونسِينا الدستور ونسِينا الاستقلال. وخيَّم الشر على الأمة؛ حتى إن كاتبًا يُدعى عبد العزيز جاويش كتب في اللواء جريدة الحزب الوطني يقول في رعونة إن المسلمين كانوا يستطيعون أن يصنعوا نعالًا من خدود الأقباط …

وعاشت مصر أيامًا سودًا اغتبط فيها العدو وابتأس الصديق. وقُتِلَ بطرس غالي باشا رئيس الوزراء فحُمِلَ قتله على أنه ثمرة التعصب الديني. وهكذا تحققت الأسطورة التي اخترعها إدوارد جراي وزير الخارجية البريطاني كي يبرر بها فظيعة دنشواي وهي أن التعصب الإسلامي قد فشا في مصر وعم أفريقيا الشمالية. واستغل المستعمرون هذه الأسطورة.

ومات جورست قبل أن ينال جميع الثمرات التي كانت ينتظرها من الوقيعة التي غرسها بين الأقباط والمسلمين. وجاء بعده كتشنر — وكان عسكريًّا فظًّا غليظ العقل يحمل حقدًا قديمًا على الخديوي — وبقي إلى ١٩١٤، وكانت غايته محو الحركة الوطنية وضم مصر إلى الممتلكات البريطانية. وسار سيرة الضغط والعداء للأمة والخديوي، وأفشى التجسس في الحكومة، وأرسل بعثة مصرية إلى موسكو كي يتعلم رجالها طرق التجسس التي كانت تستعملها حكومة القيصر نيقولا في مكافحة الأحرار الروس حتى تصل إلى شنقهم أو نفيهم إلى سيبريا. وأقام قلعة تحت ستار ثكنة في ميدان باب الحديد لا تزال قائمة إلى الآن وعلى كل زاوية منها مزاغل من الحديد. وكنت أقرأ هذه الأخبار في الجرائد التي واظبت على الاشتراك فيها وأنا بفرنسا وكلي يأس واغتمام. وكانت تصل إليَّ أيضًا خطابات خاصة من أقاربي وأصدقائي الأقباط وهم حانقون على إخوانهم المسلمين، وخاصة لهذا المقال البذيء الذي كتبه ذلك الكاتب الشاطح عبد العزيز جاويش عن خدود الأقباط تُصنَع نعالًا، في نقاش صحفي بين جريدتي اللواء والوطن.

ولكن مع هذا الظلام الذي عم مصر فيما بين ١٩٠٧ و١٩١٢ كانت هناك أشعة من نور؛ منها الدستور الذي دأب حزب الأمة ولسانه «الجريدة» في المطالبة به، ومنها هذا التطور الملحوظ في الوطنية المصرية، والفضل فيه أيضًا للجريدة وأعني به الانتقال من الوطنية العثمانية إلى الوطنية المصرية البحتة. وقد كانت هناك تطورات أخرى غير ملحوظة لأنها سارت في هدوء؛ فقد رأيت مصر سيدة مصرية تكتب في الجرائد باسم «باحثة البادية» هي ابنة المرحوم حفني ناصف، بل رأيت أيضًا الآنسة نبوية موسى تنجح في نيل الشهادة الثانوية على الرغم من معارضة دنلوب لها ومنعها من التقدُّم للامتحان في السنة الأولى. ومن التطورات غير الملحوظة أن الثروة انتقلت من العائلات التركية إلى العائلات المصرية؛ وذلك لأن أبناء الأتراك قنعوا بثرواتهم الموروثة ولم يتعلموا، في حين أقدم الشبان المصريون على التعلُّم، فصار منهم الأطباء والمحامون والمهندسون وعامة الموظفين. وكان هذا انتصارًا عظيمًا للعنصرية المصرية. والقراء الذين ألِفوا رؤية وزراء من المصريين فيما بين ١٩٢٠ و١٩٤٧ قد يتعجَّبون حين يعرفون أن المصري القُح لم يكُن يُعين وزيرًا إلا نادرًا، بل نادرًا جدًّا، قبل ١٩٠٠. وكان بطرس غالي باشا أول رئيس وزراء مصري للوزارة منذ الاحتلال البريطاني. كما أن فرح الأمة باختيار سعد زغلول باشا وزيرًا للمعارف في وزارة بطرس باشا كان يرجع بعضه إلى أنه مصري العنصر. والتفاتي هنا إلى هذا الموضوع يدل القارئ على أننا منذ بداية هذا القرن كُنَّا على وجدان بالعنصرية المصرية. وقد ضعف هذا الوجدان بتقهقر السلالة التركية في الوظائف الحكومية.

وعدتُ إلى مصر بعد قضاء سنة في فرنسا في ١٩٠٩، وأذكر أني حين نزلت في الإسكندرية سارعت إلى قطع التذاكر عند شركة كوك لرؤية مدن الصعيد إلى الأقصر. وقضيت شهرين أتنقل من بلدة إلى أخرى أدرس الآثار المصرية. وكان الباعث المُؤلم بل المُخزي على هذه الرحلة أني لم أكُن ألقى واحدًا في أوروبا إلا وكان يفاجئني بالسؤال عن تاريخ الفراعنة الذين كنا نجهلهم تمام الجهل؛ لأن الإنجليز كانوا يشعرون أن هذا التاريخ الذي يشتعل مجدًّا وعظمة يجب ألَّا يعرفه أبناء الفراعنة في القرن العشرين لئلَّا يشتعل فيهم مثل هذا المجد أيضًا فيطلبون الاستقلال. ومنذ ذلك الوقت وأنا أهتم بالفراعنة وثقافتهم، وكان كتابي «مصر أصل الحضارة» ثمرة هذا الاهتمام.

وعدت إلى القاهرة بعد هذه الرحلة. وكانت الحركة الوطنية على أشُدِّها، فكانت هناك المظاهرات من الطلبة، كما كانت هناك الصحف التي تطالب الإنجليز بالجلاء والخديوي بالدستور والشعب بالنهوض. فكتبت أنا بعض المقالات في اللواء جريدة الحزب الوطني. وكان يرأس التحرير فيها المرحوم عثمان صبري. وكان رجلًا حكيمًا عرف الهُوَّةَ التي أردى فيها عبد العزيز جاويش الأمة حين وصف خدود الأقباط بأنها تُصنع نعالًا فشرع يستصلح ويسترضي ويضع الوفاق مكان الشقاق. ودعاني إلى التحرير. وكان من أعظم ما طربت له أني وجدت هناك فرح أنطون صاحب الجامعة التي وجدت فيها الثقاب الذي أشعل في نفسي الرغبة في درس الآداب الأوروبية. وقد انتفعت كثيرًا بصحبة فرح أنطون في ذلك الوقت؛ فإني — زيادة على ما كنت أستمتع به من حديثه في الصباح — كنت أجتمع به في المساء في إحدى القهوات بميدان الأوبرا. وكان فرح جميل الطلعة عصري الذهن أوروبي التفكير، يكره الأتراك والإنجليز على السواء. وكان مسامرًا يتنقَّل من الأدب إلى السياسة ولا تفوته النكتة العالية والاقتباس الفريد.

وكان المندوبون الإنجليز — كرومر وجورست وكتشنر — سواء في الغاية وهي استغلالنا ونهب أموالنا. ولكنهم كانوا يختلفون في الوسيلة. فقد كان كرومر لوردًا لا يُعَدُّ هتلر شيئًا في جانبه من حيث الاعتقاد بأن الآريين يفضلون الآسيويين والأفريقيين. وكان يصر على مظاهر السيادة البريطانية في كل شيء، بحيث كان يصرح بأنه يجب على الرئيس المصري أن يخضع للمرءوس الإنجليزي. وكان لكل وزارة «مستشار» هو في حقيقته وزير يتصرف كما يشاء، وليس على رؤسائه سوى الخضوع. وأستطيع أن ألخص سياسته كما أذكرها الآن فيما يلي:
  • (١)

    قتل الصناعة المصرية قتلًا تامًّا بحيث لا يجوز لمصري أن يُنشئ مصنعًا؛ إذ على مصر أن تستورد جميع المصنوعات من إنجلترا، بل من غير إنجلترا إذا اقتضى الأمر ذلك؛ حتى لا يتعلم المصريون شيئًا من الثقافة الصناعية.

  • (٢)

    إحالة القطر المصري كله إلى عزبة للقطن، كأنه ضاحية زراعية لمصانع لنكشير. وتوجيه نشاط الحكومة كله إلى هذه الغاية. حتى فَقدت كلمة «مشروعات» معناها اللغوي عند الحكومة وأصبح معناها الوحيد زيادة المياه للري حتى تزيد مساحة الأرض التي تزرع قطنًا. وكانت هذه الزيادة في المياه السبب في تَفَشِّي البلهارسيا والأنكلستوما واستشباع التربة بالماء حتى وهنت.

  • (٣)

    قصر التعليم وتحديد عدد المدارس لتخريج الموظفين للحكومة فقط، وذلك بعد قصر نشاط الحكومة على مهمة واحدة هي زراعة القطن.

  • (٤)

    المحافظة على تقاليدنا التي ورثناها من القرون المظلمة وكانت تؤخرنا، وأهمها بقاء البرقع والحجاب للمرأة وتثبيط تعليمها. وقد اتبع من جاءوا بعده هذه الخطط كلها، حتى إننا لم نؤسس مدرسة ثانوية للبنات إلا في ١٩٢٥.

أما جورست فكان بعيدًا عن صراحة كرومر، ولكنه كان يسير في الخطة نفسها من حيث تثبيط التعليم ومنع الصناعة وزيادة الزراعة القطنية. وزاد على ذلك الوقيعة بين المسلمين والأقباط. وزاد أيضًا حبًّا متبادلًا بينه وبين الخديوي عباس على حساب الشعب.

أما كتشنر فقد عاد إلى صراحة كرومر. وكان يكره الخديوي عباس كراهة شخصية، ولم يكن فيه من الميزات السياسية ما يُمَكِّنُهُ من إخفاء هذه الكراهة. وكان صغيرًا في أساليبه شرسًا في مبادئه الإمبيريالية؛ فقد أراد الخديوي عباس حوالي ١٩١٣ أن يزور بعض المدن، وكان الأعيان يستقبلونه على المحطات، فكان من صَغار كتشنر أنه عندما كانت القهوة توشك أن تُقدم على المحطة يصفر القطار ويطير في سرعة مفاجئة فيرتبك الخديوي ويضطرب المستقبلون ويعم الهرج. وكان هذا الصَّغَار يلذُّ لكتشنر. وقد ذكر هذه القصة جورج لويد مع الإعجاب؛ لأن هذا الأخير كان — نفسًا وذهنًا — لا يختلف عن كتشنر صَغارًا وانحطاطًا.

وقد كانت شهرة كتشنر حربية؛ ولذلك كانت له الكلمة العليا في الحرب الكوكبية الأولى. وقد عانى الإنجليز أعظم خسائرهم باستماعهم لمشورة كتشنر الذي أوصى بإنفاذ حملة إلى الدردنيل كانت من بدايتها لنهايتها خسارًا فادحًا للإنجليز وهزائم متوالية منكرة.

ولم أَبْقَ سوى بضعة أشهر في اللواء جنيت فيها مرانة حسنة على الكتابة وبعض الدراية عن الشئون الداخلية في مصر. ثم سافرت إلى فرنسا عن طريق سويسرا التي تركت لي أجمل الذكريات النفسية عن جبالها وبحيراتها ومدنها وناسها وحريتها وثقافتها.

وكنت وأنا بفرنسا أتتبع الجهاد الوطني في مصر وأشترك في معظم الجرائد والمجلات. ووجدت في «الجريدة» نزعة وطنية جديدة خلاصتها أن الجهاد يجب أن يتركز في بؤرة وطنية هي أن مصر للمصريين وليست للإنجليز أو الأتراك. وأن الشعب يجب أن يحكم نفسه بدستور حتى لا يترك الخديوي حاكمًا مطلقًا للبلاد. وقد أدت هذه الدعوة إلى تقهقر الحزب الوطني، وإلى اعتناق الأقباط للوطنية المصرية التي كانوا قبل ذلك يتوجَّسون منها ويخشون أن تكون وطنية تركية لمصلحة السلطنة العثمانية.

وأخذت الحركة للمطالبة بالدستور تنتشر وتعُم الأمة، وأصبح الخديوي بعيدًا عن الحركة الوطنية إن لم يكُن مناهضًا لها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠