الفصل الثالث

السياسة البيئية: اختيار الأدوات

سِرْ في أي من الشوارع الرئيسية في المملكة المتحدة، وستقابل قطارًا من المتسوقين المتقدمين باتجاهك حاملين ما اشتروه في أكياس تسوق بلاستيكية مميزة؛ أكياس برتقالية من متجر سينسبري، وأخرى خضراء من ماركس آند سبنسر، وأخرى بيضاء قابلة للتحلل الأحيائي من متاجر كو أوب. ولكن إذا تجولت في الشوارع التجارية الرئيسية في دابلن — بجمهورية أيرلندا — فسيكون من الصعب جدًّا تخمين المتاجر التي قصدها المستهلكون. سترى مزيجًا متنوعًا من الحقائب؛ العديد منها لا يحمل علامة تجارية وأكثر تحملًا من الحقائب البلاستيكية الخفيفة التي توفرها متاجر المملكة المتحدة الكبرى، وبعضها يبدو جليًّا أنه استُخدم من قبل في رحلات تسوق سابقة.

يرجع سبب الاختلاف إلى فرض ضريبة؛ ففي عام ٢٠٠٢، فرضت الحكومة الأيرلندية ضريبة بقيمة ١٥ سنتًا على حقائب التسوق البلاستيكية التي كانت المتاجر توفرها لمستهلكيها قبل ذلك مجانًا. كان الهدف من ذلك هو التخلص من المشهد المقزز للأكياس الملقاة في الضواحي، ومنع إهدار الموارد وتبديدها دون داعٍ. لقيت الضريبة دعمًا شعبيًّا واسعًا؛ وفي الواقع يرى الخبير الاقتصادي الأيرلندي فرانك كونفري أنها قد تكون أكثر الضرائب التي استحسنها الناس في أوروبا. وكان لها تأثير جذري، حيث قللت عدد الأكياس البلاستيكية المستخدمة بنسبة ٩٠٪ بين عشية وضحاها. وقد أثبت هذا التغيير أيضًا نجاحه. كان مبلغ الخمسة عشر سنتًا كافيًا ليثني المتاجر عن إعطاء عدد غير محدود من الأكياس مجانًا، ولما كان أصحاب المتاجر قد حمَّلوا المستهلكين عبء الضريبة عن كل حقيبة يأخذونها، شجع هذا العديد من العملاء على إحضار حقائبهم الخاصة.

الضريبة الأيرلندية على الأكياس البلاستيكية ما هي إلا مظهر من مظاهر الطرق التي بدأت الحكومات تنتهجها، حيث تستخدم الضرائب وغيرها من السياسات القائمة على الحافز للتشجيع على السلوك «النظيف». وشهد العقدان الأخيران اهتمامًا بالغًا ومفاجئًا بمجال استخدام السياسات البيئية القائمة على الحافز — وهو ما يُطلق عليه اسم «آليات السوق» — ويشمل ذلك الضرائب على أماكن مدافن القمامة والسفر جوًّا والبطاريات المسببة للتلوث ومبيدات الآفات ومصادر الطاقة القائمة على الكربون وعلى العديد من الانبعاثات الملوِّثة الصادرة عن الصناعة، إضافة إلى تخفيض الضرائب على وقود السيارات الأكثر نظافة والمركبات الأقل تلويثًا والمواد الموفرة للطاقة، ومخططات تداول حقوق إطلاق انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت وسعة أماكن مدافن القمامة وثاني أكسيد الكربون والكثير غيرها.

أيد خبراء الاقتصاد هذا النهج بحماس شديد، باعتباره طريقة لإيجاد حلول لبعض المشكلات البيئية الجديدة التي نواجهها، وباعتباره أيضًا تعديلًا محتملًا طرأ على بعض النهج الأقدم التي تناولت موضوع التنظيم البيئي. فعلى سبيل المثال أدى التنظيم التقليدي للتلوث الصناعي على طريقة «القيادة والتحكم» — الذي يقتضي أن يستخدم مسببو التلوث أنواعًا معينة من أجهزة مكافحة التلوث أو يضعوا حدودًا لانبعاثاتهم الملوِّثة — إلى تحسينات هائلة في العديد من المشكلات البيئية على مدار العقود الماضية. لكن يعتقد مؤيدو آليات السوق أن التنظيم التقليدي ترتبت عليه تكاليف غير مستحقة كما اتسم بعدم المرونة، ويرون أن ذلك النهج القائم على الحافز — باستخدام الضرائب البيئية أو تبادل حقوق إطلاق الانبعاثات مثلًا — له بعض المزايا الكبيرة. كانت المزايا النسبية لهذين النهجين حول السياسة البيئية بؤرة اهتمام حوار ساخن دارت رحاه على مدار العقدين الماضيين في كلا الوسطين الأكاديمي والسياسي.

يوضح سلوك المتسوقين — رغم الضريبة الأيرلندية على الأكياس البلاستيكية — إحدى أهم القضايا المطروحة على المحك؛ كان يمكن تحقيق نسبة انخفاض أكبر في استخدام الحقائب البلاستيكية باتباع وسيلة بسيطة؛ وهي إصدار قانون يحظر استخدامها إطلاقًا. لكن هذا كان سيفرض تكاليف باهظة جدًّا من حيث التسبب في مضايقات لبعض المتسوقين. ففي حين يستطيع كثير من المتسوقين إحضار حقائب قديمة وحقائب قابلة لإعادة الاستخدام كافية لوضع بقالتهم فيها، سوف يتسبب الحظر التام في مضايقات شديدة للذين يشترون كميات أكبر من المعتاد أو الذين يضطرون لتسوق مفاجئ، أو ببساطة الذين كثيرًا ما ينسون أو يهملون. وضريبة الخمسة عشر سنتًا وسيلة بارعة تشجع المتسوقين على عدم أخذ حقائب بلاستيكية وهم يستطيعون استخدام وسيلة بديلة أو حمل مشترياتهم بدون أي حقائب على الإطلاق، وهي في الوقت نفسه صمام أمان للذين يكتشفون أنهم يشترون سلعًا دون أي حقائب متاحة. والفكرة هي أن الأسعار تمنح مرونة، حيث تشجع التغييرات السلوكية عندما تكون منخفضة نسبيًّا، مع عدم إكراه الجميع على فعل هذا، وهي فكرة محورية في الحجة التي تؤيد استخدام آليات السوق في السياسة البيئية.

التنظيم البيئي القائم على «القيادة والتحكم»

عادة ما يوظف النهج التقليدي المتبع في التنظيم البيئي — الذي يُطلق عليه «القيادة والتحكم» انتقادًا له — القوانين أو الإجراءات التنظيمية الأخرى لفرض تغييرات على سلوك مسببي التلوث. ويمكن أن يتخذ هذا التنظيم عددًا من الصور كما يلي:

  • قد يُفرض على الشركات استخدام تقنيات معينة لخفض التلوث. ففي أغلب الدول الأوروبية على سبيل المثال، قضت تشريعات الأمطار الحمضية التي نفذت متطلبات التوجيه الأوروبي الخاص بمنشآت الحرق الضخمة بتركيب أجهزة تنقية غازات المداخن من الكبريت في محطات الطاقة الجديدة، وبإدخال تكنولوجيا إزالة الكبريت من غاز المداخن في بعض محطات الطاقة القائمة.

  • يمكن وضع حدود للتركيزات الملوِّثة في تدفقات النفايات السائلة. فعلى سبيل المثال، يمكن قصر مياه الصرف التي تخلفها منشأة صناعية على ما لا يتجاوز «س» جزء من المليون من الزئبق.

  • تستطيع الجهة التنظيمية فرض قيود على إجمالي الانبعاثات السائلة الناتجة عن مصادر معينة خلال فترة زمنية معينة. على سبيل المثال، يتحكم النظام القومي لإزالة مصادر تفريغ الملوثات التابع لوكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة الأمريكية في الانبعاثات الملوِّثة من النفايات السائلة العضوية والسامة؛ لمنع تسربها إلى البحيرات والأنهار من المصادر الصناعية والمحلية، عن طريق إصدار رخص تحدد عادة كلًّا من متوسط كمية المخلفات المسموح بها شهريًّا والحد الأقصى للمخلفات يوميًّا، ويُجرى تحديد كل منهما من حيث كمية كل مادة ملوِّثة يمكن إطلاقها خلال الفترة الزمنية المحددة. وحيث إن الحدود القصوى المسموح بها يوميًّا أعلى من متوسط الحد المسموح به شهريًّا، يسمح هذا بوجود تباين محدود في مستوى الانبعاثات اليومي.

يتمثل أحد الاعتبارات المهمة التي يجب مراعاتها عند الاختيار من بين هذه الصور المختلفة والمتنوعة من التنظيم في طبيعة التأثير الذي يطول البيئة؛ فعلى سبيل المثال، تتسم الحدود الشهرية أو السنوية بمنطقية أكثر إذا كان الضرر الناجم عن التلوث يعتمد على إجمالي كمية الانبعاثات التي تتراكم في البيئة على مدار هذه الفترة، وتتسم بقدر أقل من المنطقية إذا كان الضرر البيئي يتباين من يوم لآخر تبعًا للاختلافات اليومية في الانبعاثات.

إن فرض الامتثال مسألة أخرى مهمة. فإذا كانت إجراءات التنظيم تقتضي تركيب تقنيات معينة، فقد تفي زيارة تفتيش بسيطة بغرض التحقق من تركيب المنشآت الخاصة للأجهزة المطلوبة. فالتحقق مما إذا كانت الأجهزة مشغلة بالفعل وتعمل بكامل طاقتها لا يمكن إجراؤه بهذه السرعة ودون تكاليف باهظة، وإذا كان تشغيل الأجهزة أمرًا باهظ التكاليف — ومن ثم من المغري تركها متوقفة لزيادة الأرباح — فقد يتطلب الأمر المزيد من زيارات التفتيش المتكررة. في حين يفرض التنظيم عن طريق القيادة والتحكم قيودًا على تركيزات المواد الملوِّثة في التدفقات السائلة، وقد يصبح من الممكن تحقيق مستوًى جيد من الامتثال عن طريق إجراء فحوصات غير معلنة من وقت لآخر على مستويات الملوِّثات، طالما كانت هذه الفحوصات تدعمها عقوبات صارمة بما يكفي لردع الوحدات التي يُكتشف أنها تتجاوز الحدود المسموح بها. وعلى الجانب الآخر، قد يستلزم تعيين حد لإجمالي الانبعاثات الشهرية أو السنوية اتباع نهج مراقبة مختلف تمامًا وقائم على القياس المستمر لمستويات الانبعاثات. فيما مضى، كان التسجيل المستمر لتدفقات مخلفات المداخن أو أنابيب الصرف باهظًا وشاقًّا، لكن التطورات التكنولوجية الأخيرة فتحت الآفاق أمام هذا النهج.

لا يجب أن تكون التكاليف التي تتحملها الجهة التنظيمية أو الظروف التي تناسبها هي الاعتبارات الوحيدة التي تُراعى في وضع التنظيم. فالتكاليف التي تتحملها الشركات الخاضعة للتنظيم على القدر نفسه من الأهمية من وجهة النظر الاجتماعية؛ بما في ذلك تكاليف الخفض اللازمة للوفاء بمقتضيات التنظيم، وتكاليف الامتثال نظير أي ترتيبات تُتخذ بغية المراقبة والتطبيق. تُحسب لموارد رأس المال والقوة العاملة التي تُستخدم في هذه الأنشطة — شأنها شأن الموارد التي تستخدمها الحكومة في التنظيم — تكلفة الفرصة الضائعة في صورة السلع والخدمات القيِّمة التي كانت هذه الموارد ستنتجها بوجه آخر. يناقش القسم التالي الأسباب التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن تكاليف الخفض ستكون أقل — عند مستوى معين من جودة البيئة — إذا وُظفت آليات السوق بدلًا من النهج التقليدي المتمثل في التنظيم عن طريق القيادة والتحكم. ولا يتضح جيدًا ما إذا كانت تكاليف المراقبة والامتثال التي تتحملها الشركات ستكون أقل في حالة استخدام نهج معين أو غيره. ولكن على كل حال، سيكون على السلطات تولي أنشطة التطبيق والمراقبة بتوظيف سياسات بيئية من كل الأنواع — لا يكفي أن نمرر قوانين ونركن إلى ثقتنا في أنها ستُنفذ — ويجب أخذ التكاليف التي تتحملها الشركات نتيجة الالتزام بأنشطة التطبيق هذه بعين الاعتبار.

الحجة الداعمة لآليات السوق

الضرائب البيئية وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات هما أبرز فئات «الأدوات البيئية» (أو «آليات السوق») وأوسعها انتشارًا في السياسة البيئية. والعامل المشترك بينهما هو أن الأشخاص الذين يتخذون قرارات تؤثر في مستوى التلوث يواجهون حافزًا ماليًّا يحثهم على خفض الانبعاثات. وأبسط مثال على هذا هو الضريبة البيئية أو الرسوم المفروضة مباشرةً على كل طن من الانبعاثات الملوِّثة. ومع هذه الضريبة، يدفع المتسبب في التلوث «سعرًا» مقابل كل طن من الانبعاثات، ونتيجةً لهذا يحقق مكسبًا عندما يتخذ إجراءً لتقليل الانبعاثات، عن طريق تقليل الضرائب المدفوعة. والأمر بالمثل في حالة نظام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. وإذا اقتضت القواعد أن يتنازل مسببو التلوث عن حصة انبعاثات واحدة مقابل كل طن يحدثونه من التلوث، فلا بد أن يدفعوا مقابل الحصول على الحصص المطلوبة لكل طن من التلوث، ويمكنهم التوفير في شراء الحصص — أو بيع فائض الحصص لديهم — متى اتخذوا إجراءات لتقليل الانبعاثات.

السمة المميزة في هذه الصورة من صور التنظيم — وتشاركها فيها كلٌّ من ضريبة التلوث ورخص التلوث القابلة للتداول — هي أن التلوث يحمِّل المتسبب في التلوث تكلفة باهظة؛ بمعنى أنه يتوجب عليه دفع الضريبة أو استخدام الرخص، وهذه التكلفة توفر حافزًا للتغيير في سلوك مسبب التلوث.

السياق المباشر الذي يمكن فيه استعراض خصائص آليات السوق البيئية هو مسألة الضريبة أو الرسوم المفروضة على الانبعاثات الملوِّثة التي يناقشها هذا القسم. وفي جزء لاحق من هذا القسم، سيتطرق التحليل لتناول استخدام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. ومن حيث العديد من النواحي المهمة، يعمل تداول حقوق إطلاق الانبعاثات بصورة مشابهة جدًّا للضريبة على التلوث؛ ومن نواحٍ أخرى يثير مشاكل جديدة ومختلفة.

ثمة نقطة تجدر هنا الإشارة إليها في البداية؛ إن الحجج التي تؤيد استخدام آليات السوق بدلًا من التنظيم التقليدي بطريقة «القيادة والتحكم» مستقلة استقلالًا شبه تام عن الأساس الذي تقوم عليه القرارات بشأن مستوى مكافحة التلوث الواجب تحقيقه. سواءٌ كان مستوى خفض التلوث المنشود محددًا بناءً على المقايضة «المقتصدة» بين تكاليف الخفض الحدية والضرر البيئي الحدي — كما ناقشنا في الفصل الثاني — أم بناءً على فكرة عابرة لأحد الساسة، أم قائمًا على أي أساس آخر، فلا يؤثر هذا في حد ذاته بأي صورة على اختيار الأدوات. تسري المزايا النسبية للأدوات المختلفة لمكافحة التلوث (بصفة عامة) بغض النظر عن الكيفية التي جرى بها تحديد هدف مكافحة التلوث. الاستثناء الجلي الوحيد لهذه القاعدة هو الحالة النادرة جدًّا التي يُتخذ فيها قرار بخفض الانبعاثات إلى الصفر؛ وفي هذه الحالة يكون الحظر التام هو الحل المنطقي، ولن تكون هناك منفعة كبيرة من وراء التفكير في الضرائب أو بدائل التداول.

آليات السوق: بعض الأمثلة

الضرائب والرسوم على الانبعاثات

  • الرسوم المفروضة على انبعاثات أكاسيد النيتروجين الصادرة عن المراجل الصناعية الضخمة في السويد (١٩٩٢).

  • الرسوم على تلوث المياه الصناعية في هولندا وفرنسا.

  • «ضرائب مدافن القمامة» المفروضة على التخلص من النفايات في المملكة المتحدة والنمسا وهولندا والنرويج وبلجيكا، إلخ.

الضرائب البيئية على المنتجات

  • تعكس الضرائب الباهظة على وقود المحركات (البنزين والديزل) التكاليف البيئية والازدحام وغيرها من التأثيرات الخارجية.

  • خفض الضرائب على البنزين الخالي من الرصاص في أغلب الدول الأوروبية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

  • الضرائب على البطاريات في السويد والدنمارك وبلجيكا والنمسا، إلخ.

  • الضرائب على ثاني أكسيد الكربون في الدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا.

  • الضريبة على الأكياس البلاستيكية في أيرلندا (٢٠٠٢).

تداول حقوق إطلاق الانبعاثات/الرخص القابلة للتداول

  • الرخص القابلة للتداول الخاصة بالنفايات الصناعية السائلة المتسربة إلى فرع ملوث من نهر فوكس ريفر في ويسكونسن (١٩٨١).

  • تداول أرصدة خفض الرصاص المسموح بها بين معامل التكرير في الولايات المتحدة (للتخلص تدريجيًّا من البنزين المحتوي على الرصاص)، ١٩٨٢–١٩٨٨.

  • برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية (تداول حقوق إطلاق انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكبريت الصادرة عن محطات الطاقة، بدأ في ١٩٩٥).

  • نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات (للكربون الذي تستخدمه محطات الطاقة والشركات الكبرى، بدأت في ٢٠٠٥).

تكمن قضيتا المرونة والحوافز في لب الحجة الاقتصادية الداعمة لآليات السوق. تتيح المرونة التي تمنحها آليات السوق تحقيق أي مستوى منشود من تحسين البيئة بتكلفة اقتصادية أقل للمجتمع ككل. أو بدلًا من ذلك، فإن استخدام آليات أكثر مرونة بتكلفة أقل لكل وحدة خفض يتيح للمجتمع شراء وسائل لتحسين البيئة أكثر من المتاحة له في ظل الأساليب التنظيمية القائمة. وكما سيتضح لاحقًا، تلعب الحوافز الاقتصادية التي وضعتها آليات السوق دورًا رئيسيًّا في تحقيق منافع المرونة. هذا إضافة إلى أن آليات السوق تخلق حوافز تبعث على الابتكار في مجال تقنيات خفض التلوث التي تمنحنا أملًا في المزيد من التحسينات البيئية على المدى الطويل.

تعمل هذه التأثيرات من خلال عمليات مختلفة تمامًا في إطار المجموعتين الرئيسيتين من آلية السوق التي قدمتها السياسة البيئية على مدار العقود الأخيرة؛ وهما الضرائب البيئية وتبادل حقوق إطلاق الانبعاثات. غير أن المبدأ الأساسي واحد في كلتا الحالتين. فكلتاهما تحددان سعرًا للتلوث. في الحالة الأولى يحدث ذلك بفرض ضرائب على التلوث، وفي الحالة الثانية يحدث عن طريق سعر السوق الذي يجب دفعه نظير الحصول على رخص إطلاق الانبعاثات. هذا السعر يُثني الناس عن إحداث التلوث؛ فعندما يكون الخفض أرخص من السعر الذي يجب دفعه مقابل إحداث التلوث، سيفضل مسببو التلوث أن ينفذوا إجراءات الخفض. وفي الوقت نفسه، يوفر استخدام التسعير بدلًا من التنظيم الجامد الموحد المرونة لمسببي التلوث الذين يدفعون تكاليف باهظة جدًّا مقابل خفض التلوث لأنهم بإمكانهم اختيار دفع السعر — سواء في صورة الضريبة أم تكاليف الرخص — بدلًا من تحمل تكاليف الخفض الباهظة. وبهذه الطريقة يؤدي تسعير التلوث إلى خفض الانبعاثات عندما تكون تكلفة الخفض غير باهظة نسبيًّا، وسيكون في الوقت نفسه صمامَ أمان عندما تكون تكاليف الخفض باهظة للغاية. وإذا كان مستوى السعر المحدد مناسبًا، فستكون إجراءات الخفض الزهيدة أكثر منها في حالة وجود معيار تنظيمي موحد ينطبق على جميع مسببي التلوث، وستكون الحاجة أقل إلى إجراءات خفض باهظة، ليتحقق بذلك مستوى معين من الخفض الإجمالي مقابل تكلفة إجمالية أقل.

يشير خبراء الاقتصاد إلى هذه النتيجة باسم حجة «الكفاءة الثابتة» الداعمة لآليات السوق: تحقق المرونة الناتجة عن تسعير التلوث وليس التنظيم الجامد نتيجة معينة بتكلفة إجمالية أقل. تزداد وفورات التكلفة بزيادة الفروقات في تكاليف الخفض الحدية بين الشركات المختلفة، لأنه تتحقق عندئذ منفعة كبيرة نتيجة إعادة توزيع الخفض على الجهة التي تستطيع تنفيذه بأقل تكلفة. تشير الأبحاث التي أُجريت حول نمط تكاليف الخفض بالنسبة لمشكلات تلوث متنوعة إلى إمكانية كبيرة لتحقيق وفورات في التكاليف عن طريق استخدام آليات السوق. ووفقًا لمجموعة من التقديرات التي جمعها الخبير الاقتصادي الأمريكي توم تيتنبرج، فإن تكاليف مكافحة تلوث الهواء في مواقع عديدة من الولايات المتحدة مع وجود إجراءات تنظيمية موحدة قائمة على القيادة والتحكم، سوف تفوق التكاليف المترتبة على استخدام آليات السوق بما يتراوح بين ١٫٠٧ إلى ٢٢ مرة؛ حيث تحقق الأخيرة نتيجة خفض بأقل تكلفة ممكنة. تشير هذه الدراسات إلى أنه في المتوسط يمكن أن يحقق التوزيع المتقن للخفض جودة البيئة نفسها التي يحققها نظام القيادة والتحكم الموحد، فقط بسدس التكلفة.

لكن من المؤكد تقريبًا أن هذه التقديرات تغالي في المنافع المحتملة. فعادة ما تنجح سياسات القيادة والتحكم في التمييز إلى حد ما بين الشركات ذات تكاليف الخفض المرتفعة والمنخفضة، مثلًا عن طريق فرض شروط على الوحدات الجديدة أكثر صرامةً من تلك المفروضة على الوحدات القائمة (وعادةً ما تكون تكاليف الخفض بموجب هذه الشروط أكثر ارتفاعًا)، رغم أن هذا قد يبطئ معدل إحلال الشركات الجديدة النظيفة محل القديمة المسببة للتلوث. وفي حين تعمل آليات السوق بشكل أفضل من القيادة والتحكم، فلا يُتوقع أنها تستطيع أن تحقق جميع منافع الكفاءة المحتملة.
fig7
شكل ٣-١: فُرضت الضريبة على مدافن القمامة في المملكة المتحدة عام ١٩٩٦، وهي تُدفع مقابل كل طن من المخلفات يجري إلقاؤه في مواقع دفن القمامة، بهدف تشجيع السلطات المحلية والشركات على إيجاد صور بديلة للتخلص من النفايات، وتحقيق استفادة أكبر من إعادة التدوير، والحد من توليد المخلفات.1

سيتوقف الكثير عمليًّا على طريقة استجابة مسببي التلوث للحوافز التي تقدمها ضرائب التلوث أو تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. إن إدراك المنافع الممكنة التي تعود على الكفاءة والتي توفرها في الأساس آليات السوق يمكن أن يُلزم مسببي التلوث بإعادة التفكير جذريًّا في عمليات صنع القرار التي تتضمنها أعمالهم. وتقتضي قرارات الأعمال عالية الكفاءة أن تجمع الشركات بين هندسة الإنتاج والمعلومات التكنولوجية عن خيارات الخفض وتكاليفه، حتى تقارنها بالوفورات التي يمكن تحقيقها في صورة ضريبة مخفضة أو عمليات شراء رخص أقل. قد لا يكون الهيكل التنظيمي الحالي للشركات دائمًا ملائمًا للتعامل مع هذه المشكلات: فقد تُعامل الضرائب مثلًا على أنها مجرد شأن محاسبي، وقد يدفع المحاسبون ببساطة أي فواتير ضرائب مستحقة دون عرضها أبدًا على مهندسي مكافحة التلوث في الشركة. لذلك قد تتطلب الاستجابات الذكية لآليات السوق إجراء تغييرات في السلوك والتنظيم الداخلي للشركات. قد تتكلف هذه التغييرات الكثير، وستمليها على الأرجح أدوات سياسة رفيعة المستوى — لتفرض بذلك تكاليف باهظة — بدلًا من أن تمليها الضرائب البسيطة مثلًا، وهو ما قد يُفقد هذا التغيير المؤسسي جدارته.

تُعد الحجة الداعمة لآليات السوق في جوهرها نقاشًا حول جوانب القصور في القدرة التنظيمية وتشبه إلى حد كبير النقاشات الأعم حول جوانب القصور في التخطيط المركزي — مقابل الأسواق — باعتباره طريقة لتنظيم النشاط الاقتصادي. يبدو جليًّا أن الجهة التنظيمية البيئية التي تحيط بكل شيء علمًا وتمتلك كافة السلطات تستطيع تحقيق نتيجة بيئية تضاهي في جودتها أي نتيجة يمكن تحقيقها عن طريق آليات السوق، وذلك إذا أُخذت في الاعتبار فروقات تكاليف الخفض وفرص مسببي التلوث المختلفين، وأُصدرت توجيهات تنظيمية مختلفة تناسب كل المواقف. لكن الجهات التنظيمية على أرض الواقع تواجه مشكلات في الحصول على المعلومات وفي حمل الناس على فعل ما تريده.

يتوافر لدى مسببي التلوث أنفسهم كثير من المعلومات عن نمط تكاليف الخفض التي تحتاجها الجهة التنظيمية لتحديد أرخص طريقة تحقق مستوى كلي معين من الخفض. وعندما يكون مسببو التلوث شركات صناعية على سبيل المثال، تتعلق هذه المعلومات بتفاصيل نشاطهم الإنتاجي وتنظيمه وتكاليفه. وليس من مصلحة مسببي التلوث توفير معلومات حول هذه التكاليف للجهة التنظيمية. بعيدًا عن أن هذه المعلومات قد تكون في كثير من الأحيان معلومات تجارية حساسة، يعي مسببو التلوث من الشركات الخاصة جيدًا عواقب المعلومات التي يفصحون عنها. وسيتوقع الذين يتكبدون تكاليف خفض أقل من المتوسط أنهم إذا أفصحوا عن وضعهم الحقيقي للجهة التنظيمية، فسيُطلب منهم اتخاذ إجراءات خفض أكثر من غيرهم. ويرى بعض مسببي التلوث أنه من الأفضل إخفاء حقيقة الوضع عن الجهة التنظيمية — أو الأسوأ من ذلك — تضليل الجهة التنظيمية فيما يتعلق بتكاليف الخفض الحقيقية التي يتحملونها؛ وذلك لتجنب المطالبات بخفض التلوث التي كانوا سيتعرضون لها إن لم يفعلوا ذلك. لا تكمن مشكلة التنظيم المستنير فقط في معالجة الكم الهائل من المعلومات، وإنما في الحصول على هذه المعلومات في المقام الأول.

على النقيض من ذلك، تحقق آليات السوق نتيجة خفض بأقل تكلفة ممكنة ولا تتطلب سوى معلومات بسيطة جدًّا. لا تحتاج الجهة التنظيمية إلى معرفة تكاليف الخفض لكل شركة خاصة، ولكنها بدلًا من ذلك تعيِّن سعرًا للانبعاثات (إما عن طريق تحديد معدل الضريبة أو تحديد سقف للانبعاثات يترتب عليه سعر الرخصة)، ثم يختار مسببو التلوث بأنفسهم أي طريق يسلكون؛ فيحقق الذين يتكبدون تكاليف خفض متدنية مستوى خفض أعلى من الذين يتحملون تكاليف خفض أكبر. أما إذا افترضنا أن السعر موحد لكل الشركات، فلن يكون هناك سبب يدعوهم لأن يفعلوا غير ذلك.

في حقيقة الأمر، تحتاج الجهة التنظيمية بالفعل في سبيل وضع سياسة بيئية بكفاءة إلى معرفة تكاليف الخفض الحدية الإجمالية، وذلك إذا أرادت أن تكتشف مستوى الخفض الذي تتساوى عنده تكلفة الخفض الحدية مع الضرر البيئي الحدي. لكن هذه الحاجة أقل إلحاحًا من الحاجة إلى معرفة التكاليف المستقلة لكل شركة على حدة. ومن الناحية العملية، تستند أغلب التقديرات لخطط تكاليف الخفض الحدية على مستوى الصناعة إلى العلم بنطاق تقنيات الخفض المتاحة في الصناعة والنسبة التقريبية للشركات التي تنطبق عليها كل من هذه التقنيات، دون محاولة معرفة تكاليف كل شركة على حدة. وحتى إذا لم تكن المعلومات المعروفة عن خطة تكاليف الخفض الحدية الإجمالية دقيقة تمامًا، فستظل الفكرة قائمة أن مرونة آليات السوق توفر في تكاليف تحقيق الخفض.

إضافة إلى وفورات التكاليف في تحقيق الخفض عن طريق النشر الذكي لتقنيات الخفض الحالية، تقدم آليات السوق مجموعة إضافية من المنافع الممكنة، وذلك من حيث تشجيعها بعيد المدى للابتكار في تكنولوجيا الخفض. في ظل آليات السوق، يواجه مسببو التلوث حافزًا يدفعهم دائمًا إلى ابتكار الجديد لتقليل التلوث. ينشأ هذا الحافز نتيجةً لأن مسببي التلوث يتحملون تكلفة كل وحدة من التلوث المتفضل — حتى بعد اتخاذ كافة تدابير خفض التلوث بتكاليف زهيدة — في صورة ضريبة بيئية على كل وحدة من الانبعاثات أو مدفوعات مقابل الحصص اللازمة لتغطية ما تبقى من انبعاثات أو إيراد مهدر ينتج عن بيع الرخص التي «وفرها» الخفض الإضافي. ويشكِّل هذا حافزًا يحث على الابتكار واستحداث طرق خفض جديدة زهيدة التكاليف، حيث إن هذه الطرق تستطيع تقليل إنفاق الشركة على ضرائب التلوث أو الرخص بدرجة أكبر. ومع استخدام التنظيم القائم على «القيادة والتحكم» — والذي تكون الشركات مطالبة بموجبه بتمويل استثمارات خفض محددة، أو بمراعاة حد كمي من الانبعاثات — يغيب هذا الحافز على الابتكار لأن الشركة لا ترى سببًا يدعوها إلى تخطي حد الامتثال لمقتضيات التنظيم. ولهذا السبب يُتوقع أن يشجع التنظيم عن طريق آليات السوق على المدى البعيد على ابتكار تقنيات جديدة لمكافحة التلوث وطرحها تجاريًّا بسرعة أكبر منها في ظل التنظيم التقليدي القائم على القيادة والتحكم (وكذلك مع مزيد من التركيز على التقنيات فعالة التكاليف).

تخطيط الضرائب البيئية وتطبيقها

أبسط صور الضرائب البيئية نظريًّا — رغم أنها ضريبة لن تراها مطبقة إلا نادرًا — هي الضريبة القائمة مباشرةً على الانبعاثات المقاسة من كل مصدر. قد يتلقى مالك مصنع يصدر تلوثًا فاتورة ربع سنوية أو سنوية لقاء ما أحدثه من تلوث، بناءً على الانبعاثات الفعلية الصادرة عن المصنع خلال تلك الفترة، حيث تُقدر بالكيلوجرامات من الملوثات مضروبة في الرسم مقابل كل كيلوجرام. وبهذا تصبح ضرائب التلوث شبيهة جدًّا بفواتير الكهرباء أو فواتير المياه المقاس استهلاكها بعدادات. وأحد الأمثلة النموذجية على هذا النهج الضريبة المفروضة على انبعاثات أكاسيد النيتروجين في السويد.

يمكن بدقة متناهية توجيه الضرائب البيئية القائمة مباشرةً على الانبعاثات المقاسة بحيث تحقق الأهداف البيئية المنشودة من السياسة. فإذا أحدثت شركة ما تلوثًا أكثر من غيرها، فإنها تدفع ضرائب إضافية تتناسب بالضبط مع زيادة انبعاثاتها. وهذا يشجع مسبب التلوث على تقليل الانبعاثات بأي طريقة تكون فيها تكاليف وحدة الخفض أقل من الضريبة على كل وحدة من الانبعاثات. أكثر ما يدفع نحو ربط الضريبة مباشرةً بالانبعاثات المقاسة هو أن الإجراءات التي بمقدور مسبب التلوث اتخاذها لتقليل الضريبة التي يخضع لها من شأنها أيضًا أن تقلل الانبعاثات. قد يكون قياس الانبعاثات باستمرار مكلفًا — ولا سيما عندما يوجد الكثير من مصادر الانبعاثات المنفصلة — وفيما يخص العديد من مشكلات التلوث، قد يمثل هذا معوقًا رئيسيًّا لفرض ضرائب مباشرة على الانبعاثات. ورغم ذلك، تشهد التقنيات المتاحة لمراقبة تركيزات مواد معينة وتدفقاتها في المخلفات السائلة تطورًا سريعًا. ومن الممكن مستقبلًا التفكير في فرض ضرائب على الانبعاثات المقاسة على نطاق أوسع من التطبيقات.

إلا أننا نجد على أرض الواقع أن أغلب الضرائب الحالية المتعلقة بالبيئة لا تقوم على الانبعاثات المقاسة مباشرةً، ولكنها تُفرض على مبيعات السلع المرتبطة بالانبعاثات أو التلوث. على سبيل المثال، تُفرض ضرائب ضخمة على مبيعات وقود السيارات؛ اعتقادًا بأن رفع سعره سوف يشجِّع على تغييرات سلوكية ستقلل من انبعاثات السيارات. وأحيانًا تُفرض على المنتجات التي يُعتقد أنها تفيد البيئة ضرائب أقل من التي تُفرض على بدائلها، كما هو الحال مع الضرائب المخفضة على البنزين الخالي من الرصاص.

قد تكون إعادة هيكلة نظام الضرائب الحالي بهذه الطريقة وسيلة مباشرة نسبيًّا لتقديم حوافز مالية للحد من الضرر البيئي، دون الحاجة إلى تحمُّل تكاليف مراقبة الانبعاثات الفعلية وقياسها. ويمكن أن يكون التعديل من آليات المعاملات الضريبية القائمة وتوسيع نطاقها بديلًا أرخص.

الضريبة المفروضة على انبعاثات أكاسيد النيتروجين في السويد

تُعتبر الرسوم التي فُرضت على أكاسيد النيتروجين في السويد عام ١٩٩٢ في إطار برنامج التدابير التي اتخذتها السويد للحد من الأمطار الحمضية مثالًا على الضريبة البيئية التي تعتمد مباشرةً على الانبعاثات المُقاسة. وتُفرض على انبعاثات أكاسيد النيتروجين التي يجري قياسها بمعدل ٤٠ كورونا سويدية لكل كيلوجرام من ثاني أكسيد النيتروجين (أي ما يعادل حوالي ٤٠٠٠ جنيه استرليني لكل طن).

لا تسري الضريبة إلا على فئة قليلة من المراجل الصناعية الضخمة ومحطات الطاقة. تتطلب عملية قياس الانبعاثات في كل محطة تكاليف باهظة — قرابة ٣٠٠ ألف كورونا سويدية (حوالي ٣٠ ألف جنيه استرليني) سنويًّا لكل محطة — ولا تكون مجدية سوى بالنسبة للمحطات الكبيرة؛ حيث تفوق المنافع التي تتحقق نتيجة الخفض الكبير تكاليف القياس. تُطبَّق الرسوم على المحطات التي تولد طاقة بمعدل ٢٥ جيجاوات/ساعة في العام على الأقل؛ ويبلغ العدد الإجمالي لمحطات الطاقة في السويد ٢٦٠ محطة، هي المسئولة عن قرابة نصف إجمالي انبعاثات أكاسيد النيتروجين الناتجة عن توليد الطاقة للأغراض الصناعية هناك.

لتجنب الإخلال بالمنافسة بين المحطات الكبيرة الخاضعة لرسوم أكاسيد النيتروجين ومنافساتها الأصغر، تعود كافة الإيرادات تقريبًا إلى الشركات المشاركة، بما يتناسب مع كمية الطاقة التي تنتجها. فالمحطات التي تصدر عنها نسبة كبيرة من الانبعاثات نظرًا للطاقة الكبيرة التي تولدها تعتبر مساهمة رئيسية في المخطط، في حين المحطات التي تصدر عنها نسبة قليلة من الانبعاثات نظرًا لضآلة الطاقة التي تنتجها تكون مستفيدة أساسية. لا تحصِّل الضرائب إيرادات صافية؛ ولكن الغرض الوحيد منها هو التحفيز على المزيد من الخفض المقتصد في انبعاثات أكاسيد النيتروجين.

غير أن خطورة هذا النهج تكمن في أن الحافز قد لا يكون موجَّهًا نحو تحقيق النتيجة البيئية المنشودة. وفي مناقشة رائدة تناولت المشكلات الاقتصادية في فرض الضرائب البيئية، تحدَّث خبير الاقتصاد النرويجي أجنار ساندمو عن تجربة أُجريت في بعض المجتمعات النرويجية؛ حيث حاولت السلطات فرض رسوم على جمع المخلفات المنزلية والتخلص منها عن طريق فرض رسوم على الأكياس البلاستيكية السوداء التي كان على المنازل استخدامها. حاول العديد من المجتمعات في الولايات المتحدة انتهاج طرق مماثلة، إما عن طريق فرض رسوم على الأكياس أو على ملصقات خاصة كان لا بد من وضعها على كل كيس قمامة يُخرجه أهل المنزل ليجري جمعه. الشاهد هو أن هذه الطرق تقلل بالفعل من مخلفات المنازل (خاصةً عندما تكون مصحوبة بمنشآت عالية الكفاءة تتولى إعادة التدوير)، لكنها أيضًا تسبب تغيرات سلوكية لا تقلل من كميات المخلفات. فقد يحاول أهل المنزل مثلًا الاقتصاد في شراء الأكياس أو الملصقات الباهظة عن طريق تكديس كميات نفايات أكبر بكثير من المعتاد؛ وهي ظاهرة عُرفت فيما بعد باسم «التكديس في سياتل»! وكما يوضح ساندمو، هذه نتيجة طبيعية لسوء اختيار الحافز؛ حيث فُرضت الرسوم على الحقائب وليس على النفايات نفسها. قد تكون المعاملات الضريبية بصفة عامة مباشرة لكنها لن تستهدف حوافز التحسين البيئي بالدقة التي يمكن تحقيقها عندما تُفرض الضرائب مباشرةً على الانبعاثات التي يجري قياسها.

شهد العقدان الأخيران اهتمامًا كبيرًا في الأوساط السياسية بإمكانية إدرار إيرادات كبيرة من الضرائب البيئية، إيرادات تكفي لتمويل إصلاح ضريبي كبير. كان عدد كبير من الضرائب البيئية التي فرضتها الدول مصحوبًا بتدابير واضحة جدًّا لتخفيف عبء الضرائب الأخرى. لذا على سبيل المثال، أُعيدت إيرادات الضريبة على مدافن القمامة في المملكة المتحدة — التي فُرضت عام ١٩٩٦ — إلى دافعي الضرائب بالكامل تقريبًا في صورة خفض اشتراكات التأمين الوطني التي يدفعها الموظفون (وهي ضريبة كسب عمل تعتمد على أجور الموظفين). وفي السويد، استُخدمت إيرادات الضريبة على الكربون — التي فُرضت عام ١٩٩١ — في تمويل خفض معدلات الضرائب على الدخل. في كلتا الحالتين، كانت هناك صلة وثيقة بين الضريبة البيئية وخفض الضرائب الأخرى. أكَّد هذا على الهدف البيئي من فرض الضريبة، وساعد في تقبُّل الجمهور لهذه الضرائب عن طيب خاطر، حيث بدَّد شك العامة في أن هذه كانت حيلة جديدة من الحكومة تريد بها زيادة عبء الضرائب الإجمالي.

غير أن البعض قد نادى بإصلاح واسع النطاق للضرائب البيئية تُعاد فيه موازنة نظام الضرائب؛ بحيث «تُفرض الضرائب على الأمور الضارة لا النافعة»، أو بعبارة أخرى تزداد الضرائب على الأمور «الضارة» مثل التلوث والسماح بخفض مقابل في الضرائب القائمة المفروضة على الأمور «النافعة» مثل العمالة والنشاط الإنتاجي. اكتسبت هذه الأفكار وقعًا سياسيًّا عززه إلى حدٍّ ما الجدل الذي لا يفهمه كثيرون في الدراسات الاقتصادية حول إمكانية أن يحقق هذا الإصلاح الضريبي «منفعة مضاعفة»؛ حيث يحسن البيئة، وفي الوقت نفسه يضمن تحصيل الحكومة لإيرادات الضرائب بتكلفة اقتصادية أقل، وذلك عن طريق تقليل الآثار على أسعار السلع والآثار المثبطة المترتبة على فرض الضرائب. نتج عن هذه الدراسات بعض التوقعات غير الواقعية حول المنافع الاقتصادية المحتملة لمثل هذا التحول في فرض الضرائب. لكن ثمة نقطتين واضحتين؛ أولًا، بإمكان بعض الإصلاحات على الضرائب البيئية رفع إيرادات الضرائب بمعدل كبير، لا سيما تلك التي تفرض ضرائب على الطاقة أو الكربون عند مستويات تعكس مدى الخطورة البيئية التي تنشأ نتيجة تغير المناخ. ثانيًا، من الضروري جدًّا الانتباه لمصارف هذه الإيرادات، وسوف تتحقق أكبر المنافع عندما تُستخدم هذه الإيرادات بحرص بالغ في استهداف سبل لزيادة الفعالية البيئية لمستوى معين من فرض الضرائب البيئية، أو تُستخدم في تقليل الضرائب القائمة الأكثر تأثيرًا على أسعار السلع.

اقتصاديات تداول حقوق إطلاق الانبعاثات

رغم كل الجلبة التي أثارها «فرض الضرائب البيئية» و«إصلاح الضرائب البيئية» في أوساط السياسة، ظهر الابتكاران الأشهر والأهم من حيث الاعتماد على السوق على صعيد السياسة البيئية خلال العقدين المنصرمين في صورة مخططات لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات؛ وهما برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية الذي بدأ عام ١٩٩٥، ونظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات الذي طُرح بعد ذلك بعقد.

في كلتا الحالتين، وجَّهت عوامل غير اقتصادية صنَّاع السياسة نحو تداول حقوق إطلاق الانبعاثات وليس فرض الضرائب البيئية. ففي الولايات المتحدة، كان الوعد الانتخابي الذي قطعه الرئيس جورج بوش عام ١٩٨٨ حين قال: «اسمعوني جيدًا: لا ضرائب جديدة» قد أجبر صناع السياسة على البحث عن أدوات غير فرض الضرائب. وفي الاتحاد الأوروبي، تقتضي قواعد اتخاذ القرار الموافقة بالإجماع بين الدول الأعضاء قبل اتخاذ أي مبادرات في الاتحاد الأوروبي في مجال فرض الضرائب، وهي عقبة شبه تعجيزية، ولكنها تقتضي موافقة الأغلبية فقط على التدابير البيئية الأخرى، بما في ذلك تداول حقوق إطلاق الانبعاثات.

في الواقع تشبه السمات الاقتصادية للضرائب على الانبعاثات إلى حد كبير تلك الخاصة برخص الانبعاثات القابلة للتداول. فكلتاهما تعتمد على تأثيرها على مسببي التلوث الذين يعقدون بالضرورة المقارنة نفسها بين الحافز المالي — ضريبة الانبعاثات لكل طن وبالتالي سعر رخصة الانبعاثات لكل طن — وخطط تكلفة الخفض الحدية التي تتحملها الشركات. توضح هذه المقارنة مستوى الخفض المجدي، في مقابل حجم الحافز المالي. إذا أُتيح للشركات سعر رخصة قابل للتداول قيمته ١٠ دولارات لكل طن من الانبعاثات، فسوف تفضل خفض الانبعاثات على استخدام الرخص متى كان الخفض ممكنًا بتكلفة أقل من ١٠ دولارات. وهذه العملية الحسابية نفسها السبب وراء قرارات الشركات التي تدفع ضريبة على الانبعاثات بقيمة ١٠ دولارات لكل طن.

في نظام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات، تكتسب الرخص قيمة نظرًا لندرتها؛ حيث يعمل النظام عن طريق إصدار رخص أقل من انبعاثات «النشاط المعتاد» في غياب التنظيم. ويقيد هذا العدد المحدود من الرخص المستوى الكلي من الانبعاثات، حيث يتطلب كل طن من الانبعاثات أن يمتلك مسبب التلوث رخصةً به، ولا توجد رخص كافية تلبي هذه الاحتياجات. لهذا السبب يضطر بعض مسببي التلوث إلى تقليل الانبعاثات عن طريق تنفيذ إجراءات الخفض. ستفعل هذا الشركات التي تجد أنه من مصلحتها خفض الانبعاثات وليس شراء الرخص. وإذا كانت الرخص يمكن تداولها بحرية، فستختار الشركات خفض الانبعاثات عندما تكون تكاليف الخفض الحدية قليلة نسبيًّا؛ أما الشركات التي تتكبَّد تكاليف خفض حدية أعلى فستفضل استخدام الرخص عوضًا عن ذلك. وبهذا يعمل عدد الرخص الصادرة على تقييد المستوى الكلي للانبعاثات ويضمن اتخاذ إجراءات خفض كافية حتى يمكن التقيد بهذا العدد، لكن التداول في سوق الرخص يحدد نمط الخفض والانبعاثات لدى جميع الشركات.

يجب أن يتحدد السعر السوقي للرخص في ظل نظام لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات يعمل بكفاءة بناءً على تكلفة الخفض الحدية للوحدة الأخيرة من الخفض، واللازمة للالتزام بالحد المسموح به من الانبعاثات وفقًا لعدد الرخص الصادرة. ويجب أن تضمن طريقة عمل السوق تنفيذ الخفض في الشركات التي تفعل ذلك بأقل تكاليف ممكنة (حيث إن هذه هي الشركات التي تستطيع أن تحقق أكبر استفادة من الخفض وليس من استخدام الرخص). لهذا تكون وحدة الخفض الأخيرة اللازمة قبل الوصول لحد الانبعاثات المسموح به هي الأعلى تكلفةً، والشركة التي تختار تنفيذ هذه الوحدة الأخيرة لن تفعل ذلك إلا إذا كان سعر الرخصة يساوي على الأقل تكلفة الخفض في الارتفاع. أما إذا كان سعر الرخصة أقل، فسوف تشتري الشركة رخصةً بدلًا من ذلك، لتنقل بذلك الحاجة إلى وحدة أو أكثر من الخفض إلى بائع الرخصة. ولكن لمَّا كان هذا الخفض أعلى تكلفةً، فإن الشركة البائعة ترفض التخلي عن الرخصة مقابل مثل هذا السعر الزهيد. وبهذا يضمن التنافس على الرخص في السوق أن يستقر السعر عند قيمة الرخصة الحدية المستخدم، حتى تكون آخر رخصة في يد مسبب للتلوث (شبه) لا مبالٍ، سواء أَمْتلك الرخصة أم أجرى وحدة إضافية من الخفض.
fig8
شكل ٣-٢: كيفية عمل تداول حقوق إطلاق الانبعاثات: مثال بسيط على شركتين تسببان التلوث.
يمثل الرسم البياني مجموعة الخيارات المتاحة لتقسيم متطلب خفض معين على شركتين تسببان التلوث، الشركة «أ» والشركة «ب». تواجه الشركتان تكاليف خفض تلوث مختلفة؛ حيث تستطيع الشركة «أ» تنفيذ إجراءات خفض زهيدة التكاليف أكثر من الشركة «ب». تمثل تكاليف الخفض الحدية لدى الشركتين بواسطة الخط المسمى «تكلفة الخفض الحدية أ» الذي يُقاس باتجاه اليمين بدءًا من نقطة المنشأ «مأ»، والخط المسمى «تكلفة الخفض الحدية ب» الذي يُقاس باتجاه اليسار بدءًا من نقطة المنشأ «مب». ستعتمد تكاليف الخفض الإجمالية على كيفية تقسيم متطلب الخفض الإجمالي على الشركتين، وتحقق التكاليف أقل قيمة لها عند النقطة أ حيث تتساوى تكاليف الخفض الحدية للشركتين المسببتين للتلوث.
عند أي نقطة أخرى، ستكون تكاليف الخفض الحدية في إحدى الشركتين أعلى منها في الشركة الأخرى. فعلى سبيل المثال، إذا تطلب التخصيص المبدئي للرخص أن تساهم كل شركة بنصف إجمالي الخفض اللازم (أي عند النقطة أ)، فسنجد تكاليف الخفض الحدية عند الشركة «ب» أكثر منها بمراحل عن الشركة «أ». وستكون الشركة «ب» مستعدة لدفع سعر حتى تكلفة الخفض الحدية لتحصل على ترخيص إضافي، في حين تستطيع الشركة «أ» تقليل حاجتها إلى الرخص بمعدل وحدة واحدة عن طريق تحمل تكلفة خفض إضافية أقل بكثير. سيتحقق الربح للطرفين إذا باعت الشركة «أ» رخصةً إضافيًّة للشركة «ب» بسعر يتراوح بين قيمتي تكلفة الخفض الحدي عند كلٍّ من الشركتين. وبالرجوع إلى المنطق نفسه، إذا افترضنا وجود سوق تنافسي للرخص وعدم وجود تكاليف للتداول، ستحقق الشركة «أ» ربحًا عن طريق زيادة الخفض حتى النقطة أ، وبيع الرخص التي لم تعد بحاجة إليها للشركة «ب».
يكون لآخر رخصة تبيعها الشركة «أ» إلى الشركة «ب» قيمة لكل من النقطتين ت، وهذا هو المستوى الذي يُتوقع أن يستقر عنده سعر الرخصة في سوق رخص تنافسي.

تمثل المساحة المظللة التوفير الإجمالي في تكاليف الخفض لدى الشركتين والمترتب على هذه النتيجة، مقارنةً بمنظومة تنظيمية صارمة تفرض متطلبات الخفض نفسها على كل شركة. وستزداد هذه المساحة بزيادة الفروقات في تكاليف الخفض بين الشركتين.

تعني عملية تحديد السعر هذه وجود اتساق دقيق بين سوق رخص يؤدي وظيفته بكفاءة وضريبة بيئية في المقابل. فإذا أدى تحديد سعر ضريبة بيئية مقابل وحدة من الانبعاثات (و) إلى مستوى من الانبعاثات (ك)، نجد أن تنظيم المشكلة نفسها عن طريق إصدار كمية (ك) من رخص الانبعاثات القابلة للتداول سوف ينتج عنه على الجانب الآخر سعر رخصة لكل وحدة من الانبعاثات (و). علاوةً على هذا، سيظل مستوى خفض التلوث ونمطه كما هما في ظل الأداتين — مجتمعتين — وسوف تتحمل الشركات توزيعه فيما بينها وتتحمل المستوى نفسه من تكلفة الخفض. والجدير بالذكر أن كلًّا من الضرائب البيئية وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات يتقاسمان سمة آليات السوق الرئيسية في السياسة البيئية؛ وهي «الكفاءة الثابتة». رغم اختلاف الآليات المؤسسية فيهما، فإنهما يوظفان آليات السعر لضمان تنفيذ الخفض في الأماكن التي تفعل ذلك بأقل تكلفة ممكنة، وبذلك يتحقق مستوى معين من الخفض نظير أقل تكلفة إجمالية ممكنة.

توجد رغم ذلك اختلافات كبيرة بين الضرائب البيئية وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية التي جذبت المشرعين في الولايات المتحدة وأوروبا إلى تداول حقوق إطلاق الانبعاثات باعتباره طريقة لتجنب العقبات التي تحول دون فرض الضرائب. أحد هذه الاختلافات بالطبع هو الآلية المؤسسية لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات نفسها: حتى ينجح تداول حقوق إطلاق الانبعاثات، لا بد أن يعمل سوق الانبعاثات بكفاءة. الاختلاف الثاني هو أنه رغم أوجه التكافؤ الموضحة أعلاه، قد تختلف سمات الأداتين اختلافًا كبيرًا في حالات الغموض. والاختلاف الثالث هو أن تداول حقوق إطلاق الانبعاثات يقدم مجموعة من الخيارات بشأن كيفية توزيع الرخص؛ حيث تُمنح بالمجان لمسببي التلوث القائمين، أو بدلًا من ذلك تُباع في مزاد علني لصاحب أكبر عطاء، مما يثير بعض المشكلات السياسية والاقتصادية الشاغلة.

تتخذ أنظمة تداول حقوق إطلاق الانبعاثات على أرض الواقع عددًا من الصور. يتطلب بعضها — وخاصةً الخطط القديمة منها — أن تصدق الجهة التنظيمية مسبقًا على كل عملية تداول، في حين يتيح البعض الآخر تداولًا غير محدود وفقًا للتدقيق الذي يلي ذلك، والذي يُجرى على انبعاثات الشركات وما تملكه من الرخص. تقصر بعض الخطط التداول على المعاملات بين الشركات في صناعة معينة خاضعة للتنظيم، في حين تتيح خطط أخرى للجميع شراء الحصص وبيعها، مما يفسح المجال لسماسرة متخصصين كي يؤدوا دور الوساطة بين المشترين والبائعين. وتتيح بعض الأنظمة تخزين الرخص غير المستخدمة (أو الاحتفاظ بها) تحسبًا لاستخدامها مستقبلًا، بينما تقصر بعض الأنظمة الأخرى فترة صلاحية كل رخصة على عام واحد. هذه الاختلافات المؤسسية المتنوعة قد تعكس جزئيًّا اختلافات شبيهة في المشكلة البيئية المتضمنة، لكن لها أيضًا تأثيرات مهمة على التكاليف التي يتحملها المساهمون وعلى الكفاءة العامة التي يعمل بها السوق.

قد تؤثر تكاليف المعاملات المتنوعة في رغبة الشركات في التداول في أسواق رخص الانبعاثات. وتشمل هذه التكاليف تكاليف اتخاذ القرار داخل الشركة (التعرف على الكيفية التي يسير بها السوق، وتقرير ما إذا كانت الشركة ستلجأ إلى الخفض أو إلى شراء الرخص)، وتكاليف البحث (جمع معلومات عن أسعار السوق والعثور على شريك للتداول معه)، وتكاليف أي تفاوض والمعاملة التجارية نفسها، وفي بعض الحالات الإفصاح الضمني للمنافسين عن معلومات حساسة تجاريًّا تدور حول تكنولوجيا الخفض التي تعتمدها الشركة والتكاليف التي تتضمنها عملية التداول ذاتها. تشير النتائج المحدودة التي توصلت إليها الأبحاث على صعيد تكاليف المعاملات التجارية في أسواق تداول حقوق إطلاق الانبعاثات إلى أنها ليست بالتكاليف الزهيدة، لا سيما في الشركات الأصغر والأقل تطورًا، وربما تخفض إجمالي ربح الشركة من التجارة بنسبة كبيرة تصل إلى الثلث.

ربما يؤدي السلوك اللاتنافسي في أسواق الرخص أيضًا إلى تقليل فعاليتها في إعادة تخصيص الخفض على مصادر أقل تكلفةً. قد يحدث هذا إذا حصرها التخصيص المبدئي للحصص في أيدٍ قليلة، أو إذا كان نمط تكاليف الخفض يعني أن بضع شركات فقط تشكل كل الحصص المعروضة للبيع تقريبًا. وعندما يكون عدد البائعين قليلًا بحيث لا يتيح للسوق أن يصبح تنافسيًّا، يستطيع البائعون جني أرباح أكثر عن طريق تقليل عدد الحصص المعروضة للبيع، ليحصلوا على سعر أعلى على كل حصة مَبيعة. نتيجةً لهذا، لا تحدث بعض عمليات التداول المحتملة التي تقلل من تكلفة الخفض. وقد تؤثر قوة السوق خارج نطاق سوق الحصص كذلك على المنافسة في سوق الحصص. يمكن أن تقرر الشركات مثلًا أن تصعِّب الأمور على منافسيها في سوق المنتجات عن طريق رفض بيع رخص التلوث لهم.

قليلة هي الأدلة على الأهمية العملية لقوة السوق بالنسبة لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات. وتحظى التطبيقات الكبرى لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات، مثل برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية ونظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات، بعدد كبير من المشاركين المحتملين، وبعدد كافٍ من الحصص المخصصة على نطاق واسع، بما يحول دون وقوع مشكلات قوة السوق. غير أن قوة السوق يمكن أن تصبح عقبة في طريق كفاءة تداول حقوق إطلاق الانبعاثات في التطبيقات الأصغر. فيُعتقد مثلًا أن هذا قد يوضح السبب وراء عدم حدوث أي عملية تداول لحقوق إطلاق الانبعاثات في إحدى التجارب الأولى على تداول حقوق إطلاق الانبعاثات، لتنظيم التدفقات الصادرة عن مصانع اللباب والورق على امتداد لنهر فوكس ريفر في ويسكونسن.

والتأكد من سير عمل سوق الرخص بكفاءة مسألة مهمة من وجهة نظر الجهات التنظيمية التي تفكر في هذا النهج وفي بديل فرض الضرائب. رغم ذلك، فإن التجربة العملية تعطي أمثلة تعمل فيها أسواق رخص الانبعاثات بسلاسة حقيقية دون تحميل المشاركين تكاليف غير مستحقة ودون قوة احتكارية. تكون احتمالات نجاح تداول حقوق إطلاق الانبعاثات هي الأقوى عندما يشترك عدد كبير على نحو معقول من المساهمين، ويشتمل التداول على قيمة كافية تتيح لمؤسسات السوق المتخصصة تطويرها لتقديم خدمات السمسرة وغيرها من خدمات الوساطة. وتستطيع هذه الخدمات تقليل تكاليف المعاملات التجارية للشركات المشاركة غير المتطورة، وتستطيع أيضًا الحفاظ على سيولة السوق، مما يقلل مخاطر قوة السوق. وكان يُنظر أحيانًا إلى الطريقة التي تطورت بها لغة السوق ومؤسساته في أسواق تداول حقوق إطلاق الانبعاثات على أنها دليل يشير إلى فساد هذه الأسواق بفعل المصالح المادية، وانحرافها عن الأنشطة المناسبة لتنظيم الانبعاثات. وعلى النقيض من هذا، تلعب مثل هذه المؤسسات دورًا بنَّاءً في ضمان أن تداول حقوق إطلاق الانبعاثات يوفر المرونة لأوسع قاعدة ممكنة من المشاركين مقابل تكلفة زهيدة.

حظيت باهتمام كبير الاختلافات بين الطرق التي يُتوقع أن تعمل بها ضرائب الانبعاثات وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات في ظل حالات الغموض التي تكتنف الخيارات التكنولوجية وتكاليف الخفض. ورأينا أنه ثمة سمات مشتركة بين ضرائب الانبعاثات ورخص الانبعاثات القابلة للتداول؛ لأن كلتيهما تعتمد على الشركات عندما تعقد مقارنة مشابهة بين تكاليف الخفض الحدية التي ستتحملها والحافز المالي للخفض؛ أي الضريبة لكل طن أو السعر السوقي للرخص لكل طن. وبناءً على تكاليف الخفض الحدية للشركة، تستطيع الشركة أن تعتمد بالطريقة نفسها أيًّا من الخيارين. لكن «يوجد» اختلاف كبير في القرار الذي يجب على الجهة التنظيمية اتخاذه بشأن الضرائب وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات، حيث تحدد سعر الضريبة في الحالة الأولى وتضع سقفًا للانبعاثات في الحالة الثانية. وإذا لم تكن الجهة التنظيمية متأكدة تمامًا من تكاليف الخفض، فسيتضح أن تبعات استخدام الضرائب وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات تبدو مختلفة جدًّا.

لنوضح الأمر، إذا طُبقت ضريبة الانبعاثات، فإن الجهة التنظيمية تحدد الضريبة، لكنها لا تستطيع أن تضمن نتيجة الخفض؛ فهذا سوف يعتمد على استجابات المشاركين في السوق، التي تعتمد بدورها على تكاليف الخفض التي يتحملونها، وهي التكاليف التي لا تعلمها تحديدًا الجهة التنظيمية. على الجانب الآخر، في حالة تداول حقوق إطلاق الانبعاثات، تحدد الجهة التنظيمية سقفًا للانبعاثات عن طريق تحديد عدد الرخص المقرر إصدارها؛ وبهذا نضمن الأثر البيئي للتنظيم. وتبدو الحجة البيئية الداعية إلى استخدام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات عندما تكون الجهة التنظيمية غير متأكدة من تكاليف الخفض حجة واضحة تمامًا؛ حيث يضمن تداول حقوق إطلاق الانبعاثات وضع حد صارم للانبعاثات في حين تخفق ضريبة الانبعاثات في فعل هذا.

رغم ذلك، ليست الأمور بهذه البساطة. فالمعرفة بنتائج الانبعاثات المترتبة على التداول بدرجة أكثر تأكيدًا منها عندما تكون مترتبة على الضرائب يقابلها على الجانب الآخر شك أكبر بشأن تكاليف الخفض. ويضع التنظيم باستخدام ضرائب الانبعاثات حدًّا أقصى على أعلى تكلفة خفض سوف تتحملها الشركات مقابل كل طن؛ ولا يمكن بأي حال أن يتجاوز هذا الحد الضريبة المفروضة على كل طن (حيث تستطيع الشركات دائمًا اللجوء لخيار دفع الضريبة بدلًا من ذلك). على النقيض من ذلك، في ظل تداول حقوق إطلاق الانبعاثات، يُترجم عدم تأكد الجهة التنظيمية من تكاليف الخفض الحدية إلى عدم تأكد من السعر السوقي للحصص، ومن ثم عدم تأكد من الحد الأقصى لتكاليف الخفض التي سيتحملها مسببو التلوث مقابل كل طن.

نتيجةً لهذا، عندما يكون على الجهة التنظيمية تحديد معدل الضريبة أو عدد الرخص المقرر إصدارها دون معرفة دقيقة بتكاليف الخفض التي ستتكبدها الشركات، لا تستطيع أي من الأداتين ضمان أن مستوى الخفض الذي يتحقق فعليًّا سوف يزيد صافي المنافع الاجتماعية إلى أقصى حد. مقارنةً بالحد الاجتماعي الأمثل (أي مقارنةً بمستوى الخفض الذي تتساوى عنده تكاليف الخفض الحدية الحقيقية مع تكاليف الضرر الحدي) يمكن إجراء الكثير جدًّا من الخفض أو القليل جدًّا منه. علاوةً على هذا، سيختلف مدى انحراف النتائج عن الحد الأمثل بصفة عامة في حالة ضرائب الانبعاثات عنه في حالة رخص الانبعاثات القابلة للتداول. لن يكون لأي من الأداتين أفضلية ظاهرة على الأخرى عندما تفتقر الجهة التنظيمية إلى معلومات دقيقة حول تكاليف الخفض. تعتمد احتمالية تحقيق أي الأداتين أداء أفضل على الانحدارات النسبية للخطوط التي تمثل تكلفة الخفض الحدية والضرر البيئي (أي المعدلات التي تتغير عندها تكاليف الخفض الحدية وضرر التلوث الحدي عندما تبتعد الانبعاثات عن الحد الأمثل). ستكون ضرائب الانبعاثات أقرب إلى النتيجة المثلى إذا زادت تكاليف الخفض الحدية مع الخفض الإضافي بمعدل أسرع من زيادة الضرر البيئي الحدي مع الانبعاثات الإضافية. سيكون أداء تداول حقوق إطلاق الانبعاثات أفضل إذا حدث العكس. وهذه مسألة تخضع للتجربة وستختلف من حالة إلى أخرى. يعتقد البعض مثلًا أنها تعطينا سببًا لتفضيل ضرائب الكربون على تحديد مستويات للكميات وتداولها في سبيل الحد من تغير المناخ العالمي، بحجة أن الضرر البيئي الحدي لن يتأثر على الأغلب تأثرًا كبيرًا بالتغيرات في مستوى الانبعاثات على مدار بضع سنوات (حيث إن المهم هو إجمالي المخزون المتراكم من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي)، في حين يمكن أن ترتفع تكاليف الخفض الحدية لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشدة مع الخفض.

ثالث نقطة اختلاف جوهرية بين الضرائب البيئية وتداول حقوق إطلاق الانبعاثات هي العملية التي تُوزع بمقتضاها الحصص. عمليًّا، تقوم كل أنظمة تداول حقوق إطلاق الانبعاثات تقريبًا بتوزيع أغلب رخص الانبعاثات أو جميعها على مسببي التلوث القائمين مجانًا. عادةً ما يُمنح مسببو التلوث حصصهم بناءً على جزء من انبعاثاتهم خلال سنة «مرجعية» سابقة، وهي عملية تُعرف باسم «إعفاء الشركات القائمة من القوانين الجديدة». تستطيع الشركات عندئذ شراء الحصص أو بيعها، بناءً على تكاليف الخفض الحدية مقارنةً بسعر الحصة الذي يظهر في التداول لاحقًا في السوق. بالطبع سيكون سعر السوق أعلى، كلما كان التخصيص الإجمالي للرخص أقل، حيث إن حد الانبعاثات سيكون أضيق مقارنةً بالانبعاثات التي تصدر عادةً عن النشاط المعتاد.

كحل بديل، يمكن طرح رخص تداول حقوق إطلاق الانبعاثات للبيع في مزاد علني يرسو على صاحب أكبر عطاء. كانت أجزاء صغيرة من الحصص في برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية تُطرح للبيع في مزاد علني كل عام؛ وذلك للتأكد من وجود بعض السيولة في السوق على الأقل للسماح للشركات الجديدة بالحصول على الرخص التي تحتاجها. وتباع حاليًّا نسبة صغيرة لكن متزايدة من الحصص الخاصة بثاني أكسيد الكربون في نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات في مزاد علني. يتجلى التأثير الأوضح للبيع في المزادات في دفع مبالغ للحصول على الرخص، مما يدر إيرادات للحكومة تقابلها تكلفة تتحملها الشركات الخاضعة للتنظيم بصفة عامة، فالشركات تضطر للدفع للحصول على الحصص التي ستُوزع مجانًا في حالة تطبيق إعفاء الشركات القائمة من القوانين الجديدة.

فيما يخص جوانب أخرى، يُتوقع أن يُحدث البيع في المزادات العلنية فارقًا طفيفًا في طريقة عمل سوق تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. فالمقارنات التي تعقدها الشركات عندما تقرر ما إذا كانت ستخفض التلوث وتبيع الرخص أو ستُحدِث التلوث وتشتري الرخص تعتمد على المقارنة نفسها بين تكاليف الخفض الحدية وسعر الرخصة. وبعيدًا عن احتمالية أن عبء شراء الحصص قد يدفع بعض الشركات إلى ترك السوق بالكامل، من المتوقع أن يستقر سعر الرخصة عند المستوى نفسه، بغض النظر عن كيفية توزيع الرخص. سينتهي الأمر عندئذٍ بأن تحوز الشركات نفسها على الرخص وتُحدِث التلوث في ظل أي من الطريقتين، وسيتحقق مستوى الخفض نفسه. والفارق الجوهري الذي ستشهده الصناعة سيكون ارتفاع أرباح الشركات في حالة إعفاء الشركات القائمة من القوانين الجديدة أكثر منها في حالة البيع في مزاد علني؛ والسبب الرئيسي في هذا هو أن إعفاء الشركات القائمة من القوانين الجديدة يوزع أصولًا قيمة على الشركات مجانًا. وتختلف الآراء حول مدى أهمية هذا؛ فيعتقد البعض أن توزيع مثل هذه الهبات على الشركات المسببة للتلوث يمكن أن يقي من عداوة قاتلة داخل الصناعة يُحتمل نشوبها تجاه تنظيم التلوث الصارم. ويعتقد آخرون أن قيمة الرخص في ظل نظم الإعفاء تكون مرتفعة جدًّا، حتى إنها تشجع الشركات على ممارسة ضغط مدمر سعيًا منها لكسب معادلة التخصيص في صالحها، وتعرِّض عملية التخصيص لمخاطر الفساد.

بيد أنه يمكن تحصيل إيرادات عامة هائلة عن طريق طرح رخص تداول حقوق إطلاق الانبعاثات للبيع في مزادات علنية. فعلى سبيل المثال، إذا كان برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية — الذي سنناقشه في القسم التالي — بصدد طرح جميع الحصص للبيع في مزاد علني، فهذا يمكن أن يوفر مليار دولار أو أكثر سنويًّا. أما اختيار منح الحصص بنظام الإعفاء بدلًا من ذلك فيعني التخلي عن هذه الإيرادات، وتضييع الفرصة لتقليل ضرائب العمالة ورأس المال الحالية التي تمثل عوامل تثبيط وإفساد للسلوك الاقتصادي. هذه التكاليف المؤثرة على أسعار السلع يمكن أن تزيد بسهولة العبء الاقتصادي الإجمالي لكل دولار يحصَّل عن طريق الضرائب الحالية بمقدار ٢٠ أو ٣٠ سنتًا، ومن هذا يتضح أن أخذ قرار بعدم طرح الحصص للبيع في مزادات علنية هو فرصة ضائعة ذات أهمية اقتصادية كبيرة.

التطبيق العملي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات: برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية

توضح تجربة برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية — وهو أول تطبيق واسع النطاق لرخص التلوث القابلة للتداول في العالم — كيف يمكن استخدام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات في تيسير عمليات الخفض السريع في الانبعاثات؛ حيث يكون هذا الخفض مكلفًا أو غير قابل للتنفيذ في ظل التنظيم التقليدي. وضع التشريع الذي كان وراء انطلاق برنامج الحد من الأمطار الحمضية سقفًا دائمًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكبريت من محطات الطاقة في الولايات المتحدة، حيث اقتضى خفض الانبعاثات السنوية بنسبة ٤٠٪ في غضون عقد واحد. وبالتوازي مع هذا التشريع، ظهر نظام لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات خاص بحصص ثاني أكسيد الكبريت، ليتيح الحد الأقصى من المرونة في كيفية تحقيق الامتثال لهذا الحد الأقصى.

تم تنفيذ الحد الأقصى المسموح به ونظام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات المرتبط به على مرحلتين. بدأت المرحلة الأولى عام ١٩٩٥ بالتركيز على أكثر بقليل من مائة محطة طاقة من أكثر المحطات المسببة للتلوث في الشرق والغرب الأوسط، وهي المناطق الأكثر تأثرًا بالأمطار الحمضية في البلاد. كانت هذه المجموعة الصغيرة نسبيًّا من محطات الطاقة مجتمعة مسئولة عن حوالي نصف انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت الصادرة من محطات الطاقة والبالغة ١٥٫٧ مليون طن عام ١٩٩٠. وبدءًا من عام ١٩٩٥، تسلم أصحاب هذه المحطات نسبًا مخصصة سنويًّا من حصص الانبعاثات — كانت تتراجع بمرور الوقت — وطُلب منهم إرجاع الحصص التي تكافئ انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت الصادرة عن المحطات كل عام. كان بوسع أصحاب المحطات أن يختاروا استخدام جميع الحصص التي خصصت لهم، أو تقليل انبعاثاتهم من ثاني أكسيد الكبريت لأقل من الحصة المخصصة لهم والإبقاء على الحصص التي لم يستخدموها («الاحتفاظ بها») لإمكانية استخدامها مستقبلًا، أو بيع الحصص الزائدة عن حاجتهم لأصحاب محطات طاقة أخرى تصدر انبعاثات تتجاوز الحصة المخصصة لها. وأثناء السنوات الخمس التي امتدت على مدارها المرحلة الأولى، تراجعت الحصة السنوية المخصصة من ٨٫٧ ملايين طن عام ١٩٩٥ — وهو ما يعادل الانبعاثات الفعلية من هذه المصادر عام ١٩٩٠ — إلى ٧ ملايين طن عام ١٩٩٩؛ أي انخفضت بنسبة ٢٠٪. وبعد ذلك في عام ٢٠٠٠، وسعت المرحلة الثانية من سقف الانبعاثات ليشمل جميع محطات الطاقة، وليتضمن بذلك كثير من الوحدات الأصغر والأحدث التي كان إجمالي عددها ٣٤٠٠ وحدة عاملة تقريبًا، ووضعت المرحلة حدًّا أقصى لإجمالي انبعاثات هذه المصادر بلغ ٩٫٥ ملايين طن سنويًّا؛ أي أقل من مستويات عام ١٩٩٠ بنسبة ٤٠٪ (الشكل ٣-٣).
fig9
شكل ٣-٣: برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية. الحصص المخصصة سنويًّا (سقف الانبعاثات)، والانبعاثات الفعلية من محطات الطاقة في الولايات المتحدة في الفترة بين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٨. (المصدر: حسابات المؤلف بناءً على بيانات مستمدة من تقرير حول تقدم برنامج الحد من الأمطار الحمضية التابع لوكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة عن عدة سنوات.)

يوضح برنامج الحد من الأمطار الحمضية كيف يمكن المضي قدمًا وبسرعة أكبر نحو تقليل الانبعاثات عندما نستغل المرونة التي توفرها آليات السوق مثل تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. كان تنظيم سابق لانبعاثات الأمطار الحمضية أصدره قطاع الطاقة في الولايات المتحدة قد ركز بالكامل تقريبًا على مكافحة الانبعاثات في محطات الطاقة الجديدة، في حين كان يسمح لمحطات الطاقة القائمة أن تعمل بأي معايير كانت سارية وقت إنشائها. ويراعي هذا الاختلاف في المعاملة تكاليف تركيب أجهزة جديدة لمكافحة الانبعاثات على محطة موجودة بالفعل التي تفوق تكاليف إمكانية دمج أنظمة الحد من الانبعاثات في تصميم منشآت جديدة، ويعكس بصورة شبه مؤكدة قوة الضغط الكبيرة التي تمثلها الشركات القائمة مقارنةً بالدخلاء الجدد المحتملين. جاء برنامج الحد من الأمطار الحمضية ليمثل خطوة حاسمة بعيدًا عن هذا التوجُّه، ويُحدِث ضغطًا على المحطات لخفض التلوث بمختلف أعمارها.

يتضح التأثير الجذري لهذه النقلة في الشكل ٣-٣. فبدأت الخطة على الفور، وتوصلت محطات الطاقة القديمة كثيرة التلوث التي شملتها المرحلة الأولى إلى طرق لتقليل انبعاثاتها ليصل إجماليها إلى ٥٫٣ ملايين طن؛ أي أقل بنسبة ٤٠٪ تقريبًا من الحد الأقصى المحدد بموجب الحصة المخصصة التي تبلغ ٨٫٧ ملايين طن. واستمر هذا الامتثال الزائد طوال المرحلة الأولى، ليوضح كيف أن أصحاب محطات الطاقة استطاعوا بسرعة انتهاز الفرص غير المستغلة لتخفيض انبعاثاتهم بنسب كبيرة عندما كان هناك حافز مالي يدفعهم. وعن طريق تحقيق نسب الخفض هذه في مرحلة مبكرة، استطاعوا تكوين مخزون كبير من الحصص غير المستخدمة يستطيعون توظيفه ما إن يبدأ تفعيل الحدود القصوى الأكثر صرامة في إطار المرحلة الثانية، إما باستخدام هذه الحصص داخليًّا أو ببيعها. وبحلول عام ٢٠٠٠، كان إجمالي المخزون من الرخص التي تراكمت أثناء المرحلة الأولى قد وصل إلى ١٢ مليون طن، أي ما يعادل إجمالي الانبعاثات خلال سنة كاملة. ثم انخفض هذا المخزون تدريجيًّا على مدار السنوات التالية، بحيث لم تتراجع الانبعاثات في المرحلة الثانية لتصل إلى مستوى السقف الجديد حتى عام ٢٠٠٦.

توفر المعلومات حول أسعار تداول حصص ثاني أكسيد الكبريت منظورًا آخر للبصمة التي تركها البرنامج. تعادل كل حصة طنًّا واحدًا من ثاني أكسيد الكبريت، إما في سنة إصدارها أو في أي سنة تالية. وتعادل في الأساس قيمة الحصة من منظور صاحب محطة الطاقة تكلفة خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت في المحطة بمعدل طن واحد إضافي؛ أو بعبارة أخرى تكلفة الخفض الحدية. وإذا استخدمت المحطة الحصة، فإنها تتجنب هذه التكلفة؛ وإذا لم تستخدمها ووفرتها أو باعتها بدلًا من ذلك، فإنها تتحمل هذه التكلفة. قبل أن يبدأ برنامج الحد من الأمطار الحمضية، كانت وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة قد تنبأت بأن سعر تداول الحصص قد يبلغ ٧٥٠ دولارًا لكل طن من ثاني أكسيد الكبريت. رغم ذلك، عندما بدأ التداول، كان السعر أقل من ذلك بكثير؛ حيث تراوح بين ١٥٠ إلى ٢٠٠ دولار للطن لعدد من السنوات.

قد يكون أحد ردود الأفعال للاختلاف بين توقعات وكالة حماية البيئة والنتيجة في السوق هو اعتبار أنه لا جدوى من التنبؤ الاقتصادي. لكن هنا يجب أن يكون الأساس الذي يستند إليه تحديد السعر واضحًا؛ حيث تعادل الحصص التكلفة الحدية للخفض الذي كانت الشركات ستحتاج إلى تنفيذه إذا لم تستخدم الحصص لتغطية انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكبريت. ولما كانت وكالة حماية البيئة مزودة بمعلومات تقنية قيِّمة حول تكاليف الخفض الخاصة بمحطات طاقة نموذجية، وكان يجب أن تستخدمها في التنبؤ بأسعار التداول بدقة كبيرة، فلماذا إذن جاءت تقديراتها بعيدة إلى هذا الحد عن الصحة؟

اقترح المعلِّقون على هذا أسبابًا متنوعة؛ أحدها مثلًا أن تنظيم الدولة لأرباح شركات المرافق لم يحفز هذه الشركات بالقدر الكافي لتحاول التربح من تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. لكن تشير دراسات أجراها ديني إلرمان وزملاؤه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن السبب الرئيسي كان عدم توقع التنبؤات بمدى تشجيع تداول حقوق إطلاق الانبعاثات للابتكارات التي كان من شأنها أن تخفض مباشرةً تكاليف الخفض (ومن ثم أسعار الرخص). وتحت ضغط سعر ثاني أكسيد الكبريت الذي كان على أصحاب محطات الطاقة أن يدفعوه عندئذٍ مقابل كل طن يطلقوه من ثاني أكسيد الكبريت، توصل أصحاب هذه المحطات لخيارات خفض زهيدة لم يفكروا فيها سابقًا. أدى إلغاء القوانين المنظمة للشحن بالسكك الحديدية بصفة خاصة في فترة التسعينيات إلى خفض كبير في تكلفة نقل الفحم منخفض الكبريت من المناجم الرخيصة النائية في حوض نهر باودر بولاية وايومين، مما جعل الخفض عن طريق استخدام بديل لوقود التشغيل خيارًا قابلًا للتطبيق في كثير من محطات الطاقة الغرب أوسطية التي تعمل بالفحم، والتي لم تكن تستطيع الحصول قبل ذلك على الفحم قليل الكبريت رخيص الثمن. ومن هذا المنظور، يصبح انخفاض أسعار الرخص عن المتوقع دليلًا على قوة حافز الابتكار الذي ولَّدته آليات السوق.

بعد أن حافظت أسعار حصص ثاني أكسيد الكبريت على انخفاضها — حيث بلغت ٢٠٠ دولار أو أقل منذ بدء البرنامج — بدأت الأسعار في الارتفاع بمعدل مخيف منذ بداية عام ٢٠٠٤ فصاعدًا، لتصل في النهاية إلى أعلى مستوى لها في نهاية عام ٢٠٠٥ مسجلةً ١٦٠٠ دولار للطن، وذلك قبل أن تهبط هبوطًا مفاجئًا أيضًا إلى أقل من ٢٠٠ دولار عام ٢٠٠٩. ما الذي يكشفه هذا التطور المذهل في سوق كان مستقرًّا مسبقًا عن سلوك التسعير والتداول في أسواق تداول حقوق إطلاق الانبعاثات؟

كان أحد أسباب ارتفاع أسعار الحصص عام ٢٠٠٤ هو أن الارتفاع المتزايد في أسعار النفط والغاز عالميًّا شجَّع على التحول نحو توليد الطاقة باستخدام الفحم. وأدى هذا بدوره إلى ارتفاع أسعار حصص ثاني أكسيد الكبريت، بسبب ارتفاع مستويات انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت المرتبطة بمحطات الطاقة التي تُدار بالفحم. لكن المذنب الأساسي في الزيادة الحادة عامي ٢٠٠٥ و٢٠٠٦ في سوق ثاني أكسيد الكبريت كان بالتأكيد رد فعل السوق تجاه مناقشة إجراء تغييرات محتملة على النظام كان من شأنها زيادة خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. أدت شائعات حول هذا التضييق التنظيمي المحتمل إلى موجة محمومة من شراء رخص ثاني أكسيد الكبريت وتخزينها؛ تحسبًا لارتفاع قيمتها مستقبلًا. وما إن أُعلنت القواعد الجديدة، حتى تبدد بعض الغموض الذي اكتنف العملية التنظيمية والذي حث على تخزين الرخص، وتراجعت أسعار الرخص مرة أخرى إلى مستويات أقل. تأكد هذا التوجه عام ٢٠٠٨ عندما تدهور الوضع الاقتصادي العام تدهورًا سريعًا أدى إلى قلة الطلب على الطاقة، وبالتالي تقليل الحاجة إلى حصص ثاني أكسيد الكبريت.

نخرج من هذه الأحداث بدرسين عامين؛ الأول هو أن أسواق تداول حقوق إطلاق الانبعاثات قد تبدي رد فعل مبالغًا فيه للتقلبات الاقتصادية بصفة عامة. فإذا كان إمداد الحصص شديد الثبات، فإن التغيرات في الطلب على الحصص — الناتجة عن التغيرات العامة في النشاط الاقتصادي والطلب على الطاقة الكهربائية — لا يمكن استيعابها إلا عن طريق تغيرات حادة في الأسعار، أكثر بكثير مما يحدث في أغلب الأسواق حيث يمكن تلبية زيادة الطلب جزئيًّا عن طريق زيادة العرض. ولهذا السبب، أيَّد الكثيرون وضع «صمامات أمان» في مخططات تداول حقوق إطلاق الانبعاثات تتيح للسلطات زيادة إمدادها من الحصص عندما تتخطى الأسعار حدًّا معينًا وتقليل إمدادها عندما تهبط الأسعار عن حد أدنى معين.

الدرس الثاني هو التأثير الخطير لمواضع الغموض التي تنتج عن عمليات صنع السياسات. فالمناقشات حول تعديلات على القواعد المستقبلية في أنظمة تداول حقوق إطلاق الانبعاثات يمكن أن تخلف تأثيرات مباشرة وفورية على القيمة السوقية الحالية للحصص؛ في الوقت الذي تفكر فيه الشركات في تداعيات تغير السياسات مستقبلًا، وربما تكدس مخزونًا احتياطيًّا من الحصص. وعلى عكس أغلب أسواق السلع الأخرى، تتحدد قيمة حصص تداول حقوق إطلاق الانبعاثات بناءً على قرارات سياسية — وخاصةً تلك المتعلقة بسقف الانبعاثات — ويخلق العبث بهذه القرارات جوًّا من الإبهام يكتنف القيمة المستقبلية للحصص، مما قد يترتب عليه تبعات مكلفة.

هوامش

(1) © 2006 Photonews/TopFoto.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠