الفصل الخامس

اقتصاديات تغير المناخ

في قمة الأرض عام ١٩٩٢ بريو دي جانيرو، تعهدت أكثر من ١٥٠ دولة بالعمل لدرأ التأثيرات البشرية الخطيرة على المناخ العالمي، بالتوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ. وجاء تحركهم هذا استجابةً للأدلة العلمية المتزايدة التي قدمتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والتي أشارت إلى أن المستويات المتواصلة الارتفاع من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي والمتسبب فيها النشاط البشري بدأت تترك تأثيرًا ملحوظًا وربما مدمرًا على المناخ العالمي. وبعد ذلك تمخض مزيد من المفاوضات عن بروتوكول كيوتو الذي وُوفق عليه عام ١٩٩٧، والذي بموجبه قطع عددٌ من الدول الصناعية تعهداتٍ ملزمة بتقليل انبعاثاتها من مجموعة من غازات الدفيئة الرئيسية.

كانت نسب الحد من الانبعاثات المستهدفة من بروتوكول كيوتو محدودة نسبيًّا (خفض الانبعاثات بنسبة ٥٫٢٪ بحلول عام ٢٠١٢، قياسًا بمستويات عام ١٩٩٠)، وكان ينطبق فقط على مجموعة من الدول الصناعية التي وقَّعت البروتوكول. ورغم أن هذه الدول تسير في الطريق الصحيح نحو تحقيق الهدف، فإن الانبعاثات العالمية تتزايد بسرعة، خاصةً بسبب الزيادة المستمرة للطلب على الطاقة في الصين وغيرها من الدول النامية سريعة النمو.

على خلفية هذا التزايد السريع المتواصل في الانبعاثات، تجري محاولات عاجلة ومحمومة بوقع متنامٍ لمد الاتفاقية الدولية وتوسيع نطاقها بحيث تتجاوز النطاق والجدول الزمني الحاليين لبروتوكول كيوتو. زاد حماس هذه المناقشات نتيجة تنامي حدة قلق الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ بشأن تغير المناخ، بناءً على الأدلة العلمية المتراكمة، وفي بريطانيا، كان سبب هذا القلق نشر «مراجعة شتيرن بشأن الآثار الاقتصادية لتغير المناخ» عام ٢٠٠٦، التي كانت تدعو إلى اتخاذ إجراء عاجل وقوي.

ما هي إذن المشكلات البارزة التي أثارها التحليل الاقتصادي لتغير المناخ؟ وكيف تنمي وعينا بالحجة الداعية إلى اتخاذ إجراء، والصورة التي يجب أن تخرج بها سياسة تغير المناخ؟ هل يسلط التفكير في المشكلات الاقتصادية أي ضوء على احتمالات التوصل لاتفاقية ناجحة حول تعاون دولي هادف للحد من تغير المناخ؟

غازات الدفيئة وتغير المناخ

تدفع مفاوضات تغير المناخ العالمي المخاوف من عملية الاحترار العالمي، الذي من المرجح أن ينتج عن التراكم المتزايد لغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. وأبرز غازات الدفيئة — من حيث الكم — هو ثاني أكسيد الكربون المسئول عن نحو ثلثي إجمالي تأثير الاحترار العالمي الناتج عن انبعاثات غازات الدفيئة. يؤدي النشاط البشري إلى خروج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نتيجة احتراق الوقود الحفري بشكل أساسي؛ حيث يُستخدم الفحم والنفط والغاز في العمليات الصناعية ولتوليد الكهرباء وكوقود للسيارات وللتدفئة المنزلية.

بالإضافة إلى ثاني أكسيد الكربون، تشمل غازات الدفيئة المهمة الأخرى غاز الميثان وأكسيد النيتروز والكلوروفلوروكربونات (وهي مواد كيميائية تُستخدم كدافعات للرذاذ ومواد تبريد إضافة إلى استخدامها في عمليات صناعية متنوعة). ومقابل كل طن يصدر، تتباين هذه الغازات تباينًا كبيرًا من حيث الضرر الذي تحدثه. كل طن من انبعاثات الميثان يعادل في تأثيره على الاحترار العالمي تأثير ٢٣ طنًّا من ثاني أكسيد الكربون، في حين تعادل قدرة بعض الكلوروفلوروكربونات على إحداث الاحترار العالمي ألف طن أو أكثر من ثاني أكسيد الكربون.

تواصل مستويات ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي ارتفاعها بانتظام منذ الثورة الصناعية. ففي عام ١٨٥٠، كان الغلاف الجوي يحتوي على حوالي ٢٩٠ جزءًا من المليون من حيث الحجم من غازات الدفيئة، وقد ارتفعت هذه الكمية الآن إلى ٤٣٠ جزءًا من المليون من حيث الحجم، وتزداد بمعدل ٢٫٣ جزء من المليون سنويًّا تقريبًا. وعلى مدار القرن العشرين، ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار ٠٫٧ درجة مئوية. ويبدو أن معدل الاحترار يتزايد، حيث ارتفعت درجة الحرارة بمقدار ٠٫٢ درجة مئوية خلال كل عقد من العقود الثلاثة الماضية.

للتنبؤ بتزايد الانبعاثات وتركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، نحتاج إلى أن نأخذ في الاعتبار النمو الاقتصادي المستقبلي — بما في ذلك التحول الصناعي السريع جدًّا في الصين، والهند وغيرها من الدول النامية — وتطور تقنيات الطاقة. لخَّصت «مراجعة شتيرن بشأن الآثار الاقتصادية لتغير المناخ» الأدلة والتقديرات المتاحة. وقد أشارت إلى أن زيادة الانبعاثات مستقبلًا قد تؤدي إلى تركيز بنسبة ٥٥٠ جزءًا من المليون من حيث الحجم في الغلاف الجوي بحلول عام ٢٠٥٠، وأن المعدل السنوى لزيادة التركيز سيكون قد بلغ حينها ٤٫٥ أجزاء من المليون من حيث الحجم، وسيتوالى الارتفاع. بحلول نهاية هذا القرن، يمكن أن تتجاوز التركيزات بالهواء الجوي ٨٥٠ جزءًا من المليون من حيث الحجم، لتتخطى بذلك مستويات ما قبل الصناعة بأكثر من ثلاثة أمثال.

لا يمكن تناول ما يتضمنه هذا بالنسبة للمناخ في توقع واحد، ولكن الأمر يتطلب تقييمًا للاحتمالات لأن تركيزات غازات الدفيئة عند هذا المستوى تفوق بمراحل النطاق الذي عُرف عنها تاريخيًّا. وحسب «استعراض شتيرن»، فمقارنة الأدلة العلمية الحالية تشير إلى أنه إذا وصلت تركيزات غازات الدفيئة لثلاثة أمثال مستويات ما قبل الصناعة، سيكون هناك فرصة بنسبة ٥٠٪ على الأقل لأن يتجاوز ارتفاع درجات الحرارة العالمية عن مستويات ما قبل الصناعة ٥ درجات مئوية.

رغم أن الناس يتحدثون كثيرًا عن «الاحترار العالمي» و«تغير المناخ» كمترادفات لها نفس المعنى، يزداد وعي علماء المناخ وصنَّاع السياسة بأن المشكلات ليست قاصرة فقط على حدوث ارتفاع عام في درجات الحرارة العالمية. وتتعلق بعض أهم المشكلات بالتوزيع الجغرافي غير العادل للتغيرات المناخية، والزيادة المتوقعة في التقلبات المناخية. وفي حين يمكن أن ترتفع درجات الحرارة في العالم عامة، قد تصبح بعض المناطق أكثر حرارة بدرجة كبيرة، بينما قد تشهد مناطق أخرى ارتفاعًا أقل في درجة الحرارة. قد تكون التأثيرات على نمط هطول المطر واسعة النطاق وغير متساوية، وقد تصاحبها تأثيرات حادة على صلاحية الزراعة في بعض المناطق. علاوةً على هذا كله، أصبحنا ندرك أن تغير المناخ العالمي قد ينطوي على زيادة في عدم استقرار أنماط المناخ، ووقوع أحداث عنيفة بتواتر وشدة أكبر؛ مثل الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات، وما شابه ذلك.

ما الأمر المميز في سياسة تغير المناخ؟

تعكس بنية المشكلات الاقتصادية بعض الخصائص الرئيسية في العمليات المادية الأساسية وطبيعة الأدلة العلمية المشيرة إليها. تنشأ المشكلة نتيجة «تراكم الانبعاثات» وليس مستوى الانبعاثات في أي سنة، ويحيط بها «غموض كبير» حول نطاق التأثيرات ونمطها، ويحتمل وقوع تأثيرات «كارثية أو مستحيلة الإبطال أو كليهما»، وسنشهد كثيرًا من تأثيرات الانبعاثات والتدابير السياسية الحالية في «المستقبل البعيد».

عملية الاحترار العالمي الفعلية هي عملية ديناميكية، تتطور على مدى فترة زمنية طويلة، ويترتب عليها دمار ناتج عن تراكم مخزون ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وليس تدفق الانبعاثات السنوي. وقد تكوَّن هذا المخزون بالطبع نتيجةً لانبعاثات ماضية وحالية. وكل عام تضيف الانبعاثات زيادة جديدة إلى المخزون، أو بعبارة أخرى إلى تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي العالمي. وهذا يعني بالتأكيد أنه سيكون من الصعب جدًّا وضع حد لتغير المناخ العالمي أو إبطاله. قد لا يمنع خفض مستوى انبعاثات غازات الدفيئة السنوية من الآن فصاعدًا — حتى ولو كان هذا الانخفاض حادًّا — حدوث زيادات أخرى في مخزون غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، لكنه على الأقل قد يقلل معدل هذه الزيادات لتصبح أبطأ مما هي عليه في حالة عدم حدوث أي انخفاض في الانبعاثات.

يمكن خفض تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي بطريقتين. إحداهما خفض الانبعاثات لأقل من مستوى «الإهلاك» الطبيعي للمخزون الحالي، وهي مهمة شاقة جدًّا. والأخرى اتخاذ تدابير لتعجيل إزالة الكربون من الغلاف الجوي. تشمل هذه التدابير زراعة الغابات لتكون «بالوعات للكربون»؛ فتمتص كمية معينة من الكربون من الهواء الجوي، وتخزنه في أخشاب الأشجار النامية. هناك أيضًا عدد من تقنيات «حجز الكربون وتخزينه» قيد التطوير، رغم أنها لم تثبت فعاليتها بعد في التطبيقات واسعة النطاق. ربما تُستخدم هذه التقنيات مبدئيًّا في حجز الانبعاثات الصادرة من محطات الطاقة واسعة النطاق التي تعمل بالفحم، وتخزين الكربون المحتجز تحت الأرض، بدلًا من سحب الكربون من مخزون الغلاف الجوي الحالي. ونظرًا لأن إبطاء معدل زيادة التركيزات الجوية سيستغرق وقتًا طويلًا، ونظرًا لمحدودية نطاق «إبطال» تأثيرات الانبعاثات القديمة؛ فلا مفر من حدوث بعض الاحترار العالمي والتغير المناخي.

ولما كان السبب في حدوث التأثيرات البيئية للاحترار العالمي هو «مخزون» غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وليس التدفقات السنوية، فهذا يعني أن القرارات المعنية بخفض الانبعاثات تتضمن اعتبارات معقدة وديناميكية. نحتاج إلى التفكير في جدول زمني للخفض، وليس في مجرد مستوى خفض واحد. فيمكن على سبيل المثال تحقيق مستوى منشود معين من تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي خلال ٥٠ عامًا بعدد من الطرق المختلفة؛ مثل تطبيق نسب خفض حادة مبدئيًّا في الانبعاثات أو نسب خفض منتظمة في الانبعاثات على مدار الفترة الزمنية بأكملها أو تعجيل معدل الخفض قرب نهاية الفترة الزمنية. وإذا افترضنا أن التقدم التكنولوجي سوف يوسع نطاق خيارات الخفض في المستقبل ويقلل تكاليفه — وهو افتراض منطقي إلى حد ما — فإن اتخاذ إجراء الآن سيكون مكلفًا أكثر منه في المستقبل. ومن ناحية أخرى، سيحقق هذا منافع مبكرة، لأن مستوى تركيزات غازات الدفيئة سوف ينخفض مبكرًا.

هذه المشكلات التي تدور حول توقيت الخفض — وحول مدى ضرورة اتخاذ إجراء — تتفاعل مع مواضع الغموض العلمية التي تحيط بتغير المناخ العالمي. وتشمل بعض مواضع الغموض الأساسية احتمالات حدوث تغيرات، ربما تكون كارثية لا يمكن ردها في المناخ العالمي إذا وصلت تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي حدًّا حرجًا. وفي مرحلة ما، قد يغير الاحترار العالمي من تيارات المحيطات العميقة التي تشكل الأنماط المناخية في العديد من مناطق العالم، بما في ذلك مثلًا تيار الخليج الدافئ، الذي يمنح المملكة المتحدة وأوروبا الغربية طقسًا أكثر اعتدالًا من الطقس بأماكن تقع على دائرة عرض مشابهة على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية. ومن الممكن أن يتسبب هذا حينها في تفاعل متسلسل من التبعات المؤذية التي لن نستطيع إيقافها إذا عادت تركيزات غازات الدفيئة بعد ذلك إلى مستوياتها الحالية. ورغم وضوح هذا الخطر، لا يتضح إطلاقًا متى نصادف الحد الحرج الذي سيجلب مثل هذه السلسلة الكارثية من الأحداث. إذا كان من المحتمل أننا قريبون من مستوى تركيزات غازات الدفيئة الذي سيجلب تغييرات من هذا النوع لا يمكن ردها، فربما يكون هذا سببًا أدعى لاتخاذ إجراء في وقت أبكر، كإجراء وقائي تحسبًا لهذا الخطر.

في الواقع، يمثل الغموض العلمي إحدى السمات الرئيسية التي تميز سياسة تغير المناخ. فهذا الغموض ليس نتاجًا لفقر العلم، أو لعدم كفاية جهود البحث، لكنه مترسخ في حقيقة أننا نتوغل في أرض مجهولة، ولا يسعنا سوى أن نحزر التأثيرات التي تصيب توازن النظام البيئي لكوكب الأرض؛ ذلك التوازن المعقد وربما غير المستقر، مستندين في ذلك إلى ما نعلمه من واقع تجربة ماضية وحالية. بالتأكيد سوف يساعدنا تخصيص موارد إضافية هائلة لجهود البحث العلمي بأعلى جودة على معرفة المزيد عما يحتمل حدوثه، لكنه لن يحدث تحولًا في الموقف الأساسي. ونحن لا نملك خيار الانتظار حتى يتبدد الغموض العلمي. لكن علينا بدلًا من ذلك أن نتخذ خيارات ضخمة ومكلفة وصعبة، ذات تأثيرات بعيدة المدى على البشرية، لمواجهة غموض حتمي يحيط بنطاق التأثيرات وسرعتها وأحيانًا اتجاهها. وعلاوةً على هذا، لن نكتشف على الأغلب موطن الحقيقة إلا عندما يكون الأوان قد فات لفعل الكثير حيالها.

تنطوي قلة من قرارات السياسة العامة على هذه الدرجة من الغموض، ولا يوجد إطار آخر يجمع بين هذا الشك وبين هذه التكاليف الضخمة التي تمتد إلى مستقبل غير معلوم. وأيًّا كان ما نفعله — سواءٌ أَتَّخذنا إجراءً أم وقفنا مكتوفي الأيدي — فستكون هناك مخاطرة كبيرة. أحد أكثر الإسهامات التي قدمتها «مراجعة شتيرن بشأن الآثار الاقتصادية لتغير المناخ» عام ٢٠٠٦ كان إيضاح أن هذا القرار الفريد يتطلب أساليب صنع قرار تأخذ جيدًا في الاعتبار مواضع الغموض الكبيرة مستعصية التبديد حول عملية الاحترار العالمي وتبعات الإجراءات السياسية. علينا أن نتجنب بصفة خاصة التحليلات وإجراءات اتخاذ القرار التي تختزل النطاق الواسع من عمليات التنمية الممكنة بسرعة كبيرة في تنبؤ واحد قائم على «أفضل تخمين» يكون بؤرة اهتمامنا بعد ذلك. يبدو هذا مغريًا: عند إجمال الأدلة في نقطة وحيدة — عدد واحد يُتنبأ به — يصبح من السهل جدًّا التركيز في المناقشة، ويجنبنا هذا احتمال أن يختار الناس من بين مجموعة من السيناريوهات ليبحثوا عن السيناريو الذي يناسب اهتماماتهم أو تصوراتهم المسبقة الموجودة بالفعل. غير أن تركيز الاهتمام نحو طريق «أفضل تخمين» ينطوي على خطورة إذا أدى بنا إلى إغفال خطورة عمليات التنمية ضعيفة الاحتمال التي تشتمل على تكاليف ضخمة.

أجيال المستقبل

ثمة وجه آخر جوهري يختلف فيه موضوع الاحترار العالمي عن أي قرار مهم آخر متعلق بالسياسة العامة. ستتحمل أجيال المستقبل، بما فيها أجيال كثيرة لم تولد بعدُ، جزءًا ضخمًا من الدمار الذي يخلفه الاحترار العالمي؛ ومن ثم ستنتفع من المنافع التي يحققها أي إجراء سياسي يُتخذ الآن. عندما نقدِّر نطاق الإجراء الذي يجب أن نتخذه للحد من الانبعاثات الحالية، كيف يمكننا أن نعكس مصالح أجيال المستقبل؟ على أي أساس يجب أن نقارن مصالح أجيال المستقبل بمصالح الجيل الحالي الذي سيضطر إلى تحمل تكاليف خفض هائلة، في حين لن يعيش حتى يشهد كثيرًا من المنافع؟

يميل خبراء الاقتصاد إلى التفكير في تدابير السياسة العامة التي تشمل التكاليف والمنافع التي تنشأ بدورها في أوقات مختلفة في صورة «الخَصم». في الوضع المعتاد بالطبع يتكبد السكان الحاليون التكاليف وينعمون بالمنافع. سيتطلب مشروع إنشاء سد أو جسر استثمارًا مبدئيًّا، ويثمر عن منافع في سنوات مستقبلية ما إن ينتهِ المشروع. يتخلى الجيل الحالي عن نسبة من الاستهلاك الآن، حتى يوفر الموارد اللازمة للمشروع، لكنه أيضًا يحصد المنافع التي تتحقق لاحقًا. ويقيس تحليل التكاليف والمنافع للمشروع كلًّا من التكاليف والمنافع بناءً على قيمها الحالية، أو بعبارة أخرى، بناءً على القيمة التي تكافئها في العام الحالي. ويعني خصم المنافع المستقبلية إعطاء مقدار المنافع التي يعود عليك بها كل جنيه مستقبلًا قيمة أقل من المنافع المكافئة التي يعود بها الجنيه في الوقت الحالي؛ فسيؤدي خصم بنسبة ٣٪ إلى خفض كبير في قيمة المنافع المستقبلية يصل إلى ٣٪ عن كل سنة تتحقق فيها منافع مستقبلية.

ما يبرر هذا النهج هو أنه يعكس الطريقة التي ينتقي بها أفراد المجتمع اختيارات متشابهة. (كما ناقشنا في الفصل الرابع، تقوم فلسفة تحليل التكاليف والمنافع على محاولة إجمال القيم التي يراها جميع الأفراد، وليس فرض بعض الآراء والتفضيلات الشخصية لمجموعة من «الخبراء» أو «الصفوة».) نرى أن الأفراد يقررون اختيارات تنطوي على شيء من تفضيل الاستهلاك الآن بدلًا من استهلاك كمية مكافئة في المستقبل. ولنا أيضًا أن نفكر في أسباب ممكنة قد تفسر ذلك؛ فقد يفقد الناس ببساطة صبرهم؛ ربما يفضلون في الواقع الاستهلاك الآن، حتى ولو كان ذلك يعني انخفاض الاستهلاك مستقبلًا، أو قد يدركون أنهم إذا أجلوا الاستهلاك للمستقبل، فهم معرضون دائمًا لاحتمال الفناء قبل أن يتسنى لهم الاستمتاع به. ويُعد احتمال الموت في انتظار المنفعة سببًا كافيًا يجعل الإنسان الرشيد يخصم المنافع المستقبلية بمتوسط ١٪ في العام أو نحو ذلك، ليعكس ذلك متوسط احتمال التعرض للموت سنويًّا. ثمة سبب آخر يدعو الناس إلى خصم المنافع المستقبلية؛ وهو أنهم قد يتوقعون أن تتيسر أحوالهم المادية في المستقبل، بهذا يجدون أن أي مقدار معين من الاستهلاك سيرفع مستوى معيشتهم بدرجة أقل مما سيحدث إذا استُهلك الآن، بينما لا يزالون أفقر. ازدادت الدخول زيادة ثابتة على مدار القرن الماضي، ومن المنطقي أن نعتقد أن هذا التوجه طويل المدى سوف يستمر خلال القرن المقبل؛ وفي ظل هذه الظروف، سيكون إجراء بعض الخصم من المنافع المستقبلية مبررًا. وقد تبرر هذه الأسباب المتنوعة للخصم مجتمعةً تطبيق معدل خصم يتراوح بين ٢٪ إلى ٤٪ في العام على المنافع المستقبلية عند تقييم المشروعات العامة في إطار جداول زمنية «اعتيادية».

لكن لا تنطبق على المشروعات إلا بعض أجزاء هذا المنطق — مثل الحد من تغير المناخ — التي ستتمتع أجيال لم تولد بعد بجزء كبير من منافعها. وبحلول الوقت الذي سيتحقق فيه كثير من المنافع، سيكون كل أفراد الجيل الحالي من المصوِّتين وصنَّاع السياسة قد رحلوا. لا يمكن أن تكون العجلة سببًا في خصم المنافع في هذه الحالة، ولا يصلح احتمال التعرض للموت كذلك. ولهذا يتضح عدم وجود سبب قوي يدعو إلى خصم المنافع المستقبلية على مدار هذا الجدول الزمني الطويل جدًّا. وإذا قررنا رغم ذلك تطبيق معدل خصم أقل بكثير من المعدل الذي سيُطبق على المشروعات قصيرة الأجل، فستكون النتائج هائلة.

عند الخصم بمعدل كبير، تتضاءل التكاليف والمنافع في المستقبل البعيد لحد الانعدام في حساب التكاليف والمنافع، أما في حالة الخصم بمعدلات متدنية (أو عدم الخصم على الإطلاق)، تؤثر التكاليف في المستقبل البعيد تأثيرًا كبيرًا على قياسات التكاليف والمنافع. فعلى سبيل المثال، يعني الخصم بمعدل ٤٪ سنويًّا أن مقدار المنافع بقيمة ١٠٠٠ جنيه استرليني بعد مدة تبلغ ١٠٠ عام ستكافئ ٢٠ جنيهًا استرلينيًّا فقط الآن، في حين يعني الخصم بمعدل ١٪ أنها تكافئ ٣٧٠ جنيهًا استرلينيًّا الآن؛ أي إن المنافع بقيمتها الحالية أكبر بتسعة عشر ضعفًا مما ستكون عليه إذا ما طُبق خصم بمعدل ٤٪. وفي حالة عدم تطبيق أي خصم على الإطلاق، ستكون القيمة خلال ١٠٠ عام هي بالطبع القيمة الحالية نفسها؛ أي ١٠٠٠ جنيه استرليني. وإذا طبقنا خصمًا كبيرًا على حسابات التكاليف والمنافع التي تتضمنها سياسات الحد من تغير المناخ العالمي، فهذا يعني أنه يمكن على الأغلب التغاضي عن المنافع التي تتحقق في المستقبل البعيد جدًّا. وعلى النقيض من ذلك، إذا طبقنا معدل خصم متدنيًا، (أو في حالة عدم تطبيق أي خصم)، ستهيمن مصالح أجيال المستقبل البعيد على الحساب الإجمالي.

في النهاية، المسألة هي مسألة إنصاف بين الأجيال: كم يجب أن نترك للأجيال المستقبلية لتستمتع به؟ تتناول «مراجعة شتيرن» هذا السؤال من منظور أخلاقي جدًّا، حيث يرى أنه لا يوجد سبب يدعو إلى تغليب مصالح الجيل الحالي على أي جيل آخر. ومن ثم، يطبق شتيرن معدل خصم متدنيًا على المنافع المستقبلية، مما ينتج عنه إعطاء مصالح الأجيال في المستقبل البعيد أهمية كبيرة في حساب التكاليف والمنافع الإجمالية. وأيَّد خبراء اقتصاد آخرون، من بينهم الخبير الاقتصادي الأمريكي ويليام نوردهاوس — وهو أحد أشد نقاد «مراجعة شتيرن» — تطبيق معدلات أكبر بكثير.

الحجة الاقتصادية الداعية إلى وضع سياسة لتغير المناخ

تتضمن سياسة تغير المناخ تكاليف ومنافع؛ تكاليف الخفض التي سيجري تحملها لتقليل انبعاثات غازات الدفيئة، ومنافع في صورة الحد من الضرر الناتج عن تغير المناخ. يمكننا استخدام إطار العمل الاقتصادي الموضح في الفصل الثاني لقياس نسبة الخفض في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة التي ستبررها المنافع البيئية التي ستتحقق. ووفقًا لإطار العمل هذا، يظل الخفض جديرًا بالتنفيذ حتى يصل إلى النقطة التي تتساوى عندها التكلفة الحدية للخفض مع الضرر البيئي الحدي، أو بمعنى آخر النقطة التي تتساوى عندها تكلفة خفض انبعاثات غازات الدفيئة بمقدار طن واحد إضافي مع الخفض في الضرر الناتج عن تغير المناخ، والذي يتحقق عن طريق ذلك الطن الإضافي من الخفض. أحد العوامل التي تحدد مقدار الخفض المبرر هو نمط تكاليف الخفض؛ أو بالأحرى، مدى حدة ارتفاع تكاليف الخفض الحدية أثناء سعينا لتحقيق خفض أكبر.
fig13
شكل ٥-١: منحنى تكاليف الخفض الحدية العالمية لانبعاثات الكربون الصادرة عن توليد الطاقة، عام ٢٠٣٠.
يوضح الشكل ٥-١ تكاليف الخفض الحدية في قطاع الطاقة الكهربائية، وهي أحد العوامل الأساسية المساهمة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. يتخذ الجدول نهجًا «تصاعديًّا» مستخدمًا تقديرات لإمكانية الخفض وتكلفته التي تقابل كل خيار من الخيارات الرئيسية لتقليل انبعاثات الكربون الصادر عن توليد الطاقة الكهربائية. تشمل هذه الخيارات مصادر متجددة للطاقة مثل الرياح والكتلة الحيوية والطاقة الشمسية والطاقة النووية، واستخدام تقنية حجز الكربون وتخزينه لتقليل انبعاثات الكربون الصادر عن توليد الطاقة من الوقود الحفري.

نظرًا لطول إجمالي الفترة الزمنية المستغرقة في إنشاء محطات الطاقة، لا سيما القدرة النووية الجديدة، ونظرًا لامتداد النطاق الزمني اللازم لتفعيل سياسات تغير المناخ، يتنبأ الجدول بإمكانيات التكاليف والخفض عام ٢٠٣٠، وليس الآن. وهذه بالطبع مجرد توقعات. فتقنيات الطاقة المتجددة تتطور بسرعة كبيرة، وستنخفض تكاليف الخفض باستخدام هذه التقنيات بشكل شبه مؤكد انخفاضًا كبيرًا في الفترة ما بين الوقت الحالي وعام ٢٠٣٠، نتيجة لوفورات الإنتاج الضخم والتغيرات التقنية الموفرة للتكاليف، رغم أنه يستحيل تعيين رقم محدد للتوفير في تكاليف الخفض. إضافة إلى هذا، سيؤثر كثير من العوامل على المستوى المعياري للنشاط والانبعاثات في قطاع الطاقة، الذي سوف تُقدر على أساسه إمكانية الخفض. فمثلًا سيؤدي النمو الاقتصادي الأسرع إلى ارتفاع المستوى المعياري للانبعاثات، لكن يُتوقع أيضًا أن يرفع أسعار الوقود الحفري، مما سيشجع على التحول إلى توليد الطاقة باستخدام وقود غير حفري في كل الأحوال، حتى بدون أي من تدابير السياسة العامة لتغير المناخ.

يعرض الجدول بعض تقديرات تكاليف الخفض الحدية التي سيجري تحملها في سبيل تحقيق نسب خفض في الانبعاثات لأقل من النسب المتوقعة في غياب تدابير السياسة العامة. ومن ثم، فيمكن مثلًا أن يحقق قطاع الطاقة العالمي نسب خفض في الانبعاثات تبلغ ٢ ميجا طن تقريبًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في العام، مقابل تكلفة خفض حدية أقل من ٤٠ دولارًا لكل طن من الكربون. وستؤدي مضاعفة هذا المستوى من الخفض إلى زيادة تكلفة الخفض الحدية إلى نحو ٨٥ دولارًا، مما يتطلب الاستفادة من خيارات الخفض الأغلى. ومن المثير للاهتمام ملاحظة كيف تتباين التقنيات المختلفة المتنوعة من حيث تكاليف الخفض. بناءً على التقديرات المستخدمة في الشكل ٥-١، تبرز الطاقة النووية باعتبارها وسيلة لتقليل انبعاثات قطاع الطاقة أرخص كثيرًا من تقنية حجز الكربون وتخزينه لكل طن من انبعاثات الكربون المخفضة. رغم ذلك، سيكون توقع تكاليف التكنولوجيا بعد ٢٠ عامًا حتمًا غير دقيق، وستكون التكاليف الحدية المقدَّرة أقرب إلى الصواب؛ حتى إن التحسينات الإضافية الصغيرة نسبيًّا في التكاليف بالنسبة للتقنيات على مدار جيل أو جيلين قد تغير ترتيب التكاليف الإجمالية للتدابير تغييرًا جذريًّا.

إن القبول بمزيد من الطاقة النووية ثمنًا للحد من تغير المناخ هو بالطبع أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في سياسة الطاقة الحالية. فأثناء التركيز على تغير المناخ، لا يجب أن نغفل التكاليف الخارجية المحتملة للطاقة النووية، والتي تظهر في صورة احتمال وقوع حادث نووي كارثي، على غرار حادث تشيرنوبل، أو الكارثة التي بالكاد جرى تداركها في جزيرة ثري مايل. ربما يكون احتمال وقوع مثل هذا الحادث ضئيلًا جدًّا، لكن من الحماقة ادعاء أنه منعدم، وستكون تكاليف كارثة واسعة النطاق باهظة وطويلة الأجل. تكمن الصعوبة بالتأكيد في تحديد أي قيمة رقمية لاحتمال وقوع مثل هذا الحادث، وبالتالي في قياس حجم التأثير الخارجي للمخاطر النووية.

تتوفر خارج قطاع الطاقة فرص كبيرة لخفض غازات الدفيئة في القطاعات الصناعية الأخرى، لا سيما صناعة الحديد والصلب والأسمنت والمواد الكيميائية. تصدر عن قطاع النقل انبعاثات هائلة وسريعة التزايد، ويحظى هذا القطاع بمجموعة من الإمكانات لتقليل الانبعاثات الصادرة عن النقل البري والطيران. ويمكن أن يشمل خفض الكربون في الزراعة إمكانية زراعة غابات جديدة لتكون «بالوعات» للكربون. ويمكن أن يسهم كذلك ترشيد استهلاك الطاقة في المنازل بنسبة كبيرة في خفض الانبعاثات.

نظريًّا، يمكننا إضافة كل مجالات الخفض الممكن إلى مخطط قطاع الطاقة في الشكل ٥-١، وذلك لوضع جدول شامل لتكاليف الخفض الحدية في كل قطاعات الاقتصاد. ولكن عمليًّا، نادرًا ما يحدث هذا؛ حيث تؤدي أغلب تحليلات إمكانات الخفض العالمي والتكاليف إلى النتيجة نفسها، لكنها متضمنة في آليات العمل الداخلية لنموذج محاكاة واسع النطاق، وليست مجملة في رسم بياني واحد.

أشارت بعض الدراسات إلى إمكانية تحقيق قدر كبير من خفض الكربون نظير تكلفة حدية سالبة أو منعدمة؛ أو بعبارة أخرى، ثمة تدابير من شأنها خفض انبعاثات الكربون وتوفير المال في الوقت نفسه مقارنة بالتقنيات التي كانت ستستخدم بدلًا منها. وهذا مثار للجدل. إذا كانت هذه التدابير أرخص حقًّا، فلِمَ لا تستخدمها الشركات الساعية إلى تحقيق الربح؟ يرى البعض وجود صور متنوعة من الحواجز وإخفاقات السوق التي تمنع الشركات أحيانًا من اتخاذ قرارات فعالة. قد يعني الافتقار إلى المعلومات مثلًا تجاهل بعض الخيارات الزهيدة منخفضة الكربون، وألا تختار الشركات ببساطة سوى التقنيات التي تألفها. حينها سيكون لاتخاذ إجراء يعزز توافر المشورة التكنولوجية السديدة والمعلومات المفيدة منفعة مضاعفة؛ ستجني الشركات أرباحًا أعلى، وتنخفض انبعاثات الكربون. لكن يعتقد آخرون أن هذا أروع من أن يكون حقيقيًّا، وأنه يمكن أن توجد تكاليف مهمة مخفية يجري إغفالها عند المقارنة بين تكاليف التقنيات.

يتسم قياس تكاليف الضرر الناتجة عن تغير المناخ أيضًا بسمات مثيرة للجدل. فمواضع الغموض العلمية التي تكتنف العمليات الفعلية وحقيقة أنها تتجاوز نطاق التجربة الحديثة تجعل من الصعب أن نتحرى أي درجة من الدقة في العلاقة بين انبعاثات غازات الدفيئة وبعض العوامل الرئيسية التي تؤثر في تكاليف الضرر الناتج عن تغير المناخ. لا نعلم سوى القليل عن النقطة المحددة التي ستحدث عندها تأثيرات كبرى لتخطي الحد المعياري مثل انعكاس تيارات المحيطات العميقة.

إحدى فئات تكلفة الضرر اللاحق بالمناخ التي قُتلت بحثًا هي التأثير الذي يخلفه على الزراعة. سيتأثر الإنتاج الزراعي بتغيرات درجات الحرارة وسطوع الشمس وهطول المطر؛ وفي بعض المناطق الأبرد، قد تعمل هذه التغيرات على إنعاش المحصول الزراعي، في حين سيلحق بالزراعة ضرر بالغ نتيجة درجات الحرارة المرتفعة عن معدلاتها والمزيد من حالات نقص المياه الحادة في أماكن حارة وجافة بطبيعتها. سيحمل تغير المناخ في طياته غالبًا عدم القدرة على توقع أنماط الطقس وتكرار حدوث الأعاصير وفترات الجفاف وغيرها من أحداث الطقس القاسية بتواتر أكبر، وكل هذا سيضر بالزراعة، وسينعكس في صورة زيادة حوادث فقْد المحصول ووقوع خسائر في الحصاد. غير أنه توجد بعض المنافع التعويضية لنمو المحاصيل من ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ما يهم في قياس النمط الكلي للتأثيرات على الزراعة هو أن نأخذ في الاعتبار التعديلات والتغييرات الهادفة إلى التكيف التي يمكن إجراؤها والفلاحون يتحولون إلى زراعة المحاصيل الأكثر ملاءمة للمناخ المتغير في منطقتهم. وإذا افترضنا ببساطة أن الفلاحين في كل منطقة سيواصلون زراعة المحاصيل نفسها التي يزرعونها الآن، فسنبالغ في التأثير الضار لتغير المناخ على المحصول الزراعي.

من المتوقع أن يؤثر تغير المناخ في إمدادات المياه بصفة عامة. فستصبح إمدادات المياه في مناطق قاحلة بالفعل أكثر ندرةً. في جنوب أوروبا مثلًا، يمكن أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار درجتين مئويتين إلى انخفاض في هطول الأمطار الصيفية بنسبة تتراوح بين ٢٠٪ و٣٠٪، مما سيؤدي إلى تفاقم مشكلات إمدادات المياه القائمة بالفعل.

ستتراجع متطلبات الطاقة اللازمة للتدفئة، في حين ستزداد الحاجة إلى الطاقة اللازمة للتبريد وتكييف الهواء، لا سيما في تلك المناطق من العالم حيث تقترب درجات الحرارة بالفعل من الحد الأقصى لاحتمال البشر.

ستحدث فيضانات وستهب عواصف وأعاصير أكثر وأشد عنفًا تدمر المنازل والبنى التحتية. وقد نضطر إلى أن نستثمر استثمارات باهظة للحد من هذه التكاليف والمخاطر؛ كأن نستثمر مثلًا في تحسين نظام صرف مياه العواصف وغير ذلك من التدابير الدفاعية. ومع انصهار الجليد القطبي، سيؤدي تواصل ارتفاع مستوى سطح البحر إلى زيادة مخاطر حدوث الفيضان الساحلي، مما سينتج عنه ضرورة وجود استثمارات كبرى في حواجز مواجهة الفيضانات. على سبيل المثال، تقع مبانٍ وأصول أخرى تقدر بأكثر من ١٢٥ مليار جنيه استرليني في لندن في المنطقة التي ستتعرض لفيضان أعتى، ولن تكون حواجز مواجهة الفيضانات الحالية في لندن — بما في ذلك حاجز نهر التيمز باهظ التكاليف — كافية وستحتاج إلى تعزيزها.

ستمثل كل هذه التكاليف على الأغلب عبئًا على الدول الأفقر بما لا يتناسب مع إمكانياتها. فهذه الدول أكثر اعتمادًا على الإنتاج الزراعي، ويقع العديد منها في بقاع أكثر دفئًا ومناطق استوائية ستكون التأثيرات فيها أشد قوة. وفي أغلب الدول النامية أيضًا يتسم النظام الاقتصادي بمرونة أقل، وسيواجه صعوبة كبيرة حتى يتكيف مع الظروف المتغيرة. في حين ستتأثر بعض أفقر الدول تأثُّرًا أعنف من غيرها. فجزء كبير من بنجلاديش — موطن حوالي ١٦٠ مليون نسمة — قريب بالفعل من مستوى سطح البحر، وفي غياب حواجز ضخمة لمواجهة الفيضانات، ستغمرها المياه عندما يرتفع مستوى سطح البحر. ومع تفاقم تغير المناخ، يمكن أن تمثل تكاليف تشريد السكان والصراعات الناتجة عن التغيرات السريعة في المناخ وظروف المعيشة في مناطق مختلفة بالعالم تهديدًا كبيرًا للاستقرار الاجتماعي والسياسي يتجاوز تأثيره حدود الدول التي تتعرض لأكبر تأثير مباشر.
fig14
شكل ٥-٢: امرأة تحمل أطفالها بعيدًا عن منزلها بعد فيضان هائل في بنجلاديش. من المتوقع أن يزيد تغير المناخ من تواتر الفيضانات وحدَّتها، وسوف ينغمر جزء كبير من بنجلاديش بفعل ارتفاع مستوى سطح البحر.1

إحدى الطرق المفيدة لتلخيص التأثير الإجمالي لكل هذه التكاليف هي حساب «التكلفة الاجتماعية للكربون»؛ أو بعبارة أخرى، الضرر الإجمالي الناتج عن طن إضافي من الكربون المنبعث في الغلاف الجوي عند نقطة زمنية محددة، في صورة قيمة مالية. ويمكن حساب التكلفة الاجتماعية للكربون عن الانبعاثات الآن، أو في أي وقت مستقبلي. في الوضع النموذجي، ستكون التكلفة الاجتماعية للانبعاثات المستقبلية أعلى منها الآن؛ لأن الضرر ينتج عن تراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي. وتحتل تقديرات التكلفة الاجتماعية للكربون للانبعاثات الحالية نطاقًا واسعًا. وكشفت دراسة استقصائية أجراها الخبير الاقتصادي ديفيد بيرس بالمملكة المتحدة عام ٢٠٠٥ عن أن أغلب تقديرات التكلفة الاجتماعية كانت متدنية؛ حيث تراوحت بين ٤ و٩ دولارات لكل طن من الكربون، وفقًا لأسعار عام ٢٠٠٠. غير أن العديد من هذه التقديرات أغفلت تكاليف النتائج الكارثية واحتمالاتها، لذلك فهي على الأغلب تقديرات تعبر عن قيم أقل من الحقيقية. وكانت دراسة أجراها خبراء الاقتصاد في حكومة المملكة المتحدة قد اقترحت ضرورة استخدام رقم أعلى بكثير يبلغ نحو ٧٠ جنيهًا استرلينيًّا للطن (أي نحو ١٠٥ دولارات للطن) مقابل التكلفة الاجتماعية للكربون في تقييمات سياسة المملكة المتحدة. وقدَّرت «مراجعة شتيرن بشأن الآثار الاقتصادية لتغير المناخ» التكلفة الاجتماعية للكربون في ظل «النشاط المعتاد» بقيمة أعلى تصل إلى ٣١٢ دولارًا للطن. وعلى النقيض من ذلك، يقدِّر ويليام نوردهاوس — أحد منتقدي «مراجعة شتيرن» — التكلفة الاجتماعية الحالية للكربون بنحو ٣٠ دولارًا للطن.

إذا كنا نواجه مثل هذا الاختلاف الاستثنائي، فماذا يمكن أن نستنتج؟ هل نلجأ ببساطة إلى معتقداتنا السابقة ونزعاتنا الشخصية لنختار النتيجة الأكثر تماشيًا مع تصوراتنا المسبقة؟ هل نرفض كل التقديرات بحجة أن الاقتصاد البيئي ليس لديه بالتأكيد معلومات مفيدة يوفرها لنا إذا كان لا يستطيع التوافق حول عملية حسابية ذات أهمية حرجة بالنسبة لأهم القرارات السياسة البيئية في وقتنا الحالي؟ أم هل يحمل التنوع نفسه رسالة مهمة علينا أن نتحراها؟

إذا نظرنا عن كثب إلى الأسباب وراء هذه النتائج المتنوعة للتكلفة الاجتماعية للكربون، سنرى أنها تعكس اختلافات مهمة في المنهج والحكم. ومن بين الأمور التي تعكسها، الغموض المتأصل في سياسة الاحترار العالمي: فلا نمتلك معلومات كافية عن هذا العلم من شأنها القضاء على عدم الدقة في تقدير الاحتمالات ونطاق التأثيرات المتنوعة. وتعكس أيضًا نهجًا مختلفة في تحليل هذا الغموض. ويؤكد شتيرن على الأهمية العظيمة لاستعراض تبعات مجموعة كبيرة من السيناريوهات، بدلًا من التركيز على حالة محورية واحدة، أو بضع صور مختلفة. ويجيد شتيرن تمامًا أخذ بعض احتمالات الانخفاض في الاعتبار، وهذا أحد الأسباب التي تجعل تقديرات شتيرن أعلى من الدراسات السابقة.

لكن أهم نقطة هي أن التقديرات تتباين لأنها تتخذ مواقف مختلفة تجاه بعض الخيارات الأخلاقية المهمة التي يجب الإقدام عليها أثناء وضع السياسات المعنية بتغير المناخ العالمي، ومن بينها، كيفية قياس التأثيرات على الأثرياء والفقراء في العملية الحسابية، وكيفية تمثيل مصالح الأجيال المستقبلية. تطبق دراسة خبراء الاقتصاد في حكومة المملكة المتحدة بوضوح طريقة «القيم العادلة» التي تبلغ نحو نصف إجمالي التكلفة الاجتماعية المقدَّرة. يهدف هذا إلى إعطاء وزن للتأثيرات التي تطول الدول الأفقر أكبر مما لو كنا ننظر إلى التأثيرات من حيث الدخول المالية الحالية وأسعار الصرف فحسب.
fig15
شكل ٥-٣: حاجز التيمز، أُنشئ عام ١٩٨٤ لحماية لندن من مخاطر الفيضان بتكلفة تجاوزت ٥٣٠ مليون جنيه استرليني. سيتطلب ارتفاع مستويات سطح البحر الناتج عن الاحترار العالمي كثيرًا من هذه الاستثمارات.2

تتخذ «مراجعة شتيرن» — كما سبق وذكرنا — موقفًا متميزًا جدًّا حيال مسألة خصم التكاليف والمنافع المستقبلية؛ حيث ترى أن مصالح الأجيال المستقبلية يجب أن يكون لها ثقل كبير في العملية الحسابية يعادل ثقل مصالح الأجيال الحالية. وأشار العديد من المعلقين على «مراجعة شتيرن» أن معدل الخصم الذي يحدده شتيرن للمنافع والتكاليف المستقبلية أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل تقدير التكلفة الاجتماعية للكربون الواردة في «مراجعة شتيرن» أعلى بكثير من تقديرات أخرى. تشير حسابات الحساسية التي نشرها فريق شتيرن نفسه إلى أن تقديراته لتكاليف تغير المناخ ستقل بمعدل يفوق النصف إذا ارتفع معدل الخصم بنسبة ١٪ فقط.

ما الذي تعنيه هذه التقديرات بالنسبة للإجراء السياسي؟ قد يكون من المثير للاهتمام هنا أن نقارن بين التوجيهات السياسية المتعارضة التي أوردتها «مراجعة شتيرن» ومنتقد هذا التقرير، ويليام نوردهاوس. ورغم اختلافهما على فكرة الخصم، يتفق الاثنان على أن تغير المناخ مشكلة خطيرة تتطلب تعديلات ضخمة في الاقتصاد العالمي.

رغم أن تحليل «مراجعة شتيرن» لتكاليف تغير المناخ وتأثيره على الأجيال المستقبلية جاء طويلًا ومثيرًا للجدل، فإن التوجيه النهائي فيما يتعلق بالسياسة ينبع من ملاحظة أقرب. يعتقد شتيرن أن الأدلة التي جمعها العلماء تشير إلى أن السماحَ لتركيزات غازات الدفيئة بأن تتجاوز ٥٥٠ جزءًا من المليون من حيث الحجم أمرٌ خطير، وقد يعرِّض البشرية لاحتمال أن تلم بها عواقب مدمرة حقًّا. وسيتطلب الاستقرار عند هذا المستوى خفض الانبعاثات بنسبة حوالي ٢٥٪ بحلول عام ٢٠٥٠، مقارنةً بالمستوى الحالي. وتحقيق هذا أصعب مما يبدو؛ لأن نمو الاقتصاد العالمي على مدار اﻟ ٤٠ عامًا المقبلة سوف يؤدي إلى زيادة هائلة في الانبعاثات في غياب أي تدخل سياسي. ولتحقيق هذا الخفض في الانبعاثات، سنضطر في الحقيقة إلى تقليل معدل الانبعاثات لكل وحدة من الناتج بنسبة ٧٥٪، وهذه نسبة تخفيض هائلة في البصمة الكربونية للنشاط الاقتصادي. لكن تكاليف الخفض للوصول لهذا الهدف ستكون ضئيلة وفقًا لشتيرن؛ حيث ستبلغ ١٪ تقريبًا من إجمالي الناتج العالمي سنويًّا. وتقترح مراجعة شتيرن أن هذا قد يُعد قسطًا تأمينيًّا بسيطًا ضد احتمال وقوع عواقب مناخية كارثية يمكن أن تقضي على ٢٠٪ أو أكثر من الناتج العالمي ومستويات المعيشة العالمية في حالة وقوع أسوأ السيناريوهات غير المرجح ولكنه ليس مستبعدًا. تشير «مراجعة شتيرن» إلى أن التبكير باتخاذ إجراء للحد من الانبعاثات سيخفض تكاليف إجراء هذا التعديل الهائل في الانبعاثات بدرجة كبيرة. أما تأخير الإجراء، فسيزيد من احتمال وقوع ضرر مناخي لا يمكن تداركه، وسيعني أن الاقتصاد العالمي سيواصل استثماراته في محطات الطاقة وغيرها من مشروعات الطاقة طويلة الأجل اعتمادًا على التقنيات الحالية التي تصدر مستويات مرتفعة من الكربون.

على النقيض، يؤيد ويليام نوردهاوس «سياسة متدرجة» لتغير المناخ تبدأ بنسب خفض متواضعة للانبعاثات، ثم تزداد هذه النسب بمرور الوقت. تسعى تقديراته للسياسة المثلى إلى تحقيق خفض بنسبة ١٥٪ الآن، و٢٥٪ بحلول عام ٢٠٥٠ قياسًا بالنشاط المعتاد، و٤٥٪ بحلول عام ٢١٠٠ قياسًا بالنشاط المعتاد. ونظرًا لتزايد الانبعاثات الذي سيحدث في حالة عدم التدخل السياسي، تشير نسب خفض الانبعاثات هذه قياسًا بالنشاط المعتاد (أي قياسًا بمعيار دون أي تدخل سياسي) إلى استمرار تزايد الانبعاثات قياسًا بالمستويات الحالية، رغم أن ذلك سيحدث بمعدل أقل في ظروف أخرى. أحد أسباب بطء معدل خفض الانبعاثات في نظرية نوردهاوس هو ارتفاع معدل الخصم الذي يستخدمه، حيث يبلغ ٤٪ في حين تستخدم «مراجعة شتيرن» نسبة ١٫٤٪. وهذا يقلل من الضرورة الملحة لاتخاذ إجراء، لأنه يغري بإرجاء تكاليف الخفض، ويعطي في الوقت نفسه وزنًا أقل للتكاليف المستقبلية المترتبة على ارتفاع تركيز غازات الدفيئة. غير أنه في حين يؤيد نوردهاوس تصعيدًا سياسيًّا أبطأ من الذي يدعمه شتيرن في استعراضه، فإنه يتفق مع شتيرن على أن تغير المناخ سبب يدعو لقلق حقيقي. عاجلًا أم آجلًا، سيتطلب الوضع تدخلًا سياسيًّا كبيرًا لتحقيق نسب خفض كبيرة في انبعاثات الكربون.

تسعير الكربون

كيف نحقق نسب الخفض الكبيرة في استهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون التي ستكون مطلوبة إذا كنا بصدد الحد من مخاطر التغير الشديد في المناخ؟ ما الذي يسعنا فعله على المستويين الفردي والجماعي؟

يمكننا رؤية المشكلة من منظور التكنولوجيا والحلول التكنولوجية. فيمكننا مثلًا أن نناقش التوفير في استهلاك الطاقة الذي يمكن تحقيقه عن طريق استخدام أنظمة متقدمة لإدارة الطاقة في المنازل أو تقنيات جديدة في المركبات أو زيادة استخدام وسائل النقل العام. يمكننا التفكير في كم احتياجاتنا من الطاقة الكهربائية التي يمكن أن تلبيها مصادر متجددة للطاقة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية. توجد تقنيات منخفضة الكربون، وسيجري استحداث المزيد منها مستقبلًا، ويُتوقع أن تنخفض تكاليفها مع الإنتاج الضخم.

ويمكننا رؤية المشكلة من منظور آخر، منظور يشغل خبراء الاقتصاد؛ وهو التفكير في كيفية تحقيق هذه الأمور. من الجيد جدًّا أننا نمتلك التكنولوجيا، لكن علينا التأكد من وجود سبب يدفع الناس إلى «استخدامها».

يمكن تحقيق جزء من التحول إلى التقنيات منخفضة الكربون وخفض استهلاك الكربون عن طريق إجراءات فردية يتخذها المواطنون والشركات المعنية اجتماعيًّا. تشير الأدلة التي توصلت إليها الدراسات الاستقصائية إلى أن كثيرًا من الناس مستعدون لإجراء تغييرات في نمط استهلاكهم إذا كان سيعود بالمنفعة على البيئة، والبعض الآخر مستعدون للأخذ بخيارات أكثر صرامة فيما يتعلق بنمط حياتهم في سبيل تخفيض «بصمتهم الكربونية» أو الحد منها. لكن في الوقت نفسه، تزداد معدلات قيادة السيارات الخاصة والسفر جوًّا واستهلاك المواد الأولية زيادة مطردة، حتى في تلك الدول التي تبلغ فيها المخاوف بشأن الاحترار العالمي مبلغها. قد تكمن المشكلة جزئيًّا في الفرق بين ما يقوله الناس في الدراسات الاستقصائية وما يفعلونه على أرض الواقع. وكما شاهدنا في الفصل الرابع، يجب أن تُخطط الدراسات الاستقصائية بعناية شديدة إذا كان الهدف منها الكشف عن الاستعداد الحقيقي لدى الناس لدفع المال مقابل تنفيذ إجراء بيئي.

مدى الخفض المطلوب في انبعاثات الكربون هائل، وقد يفوق تصورات الناس عندما يقولون إنهم على استعداد للتغيير من أجل المناخ العالمي. وقد يكون هناك إحجام طبيعي — وعقلاني جدًّا — لدى الأفراد عن اتخاذ إجراء عندما يقف الآخرون ساكنين. فتصرفات فرد واحد لا تقدم سوى إسهام ضئيل يمكن تجاهله في الحد من تغير المناخ، في حين ستُحدث تصرفات آلاف الملايين من الناس اختلافًا حقيقيًّا. علاوةً على أن البصمة الكربونية للأفراد معقدة تعقيدًا شديدًا. فإذا حسبناها بطريقة صحيحة، فلن تشمل فقط مشترياتهم المباشرة من الوقود والطاقة، ولا رحلاتهم بالسيارات أو الطائرات، وإنما ستشمل أيضًا الطاقة المستخدمة في إنتاج البضائع والخدمات التي يستهلكونها، مرورًا بالمراحل العديدة في سلسلة الإنتاج بدءًا من إنتاج المواد الخام ووصولًا إلى المنتج النهائي. يجب تعميم إجراء ذي كفاءة وفعالية عالية للحد من انبعاثات الكربون في كل قطاعات استهلاك الطاقة، عن طريق كل من المصنعين والأفراد، ولكن أيضًا مع تركيزه على القطاعات المهمة التي يمكن تحقيق أكبر فارق فيها بأقل تكلفة ممكنة. وقد ينتاب المواطنَ المعنيَّ بالأمر ذهولٌ منطقي نظرًا لتعقيد المشكلة واتساع نطاقها.

لن يكون الاعتماد على الإجراءات الطوعية التي يتخذها الأفراد كافيًا لإحداث التغييرات الجذرية اللازمة. فسيجب على الحكومات التدخل لضمان أن كلًّا من الأفراد والمصنعين يتخذون إجراءات كافية لتحقيق نسب الخفض اللازمة من الانبعاثات. ومن هذا يتضح أن تحليل اختيار الأدوات في الفصل الثالث وثيق الصلة بقرارات سياسة تغيُّر المناخ. فما الأدوات المتوفرة لدى الحكومات لتستخدمها في سياسة تغير المناخ؟ وما مزايا كل منها؟

اعتمدت سياسات تغير المناخ في أغلب الدول حتى تاريخنا هذا اعتمادًا كبيرًا على أدوات «القيادة والتحكم» التقليدية التي تنظِّم الانبعاثات أو اختيارات التكنولوجيا مباشرةً. وعن طريق الجهات التنظيمية القائمة، وجَّهت دول كثيرة المصنعين إلى استخدام أجهزة واتباع عمليات خاصة منخفضة الكربون. وبالمثل، طلبت الحكومات من الأسر استخدام منتجات تقلل استهلاك الطاقة أو انبعاثات الكربون؛ مثل وقف بيع المصابيح الكهربائية العادية لضمان تحوُّل الأُسر إلى استخدام بدائل منخفضة الطاقة. وعيب هذه الصور من التنظيم المباشر هو افتقارها إلى المرونة، فلا تقدم سوى حلٍّ واحدٍ من المفترض أن يصلح لجميع الأغراض، ولا تراعي الظروف المختلفة. وكما أوضحنا في الفصل الثالث، يحمل هذا الجمود في طياته احتمالية زيادة التكاليف زيادة كبيرة على الحد الأدنى اللازم لتحقيق النتيجة البيئية المنشودة.

استُخدمت كذلك الأدوات المستندة إلى آليات السوق في الإثناء عن استخدام الوقود الحفري. وفرض عدد من الدول الأوروبية ضرائب على الكربون، ومن بينها السويد والنرويج وفنلندا وهولندا والدنمارك. ورفعت بعض الدول الأخرى معدلات الضرائب القائمة أو فرضت ضرائب جديدة. وطرح الاتحاد الأوروبي نظامًا لتداول حقوق إطلاق انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى أوروبا عام ٢٠٠٥، وحذت بعض الدول الأخرى حذوه حيث أجرت ترتيبات مماثلة. وأثارت هذه الابتكارات في السياسة القائمة على آليات السوق جدلًا واسعًا، وقوبلت في بعض الدول بضغوط شديدة العدائية مارسها أصحاب المصالح من المُصنعين.

لكن رغم الصعوبات السياسية الحقيقية وبعض العقبات الاقتصادية، يبدو جليًّا أنه لا بد أن تشكل صورةٌ من صور تدابير التسعير (إما في صورة ضرائب على الكربون أو تداول حقوق إطلاق الانبعاثات) جزءًا من مجموعة السياسات بعيدة المدى، وذلك إذا أردنا تحقيق نسب خفض كبيرة في استخدام الطاقة القائمة على الكربون. وسيتطلب خفضُ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بدرجة كافية ليتوقف ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إجراءَ تغييرات واسعة النطاق في أنماط استخدام الطاقة، والأهم من ذلك، في أنماط النشاط البشري. قد لا يحقق التنظيم التقليدي سوى تغييرات في استخدام الوقود الحفري على النطاق المطلوب عن طريق التدخل في تفاصيل آليات عمل الاقتصاد على مستوى يحتمل إعاقة كفاءة عمل النظام الاقتصادي. ويقوم جوهر اقتصاد السوق على أن تكون خيارات الأفراد موجَّهة من قِبل آلية التسعير بأكبر قدر من الفعالية. وعن طريق دمج حوافز ممنهجة لخفض الكربون في الأسعار — من خلال فرض الضرائب أو تداول حقوق إطلاق الانبعاثات — سيكون في وسع ملايين القرارات الاقتصادية اللامركزية التي تُتخذ يوميًّا أن تعكس التكلفة الاجتماعية الحقيقية لانبعاثات الكربون.

ضريبة الكربون

تقوم ضريبة الكربون على فرض ضريبة على الوقود الحفري تبعًا لنسبة محتواه من الكربون. وتكون الضريبة على الفحم أعلى منها على النفط والغاز الطبيعي لكل وحدة من الطاقة، في حين تكون مصادر الطاقة من غير الوقود الحفري معفاة من الضرائب. وحيث إن حرق الوقود الذي يحتوي على كمية معينة من الكربون يؤدي حتمًا — وكما هو متوقع — إلى إنتاج نسبة معينة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، تكافئ تقريبًا الضريبة على محتوى الوقود من الكربون فرض ضريبة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نفسها. وباستثناء تقنيات حجز الكربون وتخزينه التي ربما تُتاح قريبًا لمحطات الطاقة، لا تتوفر حاليًّا أي تقنيات لمعالجة الانبعاثات عند المصب يمكن تطبيقها للتخلص من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

سيؤدي فرض ضرائب على الكربون إلى تشجيع مستخدمي الطاقة على الاستغناء عن مصادر الطاقة عالية الكربون، والتوجه نحو أنواع وقود تصدر عنها انبعاثات أقل لكل وحدة من الطاقة. فإذا فُرضت ضريبة الكربون على أنواع الوقود المستخدمة في محطات الطاقة مثلًا، فستشجع على التحول بعيدًا عن توليد الطاقة باستخدام الفحم والتوجه إلى النفط والغاز، بل وبدرجة أكبر إلى مصادر الطاقة المتجددة المعفاة من الضرائب (مثل طاقة الرياح والأمواج)، وإلى الطاقة النووية.

إضافة إلى التشجيع على الاستغناء عن الوقود الحفري عالي الكربون، ستقلل ضريبة الكربون استهلاك الطاقة بصفة عامة، حيث سترفع أسعار الطاقة الإجمالية. وسترتفع أسعار الوقود الحفري بسبب الضريبة، في حين نجد أن العديد من البدائل من غير الوقود الحفري — كما رأينا بالفعل — هي مصادر طاقة أعلى تكلفةً. نتيجةً لهذا، سينخفض الاستهلاك الإجمالي للطاقة، وهو تأثير يمكن تحقيقه عبر ثلاث قنوات رئيسية.

أولًا، تقلل الأسر والشركات استخدامها المباشر للطاقة. وإذا رفعت الضرائب أسعار الطاقة، فقد تلجأ الأسر مثلًا إلى خفض منظم الحرارة في تدفئتهم المركزية إلى درجة أقل والعيش في منزل أبرد قليلًا في سبيل التوفير في تكاليف الوقود. وبالمثل، إذا زادت الضريبة على أنواع وقود السيارات، فقد يؤدي ذلك بالناس إلى استعمال سياراتهم بمعدل أقل، وربما يتحولون إلى المواصلات العامة.

ثانيًا، سيحث ارتفاع أسعار الطاقة على إدخال تحسينات في ترشيد الطاقة، عن طريق عزل المنازل مثلًا، وأن نستبدل بمراجل التدفئة المركزية القديمة وغيرها من الأجهزة المستهلكة للطاقة أجهزة حديثة تؤدي الوظيفة نفسها باستخدام طاقة أقل.

ثالثًا، سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة اللازمة لإنتاج السلع والخدمات إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الطاقة — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — في تصنيعها. فمثلًا يشمل سعر الهاتف المحمول عنصرًا يعكس سعر كل المواد والمكونات المستخدمة في إنتاجه. وإحدى هذه المواد هي النحاس. حيث يستهلك إنتاجه قدرًا كبيرًا من الطاقة، وسترفع ضريبة الكربون المفروضة على الطاقة المستخدمة في إنتاج النحاس من تكلفة النحاس على صناع الهواتف، ومن ثم سترفع تكلفة الهواتف المحمولة. وسينطبق الأمر نفسه على تكلفة جميع المواد والمكونات الأخرى التي تدخل في صناعة الهاتف المحمول. وفي المجمل، سيتمثل تأثير ضريبة الكربون في رفع سعر الهاتف المحمول بقيمة تعكس إجمالي الكربون المستخدم في إنتاجه، بشكل مباشر من قِبل صناع الهواتف، وبشكل غير مباشر في إنتاج المواد والمكونات. فإذا أدت ضريبة الكربون إلى زيادة سعر الهواتف المحمولة بدرجة كافية لأن تقلل مشتريات المستهلكين منها، فسيؤدي هذا إلى انخفاض نسب انبعاثات الكربون في كل مراحل سلسلة الإنتاج.

أحد عوامل الجذب إلى فرض رسوم على الكربون عن طريق ضريبة الكربون أو أي طريقة أخرى لتسعير الكربون هو أنه يحفز هذا النطاق الواسع من الاستجابات السلوكية بصورة طبيعية عبر النظام الاقتصادي بأسره، بدلًا من أن يركز على مجموعة أكثر محدودية من الإجراءات التي يمكن تنظيمها مباشرةً من قِبل الحكومة. واستخدام تسعيرِ الكربونِ بمثابةِ حافزِ حدوثِ تغيراتٍ سلوكيةٍ مثالٌ واضحٌ على قدرة المرونة التي توفرها الأدوات الاقتصادية على تخفيض التكلفة الإجمالية لتحقيق نتيجة بيئية معينة. فإذا ما واجه الأفراد ارتفاعًا في الأسعار، فإنهم يرشدون استهلاكهم — من الوقود الحفري والسلع التي تُنتج باستخدامه — في حال توفرت لديهم بدائل أرخص. وإذا لم تكن هناك بدائل مرضية، أو إذا كانت البدائل أعلى تكلفةً، فليسوا مجبرين حينها على اتخاذ إجراء. ويتيح تسعير الكربون في الواقع صمام أمان يجنب التكاليف الباهظة في تحقيق الخفض الإجمالي في انبعاثات الكربون.

تداول حقوق إطلاق انبعاثات الكربون

كما رأينا في الفصل الثالث، تشبه خصائص تداول حقوق إطلاق الانبعاثات إلى حد كبير فرض الضرائب على الانبعاثات؛ حيث يقدم تداول حقوق إطلاق انبعاثات الكربون طريقة بديلة لاستخدام آلية السعر في الإثناء عن إطلاق انبعاثات الكربون. فعن طريق وضع سقف لانبعاثات الكربون المسموح بها — أو بالمثل لاستخدام الوقود الحفري — يضمن تداول حقوق إطلاق انبعاثات الكربون أن يكون لرخص انبعاثات الكربون القابلة للتداول سعر إيجابي. ويؤدي سعر رُخص الكربون دورًا مطابقًا تقريبًا لدور ضريبة الكربون، حيث يثني عن استخدام الوقود الحفري، ويرفع أسعار السلع والخدمات التي تُنتج باستخدام عمليات إنتاج كثيفة الكربون. وأبرز تطبيقات تداول حقوق إطلاق الانبعاثات إلى تاريخنا هذا نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات، لكن فعاليته لا تزال إلى الآن غير مستقرة.

يغطي نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات قطاع الطاقة والصناعات التي تصدر انبعاثات مكثفة من ثاني أكسيد الكربون (مثل الحديد والصلب والأسمنت واللباب والورق وما شابهها) — حيث تغطي ما يبلغ إجماليه ١٠٠٠٠ مصنع في أنحاء الاتحاد الأوروبي — وهي المسئولة مجتمعة عن نصف إجمالي انبعاثات الاتحاد الأوروبي من ثاني أكسيد الكربون تقريبًا. بدأ العمل بهذا النظام عام ٢٠٠٥، وكانت فترة التداول الأولى تبلغ ثلاث سنوات (من عام ٢٠٠٥ إلى ٢٠٠٧)، وتمتد الفترة الثانية من عام ٢٠٠٨ إلى ٢٠١٢، وتشمل المهلة المحددة لتحقيق أهداف كيوتو، وهي الآن قيد التنفيذ.

وُزِّعت الحصص في المرحلة الأولى على الشركات الموجودة بالفعل مجانًا، ولكن طُرحت نسبة صغيرة من الحصص للبيع في مزاد علني في المرحلة الثانية. أما فيما يتعلق بالمرحلة الثالثة التي ستبدأ عام ٢٠١٣، اقترحت المفوضية الأوروبية طرح نسبة كبيرة من الحصص للبيع في مزاد علني لإدرار عائدات لحكومات الدول الأعضاء.

اتسمت العملية التي تمت في إطار نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات لتحديد سقف الانبعاثات الإجمالية وتوزيع الحصص بلامركزية مثيرة للتساؤل. ظهر سقف الانبعاثات عبر دول الاتحاد الأوروبي نتيجة «لخطط التخصيص الوطنية»، التي وضعتها الدول الأعضاء لتحدد بها كمية الحصص التي ستوزع على شركاتها. ترتب على هذه اللامركزية غياب أي نقاش واضح حول السقف الذي يجب تعيينه للانبعاثات في دول الاتحاد الأوروبي. وفي المرحلة الأولى بصفة خاصة، خصصت بعض الدول بسخاء حصصًا غير مستحقة، دون أن تواجه أي اعتراض صارم من قِبل الاتحاد الأوروبي. أما في المرحلة الثانية، فكان الاتحاد الأوروبي أكثر نشاطًا في الاعتراض على تخصيصات الحصص المقترحة، وتنبئ مقترحات المرحلة الثالثة — التي من المقرر أن تبدأ عام ٢٠١٣ — أن الاتحاد الأوروبي سيتولى مسئولية تخصيص الحصص ويفرض سقفًا أكثر صرامةً على الانبعاثات.

فيما يتعلق بالمرحلة الأولى، يُعتبر عمومًا أن سقف الحصص كان متساهلًا للغاية، وكانت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عمليًّا أقل بكثير من السقف المسموح به. وبقيت بعض الحصص دون استخدام عند نهاية الفترة، وما إن علم المشاركون في السوق بهذا، حتى انخفض سعر الحصة إلى صفر. ويدور بعض الجدل حول تأثير المرحلة الأولى على الانبعاثات، وحول ما إذا كان السبب الرئيسي في الحصص الزائدة هو الإفراط في نسب التخصيص، أو أنه ربما كان يعكس خفضًا أكبر من المتوقع ولو بشكل جزئي. تشير الأدلة فيما يبدو إلى مزيج من هذه التأثيرات، رغم أن انخفاضات الانبعاثات التي تحققت في المرحلة الأولى ربما كانت متواضعة إلى حد ما؛ حيث بلغ الخفض حوالي ٢٪ أقل مما كان الوضع سيئول إليه في غياب نظام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات.

في المرحلة الثانية بدا السقف الإجمالي أكثر صرامة، وكان من المتوقع مبدئيًّا أن يحقق انخفاضات أكبر بكثير في الانبعاثات. لكن هذه الآمال تبددت على إثر الكساد الذي أدى إلى انخفاض حاد في الطلب على الطاقة ومن ثم في الانبعاثات، وذلك لأسباب غير متعلقة بنظام تداول حقوق إطلاق الانبعاثات. ومرة أخرى يدل تراجع أسعار حصص تداول حقوق إطلاق الانبعاثات على أن النظام لا يقيد الانبعاثات بقوة؛ حيث انخفضت الأسعار من ٣٠ يورو للطن في بداية المرحلة الثانية إلى حوالي ١٥ يورو للطن في أواخر عام ٢٠١٠.

في الوقت نفسه، ورغم إخفاق نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات حتى الآن في تحقيق نسب خفض كبيرة في الانبعاثات، فقد كان له تأثير جذري على أسعار الطاقة. كان توزيع الحصص مجانًا يعني أن النظام لم يضف إلى التكاليف الإجمالية للصناعة ككل. على الجانب الآخر، جعل النظام استخدام الكربون باهظًا بالنسبة للشركات الخاصة. وكان من المتاح دائمًا بيع الحصص غير المستخدمة، وكان لاستخدام الحصص حينها تكلفة فرصة ضائعة، تمثلت في انخفاض الأرباح الناتجة عن بيع الحصص غير المستخدمة. أدرك منتجو الطاقة الكهربائية على وجه الخصوص أن تكاليف الإنتاج الإضافي ارتفعت ارتفاعًا مؤثرًا، فرفعوا أسعار الكهرباء ليستوعبوا هذا. فشهدت أرباح شركات الطاقة ارتفاعًا حادًّا بعد طرح نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات، لأن الأسعار كانت قد ارتفعت لتستوعب القيمة السوقية للحصص المستخدمة في توليد الطاقة، وفي الوقت نفسه وفر النظام لشركات توليد الطاقة حصصًا مجانية كافية تلبي أغلب احتياجاتها.

رغم الصعوبات التي واجهها نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات حتى الآن في وضع حوافز أسعار كبيرة ودائمة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فإن الهيكل الأساسي للنظام (بغض الطرف عن التحديد اللامركزي للسقف المسموح به) يشبه كثيرًا هيكل النظام الناجح لتداول حقوق إطلاق ثاني أكسيد الكبريت بموجب برنامج الولايات المتحدة للحد من الأمطار الحمضية، الذي ناقشناه في الفصل الثالث. ونظريًّا، إذا حُدد سقف للانبعاثات المسموح بها، فإن نظام الاتحاد الأوروبي لتداول حقوق إطلاق الانبعاثات سيوفر إمكانية تقديم حافز كبير وواسع النطاق لخفض انبعاثات الكربون عبر قطاع عريض من الأنشطة الاقتصادية، وفي أنحاء الاتحاد الأوروبي بصفة عامة.

عقبات في طريق أدوات الأسعار

أحد العوائق التي تحول دون استخدام تسعير الكربون أو فرض الضرائب في خفض الانبعاثات الصناعية من غازات الدفيئة هو المعارضة الصريحة التي تبديها المجموعات الصناعية، خشية أن تضر التكاليف الإضافية للصناعة بتنافسية الشركات في الأسواق الدولية. فإذا فرضت الدول الأوروبية ضريبة كربون على استخدام الطاقة في الصناعة في حين لم تفعل الدول الأخرى مثلها، فسيكون على الشركات الأوروبية أن تنافس شركات خارج أوروبا لا تتحمل عبء ضريبة الكربون نفسه. وقد تصاعدت المخاوف نفسها فيما يتعلق بطرح رخص الكربون للبيع في مزادات علنية: سيضطر المصنِّعون لدفع المزيد من الأموال مقابل الطاقة، وهذا قد يضر بقدرتهم على المنافسة.

اتسم خطاب ممثلي جماعات الضغط من المصنعين في هذا الصدد بالإصرار والتأثير، لكن خبراء الاقتصاد متشككون بصفة عامة بشأن هذه الحجة لسببين رئيسيين: أولًا؛ أنها تتناول بعض جوانب الموضوع فقط؛ حيث ستسمح أي عائدات من ضرائب الكربون بخفض الضرائب الأخرى، وبهذا يمكن التعويض عن التأثير النهائي على المصنعين جميعهم بسهولة من خلال الخفض الذي يتحقق في الضرائب الأخرى التي يتحملها المصنعون؛ مثل ضرائب الكسب على الموظفين. السبب الثاني هو أنها تغفل إمكانية التعديلات التي تطرأ على سعر الصرف، التي من شأنها أن تعوض عن ارتفاع تكاليف الإنتاج. فإذا أخذنا هذين العاملين التعويضيين في الاعتبار، فسيظل الاحتمال قائمًا بأن تقلل ضريبة الكربون تنافسية الصناعات والشركات كثيفة الكربون ولكن بدرجة أقل، في حين ستحقق القطاعات الصناعية منخفضة الكربون في الواقع بسبب التعديلات ربحًا أكبر مما ستخسره بسبب ضريبة الكربون.

ثمة عقبة سياسية ثانية ستواجه ضرائب الكربون المرتفعة هي تأثيرها على مستوى معيشة الأسر الأفقر. ففي ظل مناخ أوروبا الشمالية البارد الرطب، تُعتبر الطاقة اللازمة للتدفئة شبه ضرورية، ويقتطع الإنفاق على الطاقة جزءًا كبيرًا من الميزانية الإجمالية للأسر الأفقر. ومن ثم، ستؤثر زيادة الضريبة على الطاقة على الأسر الأفقر تأثيرًا سلبيًّا أعمق وأقوى من تأثيرها على أصحاب الدخول المتوسطة وميسوري الحال الذين تمثل الطاقة نسبة أصغر بكثير من إنفاقهم الكلي. ولكن كما هو الحال مع ضرائب استخدام الطاقة في الصناعة، يصبح التركيز على ضرائب الطاقة الإضافية المدفوعة تحليلًا منقوصًا. فستدر الضرائب المفروضة على الاستخدام المنزلي للطاقة أو الكربون عائدات ضخمة، ويمكن استخدامها في تمويل خفض الضرائب الأخرى التي يمكن أن تعوض بشكل كبير عن التأثير السلبي على مستوى معيشة الأسر الأفقر.

أدوات غير متعلقة بالأسعار

رغم هذه الحجج، ربما لا تزال المخاوف بشأن تأثيرات ضرائب الكربون على التنافسية في الصناعة أو على الأسر الأفقر تشكل قيودًا سياسية على مدى إمكانية الاستفادة من ضرائب الكربون وتسعير الكربون للحد من انبعاثات غازات الدفيئة. وعندها قد يستهوينا البحث عن أدوات من شأنها أن تكمِّل تسعير الطاقة، ولا سيما تلك الأدوات التي ستزيد وفورات الكربون التي تتحقق من خلال أي مستوى من مستويات فرض الضرائب.

كما لاحظنا بالفعل، ستحدد سرعة استحداث تقنيات منخفضة الكربون أو منعدمة الكربون إلى أي مدى وبأي سرعة يمكن أن يأمل العالم في خفض انبعاثات الكربون. وتحديد سعر كبير لاستخدام الكربون سيشجع في حد ذاته على تحقيق مزيد من الابتكارات السريعة في مجال التقنيات الموفرة للكربون. إضافة إلى ذلك، ستعمل تدابير تعجيل استحداث التقنيات منخفضة الكربون على إتاحة مجال أكبر للمصنعين والأسر لتقليل استهلاكهم من الطاقة، وذلك عن طريق توفير بدائل منخفضة الكربون للأجهزة الصناعية والمنزلية المستخدمة حاليًّا. ويمكن للدعم الذي تقدمه الحكومات أن يعجِّل من برامج البحث والتطوير العلمية والصناعية، وإذا أُتيحت الابتكارات التي تدعمها الحكومات للجمهور، فسيشجع هذا على انتشار التقنيات الجديدة بسرعة أكبر مما لو كانت ممولة من قِبل جهات خاصة وحاصلة على براءات اختراع بهدف تحقيق أرباح خاصة.

في بعض قطاعات استخدام الطاقة، توجد مخاوف من أن تكون تقنيات توفير الطاقة المتاحة حاليًّا نفسها لا تُستخدم بكامل إمكاناتها. فغالبًا ما يخشى البعض مثلًا من تباطؤ كل من الأسر والمصنعين في استخدام التقنيات التي تحسن من ترشيد استخدام الطاقة. قد يرجع هذا إلى نقص المعلومات أو إلى عدم قدرة صاحب الاستثمار على جني كل المنافع (قد يتعذر على صاحب العقار الذي يغطي شقة بطبقة عازلة رفع قيمة إيجار الشقة ليسترد تكاليف العزل، رغم أن المستأجرين قد يجدون أن فواتير الطاقة التي يدفعونها انخفضت)، أو إلى أن بعض الأسر أو الشركات لا تستطيع ببساطة تحمل التكاليف التي تُدفع مقدمًا في استثمارات ترشيد استخدام الطاقة. يمكن أن نعزو بعض هذه العوائق إلى صور متنوعة من «إخفاق السوق»، وثمة أسباب وجيهة تدفع الحكومات إلى محاولة تصحيح هذا الإخفاق السوقي عن طريق صور عديدة من التدخل السياسي. ومن بينها نجد عادةً حملات التعريف، وتوفير مستشارين في مجال ترشيد استخدام الطاقة مجانًا، ووضع إجراءات أكثر صرامة لتنظيم البناء لفرض معايير أعلى للمنازل الجديدة، و«تصنيفات طاقة المنازل» حتى يتمكن مستأجرو المنازل أو مشتروها المحتملون من معرفة تكاليف تشغيل الطاقة في العقار، وإعطاء القروض أو المنح للأفراد غير القادرين على تحمل تكاليف استثمارات ترشيد استخدام الطاقة.

رغم ذلك، يلزم التنبيه بشأن سياسات ترشيد استخدام الطاقة؛ فهذه السياسات تعِد بتحقيق انخفاضات في الانبعاثات زهيدة نسبيًّا ومضمونة، بدون بعض التأثيرات الاجتماعية الضارة التي قد تترتب على ضرائب الطاقة المرتفعة. ويحقق إمداد المنازل بمصابيح إضاءة أقل استهلاكًا للطاقة مثلًا نسب خفض قابلة للقياس في استهلاك الطاقة؛ حيث يوفر المصباح منخفض الطاقة الذي يعمل بقدرة ٢٠ وات الإضاءة نفسها التي يوفرها المصباح المتوهج القديم الذي يعمل بقدرة ١٠٠ وات، وبهذا يصبح من الممكن تقليل الطاقة المستهلكة في إضاءة المنازل بنسبة ٨٠٪. لكن هذا التقدير الفني المحض لوفورات الطاقة يغفل استجابات المستهلكين المحتملة، وهي قد توازن بعض وفورات الطاقة أو جميعها. في الواقع، تعمل الأجهزة المرشدة للطاقة على تقليل سعر التدفئة والإضاءة والخدمات الأخرى التي تقدمها الأجهزة المستهلكة للطاقة. فإذا انخفضت تكلفة الإضاءة بنسبة ٨٠٪، فقد تختار الأسر استخدام مصابيح أكثر سطوعًا، أو ترك المصابيح مضاءة لفترات أطول، وهذه الاستجابات ستقلل الوفورات. وبالمثل، قد يُترجم جزء من المكاسب التي يحققها عزل المنازل بكفاءة أفضل في صورة مزيد من الراحة، وذلك برفع منظم الحرارة إلى درجة أعلى، بدلًا من أن تُترجم كليةً في صورة دفع فواتير أقل قيمة. فلا يمكننا أن نتوقع تحييد هذا التأثير المسمى «بالتأثير الارتدادي» على الاستهلاك، وأن تحسين ترشيد استخدام الطاقة سيخفض من استهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون إلا إذا صاحب تحسينات ترشيد استخدام الطاقة ارتفاع في أسعار الطاقة.

المفاوضات الدولية حول المناخ: آفاق النجاح

الاحترار العالمي مشكلة عالمية. تسهم جميع الانبعاثات على حدٍّ سواء في الضرر الناتج بغض النظر عن مصدرها: فطن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادر من الولايات المتحدة أو أوروبا ليس أكثر ضررًا ولا أقل ضررًا من طن صادر من الصين أو الهند. وبالمثل، فإن الضرر الذي تعانيه أي دولة ناتج عن الانبعاثات العالمية. ولا تؤثر انبعاثات كل دولة أو الخفض الذي تجريه في مستوى الضرر الناجم عن تغير المناخ الذي يصيبها إلا من خلال تأثيرها على تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي العالمي. وتدعو الطبيعة العالمية للمشكلة إلى اتخاذ إجراء عالمي مكافئ إذا أردنا التعامل مع خطر تغير المناخ الكارثي بفعالية.

بل إن الحاجة إلى اتخاذ إجراء دولي منسق أكثر إلحاحًا منها في حالة السياسات الأوروبية للحد من الأمطار الحمضية التي تناولناها في الفصل الثاني. ففي حالة الأمطار الحمضية، كان هناك على الأقل سبب يدفع دولة من الدول إلى اتخاذ إجراء أحادي الجانب بناءً على تكاليفها ومنافعها المحلية. وإذا أخفقت المفاوضات الدولية، فسيكون الموقف الافتراضي هو تحقيق مستوى معين من الخفض المحلي، وإن كان على نطاق أضيق من المستوى الأمثل. أما في حالة تغير المناخ العالمي، تجني الدول منفعة ضئيلة من الخفض الذي تجريه محليًّا، لأن التأثير على المناخ العالمي يحدده المخزون الكلي من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. قد لا تمثل الانخفاضات التي تحققها دولة منفردة تتصرف باستقلالية سوى نقص ضئيل في المخزون الكلي، ورغم أن المنفعة العالمية التي تحققها إجراءات دولة ما قد تكون كافية لضمان تكاليف الخفض التي ستتكبدها، فإن نسبة المنفعة العالمية التي ستحظى بها الدولة نفسها ستكون ضئيلة جدًّا حتى إن هذه الدولة عمليًّا ستكون قد تحملت تكاليف خفض ولم تحصل على أي منافع في المقابل.

من هذا المنطلق، يصبح إبرام اتفاقية دولية أمرًا لا غنى عنه لاتخاذ إجراء فعال على النطاق المطلوب. ورغم أن بعض الدول قد تعهدت — تحت ضغط شعبي — باتخاذ إجراءات قومية بشأن تغير المناخ حتى قبل إبرام أي اتفاقية دولية، لا تستطيع أي دولة تتحرك بمفردها أن تحدث تأثيرًا ملموسًا في عملية تغير المناخ. كان برتوكول كيوتو الذي وُقع عام ١٩٩٧ أول خطوة في طريق اتخاذ إجراء دولي منسق، لكن أهداف خفض الانبعاثات الملزمة الوحيدة التي نص عليها كانت موجهة للدول الصناعية، وظل مصدر الانبعاثات الأضخم؛ وهو الولايات المتحدة، خارج الاتفاقية. تنتهي مدة سريان بروتوكول كيوتو في عام ٢٠١٢، وكانت المفاوضات الدولية خلال السنوات الأخيرة تهدف إلى عقد اتفاقية مكمِّلة تضم أعضاءً أكثر بكثير، وتمتد على فترة زمنية أطول، وتُلزم الأطراف بتحقيق نسب خفض كبيرة جدًّا في الانبعاثات.

الوضع النموذجي هو أن تشمل الاتفاقية جميع الدول، حيث إن هذا سيوزع عبء تكاليف خفض الكربون على نطاق أوسع، وبهذا يقلل التكاليف التي ستضطر كل دولة إلى تحملها. غير أن إقناع الدول بالتوقيع على اتفاقية يعيقه إغراء الانتفاع المجاني. فمن وجهة نظر أي دولة، يقدم لها عدم الدخول في اتفاقية دولية بشأن تغير المناخ آمالًا في تحقيق منافع بدون تكاليف. يتجنب غير الموقِّعين تحمل أي تكاليف خفض، ولكنهم سيحظون في الوقت نفسه بجميع المنافع التي تعود من إجراءات خفض غازات الدفيئة التي تتخذها الدول الأخرى الموقعة على الاتفاقية. تمر جميع الدول بعملية تغير المناخ العالمي نفسها، ولا يمكن قصر منافع اتخاذ إجراء سياسي بأي حال من الأحوال على الدول التي حملت على عاتقها عبء خفض الكربون. هذه عقبة ضخمة تعترض السبيل إلى تحقيق برنامج دولي شامل لاتخاذ إجراء سياسي منسق.

حتى عندما يعمل الضغط الذي يمارسه المواطنون والمصوتون المعنيون بالداخل والضغط الدبلوماسي من الدول بالخارج على تشجيع الدول لتوقع اتفاقية دولية حول سياسة تغير المناخ، يظل إغراء الانتفاع المجاني يمثل مشكلة. وقد توقع دول ولكنها تتخذ إجراءات أقل فعاليةً، معتبرةً أن عقوبات الإخلال ببنود الاتفاقية ستكون أقل من التوفير في تكاليف الخفض، أو ربما تعتبر بنود الاتفاقية غير قابلة للتنفيذ أيضًا. عندما تدرك الدول الأخرى هذا، ربما تستهويها هي الأخرى فكرة الانتفاع المجاني. على كلٍّ، أسوأ نتيجة من وجهة نظر أي دولة هي أن تتحمل تكاليف الخفض وتجد أن قلة قليلة من الدول هي التي فعلت المثل، وبهذا لا تجد منافع تجنيها في المقابل. وفي ظل وجود هذه الإغراءات، قد يتضح أن تحالف الدول لاتخاذ إجراءٍ غيرُ مستقر، وغير قادر على إقناع أصحاب محطات توليد الطاقة وغيرهم بالتعهد بالالتزامات المالية طويلة المدى المطلوبة من أجل الطاقة المتجددة، وحجز الكربون وتخزينه، وغيرها من استثمارات خفض الكربون الباهظة.

ومما يجعل أيضًا التوصل إلى اتفاق عالمي شامل أمرًا معقدًا الاختلافات الكبيرة بين الدول؛ فبعض الدول أكثر عرضة لتغير المناخ من غيرها من الدول، لا سيما الدول المنخفضة التي تكون عرضة لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر، والدول التي يثمر مناخها الحالي عن محاصيل زراعية كثيرة، والتي قد تكون عرضة للخطر إذا زاد عدم استقرار المناخ. على الجانب الآخر، هناك بعض الدول التي تستفيد من التغير الطفيف في المناخ.

تتباين تكاليف خفض الكربون من دولة لأخرى أيضًا، ويجب أن يضمن أي اتفاق نموذجي تنفيذ انخفاضات الكربون في المناطق التي تستطيع تنفيذها بأقل تكلفة. ففي بروتوكول كيوتو، انعكس هذا في صورة «آليات المرونة» المتنوعة التي كان يُقصد بها السماح للدول بالدفع مقابل انخفاضات الكربون في أي مكان آخر، حيث تكون تكاليف الخفض في هذا المكان أقل منها في هذه الدول نفسها. وأثارت هذه الآليات جدلًا واسعًا، وكان أحد أسباب هذا هو صعوبة ضمان أن تحقق هذه الآليات دائمًا انخفاضات حقيقية في الانبعاثات لم تكن لتحدث بطريقة أخرى.

لكن أهم الاختلافات بين الدول هو الاختلاف في الانبعاثات الحالية لكل فرد من سكانها، حيث تكون الدول الثرية مسئولة عن نسبة انبعاثات كربون أكبر بكثير — نسبةً إلى حجم سكانها — من الدول الأفقر. وفي المتوسط، بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة ٤ أطنان لكل فرد من السكان في كل الدول عام ٢٠٠٢، لكنها كانت ثلاثة أمثال هذا المستوى (١١٫٧ طنًّا) في الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وتقريبًا نصف هذا المستوى (٢٫٢ طن للفرد) في الدول النامية. في حين تجاوزت الانبعاثات في الولايات المتحدة الأمريكية — صاحبة أكبر اقتصاد في العالم — ٢٠ طنًّا للفرد. ونظرًا لهذا التباين في مستويات الانبعاثات، كان محور القضية الجدلية التي شكلت أساس المفاوضات الدولية حول تغير المناخ هو كيفية توزيع عبء تحقيق خفض عالمي في الانبعاثات على الدول. ما هو المستوى المستهدف من خفض الانبعاثات الذي يجب تحديده للدول ذات المستويات المختلفة من الانبعاثات لكل فرد؛ والمستويات المختلفة من الدخول ومستويات المعيشة؟

أحد الخيارات المطروحة — وإن كان غير واقعي بالمرة — هو طلب تنفيذ نسب مئوية متساوية من خفض الانبعاثات مقارنةً بالمستوى المعياري للانبعاثات حاليًّا. وفي هذه الحالة، إذا كان من المقرر خفض الانبعاثات إلى النصف مثلًا، فسيكون الخفض المطلوب من الولايات المتحدة الأمريكية لكل فرد من السكان عشرة أمثال الخفض المطلوب في الدول النامية. ولكن هذا سيجعل الانبعاثات في الولايات المتحدة الأمريكية عشرة أمثالها في الدول النامية، وسيحكم على الدول النامية بأن تعيش في تخلف دائم بسبب محدودية الطاقة. هذا علاوةً على أن الدول النامية قد تعرب عن أنه يطلب منها المساهمة في حل مشكلة لم تسببها انبعاثاتها الماضية.

أحد الحلول البديلة هو الموافقة على أن تُمنح كل الدول موازنة واحدة لنصيب الفرد من الكربون (٤ أطنان للفرد مثلًا)، مما سيتيح بعض النمو — وزيادة في الانبعاثات — في الدول النامية، مع تركيز جميع جهود الخفض المطلوب تقريبًا في الدول الصناعية الأغنى. ربما يبدو هذا الحل أقرب إلى العدل؛ رغم أن تقدير العدالة في هذا الموقف يتم بالفعل من وجهات نظر غير موضوعية جدًّا. لكن بتركيز إجراءات الخفض في مجموعة صغيرة نسبيًّا من الدول، سيكون هناك احتمال أن تعتبر هذه الدول الاتفاقية شاملةً لتكاليف تتجاوز المنافع التي تعود عليها. وفي نهاية الأمر، لا توقع الدول على اتفاقيات دولية إلا إذا كان ذلك يحقق مصالحها، وأي اتفاقية تحمِّل مجموعة واحدة من الدول نسبة كبيرة للغاية من التكاليف ستخفق إخفاقًا شبه مؤكد.

إن العقبات التي تحول دون التوصل لاتفاقية ناجحة بشأن تغير المناخ هي عقبات حقيقية وملموسة: يفرض كل من إغراء الانتفاع المجاني والاختلاف على تشارك الأعباء تحديات كبرى. ورغم حجم الاتفاق العلمي الكبير على المخاطر المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ — كما يتضح من لهجة التقارير التي تزداد إلحاحًا الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ — أخفقت قمة ٢٠٠٩ في كوبنهاجن التي هدفت إلى الموافقة على بروتوكول مكمِّل لبروتوكول كيوتو في التوصل إلى أي اتفاق هادف بشأن إجراء منسق. لا يمكن للاقتصاد البيئي أن يتجنب واقع المفاوضات أكثر مما فعلت الأدلة العلمية الوفيرة. ولكن بمقدوره أن يقدم أدلة تثبت أن الحجة العلمية الداعية إلى اتخاذ إجراء تقابلها حجة اقتصادية مكافئة مقنعة تبرهن على أن المنافع بعيدة المدى لاتخاذ إجراء ستفوق تكاليف خفض الكربون. والنقطة الأخرى التي لا تقل عن هذا أهميةً أيضًا هي أن الاقتصاد البيئي ساعد في توضيح كيف يمكن أن توفر أدوات السياسة مثل تداول حقوق إطلاق الانبعاثات وفرض الضرائب للسوق إشارات ضرورية من أجل توجيه الاقتصاد العالمي نحو مستقبل أقل تلوثًا بالكربون.

هوامش

(1) © Bettmann/Corbis.
(2) © National Pictures/TopFoto.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤