تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية ابتدأت بطلوع كوكب الإسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى.

سادت هذه النهضة وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب، ومن فروعها نهضة أدبية لغوية جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على ساقها في أيام بني العباس.

أمسك بيدك كتب التاريخ والأدب ملتمسًا الحقيقة بذكاء موزون وقلب سليم، فلا أحسبك تصدر عنها إلا بنفس مطمئنة لإجلال أولئك الذين درسوا أدب اللغة وخاضوا في فنونه فأمتعوا البحث، وكانوا القدوة الحسنة في حسن التصرف وحكمة البيان.

تمتع الشرق بنهضتيه الاجتماعية والأدبية حقبًا، ثم وقف التعليم عند غاية وأخذ شأنًا غير الشأن الذي تسمو به المدارك وتنمو به نتائج العقول، فإدا غفوة تدب إلى جفون هذه الأمم ولم تكد تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها.

هبَّ بعض أولي الحكمة منا يقلبون وجوههم في العلل التي مست أمم الشرق فقعدت بهم سنين عددًا، وبعثوا أقلامهم من مراقدها تصف هذه العلل وتنذر الناس موتة اليأس والجبن والخمول، وتلقي عليهم دروسًا في أسباب الحياة ووسائل الخلاص.

التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مجد، وإلى من شب في مهده من أعاظم الرجال. أخذ ينظر إلى ماضيه ليميز أبناؤه بين ما هو تراث آبائهم وبين ما يقتبسونه من الغرب، وليشعروا بما كان لهم من مجد شامخ فتأخذهم العزة إلى أن يضموا إلى التالد طريفًا، وليذكروا أنهم ذرية أولئك السراة فلا يرضوا أن يكونوا للمستبدين عبيدًا.

أنشأ أولو الأحلام الراجحة من الزعماء والكتاب يأخذون بما يظهر من جديد صالح ولا ينكثون أيديهم من قديم نافع، فاستطاعوا بهذه الحكمة والروية أن يسلكوا قلوب الأمة في وحدة، ويخطوا بها إلى حياة العلم والحرية والاستقلال.

نظر إلى هذه النهضة الزاكية من لا يرغبون في تقدم هذه الأمم إلى خلاصها ولو خطوة، وعرفوا أن بأيدي هذه الأمم كتابًا فيه نظم اجتماعية وآيات تأخذ في شرط إيمانهم به ألا يلينوا لسلطة شأنها أن تسوسهم على غير أصوله، فما كان من هؤلاء القوم الذين يستحلون إرهاق الأمم إلا أن يبتغوا الوسيلة إلى فتنة القلوب وصرفها عن احترام ذلك الكتاب، والغاية تقويض بناء هذه الوحدة السائرة بنا إلى حياة سامية وعز لا يبلى.

فسقت طائفة عن أدب الإسلام، وأرهفت أقلامها لتعمل على هذه الخطة الخاذلة، غير مبالية بسخط الأمة، ولا متحرجة مما سينطق به التاريخ من وضع يدها في يد خفية لا شأن لها إلا نصب المكايد لأمة كان لها العزم النافذ والكلمة العليا.

تلهج هذه الطائفة باسم حرية الفكر وهي لا تقصد إلا هذا الفن الذي أكبَّت عليه صباحها ومساءها وهو النيل من هداية الإسلام والغض من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. ويكفي شاهدًا على رياء هؤلاء الرهط أنهم يقيمون مآتم يندبون فيها حرية الفكر، ثم ينصرفون ويقولون فيما يكتبون: للحكومة أن ترهق الشعب وترغمه على ما تراه أمرًا لائقًا. ولو سبق ظنك إلى أن مؤلف كتاب في الشعر الجاهلي هو عينهم الناظرة وسهمهم الذي يرمون به في مقاتل أمتهم الغافلة؛ لخليت بينك وبين هذا الظن؛ إذ ليس لي على هذه الظنون الغالبة من سبيل.

فالقلم الذي يناقش كتاب «في الشعر الجاهلي» إنما يطأ موطئًا يغيظ طائفة احتفلت بهذا الكتاب وحسبته الطعنة القاضية على الإسلام وفضل العرب وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا.

محمد الخضر حسن

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١