طرفة بن العبد – المتلمس

حكى المؤلف قصة طرفة والمتلمس وما جرى لهما مع عمرو بن هند، وأقبل يتحدث عن طرفة ويعيد قول ابن سلام في طرفة وعبيد: إنه لم يبق من شعرهما إلا قصائد بقدر عشر، ورجع يذكر ما حمل عليه عبارة ابن سلام من أنه لا يعرف لعبيد إلا بيتًا واحدًا، ثم قال في ص١٧٤: «فأما طرفة فقد عرف له المطولة وروى مطلعها هكذا:

لخولة أطلال ببرقة ثَهمد
وقفت بها أبكي وأبكي إلى الغد»

مطلع هذه القصيدة ورد بروايتين: إحداهما هذه التي اختارها ابن سلام، وثانيتهما رواية الأصمعي وهي:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد
يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

ومن شراح المعلقات من يتعرض للروايتين ويتناولهما بالشرح واحدة بعد أخرى، وقد عرفت أن اختلاف الروايات في بعض أبيات القصيدة لا يساعدك على أن تتخذه دليلًا أو شبيهًا بالدليل على أن نسبة هذا الشعر الجاهلي مزورة، وقصارى الارتياب أو الإنكار أن يمس القصيدة في موضع الاختلاف ولا يتعداه إلى ما لا خلاف فيه.

•••

قال المؤلف في ص١٧٤: «وأنت إذا قرأت شعر طرفة رأيت فيه ما ترى في أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، ولا سيما المضريين منهم، من متانة اللفظ وغرابته أحيانًا، حتى لتقرأ الأبيات المتصلة فلا تفهم منها شيئًا دون أن تستعين بالمعاجم. ولكنك تلاحظ أن هذا الشعر أشبه بشعر المضريين منه بشعر الربعيين، وذكر أن الربعيين يتفقون في السهولة التي تبلغ الإسفاف وأنه لا يستثني من شعرهم إلا قصيدة الحارث بن حلزة، ثم قال: «فكيف شذ طرفة عن شعراء ربيعة جميعًا فقوي متنه واشتد أسره وآثر من الإغراب ما لم يؤثر أصحابه ودنا شعره من شعر المضريين.»

الألفاظ التي يتألف منها شعر طرفة واردة في كلام غيره من منظوم العرب ومنثورهم، وورودها في غير شعر طرفة دليل على أنها مألوفة الاستعمال لذلك العهد، وإذا كانت حروفًا عربية وكانت من قبيل ما يأخذ به الفصحاء أشعارهم وخطبهم، لم يكن دخولها في شعر طرفة بمستنكر، كما أن أخذها في القصيدة مواقع متقاربة وهي من الألفاظ العربية الصريحة لا يثير في نفس الناظر ريبة وإن لم يكثر استعمالها في المخاطبات أو المنشآت الأدبية كثرة استعمال السيف والرمح، والعلم والجهل، والقلب واللسان، والسماء والأرض، فما يجيء من شعر طرفة من هذه الأبيات التي نستعين على فهم بعض كلماتها بالمعاجم كقوله:

أمون كألواح الإران نصأتها
على لاحب كأنه ظهر برجد

قد كان خطابها موجهًا إلى قوم يفهمونها لأول ما يسمعونها كما يفهم الناس اليوم قوله:

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني
عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

ولا ننكر مع هذا أن توصف الكلمة في عهدهم بالغرابة حيث لا تكون كثيرة الدوران في محاوراتهم، أو حيث تكون لغة قبيلة لم تتناولها الفصحاء من سائر القبائل فيخفى فهمها على كثير من العرب أنفسهم.

ولا يبقى بعد هذا سوى النظر في اختلاف شعراء الجاهلية حيث يذهب بعضهم في شعره إلى السهولة فيصوغه من الكلمات الكثيرة الدوران في منشآت الفصحاء ومحاوراتهم، ويذهب آخرون إلى أن يدخلوا في نسجه شيئًا من هذه الكلمات الغريبة قليلًا أو كثيرًا.

لا ننظر إلى الشعر في صدر الإسلام أو في عهد الدولة الأموية أو حين أخذت اللغة هيئة غير هيئتها الفطرية، فإن اختلاف الشعراء لهذه العصور في سهولة الألفاظ وغرابتها غني عن إقامة الشاهد والمثال، بل لا نذهب بالقارئ مذهب الإسهاب فنسوق إليه شواهد من الشعر الجاهلي الذي قال عنه المؤلف: إنه منتحل انتحالًا. وإنما ننظر في الشعر الجاهلي الذي عفا عنه المؤلف ولم يجعل على الناس من حرج في أن يضيفوه إلى قائله الجاهلي الصريح.

قد كف المؤلف يده في فصل سلف عن قصيدتين لعلقمة ورفع من قلبه الشك فيهما وأنت حين تقرؤهما تجد فيهما سهولة شعر مهلهل وامرأة أخيه جليلة وعمرو بن كلثوم وتجده يقول في البائية:

منعمة ما يستطاع كلامها
على بابها من أن تزار رقيب
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره
وترضي إياب البعل حين يئوب
فإن تسألوني بالنساء فإنني
بصير بأدواء النساء طبيب
يردن ثراء المال حيث علمنه
وشرخ الشباب عندهن عجيب

ولو كنا نتحدث إلى غير ذي أذواق سليمة ونستطيع الإغضاء عن الحقيقة لرمينا القول كما يرميه المؤلف وقلنا في هذه الأبيات مع السهولة إسفاف.

وتجد في هاتين القصيدتين الأبيات أو الأشطار المشبعة بالغرابة كقوله في الميمية:

سقى مذانب قد زالت عصيفتها
حدورها من أتِيِّ الماء مطموم

وقوله:

يظل بالحنظل الخطبان ينقفه
وما استطف من التنوم مخذوم

وقوله:

إذا تزغم من حافاتها ربع
حنت شغاميم في حافاتها كوم

وقوله:

جلذية كافان الضحل علكوم

وقوله في البائية:

له فوق أصواء المتان علوب

فإن كان الجاهلي لا ينظم الشعر سهلًا ففي شعر علقمة ما يفهمه السوقة حين يجري على لسان المار في قارعة الطريق. وإن كان الجاهلي لا ينظمه غريبًا ففي شعر علقمة ما لا يفهمه طالب العلم إلا أن يستعين عليه بمثل لسان العرب أو القاموس. وإن كان الجاهلي لا يأخذ في شعره بالسهولة تارة وبالغرابة أخرى ففي شعر علقمة السهل اللين وفيه ما لا يفهمه المؤلف إلا أن يستعين عليه بالمعاجم.

•••

قال المؤلف في ص١٧٥: «وانظر في هذه الأبيات التي يصف بها الناقة:

وإني لأمضي الهم عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدي»

وسرد ستة أبيات بعدها ثم قال: «وهو يمضي على هذا النحو في وصف ناقته فيضطرنا إلى أن نفكر فيما قلناه من قبل من أن أكثر هذه الأوصاف أقرب إلى أن يكون من صنعة العلماء باللغة منه إلى أي شيء آخر.»

دعوى أن هذا الشعر من صنع علماء اللغة ليس بالمستحيل الذي يأباه العقل في كل حال، ولكنه لا يزال في رأينا بعيدًا ولا سيما حيث لم يشده المؤلف برواية أو رأي يجعل نظم طرفة لهذا الشعر شيئًا نكرًا.

اللفظ والأسلوب عربي فصيح، ووصف العرب الناقة والفرس في أشعارهم سنة جارية، وتفاوت أبيات القصيدة في السهولة والغرابة معروف في كثير من أشعار الجاهليين والإسلاميين. إذًا لا غرابة في أن تكون هذه الأبيات الواردة في وصف الناقة لطرفة بن العبد.

•••

قال المؤلف في ص١٧٦: «ولكن دع وصفه للناقة واقرأ:

ولست بحلال التلاع مخافة
ولكن متى يسترفد القوم أرفد»

وسرد بعده ثمانية أبيات من القصيدة، وأثنى على هذه الأبيات من ناحية نسجها، وقال: «وامض في قراءة القصيدة فستظهر لك شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح جلي: مذهب اللهو واللذة يعمد إليهما من لا يؤمن بشيء بعد الموت ولا يطمع في الحياة إلا فيما تتيح له من نعيم بريء من الإثم والعار على ما كان يفهمها عليه هؤلاء الناس:

وما زال تشرابي الخمور ولذتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي»

وتلا بعد هذا البيت ثمانية أبيات من القصيدة، ونفى عن هذه الأبيات أن تكون متكلفة أو منتحلة أو مستعارة، وأخذ يتحدث عنها في هيئة الطائر فرحًا من وقوعه عليها، وذكر أن فيها شخصية «ظاهرة البداوة واضحة الإلحاد بينة الحزن واليأس والميل إلى الإباحة في قصد واعتدال». وانثنى يتحدث عن صاحب هذه الشخصية ووصفه بالصدق في يأسه وحزنه وميله إلى هذه اللذات ثم قال: «وإنما الذي يعنيني أن هذا الشعر صحيح لا تكلف فيه ولا انتحال، وأن هذا الشعر لا يشبه ما قدمنا في وصف الناقة ولا يمكن أن يتصل به، وأن هذا الشعر من الشعر النادر الذي نعثر به من حين إلى حين في تضاعيف هذا الكلام الكثير الذي يضاف إلى الجاهليين، فنحس حين نقرؤه أنا نقرأ شعرًا حقًّا فيه قوة وحياة وروح.»

أخذت المؤلف لوقوعه على هذا الشعر هزة ارتياح فأطلق قلمه في وصفه وتقريظه كأنه المثل الأعلى لما تجود به القرائح ويبدع تنسيقه البيان.

المعروف في سنة البحث أن الكاتب إذا دعاه الموضوع إلى التعرض لمنثور أو منظوم وجدته يتناول الحديث عنه من الناحية الملائمة لهذا الموضوع، ويملك نفسه عن أن يأتيه من ناحية لا تلتقي مع البحث في سبيل. والمؤلف لا يأخذ بهذه السنة على الرغم من استنارتها ودلالتها على رسوخ الكاتب في العلم الذي يبحث فيه.

يفاتحك هذا المؤلف بالحديث عن الشعر الجاهلي في هيئة الباحث المخلص فتظن به خيرًا وتلقي إليه سمعك وأنت شهيد، ثم لا يلبث في البحث بضعة أسطر حتى يخرج بك إلى أن يقضي حاجة أخرى، وما هي إلا طعن في هداية أو تشويه حقيقية أو ارتياح للخروج عن فضيلة.

يتحدث المؤلف في هذا الفصل عن شعر طرفة من ناحية نسبة هذا الشعر إليه حتى وصل إلى أبيات: «فما زال تشرابي الخمور ولذتي» وكان نظام البحث يقضي عليه أن يخوض في هذه الأبيات من الجهة المتصلة بإضافتها إلى طرفة، ولكنه لم يتمالك أن نبذ الموضوع وراء ظهره وأقبل يحدثك عن مذهب اللهو واللذة وعما في هذا الشعر من شخصية واضحة الإلحاد وما فيه من إباحة قال عنها: إنها مقتصدة معتدلة، وجعل يصف صاحب هذه الشخصية بأنه صادق في ميله إلى هذه اللذات التي يؤثرها، وأسف؛ إذ لم يعثر على مثل هذا الشعر فيما يضاف إلى الجاهليين إلا نادرًا، ولإعجابه بمعنى هذا الشعر أخذ يحثو عليه المدح بملء فمه ويقول لك: إنه شعر حق فيه قوة وحياة وروح. ولم يكفه أن يتسلل من مقام البحث إلى الحديث عن اللهو واللذة والإلحاد فصاح قائلًا لك وهو في نشوة من هذا الحديث: «وليس يعنيني أن يكون طرفة قائل هذا الشعر.» يقول هذا وهو لم يسق الأبيات إلا بمناسبة البحث في أن طرفة قال هذا الشعر أو لم يقله.

•••

خلع المؤلف لقلمه العذار فطرب في حديث الإلحاد والإباحة ما شاء ثم قال في ص١٧٨: «وإذًا فأنا أرجح أن في هذا شعرًا صنعه علماء اللغة هو هذا الوصف الذي قدمنا بعضه، وشعرًا صدر عن شاعر حقًّا هو هذه الأبيات وما يشبهها، ولسنا نأمن أن يكون في هذه الأبيات نفسها ما دس على الشاعر دسًّا وانتحل انتحالًا. فأما صاحب القصيدة فيقول الرواة: إنه طرفة. ولست أدري أهو طرفة أم غيره؟ بل لست أدري أجاهلي هو أم إسلامي؟ وكل ما أعرفه هو أنه شاعر بدوي ملحد شاك.»

يجوز في حق الملحد متى كان بدويًّا أن يصف الناقة على نحو وصفها في قصيدة: «لخولة أطلال» فليس بالبعيد أن تكون أبيات الإلحاد والإباحة صادرة من القريحة التي وصفت الناقة، وقد قال الرواة: إن هذا الملحد الذي وصف الناقة يقال له طرفة بن العبد، وقد رأينا هؤلاء الرواة يتحدثون عن شعره حديث المجد في بحثه، فقالوا: إن الصحيح منه قليل، وأنكروا بعض قصائد طرحت عليه كقصيدة:

تكاشرني كرهًا كأنك ناصح
وعينك تبدي أن صدرك لي جوّ
فقد نقدوها ونفوها عنه وقالوا: إنها لا تدخل في مذهبه ولا تقاربه.١

وجروا على هذا السبيل في أبيات تضاف إلى هذا الشاعر، كبيت:

أسعد بن مال ألم تعلموا
وذو الرأي مهما يقل يصدق
فقد حقق أنها مصنوعة على طرفة وإنما هي لبعض العباديين.٢

وألقوا على هذه المعلقة نظرًا خاصًّا فدلوا على موضع اختلاف الروايات ونبهوا على ما جاء زائدًا في رواية كبيت:

جمالية وجناء تردى كأنها
سفنجة تبري لأزعر أربد
ورووا لنا ما يدل على أن هذه القصيدة كانت معروفة في الجاهلية ومنظورًا إليها بعين الإكبار والإعجاب، وهو أن عدة من شعراء الجاهلية عارضوها فما أتوا بمثلها ولا شبهها.٣

فبلوغهم في نقد شعر طرفة هذا المبلغ يبعدنا عن قبول هذا الذي يزعمه المؤلف، ويخفف على ألسنة الأدباء أن يقولوا عند إنشاد شيء من هذه القصيدة: قال طرفة بن العبد.

وكان المؤلف زهي بأبيات اللهو والإلحاد وملكه حال جعله يقول عن صاحب القصيدة: ولست أدري أهو طرفة أم غيره؟ وكان مقتضى دليله اللغوي أن يدري أنه غير طرفة، ولكن هذا الدليل اللغوي قد نقضه بقصيدتي علقمة، ومناقضة الكاتب للدليل يورده على المسألة أمارة على أنه سمعه من ناحية وأقبل يحكيه في ناحية أخرى، ولو تولاه بقريحته وعالجه بفكره لما أدركه نسيانه على عجل، وشأن أمثال المؤلف أن يكونوا أبعد الناس عن النسيان.

•••

انتقل المؤلف إلى الحديث عن شعر المتلمس وقال في ص١٧٨: «ومن غريب أمره أن التكلف فيه ظاهر، ولا سيما في القافية، فيكفي أن تقرأ سينيته التي أولها:

يا آل بكر ألا لله أمكم
طال الثواء وثوب العجز ملبوس

لتحس هذه القافية. على أن القصيدة مضطربة الرواية فقد يوضع آخرها في أولها، وقد يروى مطلعها:

كم دون مية من مستعمل قذف
ومن فلاة بها تستودع العيس»

نقرأ في كتب الأدب الراقية: أن أبا عمرو بن العلاء: يقول لقيت الفرزدق في المربد فقلت يا أبا فراس أحدثت شيئًا؟ فقال خذ، ثم أنشدني:

كم دون مية من مستعمل قذف
ومن فلاة بها تستودع العيس
فقلت سبحان الله! هذا للمتلمس؛ فقال: اكتمها، فلضوال الشعر أحب إليَّ من ضوال الإبل.»٤

لا نريد أن نستشهد بهذا على أن القصيدة معدودة من مختار الشعر، وأنها مما يرغب البلغاء في أن تكون من بنات قرائحهم، ولكن شهرة القصيدة في عهد الفرزدق وأبي عمرو بن العلاء تدل على أن منشئها عربي فصيح، وإذا كان العربي الفصيح قد يتكلف القافية فليكن طرفة من هذا القبيل، ولا يكون تكلف القافية في هذه القصيدة أمارة على أنها محمولة عليه.

وأما اضطراب الرواية بوضع آخرها في أولها فإن دل على شيء فهو قدم عهد القصيدة بالنظر إلى عهد التدوين.

قال المؤلف في ص١٧٩: «وللمتلمس قصيدة أخرى ليست أجود ولا أمتن من هذه، ولعلها أدنى منها إلى الرداءة وهي التي مطلعها:

ألم تر أن المرء رهن منية
صريع لعافي الطير أو سوف يرمس
فلا تقبلن ضيمًا مخافة ميتة
وموتَنْ بها حرًّا وجلدك أملس

ويقول فيها:

وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا
وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا»

ساق المؤلف هذا البيت الأخير على الوجه الذي انتقده علماء الأدب؛ لأنه أقرب إلى ما يرمي به القصيدة من الرداءة.

قال أبو هلال: الرواية الجيدة ما رواه أبو عمرو:

وما البأس إلا حمل نفسي على السرى
وما العجز إلا نومة وتشمس
فجعل البأس بإزاء العجز، والسرى بإزاء القعود، فأما قوله في الرواية الأولى فما الناس إلا كذا، وما العجز إلا كذا فغير جيد.٥

•••

قال المؤلف في ص١٧٩: «وأكبر الظن أن كل ما يضاف إلى المتلمس من شعر — أو أكثر على أقل تقدير — مصنوع، الغرض من صنعته تفسير طائفة من الأمثال وطائفة من الأخبار حفظت في نفوس الشعب عن ملوك الحيرة وسيرتهم في هؤلاء الأخلاط من العرب وغير العرب الذين كانوا يسكنون السواد، ولا أستبعد أن يكون شخص المتلمس نفسه قد اخترع اختراعًا تفسيرًا لهذا المثل الذي كان يضرب بصحيفة المتلمس، والذي لم يكن الناس يعرفون من أمره شيئًا.»

بعض الرواة صنع هذا الشعر ليفسر طائفة من الأمثال وطائفة من الأخبار! وبعض الرواة وجدوا الناس يضربون المثل بصحيفة المتلمس وهم لا يعرفون من هذا المتلمس، ولا يدرون ما هذه الصحيفة، فصوروا رجلًا وضعوا عليه اسم المتلمس وجعلوه من بني ضبيعة وفي عهد عمرو بن هند، ونظموا أشعارًا أضافوها إليه، ولفقوا له قصة مع عمرو بن هند وقرنوه في القصة بطرفة بن العبد واصطنعوا له ولدًا سموه عبد المدان وقالوا عن هذا الولد: إنه أدرك الإسلام وكان شاعرًا، ومات في بصرى ولا عقب له!٦ تصنع طائفة من الرواة جميع هذا لتفسر المثل المضروب بصحيفة المتلمس!

ننظر فيما يضيفه الرواة إلى المتلمس من أخبار وأشعار، وأقل ما نستفيده من مجموعها أن شاعرًا كان في عهد عمرو بن هند يقال له: المتلمس، وأنه هو صاحب الصحيفة المضروبة بين الناس مثلًا، وقد تجيء الريبة أو الانتحال إلى شيء من هذه الأخبار المتصلة به، وأهل العلم أنفسهم يروونها بتحفظ، وتجدها في شرح ابن الأنباري للمعلقات مصدرة بمثل: «يقال» و«زعموا» و«فيما يقال» و«فيما يزعمون».

أما الشعر الذي يعزوه إليه الرواة من غير أن يرتاب فيه واحد منهم، ومن غير أن تعرض فيه شبهة لغوية أو تاريخية فإنا نأخذ على ظن أنه للمتلمس، ولا جناح علينا أن نقول عند إنشاده قال المتلمس أحد شعراء بني ضبيعة.

•••

قال المؤلف في ص١٨٠: «ونحن لم نقصد في هذا الكتاب إلى أن ندرس الشعراء ولا إلى أن نحلل شعرهم وإنما قصدنا إلى أن نبسط رأينا في طريقة درس هذا الشعر الجاهلي وهؤلاء الشعراء الجاهليين. وقد بلغنا من ذلك ما كنا نريد.»

الطريقة التي سنها المؤلف لدرس الشعر الجاهلي وهؤلاء الشعراء الجاهليين ليست بالتي تضع في شرطها عليك أن تكون ذا ألمعية، ولا بالتي تدعوك إلى رعاية قانون البحث أو نظام الفكر، وقصارى ما تأخذ عليك في عهدها أن تنظر إلى ما في نفسك من حاجة أو عاطفة ثم تطلق لقلمك أن تقول في هذا الشعر وهؤلاء الشعراء ما يقضي هذه الحاجة أو يرضي هذه العاطفة.

وإن شئت أن تكون مشابهًا للمؤلف في سيرته مشابهة الغراب للغراب فصوِّر في فاتحة بحثك طائفة ستلقي ما تكتبه ساخطة عليه، وأخرى بجانبها ستزْوَر عنه ازورارًا، وسم الطائفتين أنصار القديم، ثم اقبض من هذه الأمة الكثيرة قبضة ولو صغيرة وأفض عليها بقدر ما يسعك البيان مدحًا وإطراء، وقل للقراء: هؤلاء أنصار الجديد وسيرضون عن هذا الكتاب فعلى غيرهم العفاء، ولا تمد في البحث خطوة حتى تحدث القراء عن منهج ديكارت فإن أنباءه ما برحت عامية عن أنصار القديم وما فتئت غامضة عن أنصار الجديد، وابسط يدك معاهدًا للقراء على أنك ستستقيم على هذا المنهج ولا تحيد عنه إصبعًا وإن وضعت الشمس في يمينك والقمر في يسارك، ثم اطو في نفسك أنك ستذهب مغربًا وتدع هذا المنهج يذهب مشرقًا.

وأقبل على بعض كتب عربية مثل كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ والتقط منها ما يعينك على قضاء تلك الحاجة أو إرضاء تلك العاطفة، وانصرف منها إلى كتب يلقيها بعض المخالفين كالعثرات في سبيل هداية القرآن وانتزع من كلماتها الجافية ما يلائم مسلكك وسقه إلى القراء في هيئة من يروي قولًا أو يحكي رأيًا، وإن شئت فاصدع به على أنه وليد فكرك وألبسه من الجهل على حضرة أكمل الخليقة ثوبًا خشنًا ولا تبال شعور هذه الأمم الإسلامية وإن كان دين دولتها الإسلام.

وول وجهك شطر ما يكتبه المستشرقون في أدب اللغة واقلبه إلى العربية وأخرجه في صورة ما أنتجته قريحتك. وقدم بين يديه أو ائت من ورائه بجمل تتطاول بها على القدماء وتتباهى بها على أنصار القديم، فإن ذلك أبلغ وسيلة إلى إبعاد الظنون عن جولة يدك وسقوط أمانتك.

فإن أنت صنعت هذا كله فقد استقام لك القياس وجئت به مستوفى الشرائط فاحمل عليه من النتائج ما دعتك إليه الحاجة أو نزعت بك إليه العاطفة؛ لأنك تكتب لطائفة بلهاء، تنطق عليها بالسخف فتضرب أيمانها على شمائلها طربًا.

هذه طريقة درس الشعر الجاهلي والشعراء الجاهليين، وقد بلغ المؤلف من ذلك ما كان يريد.

•••

ختم المؤلف كتابه بملاحظتين: الأولى أن هذا الدرس الذي قدمه ينتهي به إلى نتيجة إلا تكن تاريخية صحيحة فهي فرض يحسن الوقوف عنده والاجتهاد في تحقيقه وقال في ص١٨٠ شارحًا هذه النتيجة: «وهي أن أقدم الشعراء فيما كانت تزعم العرب وفيما كان يزعم الرواة إنما هم يمنيون أو ربعيون، وسواء أكانوا من أولئك أو من هؤلاء فما يروى من أخبارهم يدل على أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة أي في هذه البلاد التي تتصل بالفرس اتصالًا ظاهرًا أو التي كان يهاجر إليها العرب من عدنان وقحطان على السواء.

وإذًا فنحن نرجح أن هذه الحركات التي دفعت أهل اليمن من ناحية وأهل الحجاز من ناحية أخرى إلى العراق والجزيرة ونجد، في عصور مختلفة ولكنها لا تكاد تتجاوز القرن الرابع للمسيح، قد أحدثت نهضة عقلية وأدبية، لما كان من اختلاط هذين الجنسين العربيين فيما بينهما ومن اتصالهم بالفرس. ومن هذه النهضة نشأ الشعر، وقل إذا كنت تريد التحقيق: ظهر الشعر وقوي وأصبح فنًّا أدبيًّا. وقد ذهب هذا الشعر ولم يبق منه شيء إلا الذكرى، ولكن لم يكد يأتي القرن السادس للمسيح حتى تجاوزت هذه النهضة أقطار العراق والجزيرة ونجد وتغلغلت في أعماق البلاد العربية نحو الحجاز فمست أهله. ومن هنا ظهر الشعر في مضر ومن إليهم من أهل البلاد العربية الشمالية. فالشعر كما ترى يمني قوي حين اتصلت القحطانية بربيعة، ولكنا لم نعرفه ولم نصل إليه إلا حين تغلغل في البلاد العربية وأخذته مضر عن ربيعة.»

تتلخص هذه النتيجة في ست جمل:
  • (١)

    أقدم الشعراء يمنيون أو ربعيون.

  • (٢)

    قبائل هؤلاء الشعراء كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة.

  • (٣)

    اتصال القحطانية بربيعة أحدث نهضة أدبية.

  • (٤)

    هذه النهضة تجاوزت العراق والجزيرة ونجدًا وتغلغلت نحو الحجاز.

  • (٥)

    الشعر الناتج من اتصال القحطانية بربيعة ذهب ولم تبق منه إلا الذكرى.

  • (٦)

    الشعر يمني قوي حين اتصلت اليمانية بربيعة.

أما الجملة الأولى فلا ندري ما هو الطريق الذي دخلت منه إلى هذه النتيجة! والذي نعرفه من هذا الكتاب أن المؤلف لا يرى لأسماء هذه القبائل قيمة وينكر أو يشك في قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء وأسماء هذه القبائل، فقد قال فيما سلف: «لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة، أي لأننا ننكر أو نشك على أقل تقدير شكًّا قويًّا في قيمة هذه الأسماء التي تسمى بها القبائل وفي قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء وبين أسماء هذه القبائل، ونعتقد أو نرجح أن هذا كله أقرب إلى الأساطير منه إلى العلم اليقين.»٧

وإذا كان المؤلف لا يعرف ربيعة وينكر أو يشك في قيمة هذا الاسم وفي أنساب من يعزون إليها من الشعراء، فكيف يدخل في نتيجة بحثه شيئًا ينكره أو يشك فيه! ولعل المؤلف كان على ذكر من هذا الذي نحكيه عنه فاحتاط لنفسه وأضاف هذه النظرية، وهو أن أقدم الشعراء يمنيون أو ربعيون إلى زعم العرب أو الرواة، ولكن هذا الاحتياط لا يبرئه من تبعة إدخال المزعوم في نتيجة يدعي أن الدرس المتقدم قد انتهى به إليها.

وأما الجملة الثانية وهي أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة فهو الموافق للرواية، ولا ندري ماذا يفعل المؤلف في امرئ القيس فقد رجح أنه وجد حقًّا وأنه كان شاعرًا يمنيًّا وأبى للرواة أن يكون قد نشأ في نجد، وامرؤ القيس يمني عده العرب أو الرواة في أقدم الشعراء، وما يروى من أخباره يدل على أن أسرته كانت تعيش في نجد، فما الذي يمنع المؤلف من الاعتراف بأن أسرته من هذه القحطانية التي هاجرت إلى نجد واتصلت بربيعة؟

وأما الجملة الثالثة وهي أن اتصال القحطانية بربيعة أحدث نهضة أدبية، فمحتمل غير أن قبوله يتوقف على إثبات أن القحطانية سبقوا ربيعة إلى نظم الشعر.

وأما الجملة الرابعة وهي أن هذه النهضة تجاوزت نجدًا والعراق والجزيرة وتغلغلت نحو الحجاز، ففيها شيء من ريح ما يقوله الرواة من أن الشعر كان في ربيعة وانتقل إلى قيس ثم تحول إلى تميم «ولكن من ريحه ليس غير».

وأما الجملة الخامسة وهي أن الشعر الناتج عن النهضة القحطانية الربيعية قد ذهب ولم تبق منه إلا الذكرى، فمردودة على عقبها بأن الرواية المستفيضة على ألسنة الثقات وغيرهم تتلو علينا منظومات في هذه اللغة الأدبية، وتشهد بأن هذه المنظومات مُثل من شعر ربيعة في عهد الجاهلية، وما يدعيه المؤلف من أن شعرهم ذهب ضائعًا، وأن هؤلاء الرواة أجمعوا على باطل، فحديث مطرود من ساحة القبول حتى يأتي صاحبه ولو بمثل من هذا الشعر الضائع أو يقيم الشاهد على ضياعه، وما حشره في الفصول الماضية كالمستدل على هذه الدعوى قد رأيتموه كيف ذهب ولم يبق منه شيء غير الذكرى.

وأما الجملة السادسة وهي أن الشعر يمني قوي حين اتصلت القحطانية بربيعة، فلا وجه لجعلها نتيجة ينتهي إليها الدرس المتقدم، فإن المؤلف لم يبحث في الفصول السابقة ولا في هذه الملاحظة أيضًا عن أولية الشعر بحث أهل العلم حيث يوردون مقدمات معلومة أو مظنونة ويصوغون النتيجة بمقدارها.

•••

قال المؤلف في ص١٨١: «فلنا في شعر مضر رأي غير رأينا في شعر اليمن وربيعة؛ لأننا نستطيع أن نؤرخه ونحدد أوليته تقريبًا، ولأنا نستطيع أن نقبل بعض قديمه دون أن تحول بيننا وبين ذلك عقبة لغوية عنيفة.» وقال: «إن الشعراء الجاهليين من مضر قد أدركوا الإسلام كلهم أو أكثرهم فليس غريبًا أن يصح من شعرهم شيء كثير.»

من يقرأ هذه الجمل يسبق إلى ظنه أن الشعراء الذين أتى عليهم المؤلف وحجز عنهم هذا الشعر الذي يعزى إليهم أو قال: لا أدرس الحياة الجاهلية في شعرهم، كلهم من ربيعة، ولكنه بحث في شعر عبيد بن الأبرص وهو من بني أسد وبنو أسد من مضر، وبحث في شعر علقمة وهو من بني تميم، وتميم من مضر وقال: لا أدرس الحياة الجاهلية في شعر النابغة وزهير، وكلا هذين الشاعرين من قيس، وقيس من مضر.

وإذا كانت النتيجة إنما هي إنكار شعر اليمن وربيعة وحدهما فما باله يمشي في الفصول السابقة على إنكار الشعر الجاهلي بإطلاق فيقول: «إن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية.»٨ وقال: «إن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحًا.»٩ ونحن نظن أن المؤلف وأنصاره «سيجدون كثيرًا من المشقة والعناء في حل هذه المشكلة».

وأما العقبة اللغوية فقد عرفت أن الذي أقامها هو المستشرق مرغليوث، ووقف المؤلف في هذه العقبة يحسبها عنيفة، وما برح يصوت بأنها عنيفة وما هي بعنيفة ولكن تقليد الغربيين في الآراء السخيفة عنيف.

•••

انتقل المؤلف إلى الملاحظة الثانية فقال: «الثانية أن الذين يقرأون هذا الكتاب قد يفرغون من قراءته وفي نفوسهم شيء من الأثر المؤلم لهذا الشك الأدبي الذي نردده في كل مكان من الكتاب. وقد يشعرون مخطئين أو مصيبين، بأننا نتعمد الهدم تعمدًا ونقصد إليه في غير رفق ولا لين، وقد يتخوفون عواقب هذا الهدم على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الذي يتصل به هذا الأدب خاصة.»

إن الذين يقرأون كتابنا هذا قد يفرغون وفي نفوسهم شيء من أثر الارتياح لهذا النقد الأدبي الذي نعالج به كل مكان من كتاب في الشعر الجاهلي، وقد يشعرون مصيبين بأننا نتعمد هدم تلك الآراء الحائرة والأقوال الخادعة ونقصد إليه في غير رفق ولا لين. وقد يتخوف شركاء المؤلف عواقب هذا الهدم على دعايتهم الخاسئة عامة وعلى كتب أستاذ الجامعة التي تتصل بهذه الدعاية خاصة.

•••

قال المؤلف في ص١٨٢: «فلهؤلاء نقول: إن هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به، لا لأن الشك مصدر اليقين ليس غير، بل لأنه قد آن للأدب العربي وعلومه أن تقوم على أساس متين، وخير للأدب العربي أن يزال منه في غير رفق ولا لين ما لا يستطيع الحياة ولا يصلح لها أن يبقى مثقلًا بهذه الأثقال التي تضر أكثر مما تنفع، وتعوق عن الحركة أكثر مما تمكن منها.»

الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ثلاثة أنواع؛ أحدها: ما لا يختلف الرواة في نسبته إلى قائل ولم نلمح في لفظه أو معناه ما يخدش هذه النسبة المجمع عليها، فهذا صالح لأن يستشهد به في اللغة ولأن يؤخذ به في استطلاع حياة الجاهلية حيث يكتفى في مثل هذا بمراتب الظنون قوية أو ضعيفة. ثانيها: ما يخالف في نسبته إلى قائله بعض الرواة المعتد بخلافهم ويذهب إلى أنه منحول، وهذا إن جاء من طريق عربي مطبوع بقي صالحًا للاستشهاد به في اللغة من غير خلاف، ولكنه يقصر عن أن يريك من حياة الجاهلية أثرًا واضحًا، فإن لم يلق هذا المنحول من عربي فصيح — وهو النوع الثالث — لم يعتد به في اللغة أو حياة الجاهلية وإنما يروى لما فيه من حكمة أو بلاغة.

ولعل المؤلف لا يدري هذا السبيل الذي يسير عليه أهل العلم في الشعر الجاهلي فنزع به قلمه هذه النزعة الشائنة، وأراد أن يجعل لشكه قيمة ويضعه موضع الأساس الذي ستقوم عليه علوم الأدب العربي.

•••

قال المؤلف في ص١٨٢: «ولسنا نخشى على هذا القرآن من هذا النوع من هذا الشك والهدم بأسًا، فنحن نخالف أشد الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته وتثبت ألفاظه. نخالفهم في هذا أشد الخلاف؛ لأن أحدًا لم ينكر عربية النبي فيما نعرف، ولأن أحدًا لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تتلى عليهم آياته، وإذا لم ينكر أحد أن النبي عربي وإذا لم ينكر أحد أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلي وهذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين.»

لا يخطر على بال أحد أن نفي الشعر الجاهلي من الأرض يمس القرآن بسوء فإن العلماء الذين قاموا على تفسير مفرداته قد رجعوا في بيانها إلى شعر أو نثر سمعوه من العرب الخلص، وسواء عليهم أكان هذا الشعر أو النثر صدر من الإسلاميين أم كان مضافًا إلى الجاهليين بحق أو بغير حق. وهذا حال ما يتمسكون به في قواعد النحو، فإن هذه القواعد لن تزال ثابتة ولو قامت الآيات البينات على أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين كله أنشئ بعد ظهور الإسلام.

والمؤلف لم يدرس اللغة وأصولها وأدبها ببصيرة صافية وفكرة متيقظة، فحسب أن الشك في الشعر الجاهلي يسري إلى الشك في معاني القرآن وقواعد النحو والبيان، فدبت يده إلى ما كتبه المستشرق مرغليوث وأفرغ ما يستطيع من التشكيك في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين وجرى في خياله أنه بلغ من الكيد للقرآن والعربية الفصحى ما كان يتمنى، فلبسه الغرور وجعل يداجي أهل القرآن ويقول كالمخفف من فزعهم: فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين. وقد لوحنا فيما سبق إلى المواضع التي يحق لمفسر القرآن أو الحديث أن يأخذ في تحقيقها بشواهد من كلام العرب الفصيح.

•••

قال المؤلف في ص١٨٣: «وليس بين أنصار القديم أنفسهم من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا أشد الاحتياط في رواية القرآن وكتابته ودرسه وتفسيره حتى أصبح أصدق نص عربي قديم يمكن الاعتماد عليه في تدوين اللغة العربية وفهمها.»

القرآن محفوظ في الصدور منذ عهد النبوة وليس من أنصار القديم ولا من أنصار الجديد أيضًا من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا في جمعه وكتابته وتفسيره، وليس في العارفين بفنون التفسير من ينازع في أن من معاني حروفه أو وجوه تأويله ما يليق بالمفسر أن يقيم عليه الشاهد من كلام العرب؛ لأنه أنزل بلسان عربي مبين، فهم لا يقصدون بإقامة الشاهد تصحيح عربية القرآن فإن عربيته حكم مسمط، وإنما يقيمون الشاهد لتقرير المعنى أو تصحيح وجه الإعراب الذي يختارونه في التأويل.

•••

قال المؤلف في ص١٨٣: «وهم لم يحفلوا برواية الشعر ولم يحتاطوا فيها بل انصرفوا عنها طائعين أو كارهين، ولم يراجعوها إلا بعد فترة من الدهر وبعد أن عبث النسيان والزمان بما كان قد حفظ من شعر العرب في غير كتابة ولا تدوين.»

للعرب شغف بنظم الشعر وروايته، ولم يكن لديهم من العلوم ما يشغل قرائحهم عن نظمه ولا أذهانهم عن حفظه إلا حين طلع عليهم الإسلام فأقبل أقوام منهم على التفقه في الدين وحفظ القرآن ورواية الحديث. ثم إن الأمة العربية تهيأت لأن تبسط شعاع هذه الهداية في مشارق الأرض ومغاربها فتدفقوا ولا قوة لهم إلا إيمان يتلألأ في قلوبهم وإلا حكمة تنير لهم السبيل أينما ذهبوا، ففتحوا البلاد وجعلوا الأيام تلد كارهة أو طائعة من بدائع الإصلاح ما لم تتمخض به الدنيا في عهد اليونان أو الرومان.

نحن نعلم هذا كله، ومن الغلط أو المغالطة أن نعد هذه النهضة الخطيرة ماحية للشعر الجاهلي من ألسنتهم، نازعة له من قلوبهم، وإنما شأنها أن تخفف من عنايتهم به وتصرف هؤلاء المجاهدين في كثير من الأوقات عن إنشاده وروايته، ومن البديهي أن الأمة لم تكن لهذا العهد كلها مجاهدة، بل كان فيها الأعمى والأعرج والمريض والمرأة والمعذرون من الأعراب، ولا يستطيع المؤلف أن يقيم الشاهد على أن هذه الأصناف من الناس انصرفت عن الشعر جملة، بل لا يستطيع أن يقيم الشاهد على أن أولئك المجاهدين انصرفوا عنه الانصراف الذي يخول للمؤلف أن يقول: إن هذا الشعر الجاهلي ليس من الجاهلية في شيء، ولو شئنا أن نرجع إلى هذه الكتب القديمة التي تُعنى بشؤون الأدب لوجدنا فيها آثارًا تقول: إن زعيم أولئك المجاهدين عمر بن الخطاب كان أعلم الناس بالشعر، ولا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر. وتخبر هذه الآثار بأنه أنشد بين يديه قصيدة عبدة بن الطيب الطويلة التي على اللام، وقصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وشعر لزهير، وكان يتلقى بعض أبيات هذا الشعر الجاهلي بالتعجب أو الإعجاب، وجاءت الرواية بأن هذا المجاهد العظيم قال وهو على المنبر: «أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم.»١٠ وهذا سبيل واسع ولسنا في حاجة إلى أن نذهب فيه إلى أبعد من هذه الغاية التي انتهينا إليها.

•••

قال المؤلف في ص١٨٣: «أما نحن فمطمئنون إلى مذهبنا مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئًا ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال، وأن الوجه — إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص — إنما هو الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القرآن.»

قطع المؤلف عنا حديثه بهذه الكلمة التي تنكر الشعر الجاهلي، وليست هذه الكلمة إلا سلالة تلك الشبه الكثيرة الصخب والتلاطم، وهي على ما ينعتها به الناس من صفاقة وتخاذل لم تنشط قريحة المؤلف لأن تستنبط مثلها، وإنما كان يتتبعها من ههنا وههنا كما يصنع بعض ذوي الأفكار العقيمة من أنصار القديم، وأقوى هذه الشبه دلالة — كما يقول المؤلف — ذلك الذي يسميه الدليل الفني اللغوي، وهو إنما دب إليه على حين غفلة من الناس وسله من مقال نشرته مجلة الجمعية الآسيوية للمستشرق مرغليوث.

لا يعنينا أن يكون المؤلف أغار على ذلك المقال أو أن خاطره وقع على ما وقع عليه خاطر هذا المستشرق كما يقع الحافر على الحافر، فإن النظرية في نفسها ساقطة، وشبهها كما رأيتم خاسئة، والبحث الفني اللغوي الذي يبتدئ باختلاف اللغة العدنانية واللغة القحطانية وينتهي باختلاف لغات القبائل العدنانية في نفسها، يكفي في سقوطه فرض أن تنشأ بين هذه اللغات المختلفة لغة يأخذ بها الشعراء والخطباء ألسنتهم، وقيام هذه اللغة الأدبية بين ذوي اللغات تتفرع عن أصل واحد ويرتبط أقوامها بصلة الجوار وتبادل المرافق والتقارب في العادات والآداب، يكاد يكون فرضه ضربة لازب ولا سيما حين انهالت الروايات الموثوق بها من كل جانب وفتحت أفواهها شاهدة بأنه كان أمرًا واقعًا، ومن آثار شهادتهما هذه القصائد التي تروى لشعراء كندة وربيعة وقيس وتميم. وقد بسطنا مناقشة هذا الدليل الفني في الفصول الماضية، على أن المؤلف قد نقض شطره بل نقض أساسه من قبل أن نناقشه، فتقبل قصيدتين لعلقمة، وعلقمة من تميم، وقال: إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس محمول عليه، ومعناه أن الأقل من هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس اليمني من نسج قريحته، وليس فيما يضاف إلى علقمة أو امرئ القيس إلا ما هو مصنوع في هذه اللغة الأدبية.

وأما ما تحدث به المؤلف بعد هذا الدليل الذي هو في ظنه «أنهض حجة» فمنه ما لا يدل على شيء ولا يثبت شيئًا، ومنه ما لا يدل على أكثر من أن في هذا الشعر الجاهلي ما هو مختلق اختلاقًا، ولن تجد له على انتحال هذا الشعر كله أو كثرته المطلقة من دليل أو ما فيه رائحة دليل.

يريد المؤلف أن يلقي في نفوس تلك الطائفة القليلة أنه الداهية الذي ينال من الإسلام حتى يرضى، وما عليه إلا أن يقول كما قال في هذه الصحيفة: إنه يؤمن بعربية القرآن ويجعل نصوصه مقبولة الشهادة على هذا الشعر الجاهلي. يقول هذا وقد خادعته نفسه؛ إذ خيلت له أن هذه الأمم الإسلامية تبلغ من السذاجة ومن رؤيتها له بالمكان الأرفع أن تطير فرحًا لرضاه عن القرآن وتواضعه إلى أن يعتد بنصوصه ويقبل شهادتها على أشعار الجاهلية الأولى.

إننا أمة بحث ونظر: نذهب مع العلم كل مذهب، ولا نقف لحرية الفكر في طريق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى قلوبهم إلا أن تزدري أقلامًا تثب في غير علم وتحاور في غير صدق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى لهم أقلامهم إلا أن تطمس على أعين الكلمات الغامزة في شريعة محكمة أو عقيدة قيمة: فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِين.

١  أغاني، ج١١، ص١٠٤.
٢  كتاب سيبويه، ج١، ص٢٣٧.
٣  اختيار المنظوم والمنثور لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر.
٤  الموشح للمرزباني.
٥  شرح الحماسة للتبريزي، ج٢، ص١٠٣.
٦  الجمهرة لابن حزم والشعر والشعراء لابن قتيبة، وإنما اختلفت النسخ في كتابة اسمه وأكثرها أنه عبد المدان.
٧  كتاب في الشعر الجاهلي ص٣١.
٨  ص٢٤.
٩  ص٢٩.
١٠  الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي ج٢ ص٥ طبع تونس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١