تقديم

جاء في المِصباح المُنير:١

لذَّ الشيء «يلذُّ» من باب تعب، «لذاذًا» ولذاذة بالفتح صار شهيًّا، فهو «لذ» و«لذيذ». و«لذذته» «ألذه» وجدته كذلك، يتعدى ولا يتعدى. و«التذذت» به و«تلذَّذت» بمعنًى. و«استلذذته» عددته «لذيذًا». و«اللذة» الاسم، والجمع «لذَّات».

وجاء في مختار الصحاح:٢
لذذ: «اللذة» واحدة «اللذات». وقد «لذذت» الشيء وجدته «لذيذًا»، وبابه سَلِم، و«لذاذًا» أيضًا. و«التذَّ» به و«تلذَّذ» به بمعنًى. وشرابٌ «لذ» و«لذيذ» بمعنًى. و«استلذَّه» عدَّه لذيذًا. و«اللذ» النوم. و«اللذ» و«اللذ» بكسر الذال وتسكينها لغة في الذي، والتثنية اللذا بحذف النون، والجمع الذين، وربما قالوا في الرفع اللذون.٣

هذا ما رأيناه بين أيدينا حاليًّا من معاجم اللغة، وهو يُبين أن لفظ اللذة يُعنى به أن هذا الشيء اللذيذ «شهي»، وأن هذا اللفظ مفرد اللذات، ويُعنى به أيضًا النوم.

ولفظ اللذة عند أطبَّاء النساء ينصرف إلى ما يحصل عليه المرء من انبساط وانشراح أثناء وبعد اتصاله جنسيًّا بامرأة، سواء كانت زوجته أو خليلته أو كان استمناءً إلى غير ذلك.

وشدة اللذة عند الأطبَّاء أيضًا يُطلَق عليها ذروة الشهوة، وهي المصحوبة بنشاطٍ مُنعكس معيَّن في الأعضاء الجنسية كنتيجة لإثارتها إثارةً مُناسبة، وفي الذَّكر تُصاحب ذروة اللذة باندفاع السائل المنوي، وفي الأنثى لا تؤدي قمة اللذة إلى إفراز أية عصارات تناسلية.٤

ويظهر أن لفظ اللذة ينصرف أكثر إلى هذا المعنى، خاصةً بين أبناء البلد وأنصاف المثقَّفين.

وقد أسعفنا المعجم الوسيط٥ بوصفٍ أوسع للذَّة:
«لذ» الشيء لذاذًا ولذاذة صار شهيًّا، فهو لذ ولذيذ. يقال: عيشٌ لذ وشرابٌ لذ، (ج)٦ لذ ولذاذ وهي لذة، وفي التنزيل العزيز: وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، والشيء بالشيء؛ لذا وجده لذيذًا، «لذذه» جعله مُلتذًّا.

«التذَّ» الشيء وبه وجده لذيذًا.

«تلاذَّ» الرجل والمرأة، التذَّ كلٌّ منهما بالآخر.

«تلذَّذ» الشيء وبه وجده لذيذًا.

«استلذ» الشيء وبه وجده لذيذًا.

«اللذ»: يُقال «رجل لذ» طيب الحديث، والنوم.

أي ومعنى «اللذ» أيضًا النوم.

«اللذة» إدراك المُلائم من حيث إنه مُلائم، كطعم الحُلو عند حاسَّة الذوق، والنور عند البصر، وحصول المرجو عند القوة الوهمية.

والأمور الماضية عند القوة الحافظة نلتذُّ بذكرها.

وطيب طعم الشيء.

«الملذ» موضع اللذة، (ج) ملاذ.

«الملذة» الشهوة، (ج) ملاذ.

ونكتفي بهذا القدر من التعريف باللذة لُغويًّا.

واللذة في نظري نتيجة لعملٍ يكتسب المرء منه رضًا وشهوة في حياتنا تلك المليئة بالمتاعب، وهي لا تعدو لحظات أو دقائق كل حين وحين.

فحين يقرأ الإنسان روايةً شائقةً جذَّابة يشعر بلذة في تعقُّب حوادثها، كما يشعر بلذةٍ غامرة حينما يجد البطل الذي يُتابعه قد انتصر في النهاية، وكذلك حين ينتصر المرء على عدو له أو خصم في قضية أو خلاف، فلذَّته حينئذٍ في هذا الانتصار.

وحين يجتمع المرء بمن يُحب ويعشق، فإنه يجد لذَّته في النظر إليها ومحادثتها والتنصت إلى حديثها العذب، وتشتدُّ لذَّته حينما يقبِّلها أو يحتضنها.

أما اللذة الكبرى فحينما يتَّصل بها اتصالًا جنسيًّا، وهنا ذروة اللذة وذروة السعادة؛ إذ يذوب الجسم في الجسم، والروح في الروح.

والأمثلة كثيرة لا تدخل تحت حصر.

وقد يقول قائل: إن اللذة متصلة بالسعادة، أو هي السعادة نفسها.

وفي الحقيقة، إن هذا القول قد يكون قريبًا من الصحة، ولكن هل اللذة نتيجة للسعادة أم السعادة هي النتيجة المُباشرة للذة؟

أعتقد أن السعادة هي النتيجة المُباشرة للذة.

فالكاتب الذي يجد لذةً في الكتاب وإمتاع القُراء بما يكتب يكون سعيدًا بذلك، والرجل حين ينتهي من ملامسة زوجته فإنه يشعر بالسعادة؛ لأنه أتمَّ عمليته التي أسعدته وأسعدت زوجته، وغمرتهما بلذةٍ عارمة.

وهكذا.

والفرق بين اللذة والسعادة — في اعتقادي — أن اللذة لحظاتٌ بسيطة جدًّا، أما السعادة فقد يطول وقتها أكثر، وقد تنتهي في زمنٍ أقل.

ولا ريب في ارتباط اللذة بالسعادة، والسعادة باللذة، وإلا فما هي النتيجة في لذة لا تجلب سعادة، أو سعادة بغير لذة؟

إنهما مُرتبطان ارتباطًا وثيقًا.

واللذات تختلف؛ فمن الناس من يجد لذَّته في جمع المال وتكديسه وتنميته، ولا تعدلها لذةٌ أخرى في نظره.

وفريقٌ آخر يجد لذَّته الكبرى في الاستزادة من العلم والتعليم.

وفريقٌ يرى اللذة في النساء وجمالهنَّ والاتصال بهنَّ.

وفريقٌ يرى اللذة في الرياضة بأنواعها، كلعب الكرة أو المشي أو الملاكمة أو بنوعٍ واحد منها. وفريقٌ يجد لذَّته في إدمان المخدرات، وهنا الطامة الكبرى. وفريقٌ يرى لذَّته في القراءة، والاعتكاف في المكتبة يقرأ أحاديث الأولين وأحاديث الآخرين، أو يقرأ القصص أو الروايات أو الشعر. وفريقٌ يرى لذَّته في نقد الناس ومعيشتهم وأحوالهم.

وهكذا وهكذا.

وإذا أردنا أن نضع اللذة في المرآة، فلا بد لنا من استكمال جوانبها كلها؛ لأن هذا موضوعٌ مُتشعب.

ولا ريب أن أديبنا الكبير أمين سلامة كفء للقيام بهذه المهمة.

وفَّقه الله.

أحمد أحمد سلطان
١٠ / ١٢ / ١٩٨٤م
١  كتب هذا الفصلَ صديقي الأستاذ أحمد أحمد سلطان المُحامي بدماص، فشكرًا له على ما تكبَّده من كدِّ البحث والتنقيب.
٢  ص٥٥٢، طبعة دار المعارف.
٣  ص٥٩٦، طبعة وزارة المعارف.
٤  ص١٤٢، كتاب الشخصية، تأليف سدني م. جورارد، ترجمة دكتور حسن الفقي ودكتور سيد خير الله.
٥  جزء ثانٍ، طبعة ثانية، ص٨٢٢.
٦  اختصار كلمة جمع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢