الْخِنْزِيرُ الشَّرِسُ

مَضَى عَلَى هَذِهِ الْحَوادِثِ عَامَانِ، كَادَتْ «نَرْجِسُ» وَ«الدُّبُّ الصَّغِيرُ» يَطْوِيَانِهَا فِي غَيَابَةِ النِّسْيَانِ، ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ يَدُورُ فِي الْحُسْبانِ.

فَقَدْ خَرَجَ «الدُّبُّ الصَّغِيرُ» ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْغَابَةِ لِيَحْتَطِبَ،١ حَيْثُ تُوَافِيهِ «نَرْجِسُ» بِغَدَائِهِ، ثُمَّ تَعُودُ مَعَهُ فِي الْمَسَاءِ.

وَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ، أَسْلَمَتْهَا «حَلِيمَةُ» مَا أَعَدَّتْهُ ﻟ «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» مِنْ طَعَامٍ، بَعْدَ أَنْ أَوْدَعَتْهُ سَلَّةً أَنِيقَةً، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا فِي ذِرَاعِ «نَرْجِسَ».

وَكَانَ طَعَامُهُ مُؤَلَّفًا مِنْ رَغِيفٍ مِنَ الْخُبْزِ، وَقَلِيلٍ مِنَ الزُّبْدِ، وَقِطْعَةٍ مِنَ الْقَدِيدِ،٢ وَشَيْءٍ مِنَ الْكَرِيزِ، وَقَارُورَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِعَصِيرِ الْفَاكِهَةِ.

وَقَدْ أَسْرَعَتْ «نَرْجِسُ» بِالذَّهَابِ إِلَيْهِ …

وَبَيْنَا هِيَ فِي أَوَّلِ الطَّرِيقِ، إِذْ خُيِّلَ لَهَا أَنْ طَرِيقَهَا إِلَيْهِ طَوِيلٌ؛ فَمَاذَا عَلَيْهَا إِذَا سَلَكَتْ طَرِيقًا أُخْرَى غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ، تَخْتَرِقُ الْغَابَةَ مِنْ وَسَطِهَا؛ فَتَقْتَصِدُ نِصْفَ الْمَسَافَةِ وَالْوَقْتِ جَمِيعًا؟

وَكَانَتْ شَدِيدَةَ الْحِرْصِ عَلَى التَّعْجِيلِ ﻟ «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» بِغَدَائِهِ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُسْتَطَاعٍ.

•••

وَهَكَذَا عَدَلَتْ «نَرْجِسُ» عَنِ الطَّرِيقِ الطَّوِيلَةِ الْمَأْلُوفَةِ، إِلَى الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرَةِ غَيْرِ الْمَأْلُوفَةِ، وَقَدْ وَجَدَتْ طَرِيقَهَا مُعَبَّدًا٣ فَسِيحًا فِي وَسَطِ الْغَابَةِ، وَرَأَتِ الْأَشْجَارَ الضَّخْمَةَ الْعَالِيَةَ الَّتِي تَكْتَنِفُهَا، يَسْهُلُ الْمُرُورُ مِنْ تَحْتِهَا.

وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ النَّاحِيَةِ شَيْءٌ مِمَّا يَعُوقُ السَّائِرَ مِنَ الشَّوْكِ، فَلَمْ تَكُنِ الْأَعْشَابُ الْكَثِيفَةُ تُغَطِّي الْأَرْضَ.

وَسَارَتْ «نَرْجِسُ» نَاشِطَةً خَفِيفَةً، وَهِيَ مَسْرُورَةٌ بِاهْتِدَائِهَا إِلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرَةِ.

فَلَمَّا قَطَعَتْ نِصْفَ الْمَسافَةِ، وَبَلَغَتْ مُنْتَصَفَ الطَّرِيقِ، رَأَتْ خِنْزِيرًا وَحْشِيًّا، هَائِلَ الْحَجْمِ، يَجْرِي فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا ثَائِرًا مُنْدَفِعًا، تَلُوحُ عَلَيْهِ دَلائِلُ الشَّرَاسَةِ وَالْغَضَبِ، وَلا يَكُّفُّ عَنْ تَحْطِيمِ مَا يَمُرُّ بِهِ مِنَ النَّباتِ وَالشَّجَرِ. وَلَهُ شَهِيقٌ وَزَفِيرٌ يُسْمَعُ لَهُمَا صَوْتٌ يُدَوِّي عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فِي وُضُوحٍ وَجَلاءٍ، فَيَكَادُ يَرُجُّ الْأَرْضَ رَجًّا.

فَلَمْ تَدْرِ «نَرْجِسُ» كَيْفَ تَصْنَعُ!

وَاشْتَدَّتْ بِهَا الْحَيْرَةُ؛ فَلَمْ تَهْتَدِ إِلَى مَكَانٍ تَأْوِي إِلَيْهِ، وَتَسْتَخْفِي فِيهِ.

وَبَيْنَا هِيَ فِي تَرَدُّدِهَا وَحَيْرَتِهَا، رَآهَا الْخِنْزِيرُ، فَوَقَفَ تُجَاهَهَا، وَقَدِ الْتَهَبَتْ عَيْنَاهُ، وَاصْطَكَّتْ أَنْيَابُهُ، وَقَفَّ شَعْرُهُ.

وَصَرَخَ صَرْخَةً مُرَوِّعَةً، ثُمَّ انْدَفَعَ إِلَى «نَرْجِسَ»، فَكَادَ يَقْتُلُهَا … وَكَانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّهَا أَنْ وَجَدَتْ بِالْقُرْبِ مِنْهَا شَجَرَةً يَانِعَةً، دَانِيَةً أَغْصَانُهَا، لَا تَرْتَفِعُ عَنْ مُتُنَاوَلِ يَدَيْهَا.

وَرَأَتْ بَعْضَ فُرُوعِهَا يَتَدَلَّى إِلَى مِثْلِ ارْتِفَاعِ قَامَتِهَا، فَتَشَبَّثَتْ٤ بِأَحَدِ الْأَغْصَانِ، قَافِزَةً مِنْهُ إِلَى غُصْنٍ آخَرَ.

وَمَا زَالَتْ تَرْتَقِي مِنْ غُصْنٍ إِلَى غُصْنٍ، حَتَّى أَصْبَحَتْ — آخِرَ الْأَمْرِ — فِي أَعْلَى الشَّجَرَةِ، بِمَأْمَنٍ مِنَ الْخِنْزِيرِ الْوَحْشِيِّ الشَّرِسِ.

وَلَمْ تَكَدْ تَشْعُرُ بِالْأَمْنِ، حَتَّى رَأَتِ الْخِنْزِيرَ يَنْدَفِعُ بِكُلِّ ثِقْلِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي لَجَأَتْ إِلَيْهَا، وَقَدْ أَخَذَ الْغَضَبُ مِنْهُ كُلَّ مَأْخَذٍ؛ فَلَمْ يَكْتَفِ بِقَضْمِ الْجِذْعِ مِنْ قُشُورِهِ، بَلِ انْدَفَعَ يَضْرِبُهُ بِنَابِهِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَةً.

فَتَمَلَّكَ الْخَوْفُ «نَرْجِسَ»، وَكَانَتِ الْهَزَّاتُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي نَجَمَتْ عَنْ ضَرَبَاتِهِ الْقَوِيَّةِ الْمُتَتَابِعَةِ تَكَادُ تُسْقِطُهَا، فَتَشَبَّثَتْ «نَرْجِسُ» بِالْغُصُونِ.

وَلَمْ يَلْبَثِ الْخِنْزِيرُ أَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ التَّعَبُ بَعْدَ أَنْ تَوَالَتْ هَجَمَاتُهُ عَلَى غَيْرِ جَدْوَى؛٥ فَرَقَدَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهُوَ يُرْسِلُ — بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ — نَظَرَاتٍ مُلْتَهِبَةً، تَقْذِفُ بِالشَّرَرِ إِلَى «نَرْجِسَ».

وَكُلَّمَا جَمَعَ الْخِنْزِيرُ قُوَّتَهُ، جَعَلَ يَضْرِبُ الشَّجَرَةَ بِنَابِهِ.

فَاسْتَوْلَى الذُعْرُ عَلَيْهَا، وَصَرَخَتْ تُنَادِي «الدُّبَّ الصَّغِيرَ» لِيُغِيثَهَا، وَكَانَتْ تُجَدِّدُ صَيْحَاتِهَا عِنْدَ كُلِّ هَجْمَةٍ مِنَ الْخِنْزِيرِ؛ فَلا يَسْمَعُهَا «الدُّبُّ الصَّغِيرُ»؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا.

فَلا عَجَبَ إِذَا لَمْ يَفْطُنْ إِلَى صَوْتِ اسْتِغَاثَتِهَا، وَلا غَرَابَةَ إِذَا لَمْ يَخِفَّ إِلَى نَجْدَتِهَا.

وَتَمَلَّكَهَا الْيَأْسُ، وَاشْتَدَّ بِهَا الْجُوعُ؛ فَأَرَادَتْ أَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا مِمَّا فِي السَّلَّةِ مِنْ طَعَامٍ، فَسَقَطَتْ مِنْهَا السَّلَّةُ عَلَى الْأَرْضِ، فَدَاسَهَا الْخِنْزِيرُ بِأَقْدَامِهِ وَسَحَقَهَا، وَسَحَقَ كُلَّ مَا تَحْتَوِيهِ، وَكَانَ الْجُوعُ قَدْ نَالَ مِنْ «نَرْجِسَ» كُلَّ مَنَالٍ.

•••

وَبَيْنَا هِيَ تَطْلُبُ الْمُسَاعَدَةَ، كَانَ «الدُّبُّ الصَّغِيرُ» بَعِيدًا عَنْ مَدَى صَوْتِهَا … وَكَانَ يُفَكِّرُ فِيهَا حِينَئِذٍ، وَقَدْ تَمَلَّكَتْهُ الدَّهْشَةُ لِغِيَابِهَا.

وَاشْتَدَّ عَجَبُهُ مِنْ تَأَخُّرِهَا عَنْ إِحْضَارِ غَدَائِهِ؛ فَرَاحَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ مُسَائِلًا: «هَلْ نَسِيَتْنِي أُمِّي وَ«نَرْجِسُ» فِي هَذَا الْيَوْمِ؟

كَلَّا، فَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ يَكُونُ.

كَلَّا، مَا أَظُنُّ النِّسْيَانَ يَتَطَرَّقُ إِلَى «نَرْجِسَ»، وَلا إِلَى وَالِدَتِي عَلَى أَيِّ حَالٍ!

وَأُرَانِي قَدْ أَسْرَفْتُ فِي إِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِمَا بِغَيْرِ حَقٍّ! وَلَعَلَّهُمَا قَدْ حَسِبَتَا أَنَّنِي سَأَعُودُ لِتَنَاوُلِ الْغَدَاءِ بِالْمَنْزِلِ! فَهُمَا بِلا رَيْبٍ فِي انْتِظَارِي!

وَرُبَّمَا كَانَ الْقَلَقُ يُساوِرُهُمَا عَلَيَّ الْآنَ.»

وَلَمْ يَمُرَّ هَذَا الْخَاطِرُ ﺑ «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» حَتَّى كَفَّ عَنْ عَمَلِهِ، وَتَأَهَّبَ لِلْعَوْدَةِ إِلَى الدَّارِ.

وَكَانَ مِنْ عَجَائِبِ الِاتِّفَاقِ أَنْ يَخْطُرَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ مِثْلُ مَا خَطَرَ ﻟ «نَرْجِسَ»، وَيَحْلُوَ لَهُ — كَمَا حَلا لَهَا — أَنْ يَخْتَصِرَ الطَّرِيقَ، وَيَخْتَرِقَ الْغَابَةَ مِنْ وَسَطِهَا.

وَلا يَمُرُّ بِهِ هَذَا الْخَاطِرُ حَتَّى يُنْفِذَهُ، وَيَسِيرَ خِلالَ الْأَشْجَارِ … ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ سَمِعَ صَدَى صَيْحَاتٍ، خَيَّلَتْ إِلَيْهِ أَنَّهَا صَيْحَاتُ اسْتِغَاثَةٍ … وَهُنَا يَكُفُّ عَنِ السَّيْرِ، وَيُرْهِفُ سَمْعَهُ، فَيَتَقَطَّعُ الصَّوْتُ.

ثُمَّ يَتَجَدَّدُ الصِّيَاحُ مَرَّةً أُخْرَى؛ فَيَشْتَدُّ خَفَقَانُ قَلْبِهِ، وَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَ «نَرْجِسَ» تَسْتَغِيثُ.

وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ يَشُكَّ فِيمَا سَمِعَ، فَيَنْفِيَ عَنْ ذِهْنِهِ ذَلِكَ الْخَاطِرَ الْمُزْعِجَ، وَيَسْتَأْنِفَ سَيْرَهُ.

فَلا يَمْشِي بِضْعَ خُطُواتٍ، حَتَّى تَفْجَأَ سَمْعَهُ صَرْخَةٌ مُدَوِّيَةٌ، وَاضِحَةٌ قَوِيَّةٌ. فَلا يَكَادُ يَسْمَعُهَا حَتَّى يُزَايِلَهُ الشَّكُّ، وَيَحُلَّ مَحَلَّهُ الْيَقِينُ، وَيُدْرِكَ — حِينَئِذٍ — أَنَّ صَاحِبَتَهُ فِي خَطَرٍ، وَأَنَّهَا تُنَادِيهِ لِيُنْقِذَهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ.

وَسُرْعَانَ مَا يَتَّجِهُ إِلَى مَصْدَرِ الصَّوْتِ؛ فَلا يُدَانِيهِ،٦ حَتَّى يَخْفُتَ الصِّيَاحُ، وَتَعْقُبَهُ أَنَّاتٌ وَتَأَوُّهَاتٌ.

ثُمَّ يَسْمَعُ «الدُّبُّ الصَّغِيرُ» زَمْجَرَةً، تَصْحَبُهَا صَرَخَاتٌ شَدِيدَةٌ، وَضَرَبَاتٌ عَنِيفَةٌ؛ فَيَنْطَلِقُ فِي جَرْيَتِهِ بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ، وَقَدْ كَادَ يَدِبُّ إِلَيْهِ الْيَأْسُ مِنْ إِدْرَاكِهَا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.

وَإِذَا هُوَ يَرَى الْخِنْزِيرَ وَهُوَ يُزَعْزِعُ الشَّجَرَةَ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يُحَطِّمَ جِذْعَهَا بِضَرَبَاتِ أَنْيَابِهِ.

وَيَرَى «نَرْجِسَ» فِي أَعْلَى الشَّجَرَةِ مُمْتَقَعَةَ الْوَجْهِ، شَاحِبَةَ اللَّوْنِ، لِهَوْلِ مَا تَرَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الْخَطَرِ.

فَيَبْعَثُ هَذَا الْمَشْهَدُ فِي نَفْسِهِ أَضْعَافَ مَا وَهَبَهُ اللهُ مِنْ قُوَّةٍ وَجُرْأَةٍ، وَيُنْسِيهِ مَا هُوَ قَادِمٌ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرٍ؛ فَلا يَتَرَدَّدُ فِي الْهُجُومِ عَلَى الْوَحْشِ الْهَائِلِ، ثُمَّ يَنْدَفِعُ إِلَى الْخِنْزِيرِ الثَّائِرِ، فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ، وَمِلْطَسُهُ٧ فِي يَدِهِ … وَلا يَرَاهُ الْخِنْزِيرُ حَتَّى يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ، وَيَشْتَدُّ بِهِ الْغَيْظُ؛ فَيَزْفِرَ زَفَرَاتٍ وَاقِدَةً، وَالشَّرَرُ يَكَادُ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْهِ.

وَرَاحَ يَدُقُّ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِ، ثُمَّ يَنْدَفِعُ إِلَى «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» لِيُمَزِّقَهُ إِرْبًا إِرْبًا؛ فَيَنْحَرِفُ صَاحِبُنَا فِي رَشَاقَةٍ عَجِيبَةٍ، فَتَذْهَبُ هَجْمَةُ الْخِنْزِيرِ دُونَ أَنْ تَنَالَهُ بِسُوءٍ.

وَهُنَا يَتَضَاعَفُ حِقْدُ الْخِنْزِيرِ، وَيَتَعَاظَمُ غَضَبُهُ، فَيَتَرَاجَعُ خُطُوَاتٍ إِلَى الْوَرَاءِ، مُتَأَهِّبًا مُعَاوَدَةَ النِّضَالِ، وَهُوَ أَشَدُّ غَيْظًا وَأَعْنَفُ بَأْسًا، ثُمَّ يَنْدَفِعُ إِلَى «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» لِيَفْتِكَ بِهِ، وَيُمَزِّقَ جِسْمَهُ.

فَيَجْمَعُ «الدُّبُّ الصَّغِيرُ» شَجَاعَتَهُ وَقُوَّتَهُ، وَيَقِفُ أَمَامَ الْخِنْزِيرِ مُتَحَدِّيًا، شَاهِرًا مِلْطَسَهُ فِي يَدِهِ، مُتَأَهِّبًا لِنِضَالِ عَدُوِّهِ، مُتَرَقِّبًا وَثْبَةَ الْجَبَّارِ.

وَلا يَكَادُ الْخِنْزِيرُ الشَّرِسُ يُصْبِحُ مِنَ «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» عَلَى مَدِّ الذِّرَاعِ حَتَّى يَهْوِيَ عَلَى رَأْسِهِ بِمِلْطَسِهِ فَيَشُجَّهُ، وَيُوشِكَ أَنْ يَفْلِقَهُ نِصْفَيْنِ.

وَكَانَتْ ضَرْبَةً قَاتِلَةً، وَلَكِنَّ الْخِنْزِيرَ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا. وَسَقَطَ «الدُّبُّ الصَّغِيرُ» عَلَى الْأَرْضِ لِشِدَّةِ الْهَجْمَةِ.

وَرَآهُ الْخِنْزِيرُ — وَهُوَ يَهُمُّ بِالْوُقُوفِ — فَانْدَفَعَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَدَعْ لَهُ فُسْحَةً مِنَ الْوَقْتِ لِيُعِيدَ الْكَرَّةَ عَلَيْهِ، وَأَسْرَعَ إِلَيْهِ لَيُنْشِبَ فِيهِ أَنْيَابَهُ وَيُمَزِّقَهُ تَمْزِيقًا.

•••

وَكَانَتْ لَحْظَةً هَائِلَةً، خَيَّلَتْ إِلَى «الدُّبِّ الصَّغِيرِ» أَنَّ حَيَاتَهُ قَدِ انْتَهَتْ؛ فَأَسِفَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي نَفْسِهِ قَطُّ، بَلِ اتَّجَهَ بِتَفْكِيرِهِ وَدُعَائِهِ إِلَى أَمِيرَةِ التَّوَابِعِ، لِتُنْقِذَ «نَرْجِسَ»؛ بَعْدَ أَنْ أَيْقَنَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ قَدْ غَلَبَهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَأَحَسَّ بِأَقْدَامِهِ وَهِيَ تَدُوسُهُ.

وَهُنَا سَمِعَ تَغْرِيدًا سَاحِرًا يَنْبَعِثُ مِنْ شَرَفٍ عَالٍ.

فَلا يَسْمَعُ الْخِنْزِيرُ ذَلِكَ التَّغْرِيدَ حَتَّى تَدِبَّ الرِّعْدَةُ فِي جِسْمِهِ، وَيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الرُّعْبُ، وَيَشْغَلَهُ مَا حَلَّ بِهِ مِنَ الْفَزَعِ عَنِ افْتِرَاسِ عَدُوِّهِ.

وَيَشْعُرُ «الدُّبُّ الصَّغِيرُ» أَنَّ عَدُوَّهُ قَدِ ابْتَعَدَ عَنْهُ، فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ؛ فَيَرَى الْقُنْبَرَةَ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُ، وَهِيَ تَشْدُو بِأَغَارِيدِهَا السَّاحِرَةِ، وَيَرَى الْخِنْزِيرَ وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الرُّعْبُ؛ فَرَاحَ يُرْسِلُ صَرَخَاتٍ مَخْنُوقَةً، وَيَخْفِضُ مِنْ رَأْسِهِ.

ثُمَّ يَبْتَعِدُ فِي بُطْءٍ وَحَذَرٍ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى الْوَرَاءِ.

١  يحتطب: يجمع الحطب.
٢  القديد: اللحم المجفف.
٣  طريق معبد: طريق مستوٍ، لا منخفضات فيه ولا مرتفعات.
٤  تشبثت: تعلقت.
٥  على غير جدوى: على غير فائدة.
٦  فلا يدانيه: فلا يقترب منه.
٧  الملطس: المعول الغليظ لكسر الحجارة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠