الرسالة العاشرة

لوندرة

بودي لو يتيسر لي أن أكتب الآن ولو كلمتين على هذه المدينة، بل على هذا القطر الواسع الذي يسمونه لوندرة، ولكني أقف أمام هذا الموضوع الهائل شبيهًا بالنملة بجانب مسجد السلطان حسن، أو كالزورق الصغير في البحر المحيط، وأنَّى له أن يهتدي إلى بر السلامة! فعلام أكتب؟! وماذا أصف؟! وفيم أخوض؟!

فلقد اشتملت متاجرها على جميع الأصناف والمحصولات، كما أن بضائعها ومعاملها بلغت من الاتساع والإتقان فوق ما يتصوره الإدراك، حتى إن مجرد الدخان الذي ينبعث منها إلى سمائها يتحد مع ضبابها، ويزيد في تكدير جوها، ثم يتساقط على مبانيها وعمائرها وتماثيلها وأنصابها، فيجعل منظرها أسود قاتمًا كثيبًا محزنًا تنقبض منه النفوس ويذهب بالانشراح أدراج الرياح، وفيها من الإقبال على الشئون واغتنام الفرص ومعرفة قيمة الوقت ما يحير الأفكار ويبهر الأبصار، ورجال الشرطة فيها بلغوا من الانتظام وحسن الدراية، وكمال الدربة معرفة الواجبات ما لا يكاد يضاهيهم فيه غيرهم في الكون بأسره، حتى صار لهم مهابة في النفوس وسيطرة حقيقية على كافة الأفراد، بحيث إن أقل إشارة منهم تكفي لمنع أي خلل أو اضطراب.

أما استمرار الحركة في شوارعها فمما لا يتصوره الإنسان إلا بعد المناظرة بالعيان، فإنها في أقل الأيام (ما عدا يوم الأحد) تشبه يوم مهرجان النيل أو ليلة احتفال الأعجام في العاشر من محرم الحرام، أو موسم المولد النبوي أو الأحمدي (أو كل ذلك مجموعًا إلى بعضه)، فترى العربات العمومية ذوات العجلتين وذوات الأربع تتقاطر وراء بعضها، وبجانبها عربات الأومنيبوس شبيهة بالمنازل والدور كسلسلة متصلة الأطراف، والناس يتبع بعضهم بعضًا كأنهم يساقون إلى المحشر، إلى غير ذلك مما يقتضي التعريف به أن تظهر الحقيقة فوق الإغراق والغلو في المبالغة، ولكنى لا يصح لي أن أعتذر بتعذر الإحاطة بأطراف هذا الموضوع عن كتابة ما شعر به الوجدان وتأثَّر به الجنان، وإني أحاول ذكر قليل مما تيسر لي الوقوف عليه من الإجماليات ومن أمور شتى ومنشورات متنوعة تصور للقارئ بعضًا من كلٍّ من جسامة هذه المدينة العظيمة، واتساع نطاقها وامتداد أعمالها وكيفية الحركة فيها.

فأول شيء يؤثر على عقل القادم إليها ما يراه من حركة الوابورات، وسرعة مسيرها، وكثرة عددها، وتنوع اتجاهاتها واختلاف أوضاعها في الارتفاع والانخفاض، حتى يكاد يعتريه دوار في الرأس يشبه دوخة البحر، ويداخله خوف شديد من إمكان حصول الاصطدام في كل لحظة، أو خروج القطار عن الشريط في كل خطوة، حتى إذا وصل المحطة زادت الدهشة مما يراه فيها من الاتساع وكثرة الأرصفة، وجسامة المباني وتعدد صنوف المخلوقات وتناهي صفوف العربات، مما يضيع اللب ويذهب بالرشاد، ثم متى دخل في شوارعها وسار في طرقاتها ومسالكها بُهت وبلغ الاضطراب منه منتهاه.

ومهما وصفت ومهما شرحت ومهما بالغت، فإني لا أبلغ عشر معشار الحقيقة؛ ولذلك رأيت أن الطريقة المثلى هي أن أكتفي الآن بذكر بعض أمور متفرقة، تجعل للقارئ فكرة صغيرة عن عظمة هذه المدينة الكبيرة.

ولكني أقول قبل ذلك إن الشركات والجمعيات وما بينها من المزاحمة الممدوحة والمناظرة المحمودة، هي روح هذه الحركة وأُس هذا الارتقاء، فمهما نظر الإنسان إلى أي عمل من الأعمال رآه في يد شركة من الشركات، وليس للحكومة دخل في شيء ما سوى المراقبة العالية والسيطرة المعنوية، التي تجعل الجمهور في أمان من اغتيال هذه الشركات، وفيما عدا ذلك فإن الأمة قائمة بنفسها مكدة في طلب المكاسب والمعالي بما يفيدها، ويرفع شأن دولتها من غير أن تتنازل وتمد يدها لإمداد الحكومة ماديًّا أو معونتها معنويًّا؛ حتى إن الإنسان ليتساءل بعد ما يراه من تنوع الشركات وتناولها كل شأن من شئون العقليات والمحسوسات، كيف أن مثل البوستة والتلغراف والجمرك والدخولية والبوليس والجيش ليس في يد الشركات؟ نعم، فقد كانت البوستة والتلغراف خاضعَين لهذا القانون العام في هذه البلاد بلاد التعاضد على الأعمال، والتباعد عن الخمول والإهمال، ومعرفة ثمرات الاجتهاد والاتحاد والاقتدار على إنماء المال، ولقد كان فَتح الهند كما لا يخفى وإضافتها للدولة الإنكليزية على يد شركة تجارية وأمثال ذلك كثيرة.

وذلك لأن أفراد الأمة البريطانية يرون أنهم لم يخُلقوا إلا للعمل والاكتساب، ولقد بلغت محبة الاستقلال فيهم مبلغًا لا يكاد يتصوره العقل، حتى إن بعض البنات في العائلات الكبيرة تذهب للرسم والتصوير أو التطريز والتدبيج أو التعلم والتدريس لتكتسب بنفسها، ولا تكون كَلًّا على عوائق أهلها مع ما هم فيه من الثروة والرفاهية، ومنهن من يؤثرن التغرب في بلاد الهند وأستراليا وكندا بصفة وصائف أَولَى من البقاء في منازلهن خاليات من العمل منغمسات في البطالة والكسل، وذلك شأن الشبان أيضًا حتى لقد جاء في أمثالهم أنه (لا شيء يُفلح مثل الفلاح)، وذلك يشبه من بعض الوجوه المثل الفرنساوي (الغاية تُبرر الواسطة)، وهم يعتبرون الفقر عيبًا بخلاف سائر الأمم؛ ولذلك يشتغلون كلهم مثل النحل، ولو كان الرجل منهم ابن غني يملك القناطير المقنطرة فلا بد له من التكسب بعرق جبينه.

وحبهم لوطنهم ولأنفسهم ولأبناء جنسهم أمر لا يُكيف. مثال ذلك: أن الرجل منهم إذا كان يعرف لغة غير لغته الأصلية، فلا يتكلم بها إلا عند الضرورة القصوى، وإذا رأى منك أنك تعرف من الإنكليزية مبادئها أخذ يخاطبك بها، ويجتهد في منعك من مكالمته باللغة المشتركة بينك وبينه؛ لأنها غير إنكليزية، وكذلك السكة فلا يتعاملون بغير النقود الأهلية مطلقًا، ومثلها المقاييس والمكاييل والأوزان، ومع أن العقلاء منهم يعترفون بأفضلية الطريقة الأعشارية لكنهم لا يزالون متمسكين بطرائقهم المتعددة المتخالفة التي ليست على أساس ثابت.

ومثال ذلك أنك إذا توجهت لأي مخزن، وطلبت صنفًا أو محصولًا مما اشتهرت بعض البلاد الأجنبية بصناعته وإتقانه، فإن رب الحانوت يجيبك بأنه موجود عنده، ولكنه ينصحك نصحًا بأخذ الصنف الإنكليزي قائلًا لك إنه أجود وأفضل من جميع الوجوه.

وهذا الموضوع يجرني إلى الاستطراد بذكر كلمة واحدة على الوطنية في بلاد أوروبا التي أتيح لي زيارتها إلى الآن، وهي إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، إلى من يخدم الوطن باعتبار أعماله العمومية المفيدة للبلاد ويجلون ذِكره على الدوام، من غير أن ينظروا مطلقًا إلى أعماله الشخصية وأموره الداخلية، ومهما كان فيها من موجبات الانتقاد، فإن ذلك لا يمنعهم من اعتباره واحترامه ورفع صيته إلى أعلى عليين، ألا ترى أن (غاربالدي) الذي يهتز لاسمه قلب كل وطني طلياني، قد خدم الدولة الطليانية وأوجد وحدتها فأحله أهلُ بلاده المحل الأول من الإعزاز والإعظام، ولم يلتفتوا إلى ما تناقله بعضهم عنه من الأعمال المنكرة التي ارتكبتها زوجته الفتاة وقد اتخذها بعد أن صار طاعنًا في السن. ومثال ذلك (غامبتا) رجل الجمهورية الفرنسوية، فإن قصته مع عشيقته معروفة، وهي التي أطلقت عليه الرصاص، فنقلته إلى غير هذه الدار، ومع ذلك فهو مَوضع الإعجاب عند الفرنساوية يلهجون بذكره ويتمدحون بمآثره، ويحتجون بأقواله ويستشهدون بأعماله، وقد أقاموا له في أعظم نقطة من باريس حيث كان قصر الإمبراطور جهة ميدان الكاروسل تمثالًا فخيمًا رفيعًا اكتتب الأهلون لإقامته على أفخر مثال، وهم يأتون لزيارته من كل أنحاء فرنسا يضعون عليه الأكاليل والتيجان كأنه كعبة آمالهم.

وأما لوندرة ففيها تمثال أمير البحر (الأميرال نِلسُن) الذي كسر الدونانمة الفرنساوية وتعقبها في كل البحار وفاز بالانتصار في وقائعه، وخصوصًا في الجهة من الأندلس المعروفة في كتب العرب باسم طَرَف الأغر (التي حرَّفها الإفرنج إلى ترافلجار Trafalgar، وقد خبط أصحابنا المترجمون في نقلها إلى العربية فقالوا ترفلجار أو طرف الغار)، فقد أقاموا له تمثالًا فاخرًا على عمود شامخ يشرف على كل مباني لوندرة، ونظروا إلى ما اكتسبه منه الوطن ولم يلتفتوا بأي وجه إلى علاقاته السرية مع امرأة أخرى (كان لها بعل فيما بلغني)، حتى إنه حينما أدركته الوفاة أثناء الواقعة البحرية في طَرَف الأغر كان أول شيء اهتم به هو السؤال عن نتيجة القتال، فلما بلغه أن النصر لدولته سكر بخمرة الفوز وهو في سكرات الموت، ولم يلتفت بعد ذلك لشيء سوى أنه أوصى بإعطاء سيفه ووشاحاته إلى خليلته. وقد نقشوا على قاعدة العمود كلمة مأثورة عنه كان يتمثَّل بها كثيرًا وهذه ترجمتها: (إن إنجلترا تنتظر من كل فرد من أبنائها أنه يقوم بما عليه.)

ولقد يُذكرني ذلك بالملكة كاترينة إمبراطورة الروسيا، فإن التاريخ ينبئنا بأنها كان لها محبون معلومون ولهم مرتبات وعلوفات رسمية بهذه الصفة في ميزانية الحكومة، حتى إنها لبست الحداد رسميًّا بعد وفاة أحبهم إليها مدة سنتين، ومع ذلك فلا يزال الروس يطأطئون لذكرها الرءوس ويفتخرون بها ويمجدون اسمها؛ لأن دولتهم في أيامها وباجتهادها بلغت من التقدم وعلو المكانة ما جعل لها جانبًا مهيبًا في أعين الدول الأخرى.

فهكذا يكون حب الوطن، وهكذا يكون السعي في تشجيع الفضلاء على خدمته. فإن النظر إلى السفاسف وتعقب الهفوات التي لا يترتب عليها ضرر للأمة والوطن لا يكون من ورائه إلا إهباط العزائم وتثبيط الهمم، فتخمد القرائح النيرة وتنطفئ الأفكار الوقادة، ويقعد المجتهدون وأصحاب الأماني عن الكد وراء المعالي، ولا يصيب الوطن من ذلك إلا خُسران رجال ربما كان له من وراء أعمالهم فائدة جليلة.

ولقد ساقني الكلام على وطنية الإنكليز إلى هذا الاستطراد، فأسأل القُراء عَفوًا؛ لأني أرى نفسي وجوارحي وقلمي وفكري تندفع بالرغم عني إلى ذكر شيء من هذا القبيل، عسى أن يكون له صدى في بلادنا فيكون من ورائه النفع العميم.

وأرجع الآن إلى الكلام على لوندرة التي يتعسر على الإنسان أن يقول أين مبدؤها وأين منتهاها، ومن المحتمل أنه لم يتفق لأحد أنه رآها كلها، وأن ذلك لن يتفق في الاستقبال لما يستوجبه المشروع من الصعوبة والإتعاب والحيرة والاضطراب، فإن مسطحها ٣٥٠ كيلومترًا مربعًا من غير ضواحيها وأرباضها، وقدروا أطول دائرتها ٩٠ كيلومترًا، وأن طولها من الشرق إلى الغرب ٢٥ كيلومترًا، ومن الشمال إلى الجنوب ٢١ كيلومترًا، وطول طرقها ١٥٠٠ ميل، وطول بالوعاتها ومصارفها ٢٠٠٠ ميل، وكان عدد سكانها في أول القرن؛ أي سنة ١٨٠١، عبارة عن ٨٦٤٠٣٣ نفسًا، وفي سنة ١٨٢١ صاروا ١٢٢٧٥٩٠، ولما جاءت سنة ١٨٧١ بلغوا ٣٢٥٤٥٦٠ يسكنون في ٤١٧٧٢٧ دارًا، وفي سنة ١٨٨١ أثبت الإحصاء الرسمي أنهم ٣٨١٤٥٧٠ بما في ذلك الضواحي المتصلة بها تمام الاتصال. ويتضح من التقرير الابتدائي عن حركة السكان في سنة ١٨٩١ أن عددهم في شهر أبريل من تلك السنة كان ٥٦٣٣٣٣٢، وعدد المنازل ٧٩٧٦٧٩، وعدد الأغراب المتوطنين بها ١٥٥٠٠٠، ولها وحدها في مجلس البرلمان ٥٨ عضوًا ينوبون عنها.

ولكنك إذا نظرت إلى ذلك الاتساع الهائل وتلك المسافات المتباعدة الشاسعة تراها معدومة وكأنها لم تكن، فإن المدينة قريبة الأطراف لسهولة التنقل، وكثرة الوسائط من كل نوع، ففيها أكثر من ١٥٠٠٠ عربة بعجلتين وحصان واحد والسائق من خلف (واسمها هَنْسَم وهي مثل عربات الأوتيل كونتيننتال في القاهرة) أو بأربع عجلات وحصانين لركوب هذه الخلائق المتزاحمة، أما عربات الأمنيبوس فلا تقل عن ٢٥٠٠ عربة تسير في ٢٠٠ خط متمايزة عن بعضها، أنشأتها شركات متعددة، وبلغ عدد الركاب في عربات إحدى هذه الشركات (وقدرها ٨٦٠ عربة) ٦٠ مليونًا من النفوس في سنة ١٨٨٢، وفي كل عربة منها ٢٦ مقعدًا؛ ١٢ في الداخل و١٤ على ظهرها، وفي أكثرها زيادة على ذلك مكانان بجانب السائق وفي ضواحي المدينة، وبعض جهاتها عربات الترامواي التي تجرها الخيل على قضبان حديدية وهي لأربع شركات، ولا يمكن إدخالها في المدينة لكثرة الازدحام، فإن المقرر أن عربتين تسيران إلى الأمام وعربتين إلى الخلف، وقلما تكون جهة من الشارع خالية من الأربع عربات.

وقد أحدثت سكة حديد العاصمة (التي تسير تحت الأرض) عربات الأمنيبوس توصل بين المحاط وبعضها، وتتميز عن عربات الأمنيبوس الأخرى بأن السائق تكون فوق رأسه مظلة كبيرة عليها اسم الشركة، ويجوز لكل إنسان صادفها في طريقه أن يركب فيها.

وفيها أيضًا عربات تسمى (ماي كوتش) تسير بالسواحين والمتفرجين إلى بعض مدائن النزهة القريبة.

وفيها شركة تتكلف بحمل الأمتعة والرزم والطرود التي لا يتجاوز وزنها ١٠٠ رطل إلى أية جهة من جهات لوندرة وضواحيها، ولها أكثر من ١٢٠٠ مكتب فرعي متوزعة في كل أنحاء المدينة، وثمن النقل زهيد جدًّا. وقد تأسست شركة أخرى لنقل البالات مثل بالات الأقطان والبراميل بأنواعها، والبضائع الكبيرة الحجم، وأهم هذه الشركات فيها ٧٠٠٠ مستخدم و١٠٠٠٠ حصان، وهنا أقول إن سائقي العربات في لوندرة يفوقون في صناعتهم جميع أمثالهم في سائر أنحاء الأرض.

وهناك أيضًا شركة خيرية تألفت لمساعدة العساكر البرية والبحرية، الذين قضوا مدة الخدمة، فإنها تكتنفهم وتقوم باحتياجاتهم وتستخدمهم في نقل الرزم والطرود الصغيرة بأجرة لا تتجاوز ١٥ مليمًا بحسب بُعد المسافة وثقل الحمل.

ويوجد بها شركات لها زوارق بخارية كثيرة العدد تجري في نهر التيمز على الدوام لنقل هذه الجماهير المجمهرة من مكان إلى مكان، وهي في البحر بمثابة عربات الأمنيبوس في البر، ويجوز للراكب فيها أن ينتقل من الواحد للآخر بحسب الجهة التي يقصدها من غير زيادة في الأجرة، وهي لا تتجاوز ١٠ ملِّيمات، وتقوم المركب كل خمس دقائق، ويوجد شركات أخرى لها بواخر تسير بين لوندرة والجهات التي على نهر التيمز وتقوم كل ربع ساعة وكل نصف ساعة (ما عدا أيام الشتاء)، وفوق ذلك على النهر مراكب كثيرة بالقلوع والمقاذيف يؤجرها الناس للفسحة على الماء، أو للتنقل من جهة إلى أخرى، ويوجد مراكب بخارية أنشأتها بعض الشركات للسفر من لوندرة إلى جميع مواني إنجلترا واسكتلندة وإرلندة، بل ولفرنسا والجهات الأخرى من قارة أوروبا، هذا بصرف النظر عن المراكب البخارية التجارية الكبيرة التي تمخر في جميع البحار.

وفي لوندرة أكثر من ٥٦٨ محطة للسكة الحديدية، أقل واحدة منها (حتى التي تحت الأرض) أكثر من محطة القاهرة الحالية اتساعًا وحركةً وعملًا، ومنها ما يساوي محطة مصر والإسكندرية وطنطا ثلاث مرات في ثلاث مرات، وقد يمر في بعضها (مثل محطة كلابهام) أكثر من ١٤٠٠ قطار في اليوم من غير احتساب قطارات البضاعة (وأنت تتخيل مما ذُكر كم ينبغي أن يكون مقدارها في بلدة تجارية صناعية مثل لوندرة).

وفي سنة ١٨٨١ نقلت سكة حديد العاصمة، وكلها تحت الأرض ١١٠ ملايين من الركاب بالتمام وقد ازداد هذا العدد الآن زيادة كلية.

ثم إن القطارات كثيرة جدًّا وسريعة للغاية والعربات مفروشة بكل عناية وإتقان، حتى إن عربات الدرجة الثالثة هي أحسن بكثير من عربات الدرجة الثانية عندنا وفي بعض أقطار أوروبا. ولا يمكن أن يمر على الإنسان لحظة واحدة وهو في القطار من غير أن يرى قطارين أو ثلاثة تحت أقدامه، ومثلها بجانبه، ومثلها فوقه بقليل، ومثلها يجري على القناطر والجسور، ومثلها بحذائه ذات اليمين ومثلها إلى جانب اليسار، وهكذا مما يحدث الخبال، وذلك كله نتيجة المزاحمة وثمرة المناظرة، فإن الذي يريد أن يتوجَّه من لوندرة إلى مانشستر مثلًا يجد أمامه خمسة طرق مختلفة في يد شركات مختلفة، وكل واحدة منها تجتهد في أن تضمن للمسافر من المزايا والفوائد والتسهيلات ما يجعله يُقبل عليها دون سواها، حتى إن الطوالات الخشب المستعملة في الدرجة الثالثة أصبحت لا وجود لها بالكلية. وقد تكون عربات الدرجة الثالثة في قطارات الإكسبريس، كما أن بعض القطارات لا توجد فيها إلا الثانية، وفي بعضها (وهي السريعة) لا ترى إلا الأولى.

ولا يمكن أن يمضى على الإنسان إذا وقف في مكانه ثلاث دقائق من غير أن يمر عليه ما يريده من عربات الأمنيبوس، أو القطارات أو الزوارق البخارية أو غير ذلك، فأصبحت المسافة في هذا البلد الطويل العريض معدومة والأبعاد متقاربة؛ لسرعة وسائط النقل وكثرتها وسهولتها وتيسرها.

وخلاصة القول أن تعدد الشركات ومنافستها لبعضها البعض التنافس الممدوح يجعل الإنسان مهما قَلَّب ناظره في أية جهة من جهات المدينة على وجه الأرض، أو تحت الأرض أو في الجو فوق أسطحة المنازل، يرى عددًا هائلًا من القطارات البخارية؛ منها ما يرفع عقيرته إلى عنان السماء، ومنها ما يكتم نفسه في جوف الأرض ويكتفي بالأنين.

ومن تأمل في حركة هذه القطارات التي لا ينقطع دويها، وكلها مركبة من ٢٠ أو ٣٠ عربة كبيرة كلها مشحونة ببني آدم، ثم نظر إلى الزوارق البخارية، وإلى سواريها التي تجعل النهر كغاية بالغة في الاتساع، ثم نظر إلى عربات الأمنيبوس وهي تجدُّ في السير وليس بها مقعد خالٍ، ثم نظر إلى حركة الشوارع وما فيها من المركبات المختلفة المقادير والأحجام والأشكال والأنواع، وكلها غاصة بالناس وبالبضائع، ثم نظر إلى جانبي الطريق، ورأى الأقوام تمور وتموج كالسيل المنهمر الذي لا يصده عائق، فلا شك أن يعتريه اضطراب واندهاش وتأخذه الحيرة والاختبال، ويحكم بأن هذه المدينة كقرية النمل، وليس لها من هذا القبيل نظير في العالم بأسره على الإطلاق.

والذي يزيد في الإعجاب والاستغراق أنه لا يسمع صوتًا ولا صياحًا ولا ضجة، ولا اعتراكًا بنسبة جزء من ألف جزء من هذه الحركة، بل كل إنسان صامت أو هامس مقبل على شئونه مكد في الذهاب إلى مقصده، وكل شيء يجري فيها كالساعة المنتظمة ذات الآلات الكثيرة والغايات المتنوعة، حتى إن الغريب ليحكم بأنه بين قوم لا يسمعون ولا يتكلمون.

ولا أنتقل من هذا الموضوع قبل أن أذكر شيئًا يسيرًا عن سكة حديد العاصمة، فإنها عبارة عن طريقين: أولهما يدور حول الستي City (أعني المدينة مثل السكرية والغورية وما حواليهما من الجهات، فإنها معروفة في مصر القاهرة باسم المدينة أيضًا)، والثاني حول البلد كلها، وهما متصلان ببعضهما في كثير من النقط، وقد بلغت نفقات الميل الواحد فيما بلغني ثلاثة ملايين من الجنيهات؛ لأن الشركة التزمت بدفع قيمة الأراضي والمنازل وحفر الأرض وبنيان القباب والعقود وغير ذلك مما يوجب صرف المبالغ الجسيمة.

وبما أن القطارات في هذه الطرق تسير تحت الأرض إلا عند دخولها في المحاط (فإنها كلها مكشوفة إلى السماء)، فقد رأى مهندسو الشركة أن يصنعوا الآلات البخارية محتوية على مزيتين مفيدتين جدًّا لمقتضى الحال، فأولاهما: أن الآلة مجهزة بحيث إنها تحرق الدخان المتصاعد منها فلا يكون له أدنى تأثير، وثانيتهما: أنها تصطنع من الفحم الذي تحرقه زيت الحجر (الغاز أو البترول) اللازم لإضاءة كافة العربات على الدوام والاستمرار.

ثم إن القطار يدخل المحطة وهو في منتهى السرعة، ويقف مرة واحدة فيحصل ارتجاج خفيف جدًّا لا يكاد يشعر به الإنسان، والسبب في ذلك أنهم وضعوا ثلاث جهات من الرصيف ثلاثة ألواح كبيرة لتوفير الوقت ومكتوب عليها ما معناه (انتظر هنا للدرجة الأولى والثانية أو الثالثة)، فيقف ركاب الدرجة الأولى في المكان المعين وركاب الدرجة الثانية في المحل المخصص لهم ومثلهما أصحاب الدرجة الثالثة، ثم إن العربات في القطار مرتبة وراء بعضهما بحسب الترتيب المعين في رصيف المحطة، فمتى جاء الوابور وقف في المكان المناسب، فلا يكون على المسافرين إلا أن يدخلوا العربات من غير تعب ولا سؤال، بل بتحريك القدم خطوة أو خطوتين بالأكثر، وذلك لمنع الاختلاط فإن القطار لا يقف أكثر من بعض ثوانٍ، وتجد على باب العربات من الداخل عبارة هذه ترجمتها: (انتظروا حتى يقف القطار.) ولكني أرى من الواجب على المسافر أن يشرع في النزول بمجرد وقوف القطار؛ لأن أقل تأخير يترتب عليه أن يساق إلى المحطة الثانية، ثم يرجع مع قطار آخر إلى المحطة المقصودة من غير أن يلتزم بدفع أجرة تكميلية، بشرط أن لا يظهر على وجه الأرض، بل يستمر على رصيف المحطة، وهذا أمر ينبغي تنبه الغريب إليه؛ فإن كثرة الإعلانات في المحطة تمنعه، ولا شك من أن يعرف اسمها، فالأجدر به والحالة هذه أن يسأل قبل النزول في القطار عن عدد المحاط التي سيكون الوقوف فيها قبل الوصول إلى المحطة اللازمة، أو أن يجتهد في قراءة اسم المحطة على فوانيسها ودكك الانتظار، فإنهما المحلان الوحيدان الباقيان للآن في حرز وأمان من هجمات أصحاب الإعلان.

وكل إنسان يركب في القطار يجوز له أن يُؤمِّن على حياته ونفسه من العوارض والأخطار التي ربما تطرأ في أثناء السفر، ففي حالة الوفاة تدفع الشركة ألف جنيه إنكليزي لورثة المسافر في الدرجة الأولى الذي يكون قد أمَّن على حياته بدفع مبلغ يوازي ١٢ مليمًا زيادة على ثمن التذكرة، وتدفع مبلغ ٣٠٠ جنيه لورثة المسافر في الدرجة الثانية الذي يدفع ٨ مليمات زيادة على ثمن التذكرة، ومبلغ ٢٠٠ جنيه للمسافر في الدرجة الثالثة الذي يدفع ٤ مليمات زيادة على ثمن التذكرة، فإذا كان العارض غير الوفاة التزمت الشركة بالتعويض بمبلغ نسبي بحسب شدة العارض وخفته.

وفي هذا المقام أذكر ما رواه بعضهم من أن رجلًا من الإنكليز كان يركب على الدوام في الدرجة الأولى ولا ينسى مطلقًا التأمين على حياته، وفي كل مرة وصل المحطة بالسلامة أخذ في اللعن والشتيمة والسباب لعدم وقوع ما كان ينتظره لعائلته من الثروة واليسار. وحقيقة فإن الأخطار قليلة، بل نادرة، بل لا تكاد تُذكر.

وقد كان إنشاء هذا الخط في سنة ١٨٦١، وله أكثر من ٣٠ محطة، وقد يمتد إلى بعض ضواحي لوندرة (ويكون حينئذ على وجه الأرض)، وقد يسير تحت نهر التيمز في نَفَق هو عبارة عن أنبوبة من الحديد، وفي كل خمس دقائق يقوم قطار، وذلك من الساعة ستة صباحًا إلى نصف الليل (ولكن القطار يقوم قبل الساعة ٨ صباحًا وبعد الساعة ٨ مساء في كل ربع ساعة)، وثمن التذاكر طفيف جدًّا، فلا يزيد على خمسة قروش صاغ.

وأقول بهذه المناسبة إن تسجيل المتاع ليس من أصول السكة الحديدية في بلاد الإنكليز على العموم (لا كما في إيطاليا أواه منها أواه)، بل إن المستخدمين يستغربون من الذي يطلب ذلك منهم؛ لأن القاعدة العامة (وقد يكون لها استثناء لا أعرفه الآن) أن الإنسان يكتب اسمه واسم المحطة على متاعه، ثم يباشر وضعه على عربة صغيرة في الرصيف، ثم في العربة المعروفة (باسم عربة العَفْش) ومتى وصل إلى المحطة المقصودة نزل وتوجَّه إلى المستخدم وأعلنه عن متاعه، فيسلمه في الحال من غير أدنى تعب ولا اختلاط ونزاع أو عطل أو مماطلة.

وعندي كلام كثير على السكك الحديدية وكثرتها وتقدُّمها في بلاد الإنكليز، ولكن لا يسمح لي المقام بإيراده الآن، وإنما لا يسعني أن أخفي إعجابي بها من كل الوجوه، حتى إن الإنسان لا يتصور كيف أنها لا تنقل هذه البلاد، وخصوصًا لوندرة إلى أية جهة من أقطار المعمورة.

ومن أغرب الشركات التي في هذه المدينة شركتان ليس لهما من عمل سوى الاستدعاء بالكهرباء، وذلك أن لكل منهما مشتركين في جميع جهات المدينة وكافة أنحائها، ومنازلهم متصلة بسلك كهربائي بالمكتب الموجود في دائرته، ويكون في المنزل شبه مِزولة عليها خمسة أزرار: الأول للساعي، والثاني للطبيب، والثالث للعربة، والرابع للاستغاثة من الحريق، والخامس للاستنجاد بالبوليس، فإذا ضغط المشترك على أحد هذه الأزرار عرفت الشركة مطلوبه، فتبعث له في الحال ساعيًا أو طبيبًا (وإذا كان له طبيب مخصوص يكون عنوانه معلومًا عندها فتخبره بالطلب) أو عربة للركوب، أو طلمبات الحريق، أو رجالًا بواسطة إدارة البوليس لإمداده بالقوة اللازمة.

وهاتان الشركتان مستعدتان أيضًا لخدمة غير المشتركين بهما، فيجوز لهم إرسال طرودهم وأمتعتهم بواسطة سعاتها في نظير أجرة لا تزيد عن ١٢ مليمًا في الساعة، وفوائد هذه الشركات ظاهرة خصوصًا في المدن الكبيرة.

وهذا الحديث على الشركات يسوقني إلى ذكر شيء وجيز عن شركة حماية الحيوانات — وإن كان اسمها معروفًا في مصر — فإنها من أغرب الشركات وأفيدها، وهذه الشركة تحت حماية البرنس دوغال وَلي العهد. وقد كان لها تأثير عظيم في هذه البلاد؛ حيث إنك لا ترى القوم حتى الذين من الطبقة الدنيئة يتجاسرون بأي حال ولأي سبب على إهانة الحيوان الأعجم وإساءته، ولها عُمال كثيرون ومن أعضائها جم غفير من أصحاب الوجاهة والنفوذ. وكل من أقدم على هذا العمل المُنكر حُكم عليه بالأشغال الشاقة من ستة شهور إلى سنة كاملة. وكثيرًا ما ركبتُ في عربات متعددة، ولا أتذكر أن السائق رفع السوط على الحصان أكثر من مرتين بكل خفة، وكثيرًا ما قطعت المسافات الطويلة من غير أن يلمس السوط جسد الحصان على الإطلاق. ومثل هذه الشركة لا لزوم لها في بلادنا إذا راعينا الأحكام الشرعية المفروضة كما هو الواجب علينا.

وقد رأيت في البلاد الإفرنكية التي مررت بها قاعات المطالعة، ولكنها في لوندرة قليلة وليس للحكومة يد فيها البتة، بل قد أنشأتها شركات تجارية متنوعة أو خاصة بطبع الكتب ونشرها، وقد أسست بعض الشركات كتبخانات ترسل الكتب اللازمة إلى منازل المشتركين، فلا تكلفهم التوجه إلى مركزها لانتقاء الكتب التي يرغبون مطالعتها في منازلهم، وقيمة الاشتراك من جنيه واحد إلى خمسة إلى ستة في السنة.

وفي هذه المدينة غير ذلك من الشركات التي لا تدخل تحت حصر، ولو أردت أن أذكر كلمة على كل واحدة أو أكتفي بمجرد الإشارة إلى اسمها لا تسع المجال بما يوجب الملال مهما كان اصطبار القارئ ومجاملته للكاتب، ولكني أقول إني رأيت فيها كثيرًا من شركات التوريد التي تتعهد للمشترك بجميع ما يطلبه من الأصناف والمحصولات اللازمة له ولعائلته ولمنزله بأبخس الأثمان ومن أجود الأصناف.

ثم أنتقل إلى الكلام على النوادي (المعروفة بالكلوب)، فإنها كثيرة جدًّا وأهمها نحو المائة، وكلها في قصور فخيمة شامخة باذخة بالغة النهاية في الزخرفة والاتساع والإتقان والاحتواء على كل ما يطلبه الإنسان؛ من مأكول ومشروب وجرائد وكتب وغير ذلك مما يلزم للفكاهة والمسامرة وتمضية الوقت في نعيم وسرور، وكل شيء فيها من أجود نوعه وبثمن المقطوعية (الذي يساويه فقط)، وهي معدة لاجتماع الأصحاب والأصدقاء الذين من صنف واحد وأذواق متشابهة، وعددها بالنسبة إلى لوندرة أكثر منه في أية عاصمة أخرى من عواصم أوروبا، ولا يُقبَل العضو فيها إلا بعد اقتراع سري دقيق جدًّا، ورسم الدخول من خمسة جنيهات إلى أربعين (والغالب ٢٥)، والرسوم السنوية من ثلاث جنيهات إلى خمسة عشر، هذا عدا ثمن المأكولات والمشروبات.

وفي بعضها يجوز للعضو أن يستضيف بعض خِلَّانه، ومنها ما هو للرجال والنساء، ومنها ما هو للنساء خاصة، أو للعلماء أو لحزب المحافظين أو لحزب الأحرار أو للهند الشرقية أو للضباط البرية والبحرية العاملين أو للضباط المتقاعدين أو للمستعمرات أو لتحسين نوع الكلاب أو لمدرسة أكسفورد الجامعة أو لمدرسة كمبريدج الجامعة (ولا يُقبل فيهما إلا المتخرج منهما)، أو لألعاب الكرة أو لرجال السياسة أو للسياحة (ولا يدخل فيها إلا من ساح إلى مسافة ٥٠٠ ميل عن لوندرة) أو لرجال الآداب.

ومن أغرب نواديها ذلك المعروف باسم النادي المتوحش، وفيه كثير من أرباب الجرائد والآداب والفنون والتشخيص، ومن أعضائه البرنس دوغال، ورسم الدخول فيه ٨ جنيهات، والرسوم السنوية ثلاثة جنيهات، ولأغلب المدارس نوادٍ خاصة بتلامذتها الحاليين والسابقين، وقد يزيد أعضاء بعض النوادي عن ٧٠٠٠ شخص.

وكل جمعية وكل شركة وكل نادٍ يولم في السنة وليمة فاخرة، وأهم هذه الولائم وليمة جمعية التصوير، ويجتمع فيها أكابر أرباب العلم والسياسة والرياسة والجيش والبحرية وأعضاء البرلمان ورؤساء الأساقفة والأفوكاتية والبرنس دوغال وإخوته، وكل من اشتهر في فن أو عمل، وقيمة النفقات في هذه الوليمة تبلغ من ٤ جنيهات إلى ٨ جنيهات عن كل واحد من المدعوين.

وفي هذه المدينة أكثر من سبعة آلاف مطعم (لوكانده)، والخدمة فيها كلها منتظمة جدًّا، ولو أن أماكنها في الغالب ليست بالغة في الزخرفة مثل نظائرها في أوروبا، وكثير من هذه المطاعم على مذهب الهنود، فلا تجد فيها سوى الخضارات وما تنبته الأرض، وأما اللحوم فلا توجد فيها البتة؛ لأنها محرمة.

وفيها نحو ألف قهوة وكلها على الطراز الإنكليزي؛ أي إن الإنسان يمكنه أن يتناول الطعام فيها بثمن بخس، ولكنه إذا طلب شيئًا من المشروب وجب عليه دفع الثمن مقدمًا للخادم لكي يستحضره له من الخارج (وكذلك الحال في بعض الفنادق وفي كثير من المطاعم)؛ لأن هذه الأماكن ليس لها رخصة في بيع المشروبات، ثم إن القهوة عبارة عن قاعة ضيقة تنقسم إلى طوالات من الخشب منفصلة عن بعضها تمام الانفصال ومثبتة في الحائط والأرض مثل تقسيم عربات الدرجة الثانية في السكة الحديدية، فيأكل الإنسان فيها وهو بمعزل عن جاره، وفيها تجد دوامًا القهوة والشاي والشكولاته والكاكاو والبيض والجبن.

أما القهاوي الكبيرة التي من جهة المدينة (الستي)، فهي أشبه ببورص تجتمع فيه التجار والنواخذة (مجهز والسفن Armateurs) وأصحاب الضمان من الحريق والغرق وسائر الطوارق والعوارض والسماسرة وأمثالهم، فيتعاقدون فيها ويتبايعون.
وفيها بعض محلات يسمونها دواوين السجاير تشبه القهاوي التي في أوروبا، ويكون بعضها عبارة عن قاعة كبيرة فيها نجف وثريات وألواح فيها صور ورسوم، وعند الدخول يدفع الإنسان شلنًا واحدًا (٥ صاغ) ويكون له حق في سجارة إفرنكية وفنجان قهوة وقراءة أهم الجرائد المطبوعة في إنكلتره وفي أوروبا، وقد أنشأ بعض الفرنساويين والطليانيين قهاوي على الطراز الأوروباوي (المتعارف في مصر)، ولكن هذين الصنفين من الأماكن العمومية لا يجوز لهما، بل ولا يمكنهما وضع الموائد أو الكراسي على برازيق الطريق.١

ومتى سار الإنسان على برازيق الطريق رأى فيما بين الحوانيت كثيرًا من مخازن الدخان، فإنها في لوندرة فوق العدد والإحصاء.

وقد رأيت كثيرًّا من الحمامات فيها الماء الملح الأُجاج أو العذب الفُرات باردًا أو مسخنًا على درجات مختلفة، وفيها حمامات على الطراز التركي المتعارف في مصر، وقد صار للإنكليز الآن بها وَلَع وغرام، وإن لم يكن القائمون بالخدمة فيها على كل شيء من مهارة أهل بلادنا، وفي بعض الحمامات لا تزيد الأجرة عن ١٢ مليمًا، ومع ذلك فإن الشركات القائمة بإرادتها تربح أرباحًا وافرة.

وفيها تياترات كثيرة وأشهرها ثلاثة وثلاثون، وفيها عدد عظيم من الملاهي وقهاوي الغناء والموسيقى، وأماكن عرض الصور والبهلوان، وغير ذلك مما يكون فيه تشخيص الروايات أيضًا.

وفيها وحدها أكثر من ٤٠٠ جريدة منها ٥٠ للديانة على سائر مذاهبها، فإن الشيع الدينية في بلاد إنكلتره كثيرة متنوعة جدًّا، وهم يحترمون كل الأديان وكافة الاعتقادات، حتى إنه يصح أن يقال إن كل إنكليزي يعبد الله بحسب هواه. وقد بلغ عدد الديانات والمذاهب في بلادهم أكثر من ١٨٣، وكل واحدة من هذه الشيع تدعي بالطبع أنها هي التي فازت باكتشاف الحقيقة، وهي تتناظر مثل مناظرة الشركات التجارية، ومع ذلك ففي كل يوم تظهر شيعة جديدة. وأبغض المذاهب إلى هذه الأمة هو مذهب الكاثوليكي الرسولي الروماني، ويكرهون البابا كراهة التحريم. وهذا التعصب المطلق بجانب ذلك التساهل المطلق هو من باب التناقض المطلق.

وأفكارهم واعتقاداتهم وآراؤهم ومقالاتهم في غاية الغرابة، ولا يسمح لي المقال الآن ببيان شيء منها، ومع ذلك أقول إن منهم طائفة تسمى الكويكرز (Quakers) لا يركعون إلا للعلي المتعالي، ولا يرفعون قبعتهم لأحد ما (كما هي عادة الإفرنج)، ويخاطبون الناس قاطبة بالكاف؛ أي لا يعظمون المفرد باستعمال الجمع كما هو المألوف في أوروبا، فلا يقولون: حضرتكم أو أنتم أو ما أشبه ذلك، بل قلت لك أنك فعلت كيت وكيت … إلخ. وهذا النوع من التعبير يسمى عند العرب (المخاطبة بالكاف)، وعند الفرنساويين (Tutoyer)، ولا يحلفون أبدًا حتى أمام المحاكم، ويمتنعون من الدخول في سلك العسكرية؛ لأنهم يعتبرون الحرب محرمة وجناية، حتى إن جون بْرَبْط السياسي الإنكليزي المشهور استعفي من وزارة غلادستون في سنة ١٨٨٢ بسبب الحرب التي وقعت بين إنكلتره وأهل الثورة العرابية في مصر. ولهم غير ذلك من الأطوار والأخلاق.
وأما جيش السلام فلا أتكلم عليه الآن، وإنما أقول إن جماعة من البوذيين الوثنيين جاءوا إلى لوندرة بقصد تبويذ الإنكليز (إذا صَح التعبير؛ أي جعل الإنكليز كلهم على مذهب بوذه Boudha)، وبلغني أن لهم هيكلًا تقام فيه شعائرهم الدينية في خط ويت شابل (white Chapel) المعمور بألوف من الخلائق، وعلمت أن أعمالهم سائرة في طريق التقدم، وأن بعضًا من رجال البوليس الإنكليزيين قد دخلوا في زمرتهم.

وبمناسبة الديانة والكلام عليها أقول الآن إن أمة الإنكليز انفردت عن سائر سكان الأرض بمراعاة الراحة المطلقة في يوم الأحد، فهو عندهم يوم مقدس تنقطع فيه الأعمال مرة واحدة، ويستعدون لذلك من ابتداء عصر السبت، فترى الخلائق تتناقض والازدحام يقل شيئًا فشيئًا والمخازن تغلق والنواقيس تَدُق، ومتى جَن الليل عادت الحركة إلى منتهاها، ورجع الاضطراب إلى أقصاه لكن في الأسواق فقط؛ إذ يتوجه القوم إليها من كل صَوب لأخذ المؤنة والذخيرة اللازمة لذلك اليوم الذي يقف فيه دولاب الأعمال، وينقطع الأخذ والعطاء والبيع والشراء حتى فيما يتعلَّق بالقوت اللازم لحياة النفوس، ومتى أصبح الصباح رأيت المدينة قفرًا بَلْقَعًا ليس فيها سوى القليل من رجال الشرطة، وبعض نفر منثور في شوارعها، وأما المخازن والأبواب والشبابيك وديار التحف والآثار والتياترات فكلها مغلقة، والعربات بجميع أنواعها يقل وجودها بالكلية، وأما القهاوي واللوكاندات، فتفتح في مواقيت الفراغ من الصلاة فقط؛ أي من الساعة الأولى إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، ومن الساعة السادسة بعده إلى ما قبل نصف الليل بساعة.

ولكن الأغرب من ذلك كله أن البوستة مع أهميتها تتعطل حركتها، فلا تباشر أي عمل ما ولا توزع الخطابات الواردة إليها ولا ترسل المكاتيب الصادرة إلى الخارج، ومثلها التلغراف؛ فإن أسلاكه تستريح أيضًا في هذا اليوم الراحة العامة إلا في بعض المحاط الكبيرة جدًّا، وكذلك الجمرك فإنه يحجز البضائع وأمتعة المسافرين الذين يقدمون إلى هذه البلاد في هذا اليوم المشئوم، فإنه حقيقة يوم الحسرة على الغريب يضطره للاعتكاف في منزله، وتضييع يوم من حياته بلا ثمرة ولا عمل، والقضبان الحديدية لا بد أيضًا من استراحتها فلا تمشي القطارات عليها أثناء القُدَّاس، وفي غير هذا الوقت تقل حركتها إلى الربع أو أقل، وترى في جداول مواقيت السفر خانة عمومية لأيام الأسبوع وخانة خصوصية للقطارات القليلة جدًّا التي تقوم في يوم الأحد، وتلك المحاط التي كانت بالأمس عامرة آهله بالخلائق تصبح وهي ساكنة مطمئنة، ويكون منظرها مع عظمتها واتساعها مشوبًا بشيء من الإيحاش يجعلها أشبه بقبر هائل.

وخلاصة القول أن المدينة كلها ينقطع منها الحس وتبارحها الحياة، فكأنها سراج قد خبأ نوره فجأة، ولا يتصور المرء أنه ما زال في تلك المدينة المتماوجة بهذه المخلوقات، بل يخطر على باله أنه دخل بلدًا جاءها النذير بقرب جيش هاجم عليها، فولى أهلها الأدبار وتركوا الديار وما في الديار ملتجئين إلى الخلوات والقفار، وأبقوا بعضًا من الرجال يراقب حركات العدو ويعلمهم بأعماله، حتى إذا أقبل المساء ابتدأت الحياة تدب في هذه الآلة العظيمة المعروفة بلوندرة، فترى بعض الناس يبتدئون في الجَوَلان، ومتى قابل الواحد منهم صاحبه (من الرجال أو النساء) سأله هل كنت في الكنيسة فيجيبه بالإيجاب أو يعتذر بعذر قوي مقبول.

ولأجل ذلك ينبغي للغريب أن يغتنم فرصة الأحد في التوجه إلى الكنيسة في الصباح، ثم يخرج إلى أرباض البلد لاستنشاق الهواء الصحيح، فإنه يكون محتاجًا إليه لقلته في لوندرة بسبب الدخان، ولكني أشير عليه بأن يرجع في عصر النهار، ويطوف بعض الشوارع ويمر ببعض الحدائق مثل هايدبارك وغيره، فإنه يرى فيها كثيرًا من الخطباء، وأغلبهم من الشغالة واقفين يخطبون في أي موضوع يدور في أدمغتهم مثل الفوضى والاشتراكية والديانة بسائر أجزائها عندهم، وترى الرجل منهم يخطب وحواليه جماهير تتكأكأ عليه كتكأكئهم على ذي جِنة وهو لا يقول لهم افرَنقعُوا، بل كلما زاد عددهم رفع عقيرته مشيرًا إلى اليمين وإلى الشمال مكثرًا من القيل والقال، والأغرب من ذلك أن بعضهم يقف يتكلم بصوت مرتفع، ويشير بيديه مع أنه وحده وليس حوله من يستمع له، ولكنه يوالي الكلام كأنه محاط بالأقوام، ويستمر بالإيماء إلى من يفرض وجودهم ذات اليمين وذات الشمال، ومنهم من يجيء في ركب جليل بالموسيقى والأغاني والأناشيد وغير ذلك من المقدمات التي تصطاد العامة، وتجذبهم إلى حضور مقالته، ومنهم من يطوفون في الشوارع بالألحان والأنغام والرايات والأعلام.

وقد رأيت في بعض الجرائد ذكر حادثة من أغرب ما رواه الراوون في هذا الموضوع قد حصلت بلوندرة في رأس عيد السنة، وكنت وقتئذ بلشبونة عاصمة البرتغال، ولا أرى بأسًا من إيرادها في هذا المقام لتمام المناسبة.

أن واعظًا من أشهر وُعاظ الإنكليز وأبلغ خطبائهم أعلن أنه عازم أن يعظ البُهال الذين لا عمل لهم في كنيسة مار بولس الكبرى بلندن، فتقاطر الفقراء الذين ليس لهم عمل يعيشون به إلى الكنيسة، ووقف رجال البوليس صفوفًا خوفًا من أن يأتوا أمرًا مخلًّا بالنظام، ولكنهم دخلوا الكنيسة أفواجًا على غاية من الهدوء والانتظام، وجلسوا في أماكنهم على الترتيب، وعلامات الاحترام والوقار بادية على وجه كل منهم، مع أنه كان بينهم الفوضويون والاشتراكيون والمحركون على تكدير صفاء الراحة، ثم أفاض الواعظ في كلام أثار به أعماق النفوس، وحَرَّك العواطف وأقنع العقول، فاستمال إليه معظم الحضور من الذين كان يُظن أنهم جاءوا مستهزئين، فخرجوا مصلين مستغفرين. ولكن قومًا كانوا يعارضون الواعظ من حين إلى حين، تارة بعدم استحسان أقواله وطورًا بكلام الهزل، كأنهم في اجتماع عقدوه في حديقة من الحدائق العمومية، وجعل المتطرفون من الفوضويين والاشتراكيين بينهم يوزعون رسائلهم الثوروية على الحاضرين ليقرءوها، ولما انتهى الواعظ خرج موكبهم متجمهرًا وسار زعماؤهم بالرايات الحمر أمامهم، وهم ينشدون النشيد الفرنسوي المعروف بالمرسيلياز.

وبالاختصار، إن كل واحد منهم تُزين له نفسه الكلام يقف في أي مكان، ثم يتكلم بما يريد ويجتمع الناس حوله أو لا يجتمعون، ويكون رجال الشرطة بجانبهم غير مبالين بتجمعهم مهما كانت أقوال الخطيب موجهة ضد الدولة، أو بالحث على إحراق دور الأغنياء وسلب المخازن الكبيرة، وما أشبه ذلك، فإن حرية المقال في هذه البلاد وصلت إلى ما هو فوق منتهاها.

وفي يوم الأحد يكثر السُّكْر والسرقة أيضًا؛ لأن الإنكليز لا يعرفون الوسط، فإن بلادهم بلاد التناقض جمعت الأطراف، فإما التناهي في الغنى، وإما التناهي في الفقر، وإما التناهي في الفضيلة والعفاف، وإما التناهي في الرذيلة والفجور، وإما التناهي في العمل، وإما التناهي في الكسل، إلى غير ذلك من الأطراف، حتى إن المدينة إما أن تكون غاصة بالجماهير، أو تكون خلوًا من العالم بالمرة (في يوم الأحد) وهكذا.

ولكثرة اللصوص وتفننهم فيها ينبغي، بل يجب، على الإنسان أن لا يكلم أحدًا لا يعرفه، وأن يجتنب كل من يعرض عليه خدمته وإرشاداته أو يبادره بالكلام، وإذا احتاج لأي أمر من الأمور فلا يسأل إلا رجال البوليس، فإنهم يبادرون بالإجابة بحذق وفطانة، أو يدخل في بعض المخازن ويستعلم فيها عما يريد. وقد اعتاد الإنكليز أنفسهم على ذلك، فإذا اتفق لك من سوء الحظ أنك كلمت واحدًا منهم، فإن كان من أصحاب الأدب وأهل المجاملة أجابك بنعم أو لا من غير زيادة، وكثيرًا ما يُعرِض عن الإجابة ويلازم الصمت، ويستمر في طريقه من غير أن يلتفت إليك بالمرة، وإن كان شرسًا أعطاك درسًا أو قلع لك ضرسًا.

هذا وأينما سار الإنسان في شوارع لوندرة رأى حوانيت عليها صناديق للبوستة، وفي كل صندوق فتحتان كبيرتان إحداهما لوضع المراسلات الخاصة بالمدينة نفسها، والثانية للمراسلات التي برسم أقاليم إنجلترا والبلاد الأجنبية. وفي بعض الشوارع المتباعدة عن هذه الحوانيت ترى على برازيق الطريق أسطوانات كثيرة من الحديد الملون بالبوية الحمراء معدة لوضع المراسلات فيها، حتى لا يلتزم الإنسان بالتوجه إلى المكتب القريب منه. وثمن تذكرة البوستة للمملكة البريطانية نصف بِنْس (أي ٢ مليم) وللخارج بِنْس واحد (أربعة مليمات).

وعدد مرات التوزيع في الستِي (المدينة) اثنتا عشرة مرة في كل يوم، وإحدى عشرة في المواضع التي حول دار البوستة المركزية على مسافة ثلاثة أمثال، ويبتدئ التوزيع من الساعة ٧ ونصف إفرنكي صباحًا، وفي بعض الجهات يكون إرسال المكاتبات بالتلغراف في قناة يفرغون منها الهواء، وعلامة ساعي البوستة أن يدق على الباب دقتين عنيفتين، وفيما عدا الجهات المحيطة بدار البوستة يكون التوزيع ست مرات في اليوم الواحد، ويجوز إرجاع طوابع البوستة إلى مكاتبها، فتخصم من قيمتها ٢ ونصف في الماية في نظير العمولة والإصدار.

واعلم أنه يوجد بهذه المدينة شوارع كثيرة لها اسم واحد، وقد يبلغ عددها عن كل اسم واحد ١٠ أو ١٥؛ فلأجل منع الاختلاط الذي يتأتى حصوله بهذا السبب قسمت إدارة البوستة المدينة إلى ثمانية أقسام باعتبار الجهات الأربع الأصلية، والجهات الأربع الفرعية، ووضعت حرفًا أو حرفين (ج ش؛ أي جنوب شرقي مثلًا) للتمييز بينها بالسهولة حتى لا يحصل عائق أو غلط في التوزيع؛ ولذلك ينبغي لكل من يراسل أحدًا من أهل لوندرة أن يضع هذه الحروف الصغيرة، بعد ذكر اسم الشارع والمدينة لسهولة التسليم وعدم التعطيل.

أما التلغراف فكان قبل سنة ١٨٧١ لثلاثين شركة، ثم أخذته الحكومة وجعلته تابعًا لمصلحة البوستة، ومع أن أقل أجرة لإرسال أي تلغراف من لوندرة وإليها هي أعلى مما في بلادنا؛ لأنها هنا ست بِنسات (أي خمسة قروش من العملة الدارجة)، وهي في بلادنا قرشان فقط بالعملة الصاغ، ولكن القوم يستخدمونه بكثرة لا يتصورها العقل؛ لأنهم يفضلون خسارة القليل من المال واكتساب الوقت الثمين، ومع ذلك فأعمال البوستة أيضًا ما زالت رائجة. وإذا دفع الإنسان أجرة رد التلغراف وفات الوقت المقرر للإجابة أمكنه استرجاع ما دفعه لهذا الغرض في ظرف ثلاثة أيام من تاريخ الإرسال، ويجوز إرسال الرسالة البرقية إلى جملة أشخاص مقيمين في مقاطعة واحدة بشرط أن يدفع المرسل ٨ مليمات على كل نسخة غير النسخة الأصلية، ويجوز أيضًا إرسالها إلى أشخاص مقيمين في جهات مختلفة بعد دفع نصف الأجرة العادية على كل نسخة خلاف النسخة الأصلية، وهذه التسهيلات المفيدة للمصلحة وللجمهور غير موجودة في بلادنا.

وبمناسبة التلغراف أذكر أنه يوجد بين باريز ولوندرة سلك تلفوني وأجرة التكلم فيه لأي فرد من أفراد الناس مدة ثلاث دقائق ٨ شلنات (٤٠ قرشًا صاغًا)، أما التلفون الخاص بلوندرة وحدها فهو في يد جملة شركات.

ولا يسعني إلا أن أؤجل الكلام على التعليم والمستشفيات، وأكتفي بأن أقول إن المدارس في هذه البلاد تعتني عناية عظيمة بتربية الجسد والعقل؛ لأن العقل السليم لا يكون إلا في الجسد السليم (Mens sana in corpore sano)، ومن جملة المدارس التي زرتها مدرسة إيزلوورث المعروفة باسم (نيو برو رود كولليج) فرأيت النظام فيها بالغًا حَدهُ وناظرها المستر بارنت (Barnett) على غاية الظرف واللطف وحسن المعاملة ودماثة الأخلاق، وعلمت منه وتحققت بنفسي أن تلامذتنا المصريين فيها بلغوا من التقدم والنجاح درجة يغُبطون عليها، وأنا متأكد من الآن أنهم سيخدمون الوطن خدمة جليلة عند رجوعهم إليه بما اكتسبوه من المعارف والآداب، ويسرني بل يجب عليَّ أن أورد أسماءهم في هذا المقام وهم حضرات الأفندية: أحمد بَراده، ومحمود يوسف، ومحمود قاسم.

وقد أصدرت نظارة المعارف العمومية أمرها إلى وطنينا المجتهد الفاضل حسن أفندي توفيق الذي كان في برلين بالتوجه إلى لوندرة؛ لتعلُّم اللغة الإنكليزية وغيرها بهذه المدرسة، ورأيته وعلمت منه بكل ارتياح وانشراح أنه ألَّف كتابًا في التاريخ العام، وأنه بعد أن يتمَّه قريبًا يشرع في تدوين ما استفاده من أنواع العرفان ووقف عليه من شتات الفوائد التي تنفع أبناء بلاده. ولعمر الحق إن هذه النتائج مما يَسُر مصر وكل محب لها ولأهلها. وأقول مثل ذلك أيضًا عن حضرات الأفندية التلامذة: على عمر، وأحمد فهمي، ومحمود إسماعيل، الموجودين بمدرسة هومرتن، فإني توسَّمت فيهم النجابة والفطانة وتفرَّست أنهم عند عودتهم إلى وطنهم بعد زمن قريب سيبرهنون على أنهم لم يضيعوا أوقاتهم سدى، بل اكتسبوا من العلوم ما يجعلهم هم وإخوانهم إن شاء الله وساعدتهم العناية في مقدمة العاملين على إتحاف أبناء بلادهم بما يفيدهم في ميدان العرفان (وإن غدًا لنِاظره قريب).

وسأشرح لك الكلام في الرحلة على التعليم وطرقه، وقرب الوصول إلى ثمراته في بلاد الإنكليز، وعلى مدرسة أكسفورد الجامعة بنوع خصوصي؛ لأني زرتها بالتفصيل. وأكتفي الآن بإيراد بعض المرتبات التي للأساتذة لتعْلَم أن مرتبات أمثالهم في بلادنا أقل مما يكتسبه الواحد منهم في يوم أو بعض يوم؛ مثال ذلك أن المدرسة الجامعة في اسكتلندة تدفع لمدرس الكيمياء ٨٠ ألف فرنك في السنة؛ أي ثلاثة آلاف ومائتي جنيه؛ أي مائتين وستة وستين جنيهًا وثلثي جنيه في الشهر الواحد، ولمدرس التشريح ٧٥٠٠٠ فرنك، ولمدرس الطب ٦٥٠٠٠ فرنك، ولكل من مدرس التاريخ الطبيعي والباثولوجيا ٢٠٠٠٠ فرنك، ومدرس النباتات مرتبه السنوي ٥٥٠٠٠ فرنك. ويوجد في المدرسة الجامعة بمدينة جلاسكو مدرس للتشريح ومرتبه ٥٥٠٠٠ فرنك في السنة. وأما المدرسة الجامعة بأكسفورد، ففيها ٤٦٤ مدرسًا مجموع مرتبهم السنوي أربعة ملايين من الفرنكات؛ أي متوسط الواحد منهم ٩٥٠٠ فرنك. وفي المدرسة الجامعة بكمبريدج ٤٨٣ أستاذًا ومجموع مرتبهم السنوي ٣٣٠٠٠٠٠ فرنك. وفي دبلين عاصمة إرلندة مدرسة اسمها الترينتي (أي التثليث) وفيها ٥٩ مدرسًا مرتبهم ٨٠٠٠٠٠ فرنك في السنة، فهكذا تكون العناية بالتعليم والقائمين به.

ومن الأمور التي تدهش القادم إلى لوندرة كثرة الإعلانات التي يراها على جدران المحطة وكل مكان فيها، حتى لا يمكنه مطلقًا معرفة اسم المحطة وتمييزه عن الإعلانات، ثم متى سار في الشوارع رآها كلها إعلانات، وإذا ركب في عربات الأومنيبوس أو غيرها رآها كلها إعلانات من الداخل والخارج والأسفل والأعلى. ولقد كان صدري يضيق من رؤيتها وهي كأنها تتهددني بوجوب قراءتها والعمل بما تشير إليه والاستحصال على ما تدل عليه، فكنت إذا قلبت طرفي يَمنَة أو يَسْرَة أو رفعته إلى أعلى أو خفضته إلى أسفل أو حولته إلى الخلف أو رجعت به إلى الأمام رأيت الإعلان واقفًا لي بالمرصاد، فإذا أغمضت الطرف لأستريح منه قليلًا، ثم انتبهت فلا مناص لي من رؤيته على الدوام.

وفي كل مكان مختلف الصور والأشكال والرسوم والألوان، فإذا أخذت تذكرة للسكة الحديدية أو لعربات الأومنيبوس أو غير ذلك رأيت الإعلان مقتفيًا أثري وأثر كل من كان في أي مكان وأي زمان، فإذا اشتريت كتابًا أو جريدة أو تعريفة أو خريطة أو ما أشبه ذلك رأيت الإعلان هو على الدوام يضطرني لقراءته بالرغم عني قبل أي موضوع يهمني، فإذا مشيت على برازيق الطريق رأيت الإعلان يتماطر عليَّ من حيث أدري ولا أدري، فأحتار في كيفية التخلُّص منه، فإذا جُنَّ الظلام رأيت الإعلان مكتوبًا بالأنوار على صفحات الزجاج أو بواسطة القنوات الخاصة بنور الاستصباح، وقد يكون في ظلمات الأنفاق والسراديب مرقومًا بأحرف فسفورية متألقة.

وقد جرت عادة الجرائد أنها تخصص صفحاتها الأولى للفصول المهمة والمواضيع ذات الفائدة العامة، ولكن الأمر هنا بالعكس؛ لأن الإنجليز يعتبرون الإعلان من أهم الأشياء، فترى جرائدهم كلها على اختلاف مواضيعها وتنوع مشاربها مشحونة بالإعلان، خصوصًا الصفحات الأولى والصفحات الأخيرة، حتى إن الإنسان ليحتار قبل أن ينظر إلى مواضع الأخبار والفصول السياسية؛ إذ لا بد من المرور على الإعلان، مثال ذلك جريدة التيمس المعروفة بملكة الجرائد تحتوي على ١٦ صحيفة، منها نحو إحدى عشرة صحيفة مخصصة للإعلان، وقس عليها سائر رعاياها.

وقد علمت ورأيت أن بعض البيوت التجارية يتكبَّد النفقات الطائلة والمصاريف الهائلة لنشر الإعلان على صحائف حديدية في جميع المحطات، ثم لا تكتفي بذلك فتضع صحائف أخرى في عربات السكة الحديدية (خصوصًا التي تحت الأرض)، ثم لا تكتفي بذلك فتنشره في عربات الأومنيبوس والترامواي في كافة أرجائها، ثم لا تكتفي بذلك فتنشره في جميع الجرائد، ثم لا تكتفي بذلك فتنشره على غطاء جميع الكُتب التي تظهر حديثًا، وفي الصفحات الأولى والأخيرة منها، ثم لا تكتفي بذلك فتعلقه في جميع أنحاء المدينة، ثم لا تكتفي بذلك فتستخدم رجالًا تلبسهم بشكل مخصوص وتضع أطواقًا من الحديد على خواصرهم وأكتافهم لتعليق الإعلان، فيمشي الرجل منهم (ويسمونه سندويش Sandwich، وهي كلمة إنجليزية يراد بها شريحة دقيقة مقدودة من اللحم الضاني أو البقري أو العجالي أو الخنزيري أو من الخبياري توضع مدهونة بالزبد بين شقتين رقيقتين من الخبز، وفي التسمية الاصطلاحية إشارة لطيفة إلى كون الرجل محشورًا بين الإعلان أو كون الإعلان محشوًّا به)، وأمامه وخلفه وفوق رأسه ألواح من خشب مكتوب عليها الإعلان، ثم لا تكتفي بذلك فتطبع أوراقًا صغيرة تضعها في يد السندويش فيفرقها على المارة، فهذا لعمرك هو الحصار بعينه.

وكل واحد من أصحاب الإعلان يجتهد في التفنن في إعلانه حتى يجعله يضطر الأنظار للالتفات إليه، لما فيه من الرسوم والحروف والألوان وغير ذلك مما يُضيق الصدر ويقضي على الإنسان بأن يحسد العُميان.

وهنا تذكرت العُميان، فقد سبق لي القول بأن المُقعدين استغنوا عن خدمتهم، وقلت لا بد لي أن أجد طائفة العُميان قد وجدت هي أيضًا طريقة تكفيها الحاجة إلى أنظار المُقعدين، ولا أريد أن أتكلم على النكايا المخصصة لهم بواسطة الحكومات أو أهل البر والإحسان، فإنها ليست من تفننهم، وقد كنت أعرف أنهم اتخذوا الكلاب للاسترشاد بها والسير خلفها، ولكني قرأت في بعض الجرائد أثناء مروري على باريس أن أحد العُميان جلس على برزوق الطريق ووضع بجانبه لوحة مكتوبًا عليها هذه العبارة: (ألقوا نظرة وصلديًا إلى الذي لا يمكنه أن يردهما إليكم.) فكيف لا يحن قلب الإنسان وتدفعه عوامل الشفقة إلى إمداد صاحب ذاك الفكر الحسن؟

ولما جئت لوندرة رأيت العميان قد تفننوا في الاختصار؛ لأن الوقت عند الإنكليز من ذهب، فترى الرجل واقفًا حيث تمر الألوف المؤلفة في كل لحظة، وعلى صدره صندوق صغير فيه فوهة ومكتوب عليها (Blind بلَيِند؛ أي أعمى) ليس إلا، ثم إن بعضهم أراح نفسه من الوقوف أيضًا فوضع صندوقًا بجانب شباك التذاكر في المحطات، حتى إن المسافر بعد أن يأخذ الباقي له يضع بِنسًا أو بنسين أو ما يتيسر بكل سهولة من غير أن يتكلَّف وضع يده في جيبه وإخراج الدراهم منه، فإن ذلك يُضيع منه الزمان ويمنعه عن الإحسان. وأتذكر أني أول مرة رأيت الرجل واقفًا على قنطرة لوندرة ومعه هذا الصندوق لم أفهم الكلمة التي عليه، فوقفت أنظر هذا الأمر، ولما سألت من معي وعرفت سر المسألة فرحت كثيرًّا إذ تمكنت بذلك من الإيفاء بوعدي في رسالة فلورانسة.

ولكني ما لبثت أن تكدرت؛ لأني سمعت بعض المارين بجانبي يقولون عني إني أمين باشا (رجل خط الاستواء وهو الدكتور شنتيزر الألماني)، فقد ثارت فيَّ العواطف الوطنية والإحساسات القومية؛ لأني لا أرضى أن أشبَّه برجل مثل هذا الذي خان حكومتي وبلادي، وباع أو أعطى أملاكها في خط الاستواء لدولته الأصلية أو لغيرها بعد أن رقَّته حكومتنا السنية إلى مراتب العز والشرف، وَسهَّلت له سبيل الثروة واليسار وحسن السمعة والاشتهار، ثم تكلفت النفقات الطائلة (وهي في احتياج إليها) لإمداده وإنجاده وإنقاذه، فقابل ذلك المعروف وكل هذه المواساة بالنُّكران وفعل ما فعل قاتله الله (وقد فعل).

وبالأسف أني بعد ذلك سمعت أُناسًا آخرين يقولون هذا القول عني، حينما يرون اسمرار وجهي واحمرار طربوشي.

ولقد تجولت في بعض مدائن الإنكليز — وسأتكلم عليها بالاختصار في الرسالة الآتية وأترك التطويل إلى الرحلة — ثم رجعت إلى هذه المدينة وكانت مدة مقامي فيها أولًا وثانيًا ثلاثة وثلاثين يومًا، ولم أشرع في السياحة إلا بعد أن ودعت صديقي الفاضل عثمان بك غالب، وكأنني ودعت معه نفسي أو أودعته روحي لشدة الألم الذي حصل لي من فراقه، ولكوني بقيت بعده وحيدًا (وما أردت أن أستعين بالتلامذة المصريين، حتى لا أشغلهم عن الدرس والتحصيل، وحتى أتعوَّد على السياحة بمفردي).

فمن أخلاق الإنكليز التي وقفت عليها في سياحتي في بعض مدائنهم المشهورة، أن الجراءة والإقدام فيهم أكثر منهما في أية أمة أخرى، فهم يقتحمون كل الأخطار التي تخطر على البال، وهم مخلوقون للسياحة والتجوال، ومتى خرج الواحد منهم من وطنه قاصدًا أي جهة وقابلته الصعوبة والمشقات والأهوال والأخطار، فلا يزيده ذلك إلا ثباتًا وإقدامًا وعنادًا؛ لأنه رسم خط سيره ولا يمكنه أن يعدله أو يرجع عنه، وإذا كتب في دفتر سياحته أنه في يوم كذا وساعة كذا يكون في المحل الفلاني، فإذا لم تصادفه منيته في الطريق، فلا شك أنه يكون فيه في الوقت المعين.

وإذا سافر لأقصى أقاصي الأرض فعل من غير ضجة ولا رجة ولا حيرة، وذلك عنده أسهل من السفر إلى القبة والمطرية لأهل القاهرة، وإلى الرمل لأهل الإسكندرية، وإنما هنالك سؤال وحيد لا يمكن أن ينساه وهذا هو: (هل أرجع من طريق الصين أو طريق أمريكا؟)

ولا بد لكل إنجليزي من أبناء البيوتات الكبيرة أن يكون عارفًا بقيادة المراكب والخيل والعربات، ويتعود من نعومة أظفاره على الرياضات الجسدية، فلا يعبأ بالمشي مسافة مائة ميل أو بالتجديف في الزورق من لوندرة إلى أكسفورد (٦٩ ميلًا)، وكثير منهم يذهبون من لوندرة إلى إيدمبورج عاصمة اسكتلنده سعيًا على الأقدام والمسافة (٤٠٤ أميال)، ومنهم من سار على أقدامه ٤٠٠ مرحلة في بلاد السويد، وهم يستمرون على المشي بهذه الكيفية حتى يصبحوا طاعنين في السن، وترى الشيوخ الهَرمين يمشون في الأرياف كل يوم خمسة أو ستة كيلومترات، ولا يمتنعون عن ذلك إلا إذا أصابهم مرض لا بد أن تعقبه الوفاة. ومعلوم أن غلادستون ما زال إلى الآن يقطع الأحطاب بنفسه، حتى لقد اتفق له في الشهر الماضي (أغسطس) أن بقرة نطحته وكادت تبقره، بينما كان مواظبًا على عادته في الغابة.

وفيهم كثير من الشيوخ يغتسلون بالماء البارد صباحًا ومساءً صيفًا وشتاءً، ولا يتناولون فطورهم إلا بعد مشي ثلاثة أو أربع أميال.

ويوجد بأكسفورد أستاذ جرت عادته أن يمضي المسامحة السنوية مع زوجته في قارب يقوم هو فيه بالتجديف، وهي بإمساك الدَّفَّة،٢ ويستمر على ذلك شهرًا أو شهرين في كل سنة، ومتى أقبل المساء نزل بأحد الخانات التي على ساحل النهر، وعند الصباح يأخذ منه المؤنة، ثم يستمر في تجواله، وقد ساح بهذه الكيفية على أغلب أنهار أوروبا.
وكثير منهم يذهبون على عجلة الأسلاك (السيكل Cycle) من إحدى عواصم أوروبا إلى الأخرى. وقد جرت عادة أغلب المتزوجين حديثًا بقضاء الشهر الأول، المعروف عند الإفرنج بهلال العسل، على ظهر هذه العجلة في الوديان والغابات والبراري والخلوات، متنقلين من قرية إلى أخرى بدون أن يكون مع الزوجين شخص ثالث يضايقهما.

وإذا سألت الواحد من هؤلاء الأقوام عن سؤال أجابك لحرصه على الوقت بنعم أو لا فقط، وفي النادر يجيبك بكلام قليل جدًّا، بحيث إنه لا يتخلى عن عمله الذي في يديه أو قراءة جريدته، وكذلك السائل يطرح السؤال ثم يوالي عمله. وفي المكاتب الخاصة بالإدارات العمومية أو بالشركات ترى هذا الإعلام: (الرجا منك أن لا تتكلم إلا فيما يختص بالأشغال.) وفي الكتبخانات والمحلات العمومية ترى كلمة (صه) أو (الكلام ممنوع) مطبوعة في كل جهة، وترى طريق الدخول وطريق الخروج واضحًا في كل المحطات، وما أشبهها من المحال العمومية وبجانبه أصبع يشير إلى الطريق.

وما أصدق الذي قال إن الإنكليز لا يشبهون أية أمة أخرى، ولكنهم كلهم متشابهون متجانسون على منوال واحد وطراز واحد، وهم يتحاشون القول الهراء بكل ما في وسعهم، فيعبرون عن الزنا بقولهم (مسامرة جنائية)، ويستبدلون هذه الجملة (ممنوع إلقاء القاذورات وممنوع التبول إلخ) بهذه (لا ترتكب أي إتلاف)، ويسمون المبولة والمرتفق (مغسلًا)؛ ولأجل تأييد هذه التسمية يضعون طستًا لغسيل الوجه وفرشًا لتنظيف الشعر والملابس؛ ولذلك يقول الرجل منهم (إني أريد أن أغسل يدي) بدلًا من قولنا (أنا رايح زي الناس أو رايح أزيل ضرورة أو أنقض أو أفك وضوئي)، ولا يقولون عن المرأة إنها حُبْلى، بل إنها (في طريق العائلة) أو (في حالة تستدعي الاهتمام)، وهم يتحاشون المزاح بالمرة أمام النساء، وفي بعض المباول العمومية يكتبون هذا الإعلام: (أصلح ملابسك وبنطلونك قبل الخروج) وهكذا.

وفيهم ثقة تامة يعجب بها الغريب حتى في الأعمال والتجارة. والصدق فيهم منتشر جدًّا، فيكتفي الرجل منهم عند الزواج بأن يُعلن عن سِنِّه وأنه عَزَب أو لم يتزوج، ولا يبرز أوراقًا لتأييد أقواله، وإذا كذب الواحد منهم مرة في الأمور القضائية حوكم كمن يحنث في يمينه أو يخون عهده، وإذا كذب عند أحد الأفراد طرد في الحال. ومن ثقتهم أن عمال الجمرك يسألون القادم عما معه من الأشياء الخاضعة للرسوم ويعتمدون قوله، فإذا ظهر كذبه صودرت الأشياء المضروبة عليها الرسوم الجمركية لجانب الحكومة، وألزم الكذاب بدفع قيمة الرسوم ثلاثة أضعاف.

ومتى اصطحب شاب بفتاة كان له أن يُعرفها بأصحابه، وينفرد بها في الفسحة والنزهة والمراقص والتياترات والخلوات وغير ذلك، وقد يبقى عقد الخطبة بينهما سنين طوالًا إلى أن يتيسر للشاب القيام بما يلزم من المصروف، ومتى حصلت المفاتحة في الخِطبة فلا يجوز لأحدهما أن يعدل عن الزواج إلا برضا الآخر، فلو عدل الشاب طالبته الفتاة وأهلها بالعطل والإضرار، وأبرزوا في الجلسة المخاطبات والمكاتبات التي تبادلها المحبان، وتعترف الفتاة أمام المحكمة بالأقسام التي أغلظها لها بالبقاء على حبها وبغير ذلك، وإذا كان العدول من طرف المخطوبة لا يتأخر الفتى في إقامة القضية واكتساب مبلغ وافر من المال في نظير العطل والإضرار، ولا يُنظر إلى أحدهما في هذه الحالة بعين السخط والاستهزاء، بل يرى القوم فعله أمرًا طبيعيًّا أو حقًّا مكتسبًا أو واجبًا لا بد من قضائه.

وللإنكليز تمسُّك شديد بعاداتهم وتقاليدهم يشبه محبتهم للغتهم، وتفضيلهم لها على ما عداها، حتى إنهم يحتقرون الغريب الذي يزورهم أو يتوجه إلى التياترو أو يجلس في الفندق على مائدة الأضياف بغير الملابس السوداء الرسمية المعتبرة عندهم في ليالي الاحتفالات، وأغلب النساء في البيوتات الكبيرة يتكلمن بالفرنساوية جيدًا. ومن عاداتهم أنهن يقمن عن المائدة بعد تمام الأكل، ويبقى الرجال وحدهم لشرب الدخان وغيره والمسامرة والمحادثة، ثم يتقابل الكل في قاعات الاستقبال أو غيرها. وفي النساء لدى التكلم خِفة في الحركة وشَمَم وجراءة وإقدام، ولولا أني وعدت بعدم الرجوع لهذا الموضوع لشرحت الحال وأطلت المقال، وحسبي أن أقول إن الذي يحكم عليهن بحسب العينات التي يراها في مصر يعترف بأنه أخطأ وجازف متى جاء هذه البلاد. ومن الغرابة أن الواحدة منهن متى كانت جميلة فليس لها مثيل على وجه الأرض، ومتى كانت قبيحة فلا يضارعها في السماجة إنسان؛ وذلك لأن الوسط غير موجود في بلادهم في كل الأمور.

ومما ينبغي تنبيه الغريب إليه أن لا ينفرد بالجلوس مع أية امرأة كانت في غرفة من عربات السكة الحديدية، مهما ظهرت له في مظاهر الاحتشام والوقار والنبل والكمال، فلقد تجمع كثير منهن (كما تجمع الرجال واشتركوا في التجارة والصناعة)، واتفقن على جعل القطارات ميدانًا لأعمالهن، فمنهن النصابات المحتالات النشالات الطرارات، ومنهن التي تطالب بمبلغ عظيم وتهدد صاحبها بأنه إن لم يؤدِّ هذه الجزية عن يَد وهو من الصاغرين بلَّغت رجال الشرطة عنه في المحطة التالية بأنه فاتحها بما يخل بالآداب وغير ذلك، ومنهن المتدينات المترهبات اللاتي يلازمن الرجل بدعوى أنهن يخلِّصن روحه، ويهدينه إلى الصراط المستقيم صراط الذين اتبعوا المذهب البروتستانتي، ثم تأخذ في إيراد الدلائل والبراهين لإقناعه بوجوب الدخول فيه. وفي هذا القدر كفاية الآن.

واعلم أن مباني لوندرة كلها على طراز واحد ومثال متشابه ومنوال متجانس، وكلها متسربلة بملابس الحداد كأن أهلها يرون مثل بني العباس أن (النور في السواد)، ويظهر للمتأمل فيها أنها مبنية بالطوب الأحمر، ولا تزيد عن الدورين إلا في النادر، ولكنها متى تعدت هذا العدد أو تجاوزت النموذج المُتبع عندهم في البناء فيكون ذلك للطرف الآخر مرة واحدة، فقد شاهدت بعض الدور فيها ثلاث عشرة طبقة، ورأيت من جمال بعض المنازل والقصور ما جعلني أحكم بأني في إحدى مدائن إيطاليا بعيدًا عن لوندرة بمراحل وكيلومترات. ومثال ذلك كنيسة ماربولس تتراءى على مسافة ٢٠٠٠٠ متر مما حولها، وفي كل المباني طبقة تحت الأرض يستخدمونها للطبيخ والغسيل والتخزين، وما أشبه من اللوازم المنزلية، حتى لا يكون ذلك بجانب المساكن، بل إن النزول إلى هذه الطبقات يكون من سلم على برزوق الطريق، فلا يدخل الفحَّام أو الجزار أو الخباز أو الخُضَري أو غيرهم من المتعهدين بالتوريد في المساكن مطلقًا، ودبروا النور والهواء في تلك الطبقات الأرضية بما يجعلها موافقة للصحة، ورأيت في بعضها قاعات للجلوس وغرفًا للاستقبال في غاية الزخرفة والجمال، بحيث إنها تروق في عين الإنسان وتستميله إلى إطالة الجلوس فيها.

أما المساكن فإن منظرها من الخارج عادي حقير، ولكنه من الداخل محفوظ بالتأنُّق وله من التزويق رونق يأخذ بالأبصار، فترى فيها المفروشات الثمينة والطُّرف والتحف التي لا تقدر قيمتها، وترى الكراسي والمقاعد مختلفة الأصناف والأشكال، وترى الأمتعة والمرائي في جميع النواحي مرتبة بذوق وحذق قد تجرد منهما خارج المنزل بالمرة، وهذا أيضًا من باب التناقض.

وأما طبخهم فعادب (تافه) وفي غاية البساطة، فكأنهم لا يزالون على الفِطرةَ؛ لأن الأشكال التي يعرفونها قليلة العدد، وليس لهم من تنويع أو تعديل، بل ما زالوا سائرين فيها على سُنة آبائهم الأولين، ولكنها كلها — والحق يقال — صحية نظيفة، وقد فاقوا الأمم جميعًا في اصطناع الروزبيف، فإنك ترى كتلة من اللحم تزن ثلاثين أو أربعين رطلًا وكلها مسواة بالسواء من الداخل والخارج ومن جميع الجوانب، وهم لا يضعون الملح في الخبز أيضًا.

أما الفنادق الكبيرة وأغنياء القوم، فيستخدمون طباخين فرنساويين، حتى إنهم يضطرون (مع شدة محبتهم للغتهم) لكتابة وفهم أسماء الألوان بالفرنساوية، ولقد أحسن فولتير حيث قال: (إن الناس في بلاد الإنكليز يعبدون الله على خمسين نوعًا، ولكنهم لا يهيئون البقري والضاني إلا على نوع واحد.)

أما نمر المنازل في الشوارع والحارات فليست منتظمة كما في مصر بطريقة الشفع والوتر، بل قد ترى الجانب الأيمن مبتدئًا بعدد ١ ثم ٢ ﻓ ٣ وهكذا، حتى إذا انتهى الشارع بعدد ما رجعوا بالعدد الذي يليه من نهاية الجانب الأيسر، فيكون أول الشارع فيه أول أعداد المنازل من جهة اليمين وآخرها من جهة الشمال، وفي القليل منها قد اتبع القوم طريقة الترتيب الحسنى المتعارفة في مصر وغيرها من ديار أوروبا.

وفي جميع المحاط والمتاحف والآثار العمومية والأسواق المهمة والميادين التي بين الشوارع ترى مرتفقات ومباول عمومية، بعضها خاص بالنساء والباقي للرجال، وكلها في غاية النظافة ونهاية الاستعداد، وتضاء بالليل بالكهربائية، وفيها الماء مُتساقط بإحكام على الدوام من أحواض قد ترى في بعضها الأسماك المختلفة الألوان؛ يُربيها الحارس في هذه البحيرة التي يتجدد ماؤها في كل لحظة، وكثير من هذه المرتفقات متسع جدًّا، ويُنزل إليها بدرج لأنها تحت الأرض (إذ لا فضاء لها فوقها في هذه المدينة الجسيمة كلها)، وإذا اضطر أحد لقضاء الحاجة ولم يجد المرتفق قريبًا منه، فله أن يدخل في أي دكان فطاطري ويدفع بنسًا واحدًا (٤ مليمات) للخادم.

وقد سبق لي ذكر الستي (المدينة) وسهوت أن أقول إنها مركز الصناعة والتجارة لا للوندرة وحدها بل للعالم أجمع، تتوارد إليها كنوز الثروة من جميع أقطار الأرض، وتديرها هي كيف شاءت وترسلها أينما أرادت، ومَن نظر إلى جوها تصور أن رتيلاء هائلة جاءت ونسجت خيوطها، وأرسلتها في جميع أطرافها، فإن الأسلاك التلفونية والتلغرافية التي فيها عدُّها أعسر من إحصاء قطرات الأمطار.

ومما يدلك على أن الحركة في هذه الجهة من لوندرة قد وصلت إلى نهايات التصور أن الرسائل الواردة عن طريق البوستة توزع فيها في كل ساعة من ساعات النهار، وأن عدد المكاتيب التي ترد إليها في كل صباح يزيد عن الألف ألف (وهناك مخزن واحد يرد له في اليوم أكثر من ثلاثة آلاف رسالة)، وعدد سكان الستي المقيمين بها ٣٧٦٩٤ نفسًا، ولكنها في ساعات الأشغال تتوافد إليها الخلائق من كل فَج عميق حتى يبلغ عدد الذين بها طول النهار أكثر من ٣٠١٣٨٥، منهم ٢٩٥٢٠ رئيس بيوت تجارية و٢٠٢٢١٥ مستخدمًا و٥٠٤١٦ مستخدمة و١٩٢٣٥ غلامًا لا يزيد سنهم عن ١٥ سنة، وقد حسبوا أن في ٢٤ ساعة (في يوم ٢٧ أبريل سنة ١٨٩١) دخل إلى حدود الستي ١١٨٦٠٩٤ شخصًا و٩٢٣٧٢ عربة مختلفة الأنواع.

ومتى أقبل الليل رجعت هذه الخلائق كلها وتركت الستي قاعًا صفصفًا، حتى إذا انشق النهار رأيت هذه الأقوام تنهال عليها من كل جانب بمئات الألوف كالسيل المنهمر، فهي أشبه بالبحر يحدث فيه المد والجزر.

ومما يدل على أن روح التجارة مجموعة في العاصمة الإنكليزية أن الرسائل التي توزعها البوستة في لوندرة وحدها تزيد عن ربع مجموع الرسائل التي برسم بريطانيا العظمى كلها، بل إن بلاد اسكتلندة (Scotland) (وتعرف عند العرب باسم سقوسية) بأجمعها لا يرد لها من الرسائل نصف ما يرد للوندرة، كما أن إيرلندة (وتسمى كذلك في كتب العرب القديمة) بسائر مدائنها ومعاملها ومتاجرها البحرية لا يرد لها الثلث من هذا القدر.

فكيف لا تنهال جداول الثروة على هؤلاء القوم العاملين الذين يعرفون حقيقة قيمة الوقت، حتى إن الرجل منهم إذا تفكر في أي أمر من التسهيل والتيسير، وثابر عليه بقليل من الثبات، وساعده حسن جده، لا يلبث أن يصير من أغنيائهم وأشرافهم ونبلائهم.

مثال ذلك: رجل كان يصطنع البيرة (الجعة) واسمه (باس)، فأتقن عملها وتفنن في طرق التعريف بها، حتى إنه وصل الآن إلى ثروة لا يمكن تقديرها إلا لمن يعلم أنه اشترى الدار التي كان يسكنها اللورد بيكونسفلد وزير إنجلترا الشهير، ثم فرشها بالمتاع الفاخر، وبلغت نفقات الفرش وحده ٦٥ ألف جنيه تقريبًا، من ذلك لوحتان فيهما بعض الصور والمناظر بستة عشر ألف جنيه، ولما وصل إلى ما وصل من اليسار توصل إلى أن صار من اللوردات الكبار (اللورد بِربون)، وعنده الآن سبعة آلاف عامل وله إيرادات كثيرة، ودخله من الجعة وحدها بين ٣٠٠ ألف و٤٠٠ ألف جنيه في السنة الواحدة، ومرتب مدير الإدارة عنده هو ٥ آلاف جنيه إنكليزي في السنة.

ومثله: كوك المشهور، وتاريخه معلوم في مصر. وقد أصبح لبيته الآن أقلام ومكاتب في كافة البلاد المتمدنة، بل إن له في لوندرة وحدها نحوًا من ثمانية مكاتب، وكلها تشبه بل تفوق المصالح المنتظمة المشهود لها بالإجادة. ومما يدل على انتظام إدارته وتيقظ عماله لراحة معامليه أنهم أطلعوني في لوندرة على ترجمة شكواي من وكلائهم في برندزي، أرسلها لهم وكيلهم في القاهرة نقلًا عن رسالتي الأولى، واستفهموا مني عن اللازم، ووعدوني بمعاقبة المقصرين حتى لا يعودوا للإخلال بواجباتهم، وسأفرد للكلام عليه في الرحلة فصلًا إن شاء الله.

ومثله: رجلان اسمهما (سبيرز وبوند) قد التزما بأن ينشئا في جميع محاط لوندرة وبريطانيا العظمى سُكُردانات٣ للآكلين والشاربين من المترددين على القطارات، فراجت تجارتهما وربحت أعمالهما، حتى تعديا هذا النوع إلى غيره فأنشآ دكاكين بدَّالين (بقالين) وخياطين وغير ذلك، وعندهما من النساء المستخدمات نحو الخمسمائة امرأة.
ومثلهما كثير غيرهما اتبعوا طريق الجد في أعمالهم، ففازوا وصاروا من أهل الثروة، وأقبلت عليهم الخلائق، وأقرت لهم بالفصاحة والأصالة، وصار لهم في النفوس مهابة وجلال، حتى إن كثيرًا من المحُدثين بهذه الصفة أصبحوا أعضاء في البرلمان بالنيابة عن بعض المقاطعات، بل عن بعض المدارس الجامعة، وهم كثيرون لا أريد أن أطيل الرسالة بذكرهم، ولكني لا أرى مندوحة عن (هويتلي) الكلام على رجل اسمه Whitely.

هذا الرجل كان في مبدأ أمره من طائفة المتسببين ببيع بعض الأصناف على عربة يدفعها بيده أو يقف بها بجانب البرزوق، فأصبح الآن وهو صاحب مخازن واسعة في لوندرة لا يضاهيها غيرها في كل البلاد التي رأيتها. ولقد علمت أنها فريدة في العالم بأجمعه، ولما دخلت هذه المخازن حِرت واندهشت، وضللت عن الطريق لتشعب مسالكها وتنوع الأصناف فيها، فإنك تجد عنده كل ما يحتاجه الإنسان من أي طبقة كان، من يوم مولده إلى يوم ملحده، من جميع الأصناف وكافة الأنواع من ملابس للجسم وللرأس ولليدين وللأقدام، داخلية وخارجية للرجال والأطفال والنساء والبنات، جاهزة أو مُفصلة بحسب الإرادة، ومن أقمشة لجميع أصناف الناس للملكية والعسكرية البرية والبحرية، ومن حرائر ومنسوجات مختلفة متعدد متنوعة، ومن روائح وأعطار، ومن بضائع أجنبية من جميع أقطار الدنيا من مصاغات ومجوهرات مختلفة الأقدار والأحجام والأثمان، ومن مشغولات الحديد وكافة المعادن على الإطلاق، ومن أخشاب وأحطاب، ومن كتب وورق وما يقتضيه ذلك من جميع الأنواع، ومن فواكه طرية وناشفة وخضراوات جافة ورطبة جَنيَّة، ومن لحوم الحيوانات والصيد، ومن حيوانات حية وأطيار وأسماك، بل تجد عنده الفحم الحجري، بل الكبريت، بل كل ما يتصوره الإنسان يجده في هذه الدكان وعليَّ الضمان.

ذهب إليه في أحد الأيام رجل من اللوردات، وأراد أن يربكه ويضحك عليه فقال له: إني أريد فيلًا أبيض (ومعلوم أنه من الندرة بمكان)، فتلقاه الرجل بكل هدوء وسكينة واستوصفه الفيل اللازم، وساومه الثمن وأخذ عنوانه، ثم قال له: أَضرب لك موعدًا بعد ثلاثة شهور يحضر مطلوبك! فلم يمضِ الأجل المعين حتى جاء إلى صاحبنا اللورد كتاب في البوستة يُعلمه بوصول الفيل حائزًا لكافة الشرائط المطلوبة والأوصاف المرغوبة، وأن هويتلي مستعد لإرساله إليه في المكان الذي يُعَيِّنه. وبلغني أن عدد الفتيات المستخدمات في مخازنه يقارب الخمسة آلاف وأمثال هؤلاء كثيرون.

فلا يعجب الإنسان حينئذ إذا اضطر القوم للاستعمار والاجتهاد في جلب الذهب إلى بلادهم من كافة أقطار الأرض، حتى صارت مدينتهم سوق العالم كله، وأصبح كثير منهم يكتسبون في الدقيقة الواحدة خمسة أو عشرة جنيهات أو أكثر، ومنهم مَن إيراده السنوي يعتبر في بلاد أخرى رأس مال عظيم جدًّا، ومنهم (دوك اف فُونشَيَر)، يملك من الأراضي فقط ما قيمته ثمانية آلاف ألف جنيه، ومع ذلك فإن ثروته هذه ليست شيئًا يذكر بجانب (دوك وستمنستر) التي لم يتيسر حصرها للآن.

وبهذه المناسبة أقول إن الباحث المدقق لا يرى في أي نقطة في الكون منظرًا أبشع ومشهدًا أشنع من الفقر الذي أناخ بَكلكَلِه على جانب عظيم من سكان لوندرة، فإن ذلك المنظر يوجب لوعة وألمًا لا يضاهيهما شيء من الأحزان لقربه من تلك الثروة الطائلة، وتلك النعمة الكاملة الآخذة في النماء والازدياد، بقدر اشتداد وطأة الفاقة وتناهي الإعسار، فهلا يرى الناظر بعد ذلك أن هذه المدينة قد تفرَّدت بالجمع بين الأطراف، وانعدم فيها الوسط في كل أمر من أمور الحياة، حتى لقد صدق شاعرهم شيلي إذ قال ما معناه:

إن جهنم المستعرة
أشبه بمدينة لوندرة

هوامش

(١) البرزرق يقابل كلمة التروتوار الفرنساوية (Trottoir) الشائعة الآن. راجع شرح القاموس ولسان العرب في ترجمة ب رزق تجد أن معناه القسم من الطريق العام المخصص على جانبيه للسائرين على الأقدام، وأما كلمة إفريز التي استعملت تحاشيًا من كلمة تروتوار (أوتل توار بحسب نطق العوام)، فهي في غير موضعها؛ لأنها فارسية معربة ومعناها في كتب اللغة الجزء البارز من أطراف أعالي البناء، فيقابلها لفظ كرنيش المعرب عن الفرنساوية ومنها قول: الفرنساويين (Frise) بمعناه.
(٢) الدفة لفظة مولدة وتسمى في العربية «السُّكَّان»، قال في تاج العروس: والسكان كرمان … ذنب السفينة عربي صحيح. وقال أبو عبيد: هي الخيزرانة والكوثل (مؤخر السفينة أو سكانها). وقال الأزهري: ما نسكن به السفينة وتمنع به من الحركة والاضطراب. وقال الليث: ما به تعدل، وأنشد لطرفة:
كسكان بُوصيٍّ بدجلة مصعد
(والبوصيُّ ضرب من السفن، وهو الزورق معرب بوزي.)
(٣) يؤخذ من كلام شفاء الغليل أن السكردان لفظ فارسي معرب، ومن شرحه له يستفاد أنه يقابله في اللغة الإفرنكية كلمة بوفيه (Buffet) المستعملة الآن في اللغة العربية، وحينئذ فالرجوع إلى السكردان أولى؛ لأنه يدل على الخزانة يحفظ فيها المأكول والمشروب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠