٢٢ أكتوبر

استيقظت اليوم متأخرًا؛ فقد سهرت أكثر الليل في التهام الأوراق المتأخرة؛ إذ بعد أسبوع تبدأ السنة القضائية الجديدة. ومعنى هذا أنه لا ينبغي أن تبقى عندي قضية واحدة لم يتم التصرف فيها من قضايا العام المنصرم. ومعنى هذا أيضًا أنه يجب أن أحبس نفسي طول هذا الأسبوع؛ حتى أنظر في المتأخر من أكداس «الشكاوى» التي فاضت بها خزائني. آه من هذه الشكاوى! إنها أكثر عددًا من ذلك «البَق» الزاحف جيوشًا على حائط دار النيابة الرطب المتهدم! يُخيل إليَّ أن الشكاوى لا تنزل على رأسي كالوابل إلا أيام الأسواق، كأن الفلاح إنما يخرج إلى سوق الخميس من كل أسبوع يبيع كيلة ذرة ليشتري قليلًا من السكر والشاي، ويملأ زجاجة «السيرج»، ويستكتب أحد الكتبة العمومية «بلاغًا» أو «عريضة» ضد مأذون الناحية أو العمدة أو وكيل شيخ الخفر. ولعل هذا أصبح بندًا ثابتًا في ميزانية كل خارج إلى السوق من هؤلاء الفلاحين. لست أدري لذلك من سبب. أهو الظلم حقًّا؟! أم هو داء الشكوى استوطن دم الفلاح على مدى أحقاب من الجور مرت به حقيقة؟! على أي حال، ما ذنبي أن أجرع ما في هذه الأوراق من سخف؟ يظهر أن حضور جلسات المحاكم، وضبط قضايا التلبس في النهار، وقيد وارد الجُنح والمخالفات في المساء، والانتقال لتحقيق وقائع الجنايات بالليل، كل هذا لا يكفي وكيل النيابة في الأرياف؛ فهو ما زال يجد وقتًا يتنفس فيه. فلتسد عليه إذَن مسالك الهواء بأكوام الأوراق التافهة الآتية من المركز باسم «الشكاوى» و«العوارض» و«الأحوال». ومعنى هذا أيضًا أني أنا الشخص الضعيف الجسم والبنية، الدقيق الحس والشعور، الذي يتوق إلى نصف الساعة يفرغ فيها إلى مطالعة كتاب جميل، ينبغي لي أن أقرأ أيضًا ما جرى بين «ست الدار» وجارتها «قطايف» من تبادل «الردح» والسباب، وما تلقاه المركز من بلاغات فقْد الأختام، و«محاضر» البحث الجاري عن جحش هرب من أمام الباب، وإصابة قدم طفل داس على قطعة زجاج، وسقوط فرع جميزة على رأس كبش الحاج هباب! إني والله لأعذر ذلك النائب في الصعيد الذي قيل إنه كان يعبر النيل في قارب للوصول إلى مقر عمله، وكان معه حمل من هذه «الشكاوى» حار في أمره، فأومأ إلى صاحب القارب، فمال بقاربه على أحد جنبيه ميلًا أسقط «الشكاوى» في الماء! ويزيد في بلائي أكثر من هذا إلحاح عبد المقصود أفندي رئيس القلم الجنائي. فهو المنوط بإرسال «كشوف» القضايا في مواعيدها إلى النائب العام ووزارة الحقانية. هذا الرجل لا أرى له عملًا عندي غير التنقل بين الحجرات حاملًا في يده ورقة يأمر هنا وينهى هناك. حتى عملية «التنفيذ» التي من نصيبه قد ألقى بعبئها على غيره من مرءوسيه، واكتفى هو ﺑ «مهمة» الصياح في الكتبة والحُجَّاب. وهو أول مَن ينصرف من الموظفين واضعًا على طرف أنفه عويناته الذهبية، يرسل من خلالها نظرات صريحة إلى المجتمعين في أروقة دار النيابة من وكلاء المحامين وأرباب القضايا كأنما يستحثهم على الوقوف له. ولا حديث عنده إلا ذكر علاقاته وصلاته بكبار الموظفين، يقول ذلك في زهو وانتفاخ. ولطالما طلبت إليه حسابًا عن عمله فيجيبني دائمًا: أنا، ولله الحمد، لا أميل إلى الأُبهة ولا إلى الفخفخة!

تُراني سألته في ذلك؟ لم يحدث قط. يُخيل إليَّ أن من الناس مَن يلقي الكلمة يدفع بها عن نفسه، فإذا فيها الاتهام الصارخ. ولعل كلًّا منهم يحمل في طيات كلامه دليل إجرامه، كما يحمل المريض في دمه جراثيم دائه!

لا بد إذَن من العمل المضني حتى تختم السنة القضائية على خير، وقد أمرت بإغلاق أبوابي عليَّ؛ حتى أنفرد لهذه الملفات أتصرف فيها باليمين والشمال، ومضيت أعمل وأنا أقول: «خد من التل يختل!» ولكن الذي وضع هذا المثل كان يقصد بالتل النقود والذهب. أما أوراقي (الشكاوى) فهي تل دائم النمو، لا يختل ولا يزول.

وهل تنقطع للإنسان «شكوى» على هذه الأرض ما دام هو إنسانًا؟! ونسيت نفسي في العمل، فلم أسمع إلا طرقة خفيفة قيل إنها وقعت على الباب، ولكني رأيت رجلًا أنيقًا في وسط الحجرة يبتسم لي، وخلفه حاجب يحمل حقيبتين. عجبًا! هذا زميلي وكيل نيابة طنطا! ماذا أتى به؟ وما هذه الحقائب؟ ولم يترك لي زميلي وقتًا للتساؤل، فقد أشار إلى حاجبه أن يضع الحقيبتين على الأرض وينصرف. وما إن صرنا وحدنا حتى جثا على قدميه أمامي في حركة تمثيلية، وقال: أنا وقعت من السما وانت تلقفتني!

فنظرت إلى يديَّ الهزيلتين ثم إلى جسمه الممتلئ: أنا تلقفتك؟ ونزلت «صاغ» سليم!

– اسمع! الموضوع جد. أنت رجل معروف بيننا جميعًا أنك صاحب همة ومروءة و…

هنا لعب في «عبِّي الفار»، وأدركت أن هذا الزميل قد ترك مقر عمله طنطا في هذا الوقت العصيب؛ وقت مولد السيد البدوي وما يتبعه من ازدحام المدينة بأفواج الوافدين، وكثرة الحوادث، والوقائع التي تصحب عادة كل مولد وكل ازدحام. ترك ذلك وأتى إليَّ يطلب، ولا شك، إلى همتي ومروءتي معونة كبرى! تُرى ما نوع هذه المعونة؟ وخامرني قلق، وأردت أن أعرف سريعًا ما يريد مني حتى أطمئن؛ فقلت: أنا في خدمتك!

فما كاد يسمع هذه الكلمة المشجعة حتى قام إلى رأسي يقبله، ويقول في صوت كصوت «الشحاذين»: ربنا يخليك ويبقيك ويمد في عمرك و…

ثم تركني وأسرع إلى حقائبه وقال لي: تسمح؟

فقلت له وقد حمدت له في نفسي ذوقه ومراعاته اللياقة في الزيارة: والله ما كان فيه لزوم تكلف نفسك هدية.

وفتح إحدى الحقيبتين، وأنا أتوقع أن أرى فيها على الأقل حمصًا من حمص السيد البدوي، وفي الأخرى حلاوة المولد، ولكنه أخرج أحمالًا من أوراق «الشكاوى» ووضعها على مكتبي وهو يقول في تواضع: هديتنا على قدنا.

فنظرت إلى الأوراق في روع وتمتمت: أعوذ بالله!

وجعل هذا الضيف يخرج الأكداس تلو الأكداس وهو يقول: النبي قبل الهدية!

فلم أجد ما أقول لهذا الإنسان الذي يصر على أن يسمي هذه «السخرة» هدية، ولعنت في نفسي قولهم إن «النيابة لا تتجزأ». هذا المبدأ الذي نسير عليه، وهذا النظام الذي يفرض التضامن بين كل أعضاء النيابة، ويعطي الحق لوكيل نيابة أسوان أن يتصرف في قضايا وكيل نيابة الإسكندرية دون أن يبطل تصرفه اختصاص مكاني أو زمني. لعنت ذلك ولعنت الضيف ولعنت نفسي؛ إذ إنَّ لي حقيقة من سوء حظي صيتًا بين زملائي بأني من أصحاب الهمم، خصوصًا في الشكاوى الإدارية وسرعة التصرف فيها. وقد نقل عني الكثير من إخواني أعضاء النيابة طريقتي في قراءة الشكاوى. فهم يقولون إني أقرأ الشكوى من آخرها لا من أولها، وهذا صحيح، فأنا لست مجنونًا حتى أقرأ الأوراق من أولها كما يقرأ الناس والعقلاء! لو فعلت ذلك لما انتهيت. ولكني أضرب صفحًا عن الديباجة وما فيها من «أنتم يا ملاذ العدل، ويا نصير الحق، ويا مبيد دولة الظلم، ويا ماحق … إلخ إلخ»، وأنظر في الحال إلى السطر الأخير؛ ففيه عادة لب الموضوع. وهذا اللب أيضًا قلَّما أجده لبًّا، وكثيرًا ما يجري قلمي بالكنس، أي «بالحفظ» في سرعة وجرأة وهمة أطمعت فيَّ الزملاء الموروطين الغارقين في بحار هذا «الواغش»، ولكني اليوم آخر مَن يعين الناس. إني أنا نفسي في حاجة إلى المعونة. وإن هبوط هذا «الضيف» عليَّ كما تهبط المصيبة لأمر شاق على النفس. ولم أتمالك، وتجهمت للشكاوى الخارجة من الحقائب، وقلت في سخرية المغيظ: يا سلام، يا سلام على حمص الموالد! حاجة تشرح القلب صحيح.

فقال الضيف وهو ينفض يديه من آخر ملف: كان غرضي أجيب لك شوية حلاوة.

فقاطعته صائحًا مرتاعًا: من الصنف ده؟!

فاستمر في قوله باسمًا: لكن والله غاب عن فكري في آخر لحظة.

– الحمد لله جات سليمة!

فضحك الزميل المحترم. وجاءت القهوة، فشرب هنيئًا، ثم قام فدار دورة في الحجرة، واقترب من النافذة كعادته التي أعرفها عنه، وأطلق بصره فيما حولنا من منازل قليلة وغمز بعينه.

– في البيت ده بنت حلوة!

فبادرت إليه وجذبته من ذراعه بعيدًا وأنا أقول له: كنت فاكرك عقلت وبطلت الهلس!

فقال، باسمًا، وهو يعود إلى الحجرة ويجلس على مقعد: أبطل ازاي؟! «البصبصة» في دمي!

وجعل يذكرني بأيام «ديروط»، حيث كنا نعمل معًا في نيابتها، وطلب مني سيجارة طفق يدخنها ويقول: فاكر في ديروط لما كنا نقف في الشبابيك نبحث بعيننا فوق الأسطح عن قميص حريمي مشغول ﺑ «التنتنة» لأجل بس نطمئن على وجود صنف النسوان في البلد؟!

الواقع أنها بلاد قريبة من الفطرة والوحشية! هذا الوجه القبلي من مصر شيء مخيف لساكن الوجه البحري، إن المرأة هناك شبح لا يُرى ولا ينبغي أن يُرَى. وهي مخلوق جاف لا فرق بينها هناك وبين الرجل. كلاهما شيء لا أثر للرقة فيه. وكلاهما في الجسم والطبع والروح كتلك الأرض السوداء التي يعيشان عليها، وقد جف عنها النيل في زمن التحاريق! آدميون قد جفَّ عن تركيبهم ذلك الماء الذي فيه سر امتياز الآدميين.

ونفخ صاحبي الدخان من أنفه وفمه ثم استطرد: لعنة الله على دي بلد! أنا أراهن أن تسعة أعشار أهالي ديروط لو تكشف رءوسهم تلقى معمول لهم جميعًا عمليات «طربنة» من ضربهم في بعض بالنبابيت.

فصادقت برأسي على قوله، ثم زدت: وأبنوب؟

– ألعن!

قالها في إشارة من يده أضحكتني، وذكَّرتني بشيء قرأته عن هذه البلدة؛ إحصائية صدرت في أوروبا أو أمريكا (لست أذكر على التحقيق) غرضها بيان الإجرام في العالم؛ ورد فيها أن «شيكاجو» أكثر بلاد الأرض في عدد جرائمها، وتليها مباشرة «أبنوب»، وبعدهما بقية مدن العالم الشهيرة. وقد أحسست وقتئذٍ أن «أبنوب» هذه مدينة في أمريكا، لولا ملحوظة في هامش الإحصائية ذكرت أنها من بلاد الوجه القبلي بالقُطر المصري. دُهشت عند ذلك أن تكون لهذه البلدة الصغيرة هذا المقام العظيم بين مدن الدنيا الشهيرة، وإن كان هذا المقام في عالم الإجرام! «شيكاجو» و«أبنوب» قُطبا الغريزة السفلى على هذه الأرض. الأولى إجرام الحضارة! والثانية إجرام البداوة! كلٌّ له طابعه ومميزاته؛ إجرام الحضارة قد ارتدى هو أيضًا ثوب الحضارة بأسلحتها وأغراضها وأسبابها! هنالك الجريمة المتحضرة تخرج في سيارتها المصفحة حاملة «المسدسات» و«المتراليوزات» و«المفرقعات» لتهجم على أضخم «البنوك» وبيوت المال، ثم تعود إلى مكمنها بثروات طائلة من الجنيهات! وهنا الجريمة الفطرية تخرج متدثرة في عباءتها حاملة هراوتها أو فأسها أو بندقيتها لتسفك دم رجل ضعيف انتقامًا لعِرضٍ أُهين في نظر التقاليد والعادات. هنالك الثروة والمال، وهنا التقاليد والعادات. هذا هو الفرق بين الحضارة والفطرة بين ما يشغل بال الرجل المتحضر، وما يشغل بال الرجل المتأخر! نعم، إن الشر هو دائمًا الشر. ولكن الشر الناتج عن سبب كبير لَأَجدر بالتقدير من شر نشأ عن سبب تافه حقير! إن الحضارة العظيمة لا تزيل الشر ولا تمحو الجريمة، ولكنها توجِد الشر العظيم والجريمة العظيمة!

والتفتُّ إلى زميلي المُطرق، وقلت له: أنا روحي طلعت خلاص! زهقت من حاجة اسمها أرياف! زهقت من أصناف «البلد»!

– ازهق على كيفك!

– أنا اشتقت لمصر! نسيت شكل العاصمة بلادي، أحب يا ناس أغير نوع الجريمة، وأشتغل مع مجرمين لابسين سُترة وبنطلون!

– حركة التنقلات في نوفمبر.

– أظن عليَّ الدور أنتقل لمصر.

– النقل لمصر مش بالدور يا حبيبي. عندك واسطة؟

– لأ.

– حاتعيش وتموت في الأرياف.

– وإخواننا اللي قاعدين متمتعين في مصر بقى لهم سنين؟

– تشملهم كذلك حركة التنقلات، لكن على الوجه المفهوم وعلى الطريقة المعتادة؛ وكيل نيابة الموسكي يُنقل إلى نيابة الأزبكية، ووكيل شبرا إلى نيابة الخليفة، ووكيل السيدة زينب إلى كلية مصر؛ يعني تنقلات مع مراعاة عدم خروجهم من «الجنة» أي العاصمة. ومع ذلك تجد حضراتهم غير راضين؛ لأن بعضهم يقول لك: «شبرا! يا سلام شبرا بعيدة جدًّا جدًّا عن بيتي في الزمالك.» والآخر يقول لك: «إزاي أروح نيابة السيدة؟! حي ديمقراطي قوي!» أما حضرتك وحضرتي، فأنت، إن شاء الله، من هنا إلى «الفشن» ومن غير كلام، وأنا من طنطا إلى «طما» أو«منفلوط» من غير كلام، وإن فتح واحد منا فمه بالشكوى أو الاحتجاج هبُّوا فينا: «إيه دلع أعضاء النيابة ده! تفضلوا روحوا نياباتكم بلا دلع!»

فأطرقت طويلًا في حزنٍ وغم، ولم أجد في يدي غير التمسُّك بالصبر حتى لا أضيف على بلائي بلاءً، وقلت متنهدًا: أمرنا لله! لنا رب! لكن ده شيء يسد النفس عن الشغل!

لفظت ذلك لما وقعت عيني على أكوام الأوراق التي لا بدَّ من إنجاز التصرف فيها، فأحسست أن رغبتي في العمل قد فترت، فقال صديقي: الشغل هو آخر شيء يهم أسيادنا الرؤساء الكبار! المحسوبية أولًا، ومصلحة العمل أخيرًا، وكون نفس حضرتك تنسد أو تنفتح للشغل دي مسألة غير مفهومة بالمرة، ولا مُهمة بالمرة عند أسيادنا الكبار!

ونظر الزميل في ساعته، ثم نهض سريعًا مستأذنًا، فأمسكت به في لهفة، ففي وجودنا معًا وتقليب ذكرياتنا بعض الراحة والعزاء: اقعد! إنت رايح تتغدى عندي النهارده!

– مستحيل! نيابتي فاضية ووقت مولد. أرجوك تسامحني.

وشكر لي ومدَّ إليَّ يده، وودعني بسرعة وهو يقول مشيرًا إلى ملفات الشكاوى التي جاء بها: على الله نفسك تنفتح على الكَمْ ورقة الهدية، ويبقى لك عندي المرة الجاية الحلاوة، حلاوة بصحيح؛ حمصية وسمسمية بالجوز واللوز والفستق و…

– طيب رُح بقى، ريقي جري مقدمًا.

وشيعته، باسمًا، إلى باب حجرتي حتى اختفى، فرجعت إلى ما كنت فيه ولكن في شيء من التثاقل والضيق والكآبة، وألقيت نظرة أخرى على «الشكاوى»، ورأيت أن أمضي في عملي، وألَّا أضيع الوقت في تبرُّم لا فائدة منه، لا يشعر به أحد، ولا يراه أحد غير تلك الحيطان الأربعة التي تحبس روحي وأنفاسي. وأمسكت بالقلم، وتناولت من الكوم ملفًّا وفتحته وقرأت: «يا ملاذ العدل …» فما تمالكت أن ضحكت بصوت مرتفع ضحكةً مُرَّة .. أنا ملاذ العدل؟ أين هو العدل؟ إني لا أعرفه ولم أره. لأن أحدًا لم يُعطنيه! إنهم يطلبون إليَّ أن أنظر في شكاوى الناس، ولا يتنازلون هم إلى النظر في شكوايَ وشكوى المئات من زملائي! وأجريت القلم في الأوراق أُوسِعها «حفظًا»! ودخل عليَّ عبد المقصود أفندي يحمل ملفات ضخمة، فقلت مرتاعًا: إيه كل ده!

– الجُنَح الباقية على التصرف.

ثم التفت خلفه ونادى الحاجب: هات الجنايات يا جدع!

ونظر إليَّ قائلًا: حانعمل إيه في الجنايات الباقية؟

ووضع أمامي ملفات قرأت على غلاف أحدها: قضية «قمر الدولة علوان». فتذكرت أن الفاعل في هذه القضية لم يُعرف .. لم يُعرف، طبعًا، لم يُعرف ولن يُعرف. وكيف يُراد منا أن نعرف متهمًا في قضية غامضة كهذه القضية، وكلٌّ من المأمور والبوليس «ملبوخ» من رأسه إلى قدمه في تزييف الانتخابات، وأنا «ملبوخ» في قراءة شكاوى وجنح ومخالفات وحضور جلسات؟! لو أن لدينا «بوليسًا سريًّا» على النظام الحديث، وقاضي «تحقيق» ينقطع لقضايا الجنايات كما هو الحال في أوروبا والعالم المتحضر! إنهم هناك ينظرون إلى أرواح الناس بعين الجِد، أما هنا فلا أحد يأخذ ذلك على سبيل الجِد، وإن الأموال لَتُنفق هنا بسخاء في التافه من الأمور، وأما إذا طلبت لإقامة العدل أو تحسين حال الشعب، فإنها تصبح عزيزة شحيحة تقبض عليها الأكف المرتجفة كأنها ستُلقى في البحر هباءً؛ ذلك أن «العدل» و«الشعب» … إلخ إلخ؛ كلمات لم يزل معناها غامضًا عن العقول في هذا البلد. كلمات كل مهمتها أن تُكتب على الورق وتُلقى في الخُطَب كغيرها من الألفاظ والصفات المعنوية التي لا يُحَس لها وجود حقيقي، فلماذا يُنتظر مني أنا أن آخذ على سبيل الجد روح «سي قمر الدولة علوان»؟! إن هذا المجني عليه قد مات وانتهى مثل غيره من مئات المجني عليهم في هذا المركز والمراكز الأخرى في القُطر، ذهب دمهم جميعًا أرخص من المداد الذي حُبِّرت به محاضر قضاياهم، وانتهى ذكرهم عندنا «رسميًّا» بذلك الإجراء الأخير البسيط: «تُحفظ القضية لعدم معرفة الفاعل، ويُكتب للمركز باستمرار البحث والتحرِّي.» فيجيب المركز بعبارة مألوفة محفوظة يحررها كاتب الضبط في حركة آلية وهو يقضم «شرش جزر»: «جارين البحث والتحري …» وهي كلمة الوداع التي تُقبر بها القضايا نهائيًّا. لقد كان في قضية قمر الدولة «قمر» مضيء ميَّز في أعيننا هذه القضية عن غيرها، وحبب إلينا العمل والجهد في سبيلها. ولقد اختفى هذا القمر إلى الأبد، وترك القضية ومحققها في الظلام! بل إنه بذهابه قد زال عنها ذلك الاعتبار الخاص، فأصبحت قضية عادية كمئات القضايا التي لا يعنينا من أمر أشخاصها شيء. وللقضية، أي لذلك «الملف» المادي من الورق المكتوب، «شخصية» قائمة بذاتها في نظر رجال العدل. وإن ما يعني جهاتنا الرئيسية هو ذلك «الملف» وسرعة التصرف فيه. وإنه لن يعيبنا شيء إذا حفظنا القضية، ولكن العيب، كل العيب، أن تظل هذه القضية باقية قيد التصرف، ويثبت ذلك في «الكشوف» المرسلة إلى النائب العام والوزارة آخر السنة القضائية. أيُّ عار عند ذلك وأيُّ إهمال يُنسبان إلى وكيل النيابة؟! وأيُّ مكاتبات مستعجلة تسقط على رأسه من جميع الجهات عن سبب بقاء هذه القضية قيد التصرف؟ فإذا أجاب بأنه لم يستوفِ بعدُ أبحاثه فيها للوصول إلى معرفة الفاعل، وأنه مواصلٌ بحثه ومُصر عليه؛ لا يعتبر ذلك عذرًا، وسفهه زملاؤه وحسبوه «غشيمًا»، ونصحوه بأن «يحفظ» القضية «مؤقتًا» حتى تعتبر «متصرَّفًا فيها»، فالجهات العليا يُهمها ويُطمئنها «التصرف» في القضايا، أي «نفض» اليد والفراغ منها على أي صورة وعلى أي وجه، حتى تستطيع تلك الجهات أن تدوِّن فيها الإحصائيات: «وقع في القُطر هذا العام عدد كذا جنايات، ثم التصرف في عدد كذا منها … إلخ.» وكلما كان عدد القضايا التي تم فيها التصرف كبيرًا كان ذلك دليلًا ناصعًا على نشاط رجال العدل وغيرتهم على استتباب الأمن وحسن سير الدولاب الحكومي!

وأشار عبد المقصود أفندي إلى الملفات وقال: قبل كل شيء يا سعادة البك تصرف لنا في الكم جناية الباقيين لأجل أسدد كشف الجنايات وأصدره للباشا النائب والوزارة!

– بس كده؟ حاضر!

وغمست القلم في المداد وتناولت القضية الأولى، وهي قضية «قمر الدولة»: طالب تصرُّف، خد تصرُّف!

ثم كتبت في ذيل المحضر الإشارة المعهودة: «تُحفظ القضية لعدم معرفة الفاعل … إلخ إلخ.» وسحبت «الجنايات» الأخرى وفعلت بها مثل ذلك، وناولتها رئيس القلم الجنائي وأنا أقول له في نبرة خرجت ساخرة مريرة على الرغم مني: مبسوط! أدحنا خلاص سددنا كشف الجنايات!

(انتهى)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤