مقدمة المترجم

أُقدِّم ترجمةَ «إميل أو التَّربية» لجان جاك رُوسُّو.

ذهبَ ابنُ جنيفَ البائسُ «رُوسُّو» إلى باريسَ سنة ١٧٤١، وكان في التَّاسعةِ والعشرين من سِنيه، وذلك بعد أعوامٍ من الشَّقاء قضاها متنقِّلًا بين مُدُنٍ وأريافٍ من سويسرة وإيطالية وفرنسة جادًّا في كَسْبِ عيشه. وفي باريسَ يَنزِل بفندق سان كِنْتَان الحقير؛ حيث يقع نظرُه على خادمة الفندق الريفيَّة الساذجة «تِريز لوفاسُّور» التي كان النَّاسُ يَسخرون بها لبلاهتها، ويرِقُّ لها «روسُّو» فيتخذها رفيقةً له عن حُبٍّ وعاطفة، ويغادران الفندق وتدوم حياتهما معًا ستًّا وعشرين سنة.

والحقُّ أن تريزَ كانت كثيرةَ الغباوة، وكانت لا تُحسن شيئًا من القراءة والكتابة، ومع ذلك كان «رُوسُّو» كثيرَ الإعجاب بها، ناظرًا إليها بعين الحُبِّ راضيًا بجمالها وحسن صوتها، متجاوزًا عن عيوبها وفقرها، مُغضيًا عما يفصله عنها من عبقرية ونبوغ، وقد دامت حاله هذه نحوها اثنتي عشْرة سنة.

وتغيَّرَ حُبُّ «تريزَ» له مع الزَّمن، وصارت لا تُبالي به ولا تُفكِّر فيه، وطلبت منه الفِراق قبل موته بتسع سنين؛ فقد ولدت له خمسة أولاد، وسلَّمهم إلى ملجأ اللقطاء، وذلك من غير أن يترك ما يدلُّ على أصلهم في المستقبل، ويعتذر «روسُّو» عن ذلك بفقره واضطراره إلى كسب عيشه بكدِّه، وإن كان يهدف في الحقيقة إلى الحياة الحرة الطليقة التي لا تشغلُ باله بوَلَد، وفي ذلك من الابتعاد عن الإنسانية والمروءة والشعور بالواجب ما لا يخفى، وقد أراد «روسُّو» أن يكفِّر عن هذه الخطيئة التي لا تُغتفَر بوضع كتاب «إميل أو التَّربية» العظيم الشأن، وقد ذكر روسُّو في «اعترافاته» أنه صرَّحَ رسميًّا بزواجه ﺑ «تريز» بعد معاشرته إياها ربع قرن، وقد صرفها بذلك عن طلبها الفِراق، فظلَّت رفيقةً له إلى أن مات، وإن لازمها الغَمُّ والألم حُزنًا على أطفالها أولئك.

ذهب «رُوسُّو» إلى باريس كما قلنا، وفي هذه المدينة قضى حياةً عسيرة؛ فقد كان يتعيَّش من استنساخ القطع الموسيقية فيها مع قبوله في رِداه المجتمع الراقي، ثُمَّ يذهب إلى البندقية سكرتيرًا لسفير فرنسة، ثُمَّ يعود إلى باريس ويرتبط بأواصر الصداقة في دِيدِرُو الذي كان من رجال الشعب أيضًا، فيقضي حياةً شاقةً مثلَه في باريس.

وبينا كان ذلك حال رُوسُّو في سنة ١٧٤٩، وقد كان ابنًا للسابع والثلاثين من عُمُره، نشرت أكاديمية ديجون إعلان مسابقة في موضوع: «هل أدَّى تقدُّم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أو إلى إصلاحها؟» وكان صديقه دِيدِرُو في سجن فنسن وقتئذٍ بسبب «رسالته عن العُمْي»، فاطَّلع على ذلك الإعلان حين ذهابه إلى زيارته، فعَنَّ له وهو في الطريق أن يشترك في المسابقة، ويُكَلِّم ديدرو في الأمر فيشير عليه بالتزام جانب إفساد العلوم والفنون للأخلاق لما في هذا من طرافةٍ وتوجيه نظر، ولِما ينطوي التزام جانب إصلاحِهما للأخلاق من ابتذال.

ويُعمِل «روسُّو» ذهنَهُ ويجمعُ قواه، ويكتب في الموضوع، ويُقيمُ الدليل على أنَّ العلوم والفنون أفسدت الأخلاق وأوجبت شقاء الإنسان، ويدَّعي أنَّ التَّرف والحضارة من نتائج العلوم والفنون، وأنَّهما عِلةُ فساد الأخلاق؛ فقال بالرجوع إلى الحال الطبيعية.

وكتب «روسُّو» رسالته تلك بقلم حارٍّ وعاطفةٍ جارفة، فجاءت مبتكرةً في مجتمعٍ بلغ الغاية من المدنية، مخالِفةً لما عليه الجمهور؛ فنال «روسُّو» بها الجائزة، ويُعدُّ «رُوسُّو» في رسالته تلك كالمحامي الذي يلتزم طَرَفًا واحدًا في المرافعات، فيصعُب تصديقُ جِديَّته في تمثيلِ دوْره؛ ولذلك تتجلَّى رسالتُه تلك في كونها مِفتاحًا لنشوء «روسُّو» الذهني، وفي كونها مرحلةً مؤديةً إلى «العَقد الاجتماعي» و«إميل أو التَّربية».

ويذيع صيت «رُوسُّو» بتلك الرسالة بعد خمول ذكر، ويُعجبُ بها كُتَّابٌ ويحمل عليها آخرون، ويجيب «رُوسُّو» عن النقد الموجَّه إليه بأنه لم يُرِد الرجوعَ بالنَّاس إلى الوراء، وإنَّما أراد العود إلى الفضائل والابتعاد عن الترف والرذائل وسيادة المساواة بين الأنام.

وفي سنة ١٧٥٣ أعلنت أكاديمية ديجون مسابقةً أخرى عنوانها: «ما أصل التفاوت بين النَّاس، وهل أجازه القانون الطبيعي؟» ويشترك «روسُّو» في المسابقة، ولكنه لم ينل الجائزة لشدة حمله على الاستبداد، وفي هذه الرسالة يستحسن «روسُّو» حالًا من الهمجية متوسطةً بين الحال الطبيعية والحال الاجتماعية، يحافظ النَّاس بها على البساطة ومنافع الطبيعة، وتسود فيها المساواة.

وفي سنة ١٧٥٥ نَشر رُوسُّو رسالةَ «الاقتصاد السياسي»، فرأى أنَّ الدولة هيئةٌ تهدف إلى سعادة جميع أعضائها، وجعل جميع وِجْهات نظره في الجباية تابعةً لهذا الهدف، وذهب إلى أن الكماليات وحدَها هي ما يجبُ أن يكون تابعًا للضرائب، وإلى وجوب فرض ضرائب فادحة على أمور الترف، وإلى عدم وضع ضريبة على الحاجيات كالقمح والملح.

ومن مطالعة كتاب «الاقتصاد السياسي» يُرَى أن رُوسُّو كادَ يَبلغُ به مرحلةَ النُّضجِ في آرائه السِّياسيَّة، فكان هذا مُبشِّرًا بكتاب «العَقْد الاجتماعي» وكتاب «إميل أو التَّربية» اللذين ظهرا سنة ١٧٦٢.

حَمَلَ روسُّو «في العَقْد الاجتماعي» على الرِّقِّ والتفاوت، وناضلَ عن حقوق الإنسان، وقال: إنَّ هدف كلِّ نظام اجتماعيٍّ وسياسيٍّ هو حفظ حقوق كل فرد، وإنَّ الشَّعب وحدَه هو صاحب السِّيادة، وكان يهدف إلى النِّظام الجمهوري، فتحقَّق هذا النِّظام بالثَّورة الفرنسية بعد ثلاثين سنة حين اتُّخِذَ «العَقدُ الاجتماعي» إنجيلَ هذه الثورة.

ولم يقُلْ «روسُّو» بحكومات زمنه لمنافاتها للطبيعة، ويقوم مذهبه على كونِ الإنسان صالحًا بطبيعته، محبًّا للعدل والنظام، فأفسده المجتمع وجعله بائسًا، والمجتمع سيئٌ لأنه لا يُساوي بين النَّاس والمنافع، والتملُّك جائرٌ لأنه مقتطعٌ من المُلْك الشائع الذي يجب أن يكون خاصًّا بالإنسانية وحدَها، فيجب أن يُقضَى على المجتمع إذَن، وأن يُرجَع إلى الطبيعة، وهنالك يتَّفِقُ النَّاس بعَقدٍ اجتماعيٍّ على إقامة مجتمع يرضى به الجميع، فيقيمون بذلك حكومةً تمنح الجميع ذات الحقوق، فتقوم سيادةُ الشعب مقامَ سيادة المَلِك، وتُنظَّمُ الثروة والتَّربية والديانة.

وفي كتاب «إميل» ظهر «روسُّو» الفيلسوف المربِّي بجانب «روسُّو» الفيلسوف الاجتماعي، ويُعدُّ «روسُّو» بهذا الكتاب مؤسِّسَ التَّربية الحديثة؛ ففيه ألقى دروسًا ممتعةً في تربية الأطفال، ومذاهب التَّربية والفضيلة والحياة الزَّوجيَّة، وقد نال كتاب «إميل» من بُعْدِ الصيت ما أصبح معه مُعَوَّلَ علماء التَّربية، وما عُدَّ معه إنجيلَ التعليم والتَّربية، حتى إن الفيلسوف الألماني الكبير «كَنْتَ» تأثَّر به كثيرًا، و«كَنْتُ» حينما أخذ يطالعه أبى مغادرةَ منزله إلى نزهته اليومية قبل الفراغ من قراءته، و«كَنْتُ» مَن تَعْلَم تمسُّكه بنزهته تلك وعدمَ عدولِه عنها إلا لأمرٍ جَلَل.

لقد عانى «روسُّو» من ألوان الشقاء ما يُعاني أتعسُ النَّاس، وقد أتاح له بؤسه حياةً زاخرةً بالتجرِبة والاختبار، ولكنَّ عبقريًّا مثل «روسُّو» إذا ما جرَّب واختبر نَفَذَ في الحقائق نفوذًا لا يتيسَّر لغيره من البشر إلا نادرًا، ويكون العبقريُّ أبلغَ تمييزًا إذا ما اقترنَ تقليبُه الأمور بما يتفق له من اطِّلاعٍ واسعٍ على كُتُب غيره؛ فبذلك يمزج ما جرَّب بما قرأ مزجًا عجيبًا، فيُبرِز ما تمَّ له على شكلٍ كاملِ الجِدَّة والإبداع، وهذا ما حدث ﻟ «روسُّو».

أبصر «روسُّو» أن الإنسان يُولَد صالحًا خالصًا من المساوئ، فلا يحوِّله عن صلاحه إلا الإنسان الذي يعيش معه والبيئة التي تكتنفه، فقام هدفه على إنقاذ الإنسان من بؤرته، وهذا لا يكون إلا بالعمل الذي يَحُلُّ به معضِلات الحياة، فيشعر بالحياة التي يقضيها كاملة، وهذا لا يتم إلا بالتَّربية.

ففي «إميل أو التَّربية» أوضح «روسُّو» كيف يُنشَّأُ الولدُ تنشئةً طبيعيةً منذ نعومة أظفاره حتى العشرين من سِنيه، فيصيرُ صالحًا للزواج، وهو قد وَقَفَ أجزاء الكتاب الأربعة الأُولى على هذا الغرض، كما وقف الجزء الخامس منه على تنشئة الزوجة التي تصلح أن تكون شريكةً له في الحياة فيسعدُ بها وتسعدُ به.

وإن ما انطوى عليه كتاب «إميل» من آراءٍ عمليةٍ ونظريةٍ انتهى إليها «روسُّو» باختباره أثَّرَ به في عالَم التَّربية مِثْلَ تأثيره في الثورة الفرنسية، وعالَمِ السياسة بكتابه «العَقد الاجتماعي»، وفي كتاب «إميل» ثار «روسُّو» على مناهج التعليم القديمة وأساليب التَّربية العتيقة، وبشَّرَ بمذهبٍ جديدٍ في التهذيب تبشيرًا عُدَّ به رائدَ التَّربية الحديثة وقائدَها، فَغدَا «إميلُ» منارًا لمن يريد أن يكون مُربيًّا ومصدَرًا لا ينضُبُ له مَعينٌ لمن يرغب أن يَضربَ بسهم وافر في ميدان التهذيب والتعليم على اختلاف مراحلهما، ابتدائيةً كانت هذه المراحل أو ثانويةً أو عالية، لا فرقَ في ذلك بين شرق الأرض وغربها.

ولا تَقُل إنَّ الكتاب وُضع منذ نحو قرنَين، وهو خاصٌّ بالزَّمن الذي أُلِّفَ فيه؛ ﻓ «روسُّو» من العباقرة الذين يَنفُذون ببصائرهم حُجُبَ المستقبل، وكتابُ «إميل» أُلِّف للأجيال التي تأتي بعد مؤلِّفه، وسيبقى معتمَدًا لدى جهابذة التعليم والتَّربية، يُعوِّلون عليه ويهتدون به في طُرُقهم التَّعليمية ومذاهبهم التهذيبيَّة، وليس من المبالغة أن يُقال إنه خيرُ كتابٍ ظهر حتى الآن في موضوعه، وإن علماء التَّربية في العصر الحاضر مَدِينون له في أساليبهم، وإن التَّربية الحديثة من آثاره.

حقًّا، لم يَقُم كتابٌ في التَّربية مقامَ «إميل» لإمام التَّربية والاجتماع «روسُّو»، وقد تُرجِم هذا السِّفرُ الخالدُ الجليلُ غيرَ مرَّة إلى معظم اللغات الأوروبية منذ وضعه، وأصل الكتاب صعبُ العبارة كثيرُ الإبهام والغموض في مجموعه، فأرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ لإزالة كثير من تعقيده في ترجمتي هذه مع التزامي حَرْفية النَّقل، كما أرجو أن يقتطف العرب من فوائده التعليمية والتهذيبية التي لا حصر لها مثلما اقتطفَتْ أممُ العالَم كلُّها.

عادل زعيتر
نابلس

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠