زازا

زازا ممثلة بارعة في مسرح الأوديون، الجمهور معجب بها، فهي تتقن فنها، ولكن إلى جانب ذلك هي عصبية المزاج، فإذا ما ثار ثائرها تراها وهي تضرب كل من حولها لا تستثني أحدًا، ثم تندم بعد برهة فتبكي، ولا يمكن لأحد أن يتقدم إليها، ولا تهدأ إلا إذا وجدت نفسها بين ذراعي حبيبها ديفرين.

وديفرين هذا رجل في مقتبل العمر، على شيء من الغنى، يشغل مركزًا علميًّا، له زوجته الشرعية، ومع ذلك وقع في غرام زازا، وهو يبادلها حبها العظيم.

عرضت وزارة الخارجية الفرنسية منصبًا كبيرًا على ديفرين في واشنطن، ولكنه يتردد في السفر، فهو لا يقوى على مفارقة حبيبته زازا، وزوجه تشجعه على قبول المنصب، ولكنه لا يزال يتردد. أما حبيبته زازا فهي تعرض عليه أن تسافر معه إلى أمريكا مضحية بمركزها وشهرتها في سبيل غرامها.

ويخاف «ريجول» مدير مسرح الأوديون أن تهجر زازا المسرح؛ فهي أساسه، فإن هجرته قضي عليه القضاء المبرم، وهو لذلك يرى أن يفصل بين ديفرين وزازا؛ ففي هذا الانفصال استبقاء لزازا في مسرحه.

ويعرف ريجول أن ديفرين له زوجته الشرعية، ويجد أن هذا هو السلاح الماضي، الذي يجب أن يستعمله؛ ليفصل زازا عن ديفرين، وتثور زازا إذ يقصُّ عليها مديرها ريجول خبر وجود امرأة خاصة في منزل ديفرين، بل هي تكذبه وتطرده، وتصمِّم أن تنتقل في الحال إلى باريز حيث يقطن ديفرين؛ كي تتأكد من كذب الخبر.

وإذا ما وصلت إلى منزل ديفرين دخلته كامرأة حاكمة لا زائرة، ومع أن الخادمة أخبرتها أن المسيو ديفرين غير موجود في المنزل في تلك الساعة إلا أنها تدخل المنزل وتسير من غرفة إلى غرفة كما تسير في منزلها، وتصل إلى غرفة فتسمع فيها صوت «البيانو»، وتعرف من نغماته أن العازف يعزف أنشودة «لذة الحب»، وهي الأنشودة التي لا يحب ديفرين أنشودة غيرها، وكثر ما عزفتها له في خلواتهما، فهي تعجب! وتدخل الغرفة فتجد أن العازف فتاة صغيرة لا تتجاوز الثامنة من عمرها، فهي تسألها: من هي؟ والفتاة تجيب أنها «لوسيل»، وإذ تسألها اسم أبيها تجيب الفتاة أنه «فرانس ديفرين»! وتكاد زازا تصعق؛ فهي لم تكن تصدق أبدًا أن حبيبها يخدعها أو أن له زوجه وابنته، وتخرج هاربة من منزله، وتقابل في طريقها الزوجة، ولكنها لا تجسر أن تحدثها، فلقد تحطَّم كبرياؤها مرة واحدة.

•••

رجعت زازا إلى منزلها وهي في حالة حزن عظيم، وتجد أمامها صورة ديفرين حبيبها؛ فلا تملك إلا أن تقطع الصورة إربًا، ويجئ الدوق دي برساك، وهو رجل مسن يتودد إليها دائمًا ويطرح عند قدميها ثروته الطائلة، نظير قبوله زوجًا لها، ولكنها كانت تكرهه وتكره ماله، فما كان يقابَل منها بغير الرفض.

أما الآن فهي تقبله زوجًا بعد أن هجرت ديفرين! والرجل يكاد يجنُّ فرحًا، وبعد برهة تخرج زازا لحضور مأدبة يقيمها لها الدوق في تلك الليلة ابتهاجًا بخطبتهما.

يحضر ديفرين لزيارة زازا، وهو لا يعلم شيئًا مما حدث، ويدخل غرفتها توًّا فلا يجدها فيها، ولا يجد إلا صورة ممزقة إربًا وملقاة على الأرض؛ فإذا أمسك ببعض قطعها المتناثرة علم أنها صورته هو، وتخبره الخادمة أن زازا قد قر قرارها على الزواج بالدوق دي برساك!

وإذ يعلم ديفرين الحقيقة ويرى أن حبيبته قد هجرته، وأن غرامه قد تحطَّم، يقرر أن يقبل المنصب الذي عرض عليه بأمريكا، ويعزم على السفر بعد يومين مصطحبًا زوجه وابنته.

وفي الحفلة الساهرة التي قامها الدوق تكريمًا لزوجه المستقبلة زازا، نجد الكل في سرور وانشراح والدوق مسرور جدًّا. أما زازا فهي الوحيدة في الحفلة التي تشعر بالحزن؛ فهي لا تزال تحب ديفرين … وإلى جانب ذلك هي تُبغِض الدوق دي برساك، وإذ يشرب الحاضرون نخب زازا ويسمونها: «دوقة دي برساك المقبلة» تقوم هي وتصيح بهم أن: «بل اشربوا نخب زازا الماضية التي كانت تؤمن بالحب.»

… وفجأة تثور زازا وتبكي؛ فالحب لا يزال ملتهبًا في نفسها؛ فهي تحب ديفرين حقًّا، وهي تعدل عن الزواج بالدوق وتصارحه بذلك وتخرج غاضبة، ثم لا تلبث أن تقرر أن تعود إلى المسرح لتجد فيه العزاء عن حبها، والسلوان عن غرامها، وهكذا يتحقَّق أمل «ريجول» — مدير مسرح الأوديون — ولا تنفصل زازا عن مسرحه …

•••

ولكن الحب لم يخمد في قلب زازا ولا في قلب ديفرين؛ فبعد سبع سنوات رجع ديفرين من أمريكا بعد أن ماتت زوجته هناك، وتذهب زازا لزيارته وتدخل المنزل، وتسير من غرفة إلى غرفة كما تسير في منزلها، وتصل إلى غرفة فتسمع فيها صوت «البيانو»، وتعرف من نغماته أن العازف يعزف أنشودة «لذة الحب»، وهي الأنشودة التي لا يحب ديفرين أنشودة غيرها وكثر ما عزفتها له في خلواتهما، فهي تعجب وتدخل الغرفة فتجد أن العازف فتاة جميلة تبلغ السادسة عشرة من عمرها، فهي تسألها: من هي؟ والفتاة تجيب مرة واحدة: «اسمي لوسيل، وإذا سألتيني عن والدي فهو فرانس ديفرين، ولكن بربك لا تسأليني عن أمي؛ فقد ماتت، ماتت في أمريكا.»

والفتاة تطلب من زازا أن تعزف لها أنشودة «لذة الحب»، وتُجيب زازا طلبها، وتخرج الفتاة متلصصة؛ فتنادي والدها ليرى هذه الزائرة الغريبة.

وهناك إذ تتقابل العيون تخفِق القلوب، وتبدأ نار الحب التي كانت على وشك الخمود في الاتقاد ثانية، ويكون ثمَّ عناق طويل.

عن «شريط السينما‏»‏

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤