الفصل الثاني

(١) «فَضْلُ اللهِ»

ثُمَّ انْتَحَى «الْمُرامِقُ» بِالْفَتَى ناحِيَةً، وَسَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ يُسَمَّى: «فَضْلَ اللهِ». فَقالَ لَهُ «الْمُرامِقُ»: «يَبْدُو (أَيْ: يَظْهَرُ) لِي — مِنْ مَنْظَرِكَ وَغَرابَةِ زِيِّكَ (أَيْ: هَيْئَتِكَ) — أنَّكَ ضَيْفٌ قادِمٌ عَلَى «بَغْدادَ»، مُنْذُ زَمَنٍ قَلِيلٍ.» فَقالَ لَهُ الْفَتَى: «صَدَقْتَ — يا سَيِّدِي — فَأنا مِنْ سُكَّانِ «الْمَوْصِلِ». وَقَدْ وَصَلْتُ أمْسِ إلَى «بَغْدادَ»، وَلَمْ أرَها قَبْلَ ذلِكَ، وَلا عَرَفْتُ فِيها أحَدًا.»

(٢) جارِيةُ «الْمُوَفَّقِ»

وَقَدْ كادَ الْجُوعُ يَقْتُلُنِي، فَجَلَسْتُ بِجِوارِ قَصْرٍ فاخِرٍ لِرَجُلٍ مِنْ سَراةِ «بَغْدادَ»، اسْمُهُ «السَّيِّدُ الْمُوَفَّقُ»، فَمَرَّتْ بِي جارِيَةٌ عَجُوزٌ مِنْ جَوارِي الْقَصْرِ، وَرَأتْ ما يَبْدُو عَلَى وَجْهِي مِنَ الْإِعْياءِ (أَي: الْكلالِ والتَّعَبِ) والْحَياءِ، فَأدْرَكَتْ ما يَجُولُ بِخاطِرِي، فَرَجَعَتْ إلَى الْقَصْرِ، ثُمَّ عادَتْ إليَّ — بَعْدَ قَلِيلٍ — بِشَيءٍ مِنَ الزَّادِ أمْسَكْتُ بِهِ الرَّمَقَ، أَعْنِي: حَفِظْتُ بِهِ ما بَقِيَ فِي جِسْمِي مِنْ حَياةٍ، بَعْدَ أَنْ أشْرَفْتُ عَلَى التَّلَفِ، وَكِدْتُ أهْلِكُ مِنَ الْجُوعِ.

(٣) بَيْنَ الْمَقَابِرِ

وَلَمَّا جاءَ الْمسَاءُ لَمْ أَجِدْ مَكانًا آوِي إلَيْهِ غَيْرَ الْمَقابِرِ، فاضْطَجَعْتُ إلَى جانِبِ قَبْرٍ مِنَ الْقُبُورِ، وَتَوَسَّدْتُ صَخْرَةً مِنَ الصُّخُورِ، أَيْ: جَعَلْتُها تَحْتَ رَأْسِي، فَأخَذَتْنِي سِنَةٌ خَفِيفَةٌ مِنَ النَّوْمِ، ثُمَّ أيْقَظَتْنِي جَلَبَةٌ وَضَوْضاءُ بِالْقُرْبِ مِنِّي، فَنَهَضْتُ مُفَزَّعًا وَجِلًا، (أَيْ: شَدِيدَ الْخَوْفِ). وَحاوَلْتُ أَنْ أهْرُبَ، فَلَقِيتُ أَمامِي رَجُلَيْنِ، فاسْتَوْقَفانِي، وَسَألانِي: مَنْ أَنا؟ وَمِنْ أَيْنَ أتَيْتُ؟ فَقُلْتُ لَهُما: «إنَّنِي غَرِيبٌ لا مَأْوَى لِي وَلا زادَ عِنْدِي. وَلَمْ أجِدْ فِي الْمَدِينَةِ مَوْئِلًا، (أَيْ: مَكانًا ألْجَأُ إلَيْهِ)، فَجِئْتُ إِلَى الْقُبُورِ أتَلَمَّسُ النَّوْمَ فِيها.» فَقالَ لِي أحَدُهُما: «احْمَدِ اللهَ عَلَى هذِهِ الفُرْصَةِ السَّعِيدَةِ، فَقَدْ وَجَدْتَ مَنْ يُعْنَى بِأَمْرِكَ، وَيُهَيِّئُ لَكَ ما تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ثِيابٍ وَطَعامٍ.»

ثُمَّ سارا بِي حَتَّى وَصَلْنا إلَى قَبْرٍ كَبِيرٍ، فِيهِ جَماعَةٌ مِنْ رِفاقِهما كانُوا يَأكُلُونَ أشْهَى أَلْوانِ الطَّعامِ، فَعَلِمْتُ أنَّهُمْ لُصُوصٌ، وَأنَّ هذِهِ الْمَقْبَرَةَ مَخْبَؤُهُمْ. ثُمَّ حَقَّقَ ظَنِّي ما سَمِعْتُهُ مِنْ مُناقَشَتِهِمْ؛ فَقَدْ بَدَءُوا يَتَحَدَّثُونَ عَمَّا سَرَقُوهُ فِي يَوْمِهِمْ، وَما اعْتَزَمُوا سَرِقَتَهُ فِي غَدِهِمْ، (أَيْ: فِي يَوْمِهِمُ التَّالِي).

(٤) غَيْظُ اللُّصُوصِ

وَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أشْرَكَهُمْ فِي عَمَلِهِمْ، وأنْدَمِجَ فِي زُمْرَتِهِمْ، فارْتَبَكْتُ وَخَشِيتُ أنْ أرْفُضَ رَأْيَهُمْ فَأُغْضِبَهُمْ، وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أنْ أُوافِقَهُمْ عَلَى السَّرِقَةِ، لِأنَّنِي رَجُلٌ شَرِيفٌ، مَهْما يَقْسُ عَلَيَّ الزَّمَنُ فَلَنْ أُبِيحَ لِنَفْسِي أَنْ أكُونَ أفَّاقًا، أعْنِي: طَرِيدًا ضارِبًا فِي الآفاقِ، وَصُعْلُوكًا مُكْتَسِبًا لا مَوْطِنَ لَهُ، يَذْهَبُ فِي بِلادِ الدُّنْيا مُتَنَقِّلًا مِنْ مَكانٍ إلَى آخَرَ.

(٥) قُدُومُ الْعَسَسِ

وانْعَقَدَ لِسانِي فَلَمْ أدْرِ كَيْفَ أُجِيبُهُمْ، فَأَعادُوا عَلَيَّ السُّؤَالَ، فاشْتَدَّ ارْتِباكِي وَفَزَعِي. وَبَدا عَلَى وُجُوهِهِمُ الْغَيْظُ والْأَلَمُ لِمَا رَأوْهُ مِنْ تَرَدُّدِي وإِحْجامِي.

وَإنِّي لَكَذلِكَ إِذْ أتاحَ (أَيْ: هَيَّأَ) لِي اللهُ فُرْصَةً نادِرَةً لِلْخَلاصِ مِنْ هذا الْمَأْزِقِ، (أَي: الْمَضِيقِ). فَقَدْ دَهِمَنا الْعَسَسُ، (أَيْ: أحاطُوا بِنا) حِينَئِذٍ وَخَلَّصُونِي مِنْ أذِيَّتِهِمْ وَشَرِّهِمْ، وَأتَاحُوا لِي فُرْصَةً سَعِيدَةً لِلْمُثُولِ (أَيْ: الْوُقُوفِ) بَيْنَ يَدَيْكَ.»

(٦) فَضْلُ الصَّمْتِ

وَلَمْ يَكَدِ «الْمُرامِقُ» يَسْتَمِعُ إلَى قِصَّةِ «فَضْلِ اللهِ» حَتَّى عَنَّ لَهُ خاطِرٌ خَبِيثٌ، يُحَقِّقُ ما يَبْتَغِي مِنَ الْكَيْدِ لِخَصْمِهِ الَّلدُودِ «السَّيِّدِ الْمُوَفَّقِ». وَكانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّهِ، أعْنِي: مِنْ حُسْنِ حَظِّ «السَّيِّدِ الْمُوَفَّقِ»، أَنَّ «الْمُرامِقَ» الْخَبِيثَ قَدْ عَرَفَ مِنْ قِصَّةِ «فَضْلِ اللهِ» بَعْضَها، وَجَهِلَ باقِيَها، لأنَّ «فَضْلَ اللهِ» لَمْ يُخْبِرْهُ بِقِصَّتِهِ كُلِّها، بَلِ اجْتَزَأَ مِنْها بِما يُبَرِّئُهُ مِنْ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يَجِدْ حاجَةً لِلْإفْضَاءِ بِما لَمْ يُسْألْ عَنْهُ، مُتَّبِعًا فِي ذلِكَ الْحِكْمَةَ الذَّهَبِيَّةَ الْمَأْثُورَةَ: «إِذا كانَ الْكَلامُ مِنْ فِضَّةٍ، كانَ السُّكُوتُ مِنْ ذَهَبٍ.» مُهْتَدِيًا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ الْقَدِيمِ:

مُتْ بِداءِ الصَّمْتِ خَيرٌ لَكَ مِن داءِ الْكَلامْ
إنَّما الْعاقِلُ مَن ألْجَمَ فاهُ بِلِجامْ

وَلَوْ عَرَفَ الْحاكِمُ قِصَّةَ «فَضْلِ اللهِ» كُلَّها لَمَا وَقَعَتْ حَوادِثُ هذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ. ولَوَقَفَتْ عِنْدَ هَذا الْحَدِّ، وانْتَهَتْ بِتَبْرِئَةِ «فَضْلِ اللهِ» مِنْ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ. وَلَوْ تَمَّ ذلِكَ لَأُلْحِقَتْ بِأمْثالِها مِنَ الْحَوادِثِ والْأنْباءِ الْيَوْمِيَّةِ الَّتِي تَسْمَعُ أمْثالَها فِي الصُّحُفِ، ثُمَّ لا تَلْبَثُ أَنْ تَنْساها عَقِبَ الاِنْتِهاءِ مِنْ قِراءَتِها.

(٧) فِكْرَةٌ جَرِيئَةٌ

وَقَدْ أَطالَ «الْمُرامِقُ» تَفْكِيرَهُ حِينَ حَدَّثهُ «فَضْلُ اللهِ» أنَّهُ قَدْ جَلَسَ أَمامَ قَصْرِ «الْمُوَفَّقِ». وَلا عَجَبَ فِي ذَلِكِ، فَقَدْ أخْبَرْتُكَ — فِي أوَّلِ الْقِصَّةِ — بِمِقْدارِ ما كانَ يَحْمِلُهُ لَهُ مِنْ حِقْدٍ وَحَسَدٍ. ثُمَّ لَمَعَ عَلَى أسارِيرِ «أبِي ثَعْلَبَةَ» بَرِيقٌ عَجِيبٌ، لَوْ رَأيْتَهُ — أيُّها الصَّغِيرُ الْعَزِيزُ — لَعَلِمْتَ أنَّهُ قَدِ اهْتَدَى إلَى فِكْرَةٍ مُوَفَّقَةٍ، طالَ بَحْثُهُ عَنْها، أسْتَغْفِرُ اللهَ، بَلْ هِيَ فِكْرَةٌ خاطِئَةٌ غَيْرُ مُوَفَّقَةٍ، لَوْ أنَّهُ عَقَلَ لَتَمَنَّى أَنْ يَضِلَّ عَنْها، فَلا يَهْتَدِيَ إلَيْها أبَدًا. قالَ «الْمُرامِقُ» لِلْفَتَى «فَضْلِ اللهِ»، فِي لَهْجَةٍ تَفِيضُ بِشْرًا وَحَنانًا (أَيْ: سُرُورًا وَرَحْمَةً): «إنَّ لِلسَّيِّدِ «الْمُوَفَّقِ» فَتاةً مَعْرُوفَةً بِرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَجَمالِ الْخُلُقِ. وَقَدْ رأيْتُ مِنْ حُسْنِ أدَبِكَ ما أقْنَعَنِي بِكَرَمِ عُنْصُرِكَ، وَطِيبِ أصْلِكَ. وَلَسْتُ أرَى أحَدًا أحَقَّ مِنْكَ بِزَواجِها، فَكَيْفَ تَقُولُ؟»

(٨) دَهْشَةُ «فَضْلِ اللهِ»

فَدَهِشَ «فَضْلُ اللهِ» مِمَّا قالَهُ «الْمُرامِقُ»، وَعَجِبَ مِنْ طِيبَةِ قَلبِهِ، وَكَذَّبَ ما كانَ يَسْمَعُهُ — مِنْ قَبلِ قُدُومِهِ إِلَى «بَغْدادَ» — مِنَ الشَّوائِعِ (أَي: الأخْبارِ الذَّائِعَةِ)، عَنْ لُؤْمِ «الْمُرامِقِ» وَخُبْثِ نِيَّتِهِ. وَأُعْجِبَ بِذَكائِهِ وَبُعْدِ نَظَرِهِ، لِأنَّهُ اسْتَطاعَ — بِما وَهَبَهُ اللهُ مِنْ فِطْنَةٍ — أَنْ يَهتَدِيَ إِلَى سِرَّهِ، وَيَتَعَرَّفَ ما كانَ يَجُولُ بِخَاطِرِهِ.

وَقالَ «فَضْلُ اللهِ» فِي نَفْسِهِ: «لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ بَلَدِي وَأَنا عازِمٌ عَلَى الزَّواجِ بِهذِهِ الْفَتَاةِ، وَلَكِنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ سَلَبُونِي كُلَّ ما أمْلِكُ، وَلَمْ يَتْرُكُوا لِي إلَّا أسْمالًا، (أَيْ: ثِيابًا خَلِقَةً بالِيَةً)، فَخَجِلْتُ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى أبِيها وَأنَا بِهذِهِ الْحالِ الْمُزْرِيَةِ. وَكَأنَّما ألْهَمَ اللهُ — سُبْحانَهُ — هذا الرَّجُلَ الْكَرِيمَ أَنْ يَقْرَأَ ما دارَ بِخاطِرِي مِنَ الْأفْكارِ، فَما أسْعَدَنِي بِهِ، وَما أعْظَمَ تَوْفِيقِي بِلُقْياهُ، أَيْ: بِلِقائِهِ.»

وَقَدْ شَكَرَ «فَضْلُ اللهِ» لِلْمُرامِقِ صَنِيعَهُ (أَيْ: مَعْرُوفَهُ)، وَعَجِبَ مِمَّا رأَيْ. وَلَمْ يَكُنْ يَدُورُ بِخاطِرِهِ حَقِيقَةُ ما يُفَكِّرُ فِيهِ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أمَرَ «الْمُرامِقُ» بَعْضَ خَدَمِهِ أَنْ يَذْهَبَ بِالْفَتَى «فَضْلِ اللهِ» إلَى الْحَمَّامِ.

(٩) دَهاءُ «الْمُرامِقِ»

ثُمَّ بَعَثَ إلَى «السَّيِّدِ الْمُوَفَّقِ» يَدْعُوهُ إلَى دارِهِ لِيُفْضِيَ إلَيْهِ بِأمْرٍ خَطِيرٍ، فَجاءَ «الْمُوَفَّقُ» عَلَى عَجَلٍ (أَيْ: مُسْرِعًا). وَما كادَ «الْمُرامِقُ» يَراهُ، حَتَّى أسْرَعَ إلَى لُقْياهُ. وَأقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيُعَانِقُهُ، وَيَتَظاهَرُ بِالإخْلاصِ وَالْمَوَدَّةِ لَهُ؛ فَدَهِشَ «السَّيِّدُ الْمُوَفَّقُ» لِمَا رَأَى، وَعَجِبَ مِنْ تِلْكَ الْحَفاوَةِ الَّتِي لَمْ يَأْلَفْها مِنَ «الْمُرامِقِ». وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ طُولَ عُمُرِهِ إِلَّا خَصْمًا لَدُودًا، لا يَكُفُّ عَنْ إيذائِهِ وَالْكَيْدِ لَهُ — مُنْذُ الطُّفُولَةِ — كُلَّما أمْكَنَتْهُ الْفُرْصَةُ، فَأدْرَكَ «الْمُوَفَّقُ» أنَّ فِي الأمْرِ سِرًّا يُحاوِلُ صاحِبُهُ جُهْدَهُ أَنْ يُخْفِيَهُ عَنْهُ.

(١٠) مُصاهَرَةُ الأَمِيرِ

وَلَكِنَّ صاحِبَهُ لَمْ يَتْرُكْ لَهُ مَجالًا لِلتَّفْكِيرِ وَالشَّكِّ فِي أمْرِهِ، فالْتَفَتَ إلَيْهِ قائِلًا: «لَقَدْ أَرادَ اللهُ — يا «أَبا حَمْزَةَ» — أَلَّا يَطولَ أمَدُ عَدائِنا (أَيْ: زَمَنُ عَداوَتِنا)، فَأتاحَ لَنا فُرْصَةً نادِرَةً نُخْمِدُ (أَيْ: نُطْفِئُ) فِيها شُعلَةَ أحْقادِنا، وَنَضَعُ حَدًّا لِتِلْكَ الْخُصُومَةِ الَّتِي ابْتَلَى (أَي: امْتَحَنَ) اللهُ بِها قَلْبَيْنا، وَأشْقَى بِها نَفْسَيْنا». فَسَألَهُ «السَّيِّدُ الْمُوَفَّقُ»: «وَماذا جَدَّ عِنْدَكَ مِنَ الأنْباءِ أَي: الأخْبارِ؟» فَقَالَ لَهُ «الْمُرَامِقُ» فِي لَهْجَةٍ خَبِيثَةٍ، وَهُوَ يَتَظاهَرُ بِالْجِدِّ وَالْإِخْلاصِ: «لَقَدْ وَفَدَ عَلَيَّ أمْسِ الأَمِيرُ «فَضْلُ اللهِ» أمِيرُ «الْمَوْصِلِ»، وَحَلَّ فِي ضِيافَتِي. وَهُوَ عازِمٌ عَلَى الزَّواجِ بِابْنَتِكَ، الَّتِي اشْتَهَرَ جَمالُها وَفَضْلُها وَذَكاؤُها فِي جَمِيعِ الآفاقِ. وَلَمْ يَكَدْ يُفاتِحُنِي فِي ذلِكَ، حَتَّى رَأيْتُ الْفُرْصَةَ سَانِحَةً لاسْتِجْلابِ الْوُدِّ وَالصَّفاءِ بَيْنَنا، وَإحْلالِ الْمَحَبَّةِ والْوَلاءِ، مَحَلَّ الْقَطِيعَةِ وَالْجَفاءِ.»

(١١) فَرَحُ «الْمُوَفَّقِ»

فَقالَ لَهُ «السَّيِّدُ الْمُوَفَّقُ»، وَقَدِ امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ بَهْجَةً وَحُبُورًا، بِهذِهِ الْبُشْرَى السَّعِيدَةِ: «شَدَّ ما أَدْهَشَنِي هذا النَّبَأُ السَّارُّ! فَإنَّ مِنَ الْعَجِيبِ حَقًّا أَنْ يُفَكِّرَ أمِيرُ «الْمَوْصِلِ» فِي الزَّواجِ بِابنَتِي «زُمُرُّدَ»، وَأنْ يَجِيءَ هذا الْخَيْرُ الْعَمِيمُ عَلَى يَدَيْكَ أنْتَ، بَعْدَ أنْ وَقَفْتَ حَياتَكَ كُلَّها عَلَى الْإساءَةِ إلَيَّ والْإِضْرارِ بِي.» فَقالَ «الْمُرامِقُ»: «لا حاجَةَ إلَى اسْتِثارَةِ الْأحْقادِ وَنَبْشِ ذِكْرَياتِ الْماضِي الْمُؤْلِمَةِ يا «أَبا حَمْزَةَ»، فَلَيْسَ يَخْلُقُ بِكَرِيمٍ مِثْلِكَ أَنْ يَذْكُرَ الإِساءَةَ، بَعْدَ أَنْ سَنَحَتِ الْفُرْصَةُ لِلتَّكْفِيرِ عَنْها. وَسَيَكُونُ زَواجُ الأَمِيرِ بِابْنَتِكَ فاتِحَةَ عَهْدِ الصَّداقَةِ وَالْإخَاءِ الْجَدِيدِ بَيْنَنا، وَخَاتِمَةَ عَهْدِ الْمُشَاكَسَةِ الْبائِدِ الَّذِي لا عَوْدَةَ لَهُ وَلا رَجْعَةَ، إنْ شاءَ اللهُ. وَما أحْسَنَ أَنْ نَغْتَنِمَ هذِهِ الْمُناسَبَةَ السَّعِيدَةَ فَنَتَعاهَدَ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالْإخاءِ، وَنُقْسِمَ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْوَفاءِ.» وَكانَ «السَّيِّدُ الْمُوَفَّقُ» طَيِّبَ الْقَلْبِ، فانْخَدَعَ بِكلامِ «الْمُرامِقِ»، وَنَسِيَ قَدِيمَ حَسَدِهِ لَهُ، وَسابِقَ حِقْدِهِ عَلَيْهِ، فَقامَ يُعانِقُهُ وَيُعاهِدُهُ مُخْلِصًا عَلَى الصَّفاءِ.

(١٢) لِقَاءُ الْأمِيرِ

وَلمَّا عادَ «فَضْلُ اللهِ» مِنَ الْحَمَّامِ أدْخَلَهُ الْخادِمُ غُرْفَةَ الاسْتِقْبالِ بَعْدَ أَنْ ألْبَسَهُ أفْخَرَ الثِّيابِ. وَما كادَ يَراهُ «الْمُرامِقُ» حَتَّى صاحَ مُتَظاهِرًا بِالْفَرَحِ وَالسُّرورِ: «عَلَى الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ قَدِمْتَ (أَيْ: جِئْتَ) أيُّها الأَمِيرُ الْكَرِيمُ. لَقَدْ شَرُفَتْ بِكَ «بَغْدادُ»، وَأَعْلَيْتَ مِنْ قَدْرِ دارِي، بَعْدَ أَنْ تَنَزَّلْتَ فَرَضِيتَها دارًا لَكَ وَمُقامًا. وَلَقَدْ — وَاللهِ — أعْجَزْتَنِي عَنْ أَنْ أشْكُرَ لَكَ هذا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ الَّذِي أَوْلَيْتَنِيهِ. وَلَيْسَ فَرَحُ «السَّيِّدِ الْمُوفَّقِ» بِأقَلَّ مِنْ فَرَحِي بِمَقْدِمِكَ السَّعِيدِ. وَقَدْ عَدَّ رَغْبَتَكَ فِي الزَّواجِ بِابْنَتِهِ شَرَفًا لا يُدانِيهِ شَرَفٌ. وَرَأَى فِي مُصَاهَرَةِ الأَمِيرِ «فَضْلِ اللهِ» فُرْصَةً لَهُ عَزِيزَةَ الْمَنالِ.» فَقامَ «السيِّدُ الْمُوَفَّقُ» يَشْكُرُ لِلْأمِيرِ «فَضْلِ اللهِ» تَنَزُّلَهُ بِقَبُولِ ابْنَتِهِ زَوْجًا لَهُ، وَقالَ لَهُ فِيما قالَ: «شَدَّ ما أخْجَلْتَنِي — يا سَيِّدِي الْأَمِيرَ — وَمَلَأْتَ نَفْسِي فَرَحًا وَسُرُورًا بِهذا الشَّرَفِ الَّذِي تَفَضَّلْتَ بِهِ عَلَيَّ، إِذا طَلَبْتَ الزَّواجَ بِابْنَتِي. وَلَنْ نَنْسَى لَكَ — طُولَ حَياتِنا — هَذا الصَّنِيعَ.» فَتَحَيَّرَ «فَضْلُ اللهِ»، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقُولُ؟ وَانْعَقَدَ لِسانُهُ عَنِ الْكَلامِ، فاكْتَفَى بِرَدِّ تَحِيَّةِ «السَّيِّدِ الْمُوفَّقِ». وَخَشِيَ «الْمُرامِقُ» أَنْ يَظْهَرَ الاضْطِرابُ عَلَى صاحِبِهِ، فَيَرْتابَ «الْمُوَفَّقُ» فِيما حَدَّثَهُ بِهِ.

(١٣) زَواجُ الأَمِيرِ

فَالْتَفَتَ «الْمُرامِقُ» إلَى «فَضْلِ اللهِ» قَائِلًا: «أرْجُو أَنْ تُضِيفَ إلَى أفْضالِكَ الْجَمِيلَةِ — يا سَيِّدي الأمِيرَ — فَضْلًا جَدِيدًا، فَتَقْبَلَ أَنْ يَتِمَّ عَقْدُ زَواجِكَ فِي دارِي.» وَلَمْ يَنْتَظِرِ «الْمُرامِقُ» مُوافَقَةَ أحَدٍ، بَلْ أسْرَعَ — مِنْ فَوْرِهِ — فَأمَرَ غِلْمانَهُ بِإحْضَارِ الشُّهُودِ. ثُمَّ كَتَبَ بِيَدِهِ عَقْدَ الزَّواجِ، وَتَلاهُ — بَعْدَ كِتَابَتِهِ — عَلَى الشُّهُودِ الَّذينَ أَحْضَرَهُمْ.

ثُمَّ الْتَفَتَ إلى «السَّيِّدِ الْمُوَفَّقِ» باسِمًا وَقالَ: «لَقَدْ أتَمَّ اللهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يا «أَبا حَمْزَةَ»، فاذْهَبْ مَعَ صِهْرِكَ الأَمِيرِ إلَى بَيْتِكَ، وَانْعَمْ بِهذا الشَّرَفِ الْعَظِيمِ الَّذِي ساقَهُ اللهُ إلَيْكَ، فَأنْتَ جَدِيرٌ بِهِ، أَيْ: مُسْتَحِقٌّ لَهُ.»

فَشَكَرَ لَهُ كِلاهُما صَنِيعَهُ (أَيْ: مَعْرُوفَهُ)، وَخَرَجا مِنْ بَيْتِهِ، وَرَكِبا بَغْلَيْنِ فاخِرَيْنِ كانا فِي انْتِظارِهِما، ثُمَّ وَدَّعا «أبا ثَعْلَبَةَ الْمُرامِقَ» وَما زالا سائِرَيْنِ حَتَّى بَلَغا الْقَصْرَ.

(١٤) بِنْتُ «الْمُوَفَّقِ»

ثُمَّ صَعِدا إلَى غُرْفَةِ الاسْتِقْبالِ، واسْتَدْعَى «السَّيِّدُ الْمُوفَّقُ» ابْنَتَهُ، وَأخْبَرَها بِما تَمَّ، فَأقَرَّتْ أَباها عَلَى ما فَعَلَ. وَعَلِمَ كُلُّ مَنْ فِي الْقَصْرِ بِزَواجِ «زُمُرُّدَ» بِنْتِ «أَبِي حَمْزَةَ الْمُوَفَّقِ» بِالأمِيرِ «فَضْلِ اللهِ»، فاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْفَرَحُ والسُّرُورُ.

figure

وَقَدِ ابْتَهَجَ الْعَرُوسانِ، وَحَمِدا اللهَ — سُبْحانَهُ — عَلَى ما كَتَبَ لَهُما مِنْ تَوْفِيقٍ، فَقَدْ رَأَى كُلٌّ مِنْهُما فِي شَمائِلِ صاحبِهِ وَحَدِيثِهِ مِثالًا رائِعًا لِرَجاحَةِ الْعَقْلِ، وَكَمالِ الْخُلُقِ، وَسَعَةِ الْأُفُقِ، فَشَكَرا للهِ ما يَسَّرَهُ لَهُما مِنْ سَعادَةٍ وَتَوْفِيقٍ.

figure

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠