الفصل الثالث عشر

زواج نابوليون وماري لويز

عرف القراء أنَّ غرض نابوليون من زواجه الثاني هو حصوله على سلالة إمبراطورية، فكان من الواجب الأول أن تكون زوجته الجديدة من خيرة الأسر المالكة وأعرقها مجدًا في أوروبا، وقبل أن يختار الإمبراطورة الجديدة جمع مجلس الوزراء وشاورهم في الأمر، ورغب إليهم أن يختاروا أميرة روسية أو نمسوية أو سكسونية، فأظهر معظم الوزراء ارتياحًا إلى تزوجه أميرة روسية، فكتب نابوليون إلى كولنكور سفيره في بطرسبرج يقول: «يلزمك في مُفاوضة كهذه أن تظهر كل ما عندك من فطنة واحتراس وبراعة، فلا تُجازف بكلمة ولا تُبد حركة تدلُّ على خفَّة، وفكِّر مليًّا في الأمر، أنا لا أريد أن أظهر في مظهر من يعرض نفسه، ولا أود أن أسمع رفضًا، فأبقِ كرامتي في مرتبة عالية؛ لأنها كرامة فرنسا نفسها.»

ولما اجتمع مجلس الشيوخ لسماع إعلان الطلاق ألقى أوجين — ابن جوزفين — خطبة قال فيها: «يهمنا لسعادة فرنسا أن يبلغ مُؤسس الأسرة الرابعة سن الشيخوخة ولديه سلالة تنزل منه مباشرة؛ لأن فيها ضمانًا للجميع … أما والدتي فحسبها مجدًا ما سكبه الإمبراطور من الدموع.»

ولبث نابوليون بعد الطلاق يظهر لجوزفين عطفًا وحنوًّا، وروى موليين أن نابوليون سافر يوم الطلاق إلى تريانون وحده، كأنما هو لم يستطع احتمال الوحدة في تلك الليلة بالتويلري، وبقي ثلاثة أيام لم يقابل فيها الوزراء والكبراء، وقيل إن العواطف لم تتغلَّب على الأشغال في حياة نابوليون إلا في تلك الأيام الثلاثة. وذكر مينفال أن الإمبراطور كتب ليلة وصوله إلى تريانون كتابًا رقيقًا إلى جوزفين، ثم زارها فيما بين ١٥ و١٩ ديسمبر أي بعد الفراق بثلاثة أيام، وكتب إليها بعد الزيارة: «أيتها الصديقة، رأيتك أضعف مما يجب أن تكوني، ولقد أظهرت شجاعة فيما مضى، وما زال الواجب عليك أن تظهري مساحة من الشجاعة والحول ما يأخذ بيدك، فلا تسترسلي إلى الحزن المشئوم، بل كوني منشرحة الصدر واعتني بصحتك الثمينة، وإذا كنت تحبينني حقيقةً يجب عليك أن تتذرعي بالقوة والحزم وتكوني قريرة العين …»

وبلغ عدد المكاتيب التي أرسلها نابوليون إلى جوزفين خمسة في عشرة أيام، وفي ١٥ ديسمبر دعاها وابنتها هورتنس إلى تناول العشاء على مائدته، وروت «مدموازيل أرفيللون» أن جوزفين أبدت تلك الليلة من الارتياح والانبساط ما يُوهم الناظر أن الإمبراطور والإمبراطورة لم يفترقا.

وبناء على قرار رسمي أبقى نابوليون لجوزفين رُتبة إمبراطورة متوَّجة، وعيَّن لها راتبًا قدره مليونَا فرنك في العام وجعل دفعه إجباريًّا على خُلفائه، ثم زيد هذا المرتب إلى ثلاثة ملايين فرنك، ما عدا المبالغ الإضافية التي كان يحبوها بها نابوليون.

•••

تقدم أنَّ نابوليون أمر سفيره في العاصمة الروسية باستطلاع رأي البلاط الروسي في مسألة زواجه، فلمَّا فاتح القيصر آنَسَ منه ارتياحًا إلى مُصاهرة أعظم قائد وأكبر إمبراطور، ولكن القيصر رأى من الحكمة وأصالة الرأي أن يُؤخِّر الجزم في الأمر، وكان رأس الأسباب في هذا التأخير أن والدة القيصر كانت مُترددة وناظرة بعين الحذر إلى اقتران ابنتها بإمبراطور الفرنسويين، وقيل إن المسألة الدينية كان لها شأن في ترددها.

وليس بصعب على القارئ أن يُدرك بالبداهة ما كان لتردد والدة القيصر من الأثر السيئ في نفس الصنديد العنيد، الذي كانت أوروبَّا تهتز لخطواته وترقب الدنيا لحظاته ولفتاته، فإن عزيمته صحَّت بلا إبطاء على ترك السعي في بطرسبرج وعلى تحويل فكره إلى «فيِنَّا»، ورأى أن خير الطرق ما ينطبق على قول الشاعر العربي:

ما حكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِك
فَتَوَلَّ أنت جَمِيعَ أَمْرِك

فأخذ يرقب الفرصة حتى عرضت له، وقيل بل هو الذي خلقها ومهَّد طريقها في مرقص أُقيم بمنزل المستشار الإمبراطوري الأكبر، وبينما كانت الخدود تُنافسُ الورود، والحبور يميل بالخصور، تقدم نابوليون نحو مدام مترنيخ وقال لها بلا مُقدمة ولا توطئة: «أتظنين أن الأرشيدوقة تقبلني زوجًا، وأنَّ أباها الإمبراطور يُوافقُ على الأمر؟»

فدهشت مدام مترنيخ لتلك المفاجأة وأجابت جوابًا مبهمًا لأنها لم تكن تستطيع الجواب الشافي، فقال لها عندئذ نابوليون: «اكتبي إلى زوجك واستطلعي رأيه.» ثم تركها مبهوتة ومدهوشة.

وفي اليوم التالي بُدِئَ بالمفاوضات، وما لبثت أن صارت رسمية بين الفريقين، وأخذت جوزفين نفسها وابنتها هورتنس تشتركان فيها كما قدمنا، وكان في طليعة الأسباب التي أفضت إلى النجاح أنَّ البلاط الإمبراطوري في «فِيِنَّا» كان شاعرًا بما جرى من المفاوضات الأولية في بطرسبرج، فخاف أن تؤدي إلى نتيجة وأن يعقد نابوليون مُحالفة مع قيصر الروس، فيصبح موقف النمسا حرجًا من الوجهة السياسية.

ولما تمَّ الرِّضى اتَّفق الإمبراطوران والحكومتان على أن يوفد نابوليون المارشال برتييه إلى «فيِنَّا» ويفوض إليه قبول عقد الزواج بالنيابة عنه، فسافر برتييه في ٤ مارس سنة ١٨١٠ حاملًا الهدايا النفيسة الثمينة للعروس، وكانت على رواية البارون بيروس مُؤلَّفة من عقد لا يقل ثمنه عن ٩٠٠٠٠٠ فرنك، وقرطين قيمتهما ٤٠٠٠٠٠ فرنك، ورسم لنابوليون مُرَصَّع بحجارة من الألماس لا يقل ثمنها عن ٦٠٠٠٠٠ فرنك، مع أن ثروة العروس كلها لم تكن تتجاوز ٥٠٠٠٠٠ فرنك.

وليس من عادة نابوليون أن يسلك سبيل الإسراف، ولكنَّه نظر إلى الأمر بعين الرَّاغب في تعظيم زواجه والمبالغ في إكرام الإمبراطورة الجديدة أمام العالم.

وفي ١١ مارس سنة ١٨١٠ أُقيمت حفلة الزفاف في «فِيِنَّا» بين مظاهر العظمة والأبَّهة، وفي ١٤ منه برحت الإمبراطورة ماري لويز بلاط أبيها في موكب فخم تحت إمرة البرنس دي نوشاتيل، ورافقتها اثنتا عشرة سيدة من سيدات القصر إلى برونو حيث كانت تنتظرها ملكة نابولي — أخت نابوليون — وأهل البلاط الإمبراطوري الجديد، ولما وصل موكب ماري لويز إلى برونو حلَّ الفرنسويون محل النمسويين في خدمتها.

وقيل إن نابوليون شمخ واعتز يوم الزواج، وشعر بما لم يشعر به يوم إحرازه أعظم فوز. ولا بِدْعَ؛ فإنَّ عصاميًّا يخرج من أصلٍ وضيع، ثُمَّ يبلغ ذاك المقام الرفيع ويقترن بابنة بيت من أقدم البيوت المالكة في العالم، لخليق به أن يشعر بتلك العِزَّة والرفعة في مثل ذاك اليوم التاريخي.

على أنَّ العوامل القلبية ما لبثت أن تغلبت على تلك العوامل الفكرية، فعاد نابوليون كما عرفناه؛ أي ذاك الرجل المُلتهب شوقًا إلى وصال تلك الفتاة الشريفة التي انصرفت عواطفه إليها، والتي تجتاز الفراسخ والأميال قادمة إليه لتضع نضارتها وجمالها بين يديه، وليس يدلنا على قوة ذاك الشعور مثل ما كتبته الملكة كاترينا من باريس إلى أبيها ملك ورتمبورج، قالت في أحد مكاتيبها: «لا يمكنك أن تتصور مبلغ اهتمام الإمبراطور بزوجته المُقبلة، وحسبي أن أخبرك بأنه دعا إليه الخيَّاط وأمره بأن يُتقن له صنع الملابس، وأخذ من جهة أخرى يتعلم الرقص، أمر لم يكن يخطر ببالك ولا ببالي.»

وكتبت أيضًا: «لا يمكنني أيها الأب العزيز أن أخبرك عن مبلغ حب الإمبراطور لزوجته، فإنه متشوق ومتحمس إلى حد لم أكن أتصوره ولا أستطيع وصفه …»

وكان من همِّ نابوليون أن يُؤتَى فتحًا جديدًا في الحب، كما أُوتي في ميادين الحرب، فأخذ يبذل الجهد في استنباط ما يجعل ماري لويز تقتنع بحبه لها وما يجعلها تحبه.

أما كيفية تلاقيهما فقد كان موضوع جدال طويل وبحث ضافٍ بين نابوليون وسفير النمسا؛ لأن البلاط النمسوي معروف بإصراره على التقاليد الإمبراطورية، ولا يعرف مبلغ التعب الذي يلاقيه واضع مثل ذاك الترتيب إلا من يعرف شدة حرص البيوت المالكة القديمة على تقاليدها، وحسبنا أن نذكر للقارئ هنا أنهم اضطروا إلى مُة الكتب القديمة الهاجعة في مكتبة البلاط النمسوي، وإلى درس كل ما يتعلق بالحفلات السالفة، وبعد أن أخذوا منها ما يجب أخذه بدأ السفير النمسوي يُباحث الإمبراطور نابوليون ويتفق معه على كل نقطة وكل وجه، وكان من جُملة ما تمَّ الاتِّفاق عليه يوم التلاقي أن يُقام سرادقان كبيران أحدهما للإمبراطور، والثاني للإمبراطورة ثُمَّ يُقام سرداق ثالث بينهما، فيتقدم كل من الإمبراطور والإمبراطورة إليه، ثم تقف الإمبراطورة في مربع وتنحني أمام نابوليون، فيتقدم وينهض بها ثم يقبلها، ويذهب معها إلى مركبة فاخرة ذات ستة مقاعد فيصعدان إليها، ثم تجلس الأميرات معهما. وكل من علم باهتمام نابوليون وسفير النمسا بوضع تلك الخطة لم يبقَ عنده ريب في أن نابوليون كان عازمًا على التدقيق في اتباعها كما دقَّقَ في وضعها، وأنَّ القبلة الأولى التي كان إمبراطور الفرنسويين ينتظرها من كريمة إمبراطور النمسويين لا تُؤخذ إلا بعد شيء من العناء.

على أن طبيعة نابوليون التي عرفناها لم تكن مما يقف أمامها تقاليد ونظامات من ذاك الطراز، فإنه ما علم بسفر عروسه من فيتري إلى سواسون حتى ركب هو وملك نابولي مركبة واحدة وسافر مُتَستِّرًا بلا خدم ولا حاشية، وما وصل إلى كورسيل حتى رأى موكب الإمبراطورة قادمًا، فصعد إلى مركبتها دون أن يعرفه أحد سوى خادم الشرف فصاح: «الإمبراطور …»

بيدَ أن نابوليون كان مشغولًا في تلك الساعة بمعانقة ماري لويز، وبعد أن تمَّ هذا المشهد الذي دهش الإمبراطورة، أمر نابوليون بالإسراع نحو كومبيين، فوصل إليها الساعة العاشرة مساء، وما أشد عجب الموكلين بتنفيذ النظام حين مرَّت المركبة الإمبراطورية مرَّ النسيم أمام المضارب الثلاثة التي كانت مُعدَّة لهما …

وبينما كان الإمبراطور والإمبراطورة وأهل القصر الإمبراطوري يتناولون العشاء في ردهة الملك فرنسوا الأول في كومبيين — وكأني بنابوليون أراد أن يكون تلك الليلة تحت رعاية روح ذاك الملك الذي اشتهر بحب الغواني — أخذت عينا نابوليون تنظران إلى ماري لويز نظرة المتوسل المتضرع، وقال للكاردينال فيش: «أليس بصحيح أننا متزوجان الآن؟» فأجاب الكردينال من غير أن يفكر في نتيجة جوابه: «نعم إنكما متزوجان زواجًا مدنيًّا.» أما ماري لويز فقد أصبح وجهها كالوردة الزاهية عند هذا الكلام، وزاد عجبها لما أظهره نابوليون من قلة الاهتمام بما وُضع من الترتيب والنظام، على أنها لم تستطع أن تُخالف نابوليون فبقي القصر الذي كان مُعدًّا لمنامها تلك الليلة خاليًا من ضيفته الكريمة.

أليس هذا التَّسرُّع دليلًا كافيًا على أن طبيعة نابوليون في سنة ١٨١٠ هي تلك الطبيعة التي بدت لجوزفين سنة ١٧٨٩؟

إن نابوليون كما تقدم عقد زواجه لأجل الذرية، وقام في ذهنه على ما قيل أنَّ ماري لويز قدَّمت نفسها ضحية لسياسة دولتها، فأراد أن يطيب نفسها ويُعزِّي قلبها بكل ما وجد إليه سبيلًا، وأخذ يُظهر لها ما تحلم به وتُؤمله الفتيات العذارى قبل زواجهن، ولما كانت طبيعته على وصفنا لم يلبث أن صار محبًّا بالمعنى الصحيح، عندما رأى تلك الأميرة السَّنِية لينة العريكة نضيرة الشباب مُجرَّدة من الإرادة بين يديه.

ولقد كان المظنون أنَّ حماسة نابوليون تنطفئ بعد حين، فيعود إلى اختيار العلاقات المعتادة بين ذوي التيجان وحليلاتهم، وهي على وجه عام لا تخلو من التحفظ والتكلف في معظم الأسر المالكة، على أنَّ نابوليون لم يكن من تلك الطينة، بل كان يرمي قبل كل شيء إلى تأسيس بيت يسود فيه الحب وتعمُّ الراحة، ولقد ساعدته ماري لويز بما أظهرت من سلاسة المقادة وسُهولة الخلق، فكانت عيشتها راضية رغيدة، وليس ما قاله خصوم نابوليون عن «سوء معاملتها» إلا ضربًا من الاختلاق قصدوا به أن ينتحلوا لها عُذرًا عن خيانتها لذاك الرجل العظيم بعد ما أصابه من الفشل في معركة واترلو بسبب تقصير أحد قواده، ولا يدلنا على حالة ماري لويز مع نابوليون مثل الكتب التي بعثت بها إلى اثنتين من أحب الناس إليها وأصدقهم ولاءً لها، وهما الكونتس كولوريد والكونتس كرينفيل، وإليك شيئًا مما ذكرته لهما بعد وصولها إلى كومبيين بشهر: «إن الله استجاب دعاءكما يوم زواجي، فعسى أن تنالا من السعادة ما أشعر به.»

ثم كتبت في يناير سنة ١٨١١: «لا يسعني أن أتمنَّى لك شيئًا أفضل من السعادة التي أتمتع بها … يمكنك أن تتصوري أننا لا نعدم ملاهي وملذات في مدينة عظيمة كباريس، ولكن الساعات التي أقضيها مع الإمبراطور هي أحب الأوقات إليَّ وأطيبها لديَّ.»

ثم كتبت في مايو سنة ١٨١١: «أرجو أن يصنع ابني — ملك روما — صنيع أبيه، فيسعد كل من يعرفه ويقترب منه …»

ثم كتبت في ١١ يونيو من تلك السنة: «إنَّ حُزني لمُفارقة نابوليون يكدر صفاء السعادة التي أتمتع بها في عيلتي، فأنا لا أستطيع أن أكون مسرورة سعيدة إلا إذا كنت على مقربة منه …»

وكتبت بعد أيام: «لا يسعني أن أكون قريرة العين مُستريحة البال إلا حين أرى الإمبراطور، فالله أسأل أن يقيك مثل هذا الفراق، فإنه شديد أليم على القلب المحب …»

وقالت في أكتوبر من السنة نفسها: «إن اليأس ينزل بقلبي إذا مرَّ يوم واحد ولم يرد عليَّ كتاب من الإمبراطور، وكلما وصل منه كتاب شعرت ببعض التعزية ولكن إلى حين …»

وكتبت في ٢ أكتوبر: «لي أمنية واحدة أسأل الله تحقيقها في وقت قريب هي عودة الإمبراطور، فإن وجود ابني نفسه لا يسليني ساعة واحدة عن أبيه …»

وكتبت في ٢٣ يوليو سنة ١٨١٣: «إنِّي مُسافرة إلى مايانس لأرى الإمبراطور، وإنه لمن السهل عليك أن تدركي مبلغ فرحي بدون أن أشرحه لك …»

فأي منصف يطَّلع على تلك المكاتيب التي أرسلتها ماري لويز في تواريخ مُتباينة لاثنتين من رفيقات الصبا والصديقات الحميمات، ثم يسعه أن يأخذ أقوال أولئك الخصوم على علاتها؟

إنَّ ماري لويز لو كانت سيئة الطالع متحرجة الصدر متشوقة إلى الخلاص من نابوليون وكانت تحذر مغبة التأفف والطعن عليه، لو كانت في مثل هذا المأزق الأليم لاختارت طريق الصبر الجميل وامتنعت عن المُبالغة في شرح الأشواق.

ولما شاع خبر وفاة نابوليون وانتهى إلى مسامع ماري لويز قالت: «إنَّ الإمبراطور نابوليون لم يكن يُسيء مُعاملتي، بل كان على العكس يُظهر لي كل إكرام وإعزاز …» قالت ماري لويز هذا القول الحق بعد أن عشقت الجنرال أدام أدالبير، ذيَّاك الجنرال النمسوي الأعور الذي لم يتفوق بشيء من أعمال الرجال في ميادين القتال، وبعد أن رُزقت منه ولدًا قبل وفاة بطل أوسترليتز، فلو كان نابوليون شريرًا في سلوكه معها كما قيل لما شهدت له تلك الشهادة المأثورة، ولا سيما أن مصلحتها كانت تدعوها إلى قلب الحقيقة لتُخَفِّف من شناعة الخيانة التي اقترفتها بعد فشل نابوليون.

وإذا صحَّ أنَّ ماري لويز قالت بعد زواجها الثاني: «إني لم أكن أشعر بحب شديد لنابوليون.» فإنَّ هذا القول لا يكفي لتكذيب الرسائل التي ذكرنا بعض فقراتها، ولا يُحمل إلا على محمل واحد هو رغبة ماري لويز في مُدارة الجنرال الوضيع الذي اتخذته حبيبًا ثم زوجًا.

وإذا رجعنا إلى المذكرات التي وضعها الأحبَّاء والأعداء وجدنا فيها دليلًا على مُبالغة نابوليون في إكرام ماري لويز، قال كونكور — الذي كان سفيرًا في بطرسبرج: «إن نابوليون كان يُعنى عناية شديدة بزوجته الشابة القليلة الشأن «الإمبراطورة ماري لويز» وكان يشملها بنظرات الحب والسرور ويُفاخر بإظهارها لكل إنسان في كل مكان.»

وذكرت قرينة الجنرال دوران كبيرة سيدات الشرف لدى الإمبراطورة أن «الإمبراطور نابوليون قضى الأشهر الثلاثة الأولى لزواجه مُلازمًا للإمبراطورة لا يُفارقها ليلًا ولا نهارًا، وإذا تركها سويعات قليلة فللقيام بأشغال مُستعجلة»، وقال شامباني: «إنَّ نابوليون كان أفضل زوج في العالم، وليس في وسع أحد أن يُظهر من العناية ورِقَّة المُعاملة وكرم النفس أكثر ممَّا أظهره نابوليون …»

وكان ذلك الرجل الشديد الفخور يتوسل بكل وسيلة ليعرف هل كانت ماري لويز سعيدة حقيقةً أو كان لديها ما تشكو منه، وبلغ منه حب الاستطلاع مرة أن قال للبرنس مترنيخ وهو عند ماري لويز: «أريد أن تحدثك الإمبراطورة بحرية تامَّة، وأن تُطلعك على فِكرها الخاص في شأن مركزها الجديد … أنت صديق لها، فالواجب أن لا تُخفي عنك شيئًا.»

وفي اليوم التالي لقي البرنس وسأله: «ماذا قالت لك الإمبراطورة أمس؟» ثمَّ عاجله قبل أن يُجيب بقوله: «قالت لك أنها سعيدة معي وأنها لا تشكو شيئًا، فآمل أن تُخبر إمبراطورك بذلك …»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢