الفصل العاشر

توزيع التباين، أو …

لماذا نحن جميعًا أفارقة من الداخل

مقدمة

يتعلَّق السؤال الأساسي الذي نُكافح من أجل الإجابة عنه في هذا الفصل ببنية التبايُن الجيني والتباين النمَطي الظاهري لدى البشر. لقد كان من بين ما قمنا بشرحه وتوضيحه في المقدمة والفصول السابقة أن التبايُن يميل إلى الاستمرارية والتواصل، وأن التباين الجغرافي في سمةٍ ما يتَّخذ تركيبًا أو نمطًا مختلفًا عن نظيره في سمةٍ أخرى. وكما رأينا، تَسري القاعدة السابقة على لون البشرة والأنيميا المنجلية.

وهنا نغوص في قلب الموضوع؛ إذ نُناقش ما إذا كان التباين الجيني موزَّعًا وفقًا للمجموعات العرقية. بعبارةٍ أخرى، هل يُفسِّر العرق بنية التباين البشري؟ في الأثناء، سوف تتعرَّف على تاريخ دراسة توزيع التباين البشري، ثم قُوى التطور التي شكَّلت التوزيع الحالي، وأخيرًا ستتعرَّف على اكتشافٍ مُدهِش حديث بشأن شيوع وتفوُّق التباين في أفريقيا.

(١) آشلي مونتاجيو وخرافة العرق

في أربعينيات القرن العشرين، ألَّف عالم الأنثروبولوجيا المتمرد آشلي مونتاجيو، الذي ولد في بريطانيا وتلقَّى تدريبه بالولايات المتحدة، كتابًا رائعًا بعنوان «خرافة العرق». اتبع مونتاجيو، الذي نجا من ويلات الحرب العالمية الثانية والعرقية والتمييز العنصري المتواصلَين في الولايات المتحدة، الخطى الفكرية لويليام إدوارد دو بويز ومعلمه في كولومبيا، فرانز بواس، في توضيح فكرة أن الأعراق البشرية كانت، على أفضل تقدير، تصنيفًا بيوثقافيًّا. وبوصفها تصنيفًا، فقد كانت قائمةً على الثقافة وليست قائمة على حقائقَ عالمية. فلم يكن لها أساسٌ تطوري، واستندت إلى رؤيةٍ جامدة للتنوع. وكان يَعتبر الأفراد الذين استخدموا هذا النموذج معادين لنظرية التطور، وعتيقي التفكير. وذهب مونتاجيو إلى أن العرق قد فشَل، بالتأكيد، في تفسير الاختلاف.

كذلك لم يدَع النمط المثالي سوى مساحةٍ محدودة للاختلافات التي كانت نتاجًا للبيئة. فقد بيَّن بواس، وهو يهوديٌّ ألماني، في النصف الأول من القرن أن شكل الرأس، الذي كان آنذاك علامةً على الأنماط العرقية الأوروبية، يُمكن أن يتباين على نحوٍ واسع للغاية اعتمادًا على التغذية، والهجرة، وغيرهما من العوامل البيئية الأخرى.

كان مونتاجيو، في تأليفه كتابًا كاملًا عن خُرافة العرق، يقصد طيَّ صفحة قرونٍ من الاعتقاد بأن الأعراق حقيقة على المستوى البيولوجي. والواقع أن العديد من الكتب والمقالات التي صدرت قبله وبعده قد سلَّطت الضوء على هذه الفكرة. وفي أمريكا في أربعينيات القرن العشرين، كان التفكير على نحوٍ آخر يبدو حتمًا من الجنون. لقد كان العرق حقيقيًّا في زمن التمييز العنصري؛ فكان يُعتقد أن اليهود والأيرلنديين أنواعٌ عرقيةٌ متميزة. وبالإضافة إلى مهاجمة فكرة الأنماط العرقية ورسوخ هذه الأنماط، أوضح مونتاجيو أن التباين في سمة ما لا يُقابله تباينٌ في أخرى، كما أوضحنا من قبلُ، وأن السمات ذات طابع مُتواصِل ولا تتبع التقسيمات العرقية. ولم يكن لدى مونتاجيو بعدُ علم الوراثة السكانية لتدعيم مزاعمه، إلى جانب ارتكابه خطأ الاستمرار في خلط العرق كمفهومٍ ثقافي بالعرق كمفهومٍ بيولوجي؛ ومن ثم أيَّد التخلُّص من العرق كمفهومٍ ثقافي مع العرق كمفهومٍ بيولوجي. واختلف الباحثون الاجتماعيون اللاحقون مع هذا الجانب من حُجَّته مثلما نفعل نحن.

أثَّر مونتاجيو في جيلٍ كامل من علماء الأنثروبولوجيا. على سبيل المثال، سي لورينج بريس، الذي اضطلَع آنذاك بمُعارضة العرق كمفهومٍ بيولوجي، على الرغم من أن تفسيراته البيولوجية لم تكن واضحة أيضًا. وعلى الرغم من جهودهما الرائدة، يبدو أنه لا العلماء ولا معظم أعضاء الثقافة السائدة الآخرين كانوا على استعدادٍ لتغيير النموذج الفكري السائد.

(٢) ريتشارد ليونتين وتوزيع التباين

والآن نبدأ رحلتنا مع عالم الوراثة السكانية الشاب ريتشارد ليونتين. في خمسينيات القرن العشرين، بدأ العالم في جمع بيانات عن التوزيع العالَمي للسِّمات المندلية البسيطة مثل الخلية المنجلية. ومع تجميع هذه البيانات، قادت إلى بعض الاكتشافات المُثيرة، مثل أن الأشكال المُتعدِّدة للدم، مثل الخلية المنجلية، لم تتجمَّع بالضرورة في أفريقيا. كان ليونتين، وهو عالم في الوراثة التطوُّرية، مهتمًّا بالنموذج الكلي للتباين البشري. وأراد على وجه التحديد أن يَختبر القدر من التباين الذي فُسِّر إحصائيًّا وفقًا للعرق، والقدر الذي فُسِّر على المُستويَين الآخرين — بين الأفراد، وداخل جماعة أو مجموعةٍ سكانية، وبين الجماعات داخل ما يُسمى بالعرق. بإيجاز، قدَّر تحليله الإحصائي، باستخدام تقنية طُوِّرت حديثًا، متوسِّط مقدار التباين على المستويات الثلاثة: داخل الجماعات المحلية، وبين الجماعات داخل الأعراق، وبين الأعراق.

figure
شكل ١٠-١: تمثِّل مخططات فِن هذه ثلاث رؤًى للتباين الجيني البشري؛ (أ) النموذج الجوهري. (ب) نموذج السكان. (ﺟ) نموذج ليونتين ١٩٧٢ (بتصريح من الجمعية الأمريكية للأنثروبولوجيا، رسوم مارك بوكر).

وقد نُشرت النتائج التي توصَّل إليها في ورقةٍ بحثيةٍ معروفة بعنوان «توزيع التباين البشري»، وكانت النتيجة المذهلة أن التباين العادي، فيما يتعلق بأشكال الدم المتعدِّدة التي درسها، كان محليًّا في أغلبه؛ بمعنى أن القدر الأعظم من التبايُن يحدث داخل الجماعة المحلية، ثم يَحدث بعضٌ منه بين الجماعات وإن كان يظلُّ داخل العرق نفسه، ثم تحدث نسبةٌ صغيرة، أقل من ١٠ بالمائة بالتأكيد، وربما أقرب إلى ٦ بالمائة بين الأعراق. وقد تكررت هذه النتائج مرارًا.

يبين شكل ١٠-١ طريقة لتدبر الرؤى العالمية المختلفة للعرق. فيوضح شكل ١٠-١ مدى ثورية نتائج ليونتين. ويمثِّل مخطط فِن الأول (شكل ١٠-١أ)، الذي يضمُّ دوائر أو مدارات تبايُن مُنفصلة ومتداخلة قليلًا؛ رؤيةً نمطية للأنواع العرقية المختلفة. فتجد لكل عرق نقطة مركز يُحيط بها قدرٌ من التباين، يمثله حجم الدائرة، غير أن هناك نقطةَ مركزٍ واضحةً دون تباين مُتداخل؛ فالحدود واضحة وتخلو من أي غموض.

يُظهر المخطط الأوسط، شكل ١٠-١ب، بعض التداخل. وعندما كنا نسأل طبقات وجماعاتٍ أخرى، غالبًا ما كانوا يَعتقدون أن هذا المخطَّط هو الأكثر منطقية؛ بمعنى أنه الأفضل في وصف بِنية التبايُن الجيني البشري. فهو منطقي، على سبيل المثال؛ لأننا نستطيع أن نرى بعض الالتباسات العرقية، كرؤية بعض التداخل في لون البشرة وملمَس الشَّعر على سبيل المثال. ومع ذلك تظلُّ هناك فروق مُتمايزة نوعًا ما في النقاط المركزية. وقد يعتقد المرء من واقع هذا المخطط أن العرق، على الرغم من أنه يحوي بعض الالتباسات في الأطراف، فإنه في جوهره حقيقي ومُفيد.

أما المُخطط الأخير، شكل ١٠-١ﺟ، فهو تمثيلٌ مرئي لنتائج ليونتين الفعلية التي توصَّل إليها في عام ١٩٧٢، أي منذ حوالي أربعين عامًا. وقد وجد أن القاعدة السائدة هي وجود تداخُلٍ قوي على نحو لا يُصدق بين الأعراق، وأن مركز التبايُن في عرق ما كان قريبًا للغاية من مركز التبايُن في آخر. وقد أظهرت كل مجموعة سكانية بالفعل درجة ملحوظة من التباين.

في ضوء نتائج ليونتين، يُصبح من الصعب الاعتقاد ببساطة بوجود أهميةٍ بالغة للعرق. علاوةً على ذلك، نحن نرى تأكيدًا لهذه النتائج حين النظر إلى توزيع السمات المعقَّدة، مثل العدو. كذلك يُخبرنا مثال الخلية المنجلية أن سمةً ما قد تكون عالية في جزء من إحدى القارات ولكن ليس لها وجود في أخرى، وهو ما يُعدُّ مثالًا للتباين الكبير داخل عرقٍ ما؛ لذا ففيما يُعتبر العرق حقيقيًّا على المستوى الثقافي، فإن جدواه محدودة على المستوى الوراثي.

هل للاختلافات العرقية وجود على المستوى الوراثي؟

تبدو الشعوب التي احتلَّت مناطقَ جغرافيةً كبرى لجزء كبير من التطور الحديث للبشر مختلفة أحدها عن الآخَر. فأفارقة جنوب الصحراء الكبرى لهم بشرةٌ داكنة، ومن يَعيشون في شرق آسيا يَميلون إلى امتلاك بشرةٍ ذات سمرةٍ فاتحة ولون وشكل مُختلفَين للعين وشعرٍ مختلف عن الأوروبيين. إذن ثمَّة وجود لهذا النوع من التميز الوراثي — هو وراثي — لبعض ملامح الجسم بين الأشخاص الذين يعيشون في آسيا الوسطى، وأفريقيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية.

وقد كانت تلك الملامح، التي تتحدَّد جغرافيًّا، تُستخدم لإنشاء دلالاتٍ أو مفاهيمَ عامةٍ للأعراق المختلفة؛ فهناك العِرق الأفريقي، والعرق الأسود، والعرق الأصفر، والعرق الأحمر، والعرق البني، والعرق الأبيض. وفي أغلب الأحيان تتمثَّل هذه السمات في لون البشرة إلى جانب شكل الشَّعر وشكل العين وما إلى ذلك. وتلك هي الملحوظة اليومية، «أنهم» جميعًا يَبدون مُتشابهين؛ فيما نبدو جميعًا مختلفين.

السؤال الحقيقي ليس عما إذا كانت تلك الاختلافات في لون البشرة وشكل الشعر وراثية؛ لأنها كذلك. ونحن نعلم ذلك؛ لأنَّ أطفال الجواري السوداوات اللاتي جُلِبن إلى أمريكا الشمالية كنَّ بنفس لون آبائهن. السؤال هو: ما الأمور الأخرى التي تُخبرنا عن الاختلافات البيولوجية؟ كم يَبلغ قدر الاختلاف في الجينات — إلى جانب الجينات المُرتبطة بلون البشرة — الموجود بين هذه الجماعات الجغرافية الأساسية؟

إذا أردنا استخدام مفهوم العرق بطريقةٍ بيولوجية معقولة، فلا سبيل لنا للقيام بذلك إلا حال وجود الكثير من الاختلافات الوراثية بين تلك الجماعات خلاف الاختلافات الظاهرية التي نَستطيع رؤيتها. وهذه مسألة مهمة نستوعبها الآن. ويرجع استيعابنا لها إلى جمع الكثير من البيانات على مرِّ السنين بواسطة علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الوراثة الذين يَبحثون في جينات فصائل الدم وجينات البروتينات وغيرهما من أنواع الجينات من جميع أنحاء العالم؛ فقد كان علماء الأنثروبولوجيا يَجولون فقط لجمع عينات دم من الجميع.

لا بد أن أقول إنني لو كنت هنديًّا من أمريكا الجنوبية، لما تركتُهم يأخذون دمي، ولكنهم فعلوا. ومن نتائج ذلك أنه مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين صار لدينا كمٌّ ضخم من المعلومات بشأن أشكال الاختلاف الوراثي من جميع أنحاء العالم لعددٍ كبير من الجينات لم يكن لها أيُّ صلة بتلك المظاهر الخارجية مثل لون البشرة، ولكن كان لها صلة بفصيلة الدم والبروتينات.

وحين جُمع كل ذلك معًا، صار واضحًا إلى حدٍّ كبير أنه كان يوجد بالفعل فروق بسيطة في تواتُرات أشكال الجينات المختلفة بين ما يُسمى بالأعراق الجغرافية الرئيسية.

صار معروفًا منذ القرن العشرين أن هناك ما يُسمى بتعدد أشكال فصيلة الدم؛ فهناك الفصيلة A والفصيلة B، والفصيلة O، والعامل الرايسي الإيجابي RH، والعامل الرايسي السلبي RH، وما إلى ذلك لدى كل جماعة في العالم. ولكن كان الافتراض القائم أن الناس في أفريقيا سيكون لديهم تواتُرٌ نسبيٌّ مختلف تمامًا للفصيلة A وB وO عن الناس في أمريكا الشمالية أو في أوروبا وفي آسيا.

وما أظهرته كل هذه الدراسات أن ذلك لم يكن صحيحًا؛ فلا يُمكنك حقًّا أن تميز بين مجموعةٍ سكانيةٍ أفريقية، ومجموعةٍ سكانيةٍ أوروبية، وأخرى آسيوية بالنظر إلى تواتر فصائل الدم المختلفة، أو توزيعها النسبي؛ فقد كان بالأساس واحدًا لدى كل هذه المجموعات.

ولا يسري هذا على كل فصائل الدم؛ فثمة فصائل دم عارضة تميِّز بقوة بين المجموعات السكانية المختلفة. فتوجد فصيلة دم تُسمى الفصيلة الدموية «دافي» وتختلف تمامًا ما بين الآسيويين، والأفارقة، والأوروبيين. ولكن ذلك استثناء وليس القاعدة.

بالنسبة إلى كل جين تقريبًا نعرفه، إما أن يكون لدى جميع الناس في العالم نفس الشكل من الجين، وفي هذه الحالة يكون جميع البشر مُتماثلين، أو إذا كان يوجد تباين، فإن تواترات المُتغيرات المختلفة تكون واحدة نسبيًّا، أو أقرب للتماثل، لدى الأفارقة، والآسيويين، والأمريكيين الشماليين، والآسيويين الأستراليين وهكذا. ويمكن أن نَعزو حوالي ٧٪ فقط، حسب تقديري، من إجمالي التباين البشري إلى الاختلافات بين الجماعات، أو بين الأعراق الرئيسية. وعلى كلٍّ، فإن حوالي ٧٥٪ من إجمالي الجينات الوراثية [يأتي في شكلٍ واحد فقط و] مُتطابقة لدى الجميع؛ ومن ثم لا يوجد سوى تمييز محدود للغاية.

كيف تقيس التباين الجيني البشري؟

تتمثَّل الطريقة التي نقيس بها التباين البشري على المستوى الجيني في النظر وإيجاد كل الأشكال المختلفة لجينٍ بعينه، والأشكال البديلة للجين، ثم نرى نسبة السكان الذين لديهم الشكل واحد، والشكل اثنان، والشكل ثلاثة، والشكل أربعة، والشكل خمسة، وهكذا. فإذا كان ٩٩٪ من السكان لديهم شكل و١٪ فقط لديهم شكل آخر، فلا يوجد إذن تبايُن جينيٌّ كبير لدى السكان لهذا الجين، وإذا كانت المجموعات السكانية المختلفة لديهم جميعًا ٩٩٪ من الشكل واحد و١٪ من الشكل اثنين، فلا يوجد إذن تمايُز بين المجموعات السكانية؛ نظرًا لأنهم جميعًا يحملون نفس النسب.

أما إذا كان لدى مجموعةٍ سكانية ما ٩٩٪ من الشكل واحد و١ بالمائة من الشكل اثنين، ولكن كان لدى مجموعةٍ سكانيةٍ أخرى ٩٩٪ من الشكل اثنين و١٪ فقط من الشكل واحد، فسوف يكون هناك فارقٌ كبير بين المجموعتين، على الرغم من أن جميع الأفراد داخل المجموعة السكانية الواحدة متطابقون.

إذن تلك هي الطريقة لوصف التباين. تنظر إلى النسب المئوية للأشكال المختلفة للجين لدى المجموعات السكانية المختلفة وتتساءل: إذا أخذتَ عينة من مجموعة سكانيةٍ ما، فهل تكون نسب الأشكال المختلفة متشابهة سواء كانت مجموعة من السكان الأفارقة، أو الآسيويين، أو الأوروبيين؟ إذا كان الأمر كذاك، فلا يوجد اختلاف «بين» المجموعات السكانية، وكل الاختلاف يوجد «داخل» المجموعات السكانية ذاتها.

إذن ما الذي اكتشفته بشأن الاختلافات بين السكان؟

حسنًا، كانت المشكلة الدائمة التي تُواجه علماء التطور وعلماء الوراثة السكانية آنذاك هي محاولة تمييز قدرِ التبايُن الجيني القائم بين الأفراد والجماعات وما إلى ذلك. ولم يكن أحد يعرف كيفية القيام بذلك؛ إذ كان عليك ربط الجينات بمظهرٍ خارجي ما يمكنك ملاحظته فعليًّا، وغالبية الجينات ليس لها مظهرٌ خارجي يُعبِّر عن التباين الخاص بها.

لذا لم يكن الناس يعرفون حقًّا ما إذا كان الأفراد يتباينون جينيًّا من فرد إلى آخر بقدرٍ كبير أم بقدرٍ محدود فقط. لقد كان بمقدورهم رؤية التبايُن بين الأفراد، ولكنهم لم يعرفوا القدر الذي يُمثله ذلك التباين من إجمالي الجينات. وعلى مدى فترةٍ طويلة، لم يكن لدى أحد أدنى فكرة عن قدر التباين الجيني من فرد إلى فرد داخل جنسنا البشري.

وقد أمضيتُ وقتًا طويلًا وأنا قَلِق بشأن ذلك مثل كثير من الأشخاص الآخرين في مجالي. بعد ذلك التقيتُ شخصًا كانت لديه وسيلة تجريبية للقيام بذلك ولا يدري ماذا يفعل بها، ولكنَّني كنتُ أعلم ماذا نفعل بها. لقد كنتُ شخصًا لديه مشكلة دون وسيلة للحل، وكان هو شخصًا لديه وسيلة بلا مشكلة والتقينا معًا.

وكانت تلك الوسيلة تعتمد بالأساس على استخلاص البروتينات من الأفراد وتسييرها في مجالٍ كهربي لنرى ما إذا كانت البروتينات قد تحرَّكت بمعدلاتٍ مختلفة داخل مجالٍ كهربي. فلو كانت ثمة أشكالٌ بديلة للجينات الخاصة بذلك البروتين، لتحركت تلك البروتينات بسرعاتٍ مختلفة في المجال الكهربي، ويُمكنك تحديد البروتينات بصريًّا عن طريق تلوينها.

إذن ما فعلتَه هو أنك سحقتَ ذبابة فاكهة، وأقحمتها داخل شريحة من الهلام، وقمتَ بتشغيل التيار، فتحرَّكت جميع البروتينات داخل الهلام، ثم أغلقت التيار. بعد ذلك قمتَ بتلوينها، ومن المؤكَّد أنك سوف ترى أن الأفراد على اختلافهم يتحرَّك لديهم نفس البروتين لمسافاتٍ مختلفة. وسيعزو ذلك إلى أن لديهم شكلًا مختلفًا من نفس الجين.

وقد استطعنا استخدام تلك الوسيلة، التي تُسمى الرحلان الكهربي الهلامي، على أي كائن على الإطلاق. إذا استطعتَ أن تسحقه، يُمكنك أن تفعل ذلك، وهذا يشمل الأشخاص. ليس بالضرورة أن تسحق الشخص بأكمله، ولكن يُمكنك أن تأخذ قدرًا بسيطًا من نسيج أو من الدم؛ ويُمكنك أن تفعل ذلك على الذباب، على الفئران، على النباتات، على البكتيريا، أي شيء. وكانت النتيجة أنه على مدار ٢٠ عامًا كان الأشخاص المهتمون بمسألة التباين الجيني يَسحقون كائنات ويقومون بقياس التباين الجيني.

وما اكتشفوه هو أن الكائنات داخل نوعٍ ما مختلفة جينيًّا أحدها عن الآخر على نحوٍ هائل. فيما كان العديد من الناس يقولون: «لا، إنهم جميعًا متماثلون؛ لأن أي اختلافاتٍ جينية هي عبارة عن طفرات وسوف تُطرد بفعل الانتخاب الطبيعي. وفيما عدا بضعة اختلافات سطحية، فإن جميع الكائنات داخل نوعٍ ما تكون متماثلة.»

ولكن هذا ليس صحيحًا؛ فقد اتضح أن ما يتراوح بين ٢٥–٣٣٪ من الجينات داخل نوع ما من النوع المُتغير؛ يختلف من فردٍ إلى آخَر. وهذا هو ما اكتشفَتْه تلك الوسيلة التجريبية، أن ما يَقرب من ربع أو ثلث الجينات جميعًا — ليس جيناتك فقط، بل جينات أي كائن — متغيرة بين أفراد النوع الواحد؛ ومن ثم يُقدِّم لنا ذلك رؤيةً مختلفة لإمكانية التطور. وفي اعتقادي أن هذا «يُثير إمكانية أننا نستطيع التساؤل عن قدر التمايُز الجيني القائم بين البشر في الجماعات السكانية المختلفة.»

كان شخص يُدعى هاري هاريس قد أثبت بالفعل أن هناك الكثير من هذا التباين الجيني لدى البشر، من النوع الذي وجدناه لدى ذباب الفاكهة، والذي وجده الناس في النباتات. وقد استخدم نفس التقنية وبيَّن أن البشر متباينون جينيًّا. ولكن ما لم يكن يعرفه هو قدر الاختلاف الموجود بين الأفارقة، والآسيويين، والأوروبيين وهكذا. ولكن بدأ قدرٌ معيَّن من البيانات يَتراكم، وبحلول عام ١٩٧٢ أصبح الكثير من تلك البيانات موجودًا بالفعل.

استطَعنا آنذاك أن نُحدِّد من واقع بياناتٍ قديمة عن فئات الدم البشري، التي كانت معروفة منذ زمن، ومن واقع هذه البيانات الأحدث عن البروتينات التي تحويها والتي استطعنا تصوُّرها في هذه المواد الهلامية؛ قدرَ الاختلاف بين أي فردَين على المستوى الجيني، وبين مجموعة من الأفراد من فرنسا ومجموعة من الأفراد من أفريقيا الاستوائية الفرنسية. وهذه المجموعة من البيانات أصبحت ضخمة الآن، بمعني أننا نَعلم قدرًا هائلًا عن نوعية التبايُن البروتيني لدى البشر. كان ذلك قبل توليف متواليات الدنا؛ حين كنا ننظر فقط إلى بروتينات الأفراد.

ومن ثم قلت في نفسي: «حسنًا، لقد اكتفينا من هذه البيانات، ولنرَ الآن ما تُخبرنا به بشأن الاختلافات بين الجماعات البشرية.» لذا اكتفيتُ بالنظر في المواد المطبوعة، وكانت هذه المواد في الكتب وما إلى ذلك. وذات يوم كنتُ في طريقي لإلقاء محاضرة، أعتقد في كاربوندال، بولاية إلينوي، أو في مكانٍ ما في الجنوب. كنتُ أعمل في شيكاغو في ذلك الوقت؛ لذا اصطحبتُ معي كتابَين من هذه الكتب ودفترًا، وجدول لوغاريتمات كنتُ بحاجة إليه لهذا الغرض، وحاسبةً يدويةً صغيرة، وجلست خلال رحلة الحافلة هذه لثلاث أو أربع ساعات أنظر إلى الكتب، وأتخيَّر البيانات، وأبحث في جدول اللوغاريتمات، وأقوم بعمليةٍ حسابية، وأُدوِّنها في الجداول. وحين عدتُ بعد رحلة الذهاب والعودة كان لديَّ جميع البيانات التي كنت بحاجة إليها لكتابة الورقة البحثية حول قدر التبايُن الجيني، ومن ثم كتبتُها. وتكرر ذلك في السنوات الأخيرة باستخدام الدنا وغيره. ودائمًا ما تحصل على نفس النتيجة. وهذا يُبين لك أن الخوف من الطيران أمرٌ مفيد، بالمناسبة، لأنك بذلك يكون لديك الكثير من الوقت للعمل على متن حافلة.

إذن ما قدر الاختلاف الموجود بين الجماعات البشرية؟

تأتي الأرقام كالتالي:

بالنسبة إلى البشر عمومًا، وبالنسبة إلى حوالي ثلاثة أرباع جيناتنا ككل، يكون لدى جميع الأشخاص في العالم، عدا فردٍ واحدٍ نادر، شكلٌ واحد فقط من الجين؛ لذا يشترك جميع البشر في ذلك الشكل. بالنسبة إلى نسبة اﻟ ٢٥٪–٣٣٪ أو نحو ذلك من تلك الجينات التي يوجد لها قدر من التباين — أي ٩٩ إلى واحد أو ٥٠/٥٠ أو ٧٥ / ٢٥ من الأشكال المختلفة — وبالنسبة إلى جميع تلك الجينات، لا يهم المجموعة السكانية التي تأخذ منها العينة؛ فالنِّسَب واحدة لدى الجميع. وهذا يعني أنه إذا كان لدى الأوروبيين ٧٥٪ من الشكل واحد و٢٥٪ من الشكل اثنين، يكون لدى الأفارقة ٧٠٪ من الشكل واحد و٣٠٪ من الشكل اثنين، ولدى الآسيويون ٧٣٪ من الشكل واحد و٢٧٪ من الشكل اثنين، وهكذا. ومعظم الجينات تَسير على هذا النحو.

ولكن يوجد عددٌ قليل جدًّا من الجينات، تحديدًا فصيلة الدم دافي، التي يوجد منها لدى جماعات السكان الآسيوية نوعٌ واحد شائع للغاية، وشكلان لدى جماعات السكان الأفريقية، ولكنَّهما ليسا متماثلَين مثل الشكل الشائع لدى الآسيويين، وتوجد نسبةٌ مختلفة أخرى لدى الأوروبيين؛ لذا يوجد اختلافٌ كبير في التواتُرات بالنسبة إلى هذا الجين، ولكن هذا نادر.

وإذا جمعتَ كل هذه الخيوط معًا — وقد فعلنا ذلك الآن فيما يتعلَّق بالبروتينات، وفئات الدم، والآن مع توليف متوالية الدنا، قمنا بتجميع الخيوط فيما يتعلق باختلافات متواليات الدنا — دائمًا ما تأتي النتائج واحدة: ٨٥٪ من إجمالي التباين بين البشر يكون بين أي فردَين «داخل» أي مجموعة من السكان المحليين، أُكرر ٨٥٪ من إجمالي التباين؛ أرجو أن تتذكَّر أن ٧٥٪ من إجمالي الجينات مُتطابِق بالنسبة إلى الجميع. ولكن ٨٥٪ من التباين القائم يكون بين الأفراد داخل السويد أو داخل الدنمارك، أو داخل شعب الإيوي، أو الكيكويو، أو الصينيين، أو شيء من هذا القبيل.

من نسبة اﻟ ١٥٪ المتبقية من التباين البشري، يقسم التباين بنسبة حوالي ٥٠/٥٠ بين الجنسيات داخل ما اصطُلح على تسميته عرقًا رئيسيًّا، بين السويديين، والإيطاليين، والفرنسيين، وهكذا، أو بين الإيوي والكيكويو والزولو أو شيء من هذا القبيل. أما اﻟ ٧٪ الأخرى المتبقية أو نحو ذلك، فتكون بين تلك الجماعات الرئيسية: ذوي البشرة السوداء، والبُنية، والصفراء، والحمراء، والبيضاء.

ما الذي يخبرنا به ذلك عن العرق؟

حسنًا، ربما قد يتبيَّن وجود اختلافاتٍ وراثيةٍ كبيرة بين الجماعات، وأن معظم الجينات كانت مُتمايزة إلى حدٍّ كبير بين الأعراق الرئيسية. والآن، لو تبين أن ذلك صحيح، لكان هناك على الأقل إمكانية، وإن لم تكن مُثبَتة، أن يكون ثمة تمايزاتٌ كبيرة، كما يحب أن يحلم البعض، بين الجماعات في قدراتهم الذهنية، أو في طبائعهم، أو أي شيء من هذا القبيل. وعلى الرغم من أنه لا أحد كان على دراية بأي جينات لتلك الأشياء، فقد كانت على الأقل احتماليةً قائمة.

ولكن حين وجدنا أنه لم يكن يوجد أي فروقٍ وراثية فعليًّا بين الجماعات، عدا لون البشرة وشكل الجسم وبعض الأشياء من هذا القبيل، صار الحديث عن الفروق الوراثية بين الجماعات مُستبعَدًا وأقل إثارة إلى حدٍّ كبير. وكان من نتيجة ذلك أنه من المنظور البيولوجي، كانت تلك التي تُسمى بالأعراق الرئيسية — العرق الأسود، والبني، والأصفر، والأبيض، والأحمر — غير مُثيرة للاهتمام بيولوجيًّا.

وكان هذا بدوره يعني أن الاختلافات التي كان الناس دائمًا ما يُؤكِّدون عليها لأغراضٍ اجتماعية كانت عبارة عن مفاهيم واعتقاداتٍ اجتماعية لم يكن لها، على نحوٍ شبه مؤكَّد، أيُّ أساس بيولوجي؛ ولذلك ينبغي أن نتوقف عن الحديث عن الأعراق الرئيسية؛ لأن الحديث عن الأعراق الرئيسية أعطى انطباعًا بوجود فروقٍ واختلافاتٍ كبيرة بين هذه الجماعات في أشياءَ ذات أهمية — أعني أن لون البشرة، في النهاية، غير ذي أهمية عدا في إطارٍ جماليٍّ غامض — ولكن الأشياء التي كانت لها أهمية بحق هي: شخصيات الناس، مُستوى ذكائهم، سلوكهم، وما إذا كانوا سيُنافسون الآخرين أم لا، وما إلى ذلك. وهكذا صار الدليل القائم أنه لم يكن يوجد أي فروقٍ مُثيرة للاهتمام في مثل هذه الأمور، ومِن ثم ينبغي أن نتوقَّف عن الحديث عن العرق.

لماذا لا يزال الناس مُتمسِّكين بالتفسيرات البيولوجية للاختلاف؟

حسنًا، قبل كل شيء، العرق حقيقةٌ اجتماعية. أقصد أنه يوجد أشخاصٌ داكنو البشرة ويُطلَق عليهم أنهم سُودٌ، وتلك حقيقةٌ اجتماعية. لا يمكنك أن تُنكر ذلك. السؤال هو لمَ يتشبَّث الناس بتلك الحقيقة الاجتماعية؟ يوجد سببان؛ أحدهما تفاؤلي، ويتمثل تحديدًا في أن مجرد تغيُّر فكرة ما أو اعتبارها بلا أساس لا يعني تلاشيها في الحال. فالأمر يستغرق وقتًا مع توالي الأجيال البشرية.

ولكن الأكثر من ذلك أن العرق والتصنيفات العرقية تؤدِّي وظيفةً اجتماعية غاية في الأهمية، تتمثَّل تحديدًا في تبرير التفاوت واللامساواة التي توجد في مجتمع يُزعم أنه قائم على المساواة. إذا كان كل الرجال قد خُلقوا سواءً — لاحظ، ليس النساء، بل الرجال — إذا كان جميع الرجال قد خُلقوا سواءً، فلماذا إذن توجد نسبةٌ أكبر بكثير من السود في السجون عن البيض؟

هل من الممكن أن تكون معاملة الناس لهم غير عادلة؟ فيكون ردُّك: «كلا، لا يمكن أن يحدث ذلك؛ لأننا نعيش في مجتمع من المساواة.» ومن ثم تكون الإجابة السهلة هي: «حسنًا، هم في السجن؛ لأنه ينبغي أن يزجَّ بالمزيد من السود في السجن؛ لأن السود لديهم جينات تجعل منهم مُجرمين.» وجمال تلك الأيديولوجية في تبريرها لما يُعدُّ مصدر العذاب والألم الاجتماعي الأكبر للحياة الأمريكية، بكل تأكيد، والحياة الأوروبية جزئيًّا؛ تحديدًا، التفاوت الاجتماعي الضخم بين الجماعات في مجتمع يزعم أنه مجتمعٌ قائم على المساواة.

ولا بد أن تتأقلم مع ذلك، لا بد أن تُصبح متكيِّفًا معه؛ لأن البديل هو المطالبة بثورةٍ حقيقية في العلاقات الاجتماعية، وهذا ليس بالأمر السهل.

ما العلاقة بين حمضك النووي والشخص الذي تكونه؟

الكلمة التي يستخدمها علماء الوراثة لوصف مظاهرك الخارجية وفسيولوجيتك وتمثيلك الغذائي وتشريحك وما إلى ذلك، بما في ذلك سلوكك، هي النمط الظاهري؛ وتعني حرفيًّا «ما يظهر على السطح»، وهي مشتقة من مفهوم pheno بمعنى يظهر. ويفترض نظريًّا أن يكون ذلك نتيجة الجينات التي تحملها، والتي تُسمى النمط الوراثي.

لقد كان السؤال الذي ظلَّ علماء الوراثة يُكافحون من أجل الإجابة عنه لفترة طويلة جدًّا هو ما العلاقة بين تلك العناصر التي يحملها النمط الوراثي، أو الحمض النووي، وبين ما ينتج في نهاية العملية التطورية، أو النمط الظاهري؟

لا بد أن تتذكَّر أننا نبدأ كبُوَيضة مخصَّبة، وهذه البويضة تمر بانقساماتٍ خلوية وتُصبح كائنًا متكاملًا، وهذا الكائن ينمو ويتطور على مدار حياته. فنحن جميعًا نتطور على نحوٍ مُتواصِل. فنزداد طولًا، ثم نصير أقصر. نزداد ذكاءً، ثم نصير أكثر حمقًا. وهذا يَحدث باستمرار.

إذن السؤال هو: ما العلاقة بين تلك العناصر الداخلية، تلك الجينات، أو النمط الجيني، وبين النمط الظاهري؟ والإجابة هي أننا نعرف من واقع سنوات الدراسة التجريبية والملاحظة العادية أنه لا يوجد علاقة ثنائية بسيطة بين النمط الوراثي والنمط الظاهري. إن الكائن الحي يتأثَّر بلا شك بالجينات بشدة؛ فلا يوجد شمبانزي سوف يُجرى معه حوارٌ تلفزيوني ويقول الأشياء التي أقولها الآن؛ لأن الشمبانزي ليس لديه جينات تُمكِّنه من الحديث، وصياغة هذه الفِكَر النظرية المجرَّدة؛ لأن دماغه لا تتخذ الشكل المناسب لذلك وما إلى ذلك.

إذن فالاختلافات بين الأنواع تكمن بوضوح، بشكلٍ ما، في الجينات. ولكن ليس الأمر في الوقت ذاته أن كل جانب من جوانب النمط الظاهري يتحدَّد وفقًا للجينات؛ لأن البيئة التي تنمو وتتطور فيها، داخل الرحم وبعد الميلاد على حدٍّ سواء، وبيئتك النفسية كاملة، وتعليمك، وما تُشارك فيه، والطعام الذي تأكله، والمجتمع الذي تحيا فيه؛ كل ذلك يشترك في تشكيل النمط الظاهري.

إن ذلك النمط الظاهري لا يُمكن أن يكون شيئًا مؤثرًا في العالم بأي حال. فكما ذكرت، مهما كانت البيئة التي يعيش فيها الشمبانزي، فلن يكون أستاذًا جامعيًّا قط. ومهما كانت البيئة التي نحيا فيها، أعتقد أن من المُستبعَد تمامًا أن يعيش البشر حتى بلوغ ٢٠٠ عام، على سبيل المثال، بسبب جيناتنا.

الشيء المُثير بشأن أنماطنا الظاهرية، أو بشأن تبايُن الأنماط الظاهرية بين الأفراد، هو أنها تتبايَن باستمرار نوعًا ما — مثل الأطوال، أو الأشكال، أو الألوان — فلا يوجد ثلاثة ألوانٍ مختلفة فقط أو أربعة أطوالٍ مختلفة فقط؛ إلا أنَّ الجينات تكون كأجسامٍ منفصلة ذات أشكالٍ مختلفة معيَّنة. فقد يكون لديك الشكل واحد من الجين، أو الشكل اثنان من الجين، أو الشكل ثلاثة؛ ومن ثم يكون لديك تلك الاختلافات غير الملحوظة على مستوى النمط الوراثي، والتي تتحوَّل بطريقةٍ ما إلى تبايُنٍ مُتواصِل بين الأفراد وسلوكهم، وتكوينهم الخارجي، وفسيولوجيتهم، ويكون الأمر أشبه بالرسم بالنقاط، الذي إذا اتُّخذت فيه خطوة إلى الخلف بعيدًا عن الرسم ترى أشكالًا مُستمرَّة، ولكن حين تقترب منها ترى أنها تألَّفت بنقاطٍ قليلة متناهية الصِّغر من الألوان تَلتحم معًا في عينيك وفي دماغك من على بُعد، ولكنها غير ملحوظة وفردية.

والمُراقب الذي يُلاحظ لوحة مرسومة بالنقاط إنما يؤدي عملًا؛ فهو يُشكِّل النمط الظاهري من ذلك النمط الوراثي الكامن، إن جاز التعبير، من خلال تدخُّل عينيه وجهازه العصَبي المركزي. على النحو ذاته، يتحوَّل نمطنا الوراثي إلى نمطٍ ظاهري من خلال العملية التطوُّرية التي تَحدث في بيئةٍ بعينها، وكل بيئة مختلفة، والبيئات في تغير دائم.

إذن توجد علاقة بالِغة التعقيد بين النمط الوراثي والنمط الظاهري. ومن يقولون: «حسنًا، فقط لو كنتُ أعرف كل جيناتك، لعرفتُ كل شيء عنك بالتحديد.» مخطئون. فالواقع أن فكرة أنني إذا استنسختُ شخصًا عن طريق استنساخ جينات ذلك الشخص في فردٍ آخر، فإن الفرد المُستنسَخ سوف يكون متطابقًا مع الأفراد الذين جاءت منهم الجينات، هي فكرة خاطئة. حين كنتُ طفلًّا، كان أشهر الأشخاص في العالم هم توائم ديون الخمسة. كان التوائم الخمسة عبارة عن خمس فتيات وُلدن في المنطقة الريفية بمقاطعة كيبيك، وكنَّ جميعًا مُتطابقات، وكنَّ يرتدين نفس الملابس، وكان شعرُهن مصفَّفًا بنفس الشكل، ومُتشابهات في الشكل، ووُضعنَ فيما يُشبه حديقة حيوان من قِبَل والديهن والطبيب الذي ولَّدهن ومقاطعة أونتاريو. وكان الجميع ينظر إليهن، وكن يُجعلن متشابهات بأقصى قدر مُمكن حتى يكنَّ أعجوبة العصر الحديث. لقد كانت كل منهنَّ نسخة من الأخرى.

ولكن في الواقع، حين تقدَّمن في العمر، حين غادرن هذه البيئة المُصطَنعة، أصبحَت كلٌّ منهنَّ مختلفة عن الأخرى. فصارت اثنتان منهن راهبات، وتزوَّج بعضهن، والبعض لم يتزوَّجْن، وتُوفيت اثنتان منهن فيما لا يزال ثلاث على قيدٍ الحياة؛ وأظن أن أختًا ثالثة قد تُوفيت مؤخرًا. وكانت إحداهن مصابة بانفصام الشخصية، فيما لم تُصَب الأخريات. لقد كانت كلٌّ منهنَّ مختلفة عن الأخرى مثل أي خمس فتيات، وإن كنَّ قد ظللن متشابهات في الشكل إلى حدٍّ كبير.

وتلك هي النقطة المهمة: أنه على الرغم من أن قدرًا كبيرًا من شكلنا الخارجي، ومن ملامح وجوهنا، لا تبدو مُتأثِّرة إلى حدٍّ كبير بالتبايُن البيئي، فإن شخصياتنا وقدراتنا تتأثَّر على نحوٍ هائل وواضح به. ولعل في التوائم ديون مثالًا رائعًا لذلك.

هل الجماعات مثل الأيسلنديين متميِّزون وراثيًّا لكونهم أكثر عزلة؟

لقد ظهرت أيسلندا في نشرات الأخبار كثيرًا مؤخرًا، إثر قيام الحكومة الأيسلندية بمنح الجينوم الأيسلندي كاملًا لشركةٍ خاصة لاستغلاله. ادَّعت هذه الشركة أن السبب وراء رغبتها في امتلاك الأنماط الوراثية لجميع الأيسلنديين هو أنَّ الأيسلنديين شعب متجانس على نحوٍ فريد. ولماذا هم شعبٌ مُتجانس على نحوٍ فريد؟ لأن أيسلندا تأسَّست في القرن التاسع على يد أشخاص جاءوا من النرويج؛ وكان عددهم قليلًا جدًّا، ولم يكن هناك سوى هؤلاء المهاجرين فقط. لم يكن ثمة شخص في أيسلندا عند مجيئهم — وهذا صحيح — وجميع الأيسلنديين في العصر الحالي مُنحدِرون من تلك القلة من المهاجرين الموجودين منذ البداية؛ ولذلك يَرتبط جميع الأيسلنديين أحدهم بالآخر بقرابة قوية؛ ولذا إذا استطعنا بطريقةٍ ما دراسة جيناتهم، فقد نجد جينات لمرضٍ ما وأشياءَ أخرى، نظرًا لارتباط الجميع بالجميع، ويُمكننا إجراء تتبُّع شجرة النسب.

وهكذا فالأمر برمَّته قائم على الادِّعاء بأن أيسلندا شعبٌ متجانس جينيًّا على نحوٍ بالغ. والآن يدعم هذا الادعاء بحقيقة أن الأيسلنديين يتحدثون بلغةٍ اندثرت في العالم بأسره منذ ١٥٠٠ عام؛ بمعنى أنهم يتحدَّثون شكلًا من اللغة النوردية القديمة التي ترتبط بالنرويجية والسويدية ولكن تختلف عنهما كثيرًا. كذلك يُزعم أنهم جميعًا مُتشابهون في الشكل — فلهم جميعًا شَعرٌ مائل إلى الحمرة أو أشقر وما إلى ذلك — ومنعزلون، وجميعهم يعرف كلٌّ منهم الآخر؛ فهي دولةٌ صغيرة للغاية، لا يتجاوز تعدادها ٢٠٠ ألف نسمة فقط.

وهكذا تضافرت كل هذه العوامل معًا، من فكرة انعزال أيسلندا جينيًّا، وقدوم أشخاص قليلين إلى هناك، وانعزالهم على المستوى الجيني عن الجميع منذ ذلك الحين؛ ولذلك يتحدَّثون بتلك اللغة الغريبة، وكل شيء في تجانس.

المشكلة الآن أننا نعرف أن هذا ليس صحيحًا، ونعرف ذلك من مصدرٍ يُعتبر بشكلٍ ما مصدر الفخر الوطني الأيسلندي، ألا وهو القصص الملحمية الأيسلندية (الساجا). تروي لنا القصص الملحمية الأيسلندية، والتي كانت تؤلَّف أو تروى شفهيًّا خلال العصور الوسطى من قِبَل مجموعةٍ متنوِّعة من المؤلِّفين الأيسلنديين وتمَّ تدوينها في النهاية، قصة تأسيس أيسلندا، وقصة الحروب التي خاضها الأيسلنديون، أو الفايكنج.

تعطي القصص هذا الانطباع في البداية بأنه مجتمع في غاية التجانُس. ولكن حين تشرع في قراءة القصص الملحمية الأيسلندية، تَكتشف أن أولئك الأيسلنديين الأوائل، أو أولئك الفايكنج، كانوا في حقيقة الأمر يتكسَّبون رزقهم من القيام بنفس الشيء الذي كان اليونانيون القدماء يقومون به تمامًا؛ فكانوا يَقضون نصف الوقت في الزراعة، ثم في النصف الثاني من الوقت يُمارسون القرصنة. فكانوا يستقلُّون قواربهم، ويمضون لمُمارسة الاغتصاب، وأعمال السلب والنهب، واتخاذ العبيد، ويُقاتلون في كل مكان، وهذا هو ما كان عليه الفايكنج. لقد كان الفايكنج قراصنة، ولم يُحاولوا إيجاد عذر أو مُبرِّر لذلك؛ ذاك كان أسلوب الحياة الذي وصفَتْه القصص البطولية الأيسلندية.

وفي طور هذا الوجود القرصاني، كانوا يتَّخذون عبيدًا، فكانوا يجلبون أشخاصًا معهم إلى أيسلندا من بلادٍ أخرى. يوجد جزءٌ رائع في ملحمة «إيجيل»، حسبما أعتقد، وهي قصة تدور حول رجل أراد شراء جارية؛ لذا ذهب إلى روسيا وتعامل مع تاجرٍ روسي، فطلب منه التاجر الروسي ثمنًا معينًا لقاء هذه الجارية، وقال إن لديه مجموعة من هؤلاء النساء في كوخِه، فقال الأيسلندي: «انتظر لحظة، لن أدفع ذلك المبلغ. هذا أكبر بكثير من السعر المألوف لجارية.»

إذن كان يوجد سعر مألوف؛ مما كان يعني أن الأيسلنديين كانوا يفعلون هذا طوال الوقت. لقد كانوا يَجلبون النساء معهم إلى أيسلندا. إذا نظرت في اتجاه اسكتلندا الشمالية، ترى الكثير من المدن التي تحمل في أسمائها كلمة «نيس» (ness)، مثل لوخ نيس، وإنفيرنيس، وهكذا. إن كلمة «نيس» كلمة أيسلندية تعني الكاب وهو رداء يُطرح على الكتف. كانت تلك هي كل الأماكن التي كان الأيسلنديون ينزلون بها ويأخذون عبيدهم. وثمَّة إحدى القصص البطولية تدور بأكملها حول القتال في جزر أوركني وكيف نزل الأيسلنديون في جزر أوركني ووطدوا مراكزهم هناك وما إلى ذلك.

إذن فأيسلندا، في واقع الأمر، مكان يتألَّف جزئيًّا من سلالات أسلاف أولئك الفايكنج الأوائل الذين فرُّوا من النرويج للهروب من قبضة الملك، ولكن أيضًا يتألف في جزءٍ كبير منه من العبيد الذين جلبوهم من كل مكان، وصاروا جزءًا من تجميعة الجينات الأيسلندية. وهكذا يتبين أن أيسلندا، بل في الواقع حين تنظر إلى الأيسلنديين، حين تنظر إلى بروتيناتهم، حين تنظر إلى حمضهم النووي، يتبيَّن أنهم لا يزيدون عن السويديين، والألمان، والإنجليز، والفرنسيين، وكل شعوب شرق أوروبا، تجانسًا على المستوى الجيني. فهم أشبه بدولةٍ نمطية من دول شرق أوروبا.

(نُسخت بتصريح من كاليفورنيا نيوزريل.)

(٤) تحديث لليونتين: بِنْية التباين الجيني اليوم

لقد قارَب ليونتين الصواب في تحليله للأمر. ومع ذلك، إذا كان قد ارتكب خطأً، فهو أنه لم يَستطع أن يضع في اعتباره أن الجماعة الواحدة قد يكون التبايُن فيها فعليًّا أكبر من جماعة أخرى. لا شك أن ليونتين كان يعرف هذا؛ فقد لاحظ الباحثون، على نحوٍ مُتزايد، أن الأفارقة كانوا أكثر تنوعًا بكثير من بقيتنا. غير أن إجراءه الإحصائي لم يأخذ هذه الحقيقة في الحُسبان. إلى جانب أنه كان يَقيس الأشكال المتعددة لفئات الدم ولم يقم بقياس التباين الجيني البشري مباشرة.

لإنهاء هذه القصة، دعونا نتحول إلى عمل يو وزملائه. مع ظهور التقنيات الوراثية الحديثة، صار مُمكنًا قراءة جزءٍ طويل من الشفرة الجينية لأي فرد. وقد قام يو وزملاؤه بهذا ونشروا ما توصَّلوا إليه من نتائج في ورقةٍ بحثية عام ٢٠٠٢، أي بعد ليونتين بثلاثة عقود.

لقد قاموا بمقارنة تتابُع طويل للدنا لأفرادٍ تمَّ تعريفهم بأنهم «أوروبيون»، و«آسيويون»، و«أفارقة». كان الجزء من الدنا الذي أُخذت منه عينات يتألَّف من ٢٥ ألف من متعددات أشكال النيوكليوتايد المفرد. بعد ذلك قاموا بجدولة عدد الاختلافات بين أي فردَين من إجمالي ٣٠ فردًا، بواقع عشرة من كل ما يُسمى عرقًا.

وقد وجدوا أن متوسط الاختلاف بين أي فردَين أوروبيين وأي فردين آسيويين يزيد قليلًا عن ٠٫٦ / ١٠٠٠، أو حوالي ١٥ إجمالًا. وهذه النسبة ليست مُنخفِضة على النحو الذي يُثير الدهشة؛ إذ إنه قد قُدِّر أن ما يَقرب من ٩٩٫٩٪ من مُتعدِّدات أشكال النيوكليوتايد المفرد مُتطابقة بين أي فردَين، كتقديرٍ أوَّلي. بعد ذلك وجدوا اختلافًا محدودًا للغاية بين فردٍ آسيوي وآخرَ أوروبي. وبعد تفكير في هذا الأمر، وجدوه منطقيًّا كون الحد الفاصل بين هاتَين القارَّتين قابل للنفاذ واختياري نوعًا ما. ووجد مزيد من التباين بين فردٍ أفريقي، من جانب، وآخرَ أوروبي أو آسيوي على الجانب الآخر، بواقع حوالي تبايُنٍ واحد لكل ألف. الإثارة فيما هو قادم. غير أن التبايُن الأكبر وجد بين فردَين أفريقيَّين، بواقع حوالي ١٫٢ تباينات لكل ألف. ولنُعبِّر عنها بشكلٍ مختلف قليلًا، التباين بين الأفارقة أكبر من التباين بين الأفارقة وغير الأفارقة.

figure
شكل ١٠-٢: مخطَّط فِن للتنوُّع الجيني البشري قائم على بياناتٍ مأخوذة من يو وآخرين (٢٠٠٢). المخطَّط لجيفري سي لونج والرسوم لمارك بوكر (بتصريحٍ من الجمعية الأمريكية للأنثروبولوجيا).

يوضح هذا بشكل ١٠-٢. فمُخطَّط فن الجديد يختلف عن المخططات الموجودة في شكل ١٠-١ من ناحيةٍ واحدةٍ بسيطة ألا وهي: أن «دائرة العرق» مختلفة في الحجم. فدائرة التنوُّع الجيني الأفريقي هي الأكبر؛ ومن ثَم يُعتبر الأوروبيون والآسيويون، بشكلٍ ما، مجموعة مُتفرِّعة من الأفارقة. وهذا هو ما يجعلنا جميعًا أفارقة من الداخل. وبقدر ما قد يبدو هذا غريبًا، إلا أن الفصل التالي سوف يوضِّح لك كيف حدث هذا على المستوى التطوري.

ملاحظات ختامية

لعل الحقيقة الأبرز التي نَعرفها عن التبايُن البشري هي أنه محلي. فكل التباين تقريبًا يوجد داخل أي جماعةٍ واحدة. أما ثاني أبرز الحقائق، ربما أبرز مِن الأولى من منظورٍ بيوثقافي، فهي أن معظم التبايُن يظهر في أفريقيا وأن غير الأفارقة مجموعة مُتفرِّعة من الأفارقة. وإذا كان لنا توزيع الأعراق على نحوٍ موضوعي، لكان معظمها أفريقية.

في الفصل التالي نرى كيف جاء هذا التباين.

المراجع

  • Lewontin, R.:
    1972 The Apportionment of Human Diversity. Evolutionary Biology 6: 381–398.
  • Long, J. C.:
    2004 Human Genetic Variation: The Mechanisms and Results of Microevolution. American Anthropological Association. Published on line at: http://understandingrace.org/resources/pdf/myth_reality/long.pdf.
  • Montague, A.:
    1942 Man’s Most Dangerous Myth: The Fallacy of Race. New York: Columbia University Press.
  • Yu N., F. C. Chen, S. Ota, L. B. Jorde, P. Pamilo et al.:
    2002 Larger Genetic Differences within Africans than between Africans and Eurasians. Genetics 161: 269–274.

قراءات أخرى

  • Brown R. A., and G. J. Armelagos:
    2001 Review of Apportionment of Racial Diversity. Evolutionary Anthropology 10: 34–40.
  • Mielke, J. H., L. W. Konigsberg, and J. H. Relethford:
    2006 Human Biological Variation. New York: Oxford University Press.
  • Serre D., and S. Pääbo:
    2004 Evidence for Gradients of Human Genetic Diversity within and among Continents. Genome Research 14: 1679–1685.
  • Templeton, A. R.:
    2003 Human Races in the Context of Recent Human Evolution: A Molecular Genetic Perspective. In Genetic Nature/Culture: Anthropology and Science beyond the Two-Culture Divide. A. H. Goodman, D. Heath, M. S. Lindee, eds. Berkeley: University of California Press, 234–257.
  • Tishkoff, S. A., and K. K. Kidd:
    2004 Implications of Biogeography of Human Populations for “race” and Medicine. Nature Genetics 36: S21–S27.
  • Weiss, K. M.:
    1998 Coming to Terms with Human Variation. Annual Review of Anthropology 27: 273–300.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤