الزواج الأبدي

أنا لا أذكر مما حدث شيئًا، كل ما أدريه أنني عُدت إلى بيتي في قريتنا البعيدة. أكانت عودتي بعد عشر سنين أو بعد عشرين سنة؟ لست أدري؛ فكل ما أذكره أنني عُدت إلى بيتي، بعد غربة طويلة. كانت زوجتي قد خانتني مع رجل آخر. وكنت مكدود النفس ممزق الفؤاد، فعُدت إلى بيتي، لأرتاح على صدر أمي، لأمزج أنفاسي المشتعلة بالغضب بأنفاسها المعطَّرة بالمحبة. نعم! عُدت إلى بيتي.

كان عليَّ أن أدق الباب دقًّا عنيفًا؛ فقد كنا في عمق الليل، والظلمة من حولي تلف النائمين، البيت، وأهلي والجيران، إلا نباح كلب بعيد، عند طرف القرية الغربي، ونقيق ضفادع تقفز قفز عشواء على شاطئ الترعة القبلية.

– مين، مين؟

كان عليَّ أن أكرر قولي «أنا» وأن أرفع من صوتي تمامًا حتى يعلو، لكأنما كان ينبعث من جوف بئر قديمة. عرفت صوت أمي وهي تكرر السؤال قبل أن تجد الشجاعة على فتح الباب؛ فقد كنا في عمق الليل، والظلمة تلف النوم والنائمين، وعرفت وقْع قدميها — كان فيهما قبقاب قديم — وهي تهبط درجات السُّلم الخشبي، وتحدث من حولها ضجة تكاد أن تؤنس خوفها. وعرفتني أمي، وغيبتني بين أحضانها، وعصرت وجهي بقبلتها الطويلة. أنا أحب أمي، وهي تحبني، كانت تفصل بيننا هوة عميقة من بعد الزمن، فعبرناها. تعانقت روحانا في هذا القرب الجميل، بعد أن غبت عنها عشر سنين أو عشرين سنة. إني لا أذكر تمامًا.

قالت لي أمي وهي تعطفني إليها، وتتحسس عظام ظهري البارزة بيديها: بالسلامة يا ابني، بالسلامة عُدت.

– نعم يا أمي، جئت أنشد الراحة.

ومسَّت شعري الأجعد، كأنني طفل صغير، وترقرق صوتها كالماء: لم تتغير كثيرًا، لم تتغير.

وتلفتُّ أبحث عن مرآة أرى فيها وجهي، فلم أجد. وهتفت بي: ولكن لِمَ لمْ تقل لي متى وصلت قريتنا؟

– في قطار الليل يا أمي.

– في قطار الليل؟ ولكن كيف، كيف؟

– جئت في قطار الليل الأخير، والساعة الآن هي التاسعة والنصف. انظري.

– ألم تلتقِ بها في طريقك؟

– مَن؟ إني لم أرَ أحدًا.

– ولا على المحطة؟

فأطرقت بوجهي إلى الأرض وأنا أقول: «لم يكن أحد في انتظاري.» وجذبتها من يدها وأنا أتضاحك. لم ألتفت إليها وهي تهمس: ولكنها لم تَعُد، لم تَعُد. فقد كنت أدير عيني في وجهها، لم تتغير أمي كثيرًا، شعرها ما يزال كما كان، إلا شعيرات بيض تتوجه، ثلوج بيضاء في غير أوانها، وعيناها تبرقان، كما رأيتها في آخر مرة، وإن أصبحتا كشمعتين ساهرتين على جسد ميت، في غرفة مظلمة. وصوتها ما يزال يلمع كالفضة، وإن سَرَت فيه بحة خافتة و… لكنها تمتمت قائلة: كيف لم تَعُد إلى الآن؟ كيف لم تَعُد؟

لم أكن أعرف عمن تتحدث. قلت لها وأنا أتحسس جدران بيتنا: هيا، هيا أريني البيت، حجرة حجرة، لن تغمض عيني قبل أن تراها. لا تغفلي منها شيئًا.

figure

وسرنا معًا نطوف بالغرف، إلى اليمين غرفة مظلمة فيها ولدت في الساعة التي ينحسر فيها قناع الظلمة عن وجه الفجر، لم أملك أن أطأها بقدمي، اكتفيت بأن واريت الباب ونظرت من خلاله؛ كان هناك ثمة أثاث متروك، يرقد مثل حطام رجل عجوز مقعد. وعبرنا ممرًا ضيقًا، وطلعت على سلالم لا أذكر عددها، واستوثقت من مواضع قدمي. كنت أسير في بيتي — لا شك في ذلك — فها هي أمي تسير إلى جانبي، وفي يدها شمعة أهتدي بها وكأنني أضرب في قصر التيه، وأسأل عن كل شيء. كنت أهتدي مع كل خطوة إلى شعوري المفقود، وأعيد بناءه. وكانت ذاكرتي كهذه الغرف المظلمة؛ فأنا أدع شعاع النور ينفذ إليها. قالت لي أمي هامسة: «هس! أخفض صوتك.» ونظرت حواليَّ. كان ثمة باب مفتوح، ورجل عظيم ممدَّد على سرير نحاسي أصفر، يتصاعد شخيره العالي، وتحرس جسده شمعة. قالت لي أمي: إنه أبوك، انظر إليه. ونظرتُ، كان مثل بطل عظيم من أبطال أثينا. وفي الجانب البعيد من السطوح كانت غرفة صغيرة، قلت في نفسي: لا شك أن هذه هي غرفة الدجاج والبط، فهُرعت إليها وأنا أغالب ضحكي، ولكن أمي لحقت بي كأنما فررت من يديها، ووجدتها تصرخ في أعماق الليل: لا تقترب … بالله عليك لا تقترب منها!

جمدت حركتي أمام الباب الخشبي كتمثال من الشمع. إنه مغلق بقفل حديدي ضخم، والصمت يحرسه. ولم أكد أسأل أمي التي أبعدتني عن الباب حتى سمعنا الباب الخارجي يُفتح، ووقْع أقدام على السلالم الخشبية. مَن الطارق الجريء يا تُرى؟ وأمي لا تجيب، إلا من بسمة غامضة فوق شفتيها الذابلتين. أنا إن كنت في وعيي، فأنا أعرف أهلي تمامًا؛ فالباب الخارجي مكتوب عليه اسم أبي، على لافتة نحاسية كبيرة، وأمي تقف إلى جانبي، ولا يمكن أن تكون امرأة أخرى تشبهها، فهكذا عرفتها من قديم، ودمي يحدثني بأنها أمي. نعم! لا يمكن أن يكون ما أراه وهمًا، وأنا أعرف أن لا أحد يسكن بيتنا غيرهما؛ فأنا ابنهما الوحيد. من الطارق الجريء يا تُرى؟ أما أنا فجريت إلى السُّلم، واستندت على سوره الأعلى. كان شبح امرأة يتدحرج صاعدًا على السُّلم، وحين وصلت إلى الدرجة التي أقف عليها مددت ذراعي نحوها، أردت أن أقول لها من أنت، أردت أن أتملَّى في وجهها لأعرف من الغريب، لكنها لم تحاول حتى أن ترفع وجهها لتراني؛ فقد مرت من أمامي صامتة كما دخلت. عبرت بأمي التي قالت لها: هل عاد زوجك؟ والمرأة تجيبها: لم يَعُد بعد، سوف يأتي في قطار الغد. ثم سارت إلى غرفتها، ففتحت قفلها، وأغلقت الباب من خلفها، وأضاءت المصباح.

أما أمي فتناولت يدي وهبطت بي درجات السُّلم، وحين جلسنا معًا في الغرفة المواجهة لغرفة أبي قالت لي: أنت الذي فعلت كل هذا؟

– ولكني لا أعرفها، الذنب ذنبك.

وأطرقت لحظة رفعت رأسي بعدها وقلت: مَن هذه المرأة الغريبة؟

وكان أن عرفت منها كل شيء؛ تذكرت المرأة التي طرقت بابنا ذات يوم طرقًا وحشيًّا، ففتح لها أبي، وسمعته يهدر في وجهها ويقول أن ليس لديه لها عمل، وجريت لأرى المشهد: امرأة تكاد أن تكون في سن الشيخوخة، راكعة على قدمي أبي، تطلب منه عملًا، لها عينان زائغتان، ووجه بارز العظام، ويدها اليسرى مشلولة فهي تترنح على الدوام. أما أمي فكانت جالسة أمام الفرن تصنع لنا الخبز، واللهب في طاقاته يئز أزيزًا، والعَرَق يتصبب من وجهها الأحمر. وأسرعت تهدئ من ثورة أبي. وكان أن دخلت هذه المرأة الغريبة بيتنا، خادمًا تساعد أمي التي كانت ما تزال وحيدة، لا تجد أحدًا يعاونها.

وتذكرت هذه المرأة التي ما كادت تدلف من الباب، وتجلس قبالة أمي، تناولها العجين حتى انتابها شيء عجيب: جحظت عيناها فانبعث منهما بريق عجيب، وارتعشت أطرافها، وتقلص جسدها كله، حتى حسبنا أن الأرض زلزلت من تحتها، ثم ارتمت على الأرض باكية صارخة، وظلت تتقلب على جنبيها، وتتمرغ على الأرض، وتعفر وجهها بالتراب، وتحفر الأرض بأظافرها. كانت تتقلص وتتخلج، ويتصلب جسدها كأنه لوح من الخشب. وكان يخرج من فمها صوت مبهم كأنه عواء كلب. أما أمي فقد أصابها دوار، واتسعت عيناها، وأما أبي فحاول أن يلقي على المرأة الماء البارد عساها أن تفيق، وأما أنا فقد عرفت فيما بعد، حين تعلمت في الجامعة، أن المرأة كانت مصابة بالصرع، وأنه لم يكن لهذا المرض من شفاء. ورحمنا هذه المرأة حين أفاقت من غشيتها، واحترسنا منها حين كانت تعاودها النوبة القاسية مرةً في الأسبوع أو في الشهر وتعوَّدنا على هذا المشهد الغريب منها حين تضرب الأرض، وتأكل التراب، وتعض جسدها، ولم يَعُد لنا من همٍّ إلا أن نبحث لها عن الشفاء.

أما العجائز من النسوة، اللاتي استشارتهن أمي فقد وصفوا لها أخلاطًا عجيبة من الدواء، فلم تفلح. والعرافون الذين لجأنا إليهم نظروا في فناجينهم، وحضَّروا العفاريت، وأخذوا الأثر، والنوبة لا تنفك تلح على المرأة العجوز، التي صِرتُ أحبها كأمي.

وأما أنا فخطرت على بالي الفكرة الهائلة، وما لبثت أن نفذتها في الحال. لا أدري حتى اليوم كيف طرأت على ذهني، ولا أعرف حتى الآن في أي كتاب قرأتها، مع أنني لم أكن قد قرأت فرويد ولا سمعت باسمه. لم أكن غير صبي شقي، تخطر على ذهنه الفكرة فلا يستريح حتى ينفِّذها: ليس للمرأة إلا سبيل واحدة للشفاء، فلم أتردَّد.

تسللت ذات صباح إلى المرأة العجوز، وكانت تكنس الحجرات. اقتربت منها وقلت لها: أم الخير، لماذا لا تتزوجين؟

رفعت رأسها، وثبتت عينيها المفتوحتين في السماء، وارتعشت يدها المشلولة رعشة شديدة، فأعدْتُ عليها السؤال، ولكنها لم تُجِب، بل لن أنسى قط — وأنا الآن رجل عجوز — أنها بكت أمامي؛ فقد عجبت كيف يمكن لمثل هذه المرأة أن تعرف البكاء.

أما أنا فتضاحكت. وربَّت على كتفها، وهمست في أذنها: لقد وجدت العريس!

فاختلج جسدها. لا بد أنها صدقتني؛ فقد بدأت تطمئن إليَّ وإلا لما راحت تسألني من يكون؟ وما لون شعره؟ وعينيه؟ وما شكل وجهه؟ وماذا يعمل؟ ومتى يأتي؟ أما أنا فتصنعت الجد. كنت أتحدث بصوت غليظ كصوت الرجال، وأعقد ما بين حاجبي وأتكلَّف لهجة السادة الأغنياء. قلت لها: سآتي به اليوم، وما عليك إلا أن تصنعي الحنَّاء، وتصبغي يديك وقدميك، وتستعدي لليلة الزفاف.

ولمْ أخلف وعدي؛ فقد أصبحت حياة المرأة في يدي تجربة أريد أن أعرف نتيجتها. وماذا كان يمكن أن يحدث من صبي مثلي يحب المخاطرة ويريد أن يجرب كل شيء، حتى المصير؟!

وطرت إلى حقل أبي. هنالك كان عدد من الأجراء الذين يَفِدون على القرى في موسم القطن، ويجمعون الدودة. كنا نسميهم «البشالوة»، وكنا إذا رأينا جماعتهم تجوب شوارع قريتنا بحثًا عن الطعام أو المأوى نجري وراءهم هاتفين: الخمسة بقرش! ولم يكن أيسر على الواحد منا أن ينفح «بشلاويًّا» بأجرٍ يزيد على أجره اليومي حتى يمثِّل الدور الذي يطلبه منه خير تمثيل. كان اسمه سيد ووعدته بعشرة قروش؛ أعطيته نصفها على الفور وقلت له: ابسط يا عم، ستصبح عريسًا! سألني وهو يفتح فمه ويحك رأسه الصلعاء بيديه: عريسًا؟! قلت: نعم. لليلة واحدة!

وشددته من يديه وسرنا معًا إلى بيتنا في القرية وأنا أقفز من الفرح كأنني كسبت كسبًا كبيرًا. وفتحت لي أمي الباب، وسألتني مدهوشة عن الشاب الغريب الذي جلبته معي. فقلت لها وأنا أبعدها بيدي: إنه عريس أحضرته معي! وضحكت أمي كثيرًا كما لم تضحك في حياتها أبدًا حين أخبرتها بقصة ذلك الزواج؛ وضربت كفًّا بكفٍّ وهي تعجب لشقاوتي التي لم يُرزق بها أحد من خلق الله، ولكنها قالت — كما لو كانت ترى المستقبل بقلبها: ولكني أخشى على أم الخير من هذا الزواج؟!

وجذبت العريس من يده فسار ورائي وطلعنا إلى السطوح حيث تسكن أم الخير في حجرةٍ كنا نحبس فيها الدجاج والبط. وناديت بأعلى صوتي فخرجت أم الخير، بعد أن أطلت علينا من وراء الباب ورفعت ستارةً بيضاء لا أدري من أين أتت بها، ولا كيف ثبتتها على باب حجرتها المتداعية. قلت لها وأنا أرفع من صوتي وألوِّح بيدي في الهواء: ها هو العريس! هه! لا تنظري إليه هكذا!

وحاولت المرأة أن تحجب وجهها بطرف جلبابها، وأطرقت برأسها فاقتربت وجذبت «سيد» من كتفه وقلت لها: ولكني لن أترككما الآن وحدكما. سوف يحضر إليك في الليل، بعد أن ينام كلُّ مَن في البيت. أليس كذلك يا سيد؟ قل لها أن تستعد لليلة الزفاف!

ثم تركناها والفرحة تكاد تطفر من عينيها. أما سيد «البشلاوي» فكان أسرع مني وهو يهبط على السُّلم، ويتلفت وراءه بين الحين والحين كأنه أفلت من فخ محكم. ولما خرجنا إلى الشارع قال لي: أين أجرتي يا عم؟ فأخرجت له من جيبي خمسة قروش كنت قد اقتصدتها مع الجهد.

وفي صبيحة اليوم التالي سمعت أمي تنادي أم الخير. وأيقظتني وقالت لي: انظر ما حدث لها اليوم. لم تصح مع الفجر كعادتها اصعد إليها ونادِها.

وطلعت إليها وبي شوق إلى معرفة ما حل بها، لا شك أنها ستكون غاضبة إذ تبينت كذبي. وناديت عليها. رفعت من صوتي فلم يجبني أحد. ورحت أدق الباب بعنف حتى سمعتها تتحرك نحو الباب. قلت لها بعد أن أطلت من وراء الستارة المضحكة: هه؟ ألم تستيقظي بعد؟ ثم أردفت في لهجة ماكرة: ألم يصحُ زوجك؟

فأجابتني في جد: لقد استيقظ من نومه منذ قليل.

– وإلى أين ذهب؟

– سافر إلى القرية المجاورة.

– ومتى يعود؟

– سيعود في قطار الليل.

– الليل؟

– نعم. في الساعة التاسعة.

وفتحت الباب. واستطعت أن أرى يدها المشلولة مخضبة بلون الحناء. وابتسمت وهي تغلق الباب من خلفها. قلت لها وأنا أضحك: هه … ها أنت قد تزوجت. فأجابت في هدوء: الحمد لله. لقد تزوجت!

لا شك أن هذه المرأة مجنونة. الأمر كله مزاح فكيف تصدِّقه. ولكن … أأكون أنا المخطئ؟ كيف لا أصدِّق عيني؟ قالت أمي: إنك قد تركت النار تأكل جسدها وروحها … وسافرت. وها أنت تعود بعد غربة طويلة، ولا تدري عنها شيئًا. نحن الذين تعذبنا من بعدك. قلت لها: ولكن كيف تعذبت؟

قالت أمي وصوتها المبحوح يختلج في حلقها: لقد خرجت في تلك الليلة إلى المحطة، كما قال لنا جيراننا الذين شاهدوها هناك. انتظرت حتى أتى قطار الليل، وأُفرِغ مَن فيه من المسافرين. كانت تسأل كلَّ مَن تجده في طريقها: «ألم ترَ زوجي؟ ألم ترَ زوجي؟» ولما لم يكن أهل القرية يعرفون زوجها فقد كانوا ينظرون إليها طويلًا. ويبتعدون عنها هاربين.

وحين عادت إلى البيت في تلك الليلة باكية تلقيتها بين ذراعي. كانت تبكي كما لا يمكن أن تبكي امرأة في الوجود. نعم يا ابني. أنا التي تحملت ذلك العذاب كله. وأنت تعرف مشاركة النساء لبعضهن. فبكيت معها. قلت لها لا تحزني. سوف يعود في الغد. اذهبي إليه وستجدينه في قطار الليل. وسوف يقفز من القطار إليك أو يعتذر إليك عن تأخيره. قلتها كلمة عابرة وليتني ما قلتها. فما كنت أحسب أنها ستصبح قاعدةَ سلوكها مدى عشر سنين أو عشرين سنة.

قلت وأنا أحبس أنفاسي: كيف حدث هذا يا أمي: فقالت مؤكدة: إني جادة كل الجد.

– أكانت تخرج كل ليلة؟

– إلى المحطة … تنتظر قطار الليل وتسأل المسافرين عن زوجها الذي لم يَعُد.

– وريح الليل الباردة — في الشتاء — تأكل عظامها؟

– نعم … نعم، هذا ما كان يحدث؛ لقد عرفها ناظر المحطة وعرفها من بعده ثلاثة نظار آخرون شغلوا هذه الوظيفة من بعده. وعرف جنود الحراسة مشيتها فما يسألونها إلى أين هي ذاهبة، كلهم عرفوا حكايتها. وأما أنا فقد كبرت هذه المرأة في عيني، عرفت عاطفتها، فاحترمتها وأكبرتها. لم أسئ إليها يومًا، ولم أسخر بها. أنا التي تحملت ذلك العذاب كله.

قلت وأنا أضع رأسي في يدي: كل هذا وأنا لا أدري! قالت أمي وهي تدعوني إلى النوم شفقةً عليَّ من متاعب السفر: لقد رأيتها بنفسك. عادت بعدك بقليل، بعد أن فات القطار الذي جئت فيه. قلت وأنا أغمض عيني: نعم، نعم. قالت أمي وهي تتثاءب: أرأيت مثل هذا الزواج؟

فقلت وأنا أسحب الغطاء على وجهي: إنه زواج أبدي.

•••

أنا ما زلت لا أعرف مما حدث شيئًا. حين أنفرد بنفسي أقول ربما عاد سيد البشلاوي حقًّا إليها بعد أن نمنا. ولكن هذا التصور محال، وإلا فكيف أنكر عقلي؟ إن الأمر كله كان مزاحًا، وكنت أقدِّر أن ينتهي في ساعة، فكيف به يستمر عشر سنين أو تزيد؟ إن سيد لم يكن يستطيع أن يهتدي إلى بيتنا بعد أن ينام أصحابه، ولغير سبب، أو أعزو ما حدث إلى «الإيحاء» الذي عرفت به حين كبرت؟ كيف تبلغ قسوة الإيحاء هذا المبلغ؟ لو كانت عقيدة من العقائد لتغيرت أو لا نمت من الوجود — الزمان الطويل قادر على أن يغيرها ويمحوها. أنا الآن أحاول أن أريح نفسي. أقول لها إن ذلك سرٌّ يربط نفوس البشر ويكبر عن التفسير، سر وراء العقل، من هذه الأسرار التي تملأ علينا فراغ المكان، وتهوم من حولنا، وتهبط على نفوسنا في لحظات نادرة. منَّا مَن يستسلم لها كأنه متصوف، ومنا مَن ينكرها. نعم … نعم، أنا لا أحاول أن أفسِّر ما حدث، كفاني أني أحسست به.

احترمت جنونها، ورحمته، أكبرت عاطفتها للرجل الذي رأته مرة واحدة فارتبطت معه بهذا الزواج الأبدي. ولم أتبرأ من الذنب الصغير الذي ارتكبته ذات يوم.

١٩٥٢م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤