بشارةُ النَّصر ولعنةُ الشَّتات

اندفَعَ هلالُ بن عامرٍ خارجًا من الخيمة؛ بحثًا عن نسمةِ هواء مُنعِشةٍ ترطِّب صدْرَه في هذا الليل الحالكِ السَّواد، وتُزيح عن نفسه الانقباض الشديد الذي يعصر قلبَه المُحاصَر بالترانيم الحزينة تُهَمهِم بها النساء في الخيمات المحيطة المجاوِرة.

– ما بالُ هؤلاء النسوةِ يَنُحنَ هكذا في استقبال المولود الجديد؟ كأننا نزفُّ أطفالنا للموت قبل أن يتنفَّسوا أولَ أنسامِ الحياة … ما هذا الفأل السيئ؟!

كان الجميع ساهرين فرِحين ينتظرون مولد ابنه الأول، لكنَّ النغمة الحزينة التي طاردتْه إلى الصحراء … كانت نَفْسها التي تودِّع بها النسوةُ قتلى القبيلة وموتاها … فأخَذَ يبتعد موغِلًا في ليلِ الصحراء في محاولةٍ عقيمة للخروج من أسْرِ هذا الشجن الرهيب، الذي جعَلَ الليل عديمَ القمر؛ أكثرَ رُعبًا وظُلمة.

ميراث ثقيل …

ورثَه الأبناءُ عن الأجداد من التغلِبيِّين والبكريِّين … الذين ظلُّوا يتقاتلون أربعين عامًا أو تزيد فيما بينهم طلَبًا لثأرٍ مستحيل … اشتعلتْ من أجله حربُ البسوس، ليروح ضحيَّتها الآلافُ من أبناء وبنات القبيلتَين خلال سلسلةٍ طويلة عنيفة من عمليات القتل والقتل المضادِّ … بعد مقتل ملك التغلبيِّين «كُليب» غيلةً على يد «جسَّاس» فارس البكريِّين، بتدبيرِ عجوزِ النَّحس الماكرة؛ انتقامًا لمقتل أخيها «التُّبَّع اليماني»، فأوقدتْ نارًا لا تنطفئ، يزيد اشتعالها الدماءَ، التي تسيل كلَّ يومٍ على الرمال بحارًا تفيض قبل أن تغيض.

فما العجيب إذن أن يصبح استقبالُ المواليد الجُدد طقسًا حزينًا؛ فالجميع من نسل القبيلتَين على حدٍّ سواء رهينةٌ للموت قتلًا … طال بهم العمر أو قصر.

أربعون عامًا، كان هذا هو المصير والقدَر.

قدَرٌ محتوم، لا هروب منه ولا مفر، حتى شُلَّت الأيدي وكَلَّ البصر؛ فما العجيب أن يصبح الحُزن غذاءً يوميًّا للرُّوح، حتى في ساعات الفرَح.

همَسَ هلالُ بن عامرٍ بهذا لنفسه وهو يتأمَّل بُؤَر النيران المتفرِّقة وسطَ مضارب القبيلتَين … تحاول أن تخفِّف عبثًا من ظُلمة وبردِ تلك الليلةِ العديمة القمر.

لكنَّ السؤال لم يجِد إجابةً إلا في تلك الآهات الحرَّى، التي انطلقتْ من بين شفتَيه تغالِبُ دعواته الهامسة أن يكون المولودُ القادم ذَكرًا.

قال الراوي …

لمَّا غزا التُّبَّع اليماني بلادَ تَغلِب وديارَ بَكْر؛ اختطَفَ جليلة أختَ جسَّاس البكري وزوجةَ كُليب التغلِبي … شقيق الزير سالم أبي ليلى المهلهل … ليتزوجها غصبًا؛ فاتفق الثلاثةُ على تحريرها وقتْلِه، انتقامًا لشرفهم المُهان.

وحدَّدوا الوقتَ والزمان … ودبَّروا التسلُّل إلى خيمته — بمساعدةٍ جليلة — ذاتَ ليلةٍ حالكة السَّواد، مُتخطِّين كلَّ ما أحاط به نفْسَه من رجالٍ وعتاد.

فلمَّا أحسَّ بهم، وبالموت الذي يترصَّده على حدِّ سيوفهم … تنبَّأ لهم في إصرارِ مَن يكشف ويعرف الأسرار … أنَّ مَن سيقتله منهم قبل غيره … سيكون السيِّد على الجميع ويكون الكلُّ عبيدًا رهنَ أمره، قائلًا في صوتِ ضحيَّة محاصَرة: ضربةُ السيف التي ستشقُّ قلبي … ستحدِّد مصيرَ المُلك من بعدي … مَن يقتلني يملك عرشي! … هكذا قُدِّر وهكذا سيكون … العرش والتاج حقٌّ للقاتل وحده.

وانتبه الزير سالِم لمكيدةِ التُّبَّع، التي يريد بها أن يبثَّ بينهم الفُرقة، ويجعلهم يتقاتلون ويقتل بعضهم بعضًا … فاتفق على قتله في الظَّلام بضربةٍ واحدة … ليقتلوا معه بذرةَ الخِلاف التي ألقى بها في حَقْلهم.

وكأنما الأقدار كانت تسخر منهم.

إذ اعترف كُليب بعد أن أجلسوه على العرش.

إنَّه لم يضرب التُّبَّع بسيفه؛ إذ تملَّكه حين أطفأ الزير النورَ في الخيمة … رعبٌ شديد بسبب الظَّلام … فشَلَّ يدَيه. لكنهم لم يُعيروا اهتمامًا لهذا الاعتراف الفاضح الفاجع.

واعتبروه من باب الزُّهد في العرش أو من ضرورات التواضع؛ إذ كان انتصارهم على التُّبَّع وتخلُّصهم من سطوته … كافيًا لصرْفِ الأنظار والنفوس عن التأمُّل والتحقُّق من مقولته.

لقد وحَّد مقتلُ التُّبَّع بين بكر وتغلِب … وهذا يكفي.

كما تمكَّن سالمٌ بحكمته، أن يُقنع جسَّاس بالموافقة على أن يُصبح كُليب — زوج شقيقته — الملِكَ الذي سيوحِّد الجميع تحت مِظلَّتها ومِظلَّته.

ولكنَّ قلب جسَّاس لم يعُد صافيًا تمامًا؛ إذ تملَّكه إحساسٌ قويٌّ أنَّه قد غُرِّر به، فلَمْ يعُد ينام إلا لمامًا.

ولمَّا كان التغلبيُّون هم أهلَ الحرب والقتال وَهُم الأقوى في العتاد وفي الرجال.

ولأنَّ البكريِّين في العادة، كانوا أهلَ الرَّعي ورعاية النخيل وتطهير الآبار والاشتغال بشُئُون الكلأ والأرض.

ظلَّ في قلب جسَّاس شيءٌ ما … دفينًا … يدفعه إلى عدم الرضا والخضوع ويُغريه بالرفض.

وقانا الله وإيَّاكم شرَّ الخضوع للغرض، الذي هو في الحقيقة وقوعٌ في أسْرِ المرض.

•••

أشعلَت العجوز الحُقُود وقلبها محروقٌ … ملآنُ بشوقِ الانتقام لأخيها … قالت لجسَّاس أجِرْني … صِرتُ بلا جيرة … وأنت سيد قبيلتك ولك حرية الخِيَرة، أم أنهم من سلطتك جردوك … يوم سرَقَ الكُليب حقَّك في المُلك وحرموك.

وأشعلَت العجوز في قلب جسَّاس نارًا كان يحاول إطفائها … فصار يُعلنها ولا يهتمُّ بإخفائها.

وصبرَت العجوز حتى سنحتْ لها الفرصة التي تنتظرها … فأطلقتْ ناقتها البَسوس في كروم وبساتين كُليب تأكُل من أشجارها … فتصايح الحرَّاس عليها ولحقوا بها وعَقَروها … ولمَّا تصدَّت لهم العجوز ضربوها … فمضتْ تُوَلوِل وتستجير بالناس وتعلِّق إهانتها في رقبة جسَّاس.

واعتبر جسَّاس ما حدث إهانةً ما بعدها إهانة.

فمضى غاضبًا إلى كُليب طالبًا ما سلب منه من مكانة … تلك التي لم تَعُد تساوي عنقودَ عنب وكرْمٍ دمَّرت أغصانه.

وكلما حاول كُليب تهدئة جسَّاس … زاد غضبه وطالب بدم الحرَّاس … فالناقة وصاحبتها في جيرته … وتحت حمايته.

ولما سخر كُليب من هذا الطَّلب غير المعقول.

طعنه جسَّاس طعنته المهول … التي أشعلَت الغضب في القلوب والعقول.

وظلَّت نارها مشتعلةً لأربعين عامًا، وَقودها الأرواح والنفوس … فيما عُرف عند العرب بحرب «البسوس».

وأعلنها الزير سالم: لا أُصالح … إلا أنْ يعود كُليب حيًّا. يطلب العدل المستحيل … فأرسل الآلاف من أبناء تَغلِب وبَكْر إلى الموت جيلًا بعد جيل.

وغطَّت الصحراء نيرانَ الغِلِّ والغضب.

ولم يستطع أحدٌ إطفاء اللهب؛ فصارت أغاني الفرح تُعزف على ألحان الحُزن … فالأطفال يولدون وقد عُرفت مصائرهم.

وترك البكريون رعايةَ الكلأ والغنم والجِمال.

وتعلَّموا وتفنَّنوا في فنونِ القتال … وظلَّ القتلُ والقتل المضادُّ بين بَكْر وتَغلِب … يطارد القبيلتَين كالقدَر المهيمِن والمعذِّب … وما دام الموت قد أصبح شُغل الجميع الشاغل … تركوا أمور الحياة في يد العبيد والإماء … فجفَّت المراعي وردَمَت الرمالُ عيونَ الماء.

وسبحان من له ملك الأرض … والسماء.

•••

ابتعد هلال بن عامر كثيرًا في جوف الصحراء وعُمق الليل … ولكنَّ لحنَ الحزن ظلَّ يلاحقه ويحاصره.

صاعدًا مع زفرات قلبه لرأسه ملاحِقًا مشاعره.

فهو نفسه قد وُلد يوم موتِ جدِّه هجرس بن كُليب المقتول غيلة … وكأنه يؤكِّد للقبيلة ثنائيةَ الموت والحياة … الميلاد والقتل، ودورها في رسْمِ مصير القبيلة … ما الغريب إذن أن يلوِّن الحزن ألحانَ الفرح … ألَمْ تكُن تلك الأنغام الحزينة هي التي تفتَّحت عليها أُذناه … حُزنًا على موت جدِّه في نفس اللحظة … ليمتلئ قلبه الغضُّ منذ مولده ويفيض بكلِّ هذا الألم والشَّجن الذي تُثيره هذه الصحراء الملعونة … المسكونة بأرواح القتلى من الجانبَين … عبْرَ سنين وسنين تُطارد بإصرارٍ وعناد كلَّ الأحياء بأنينِ أشباح الميتين من ضحايا … وقاتلين.

وفجأة … صمتتْ موجاتُ لحنِ الحزن، وارتفعتْ صيحاتُ البُشرى بقدومِ المولود، والْتقطتْ أذناه على البُعد بشارةَ مجيء الولد الموعود … فافترَّ فمه عن ابتسامة، ونزلت من عينه دمعةٌ تعبِّر عمَّا يجيش في صدره من فرح … وقال: المُنذِر … نعم، هو المنذر ولدي، مرحبًا بك يا منذر. كم أحلُم أن أُخرجك من دائرة الحُزن والموت هذه يا بُنيَّ … نعم لا بد أن يكون عالَمُك أكثرَ بهجةً وفرحًا … ولْنكسر بقدومك حلقةَ الموت الوحشية … ولْيكن من أجلك عالَمٌ تسُوده المحبة … والسلام!

قال الراوي …

كان الإسلام قد بدأ ينتشر في ربوع الجزيرة، ودخل الناس أفواجًا في الدين الجديد الذي يوحِّد القبائل ويُؤاخي بين أعداء الأمس … ويحرِّر العبيد ويُعلن ألَّا فضلَ لعربيٍّ على عجمي إلا بالتقوى … وكانت الدعوة الجديدة كفيلةً أن تأسو جراحاتِ تَغلِب وبكر، وأن تشفي أرواحها من مرارات الانتقام والثأر … لأنَّ الله غفورٌ رحيم … والكلُّ سيقف يومًا بين يدي الرحمن … ليحاسب على ما فعله في دنياه من خير ومن شرٍّ وآثام.

وقرَّر هلال ليلةَ ميلادِ المنذر أن يذهب إلى مكَّة؛ ليقابل رسول الله، وليحصل على بَرَكته وينضمَّ إلى صفوفه ويعاهده على نُصرة الإسلام.

وما إن استقرَّ رأيه على هذا، حتى جمَعَ أربعمائة فارسٍ من رجاله، وانطلق إلى مكة، وكلُّه أملٌ أنْ يحظى بلقاءِ رسول الله، وأن يحصل على بركته ورضاه.

وبالفعل طاف برجاله حول البيت، ثم قابَلَ الرسولَ الذي فرِحَ بانضمام هؤلاء المقاتلين الشُّجعان ذوي البأس الشديد إلى صفوف المسلمين، والإسلامُ يخوض معاركَ شتَّى لترسيخ أُسس العالَم الجديد.

وأمَرَ الرسول هلالًا أن ينزل هو وقبيلتُه في وادي العبَّاس؛ لينْعَم بالاستقرار وليكون بالقرب من مركز الأحداث. وتعهَّد هلالٌ للرسول أن يبذُل المالَ والرجال في سبيل نُصرة الدين الجديد الذي يوحِّد العرب ويبشِّر بالسلام والخير والمساواة والعدل لكلِّ الناس. وارتاحت نفس هلال؛ لأنَّ ابنه المُنذر كان بشيرَ خيرٍ على أحفاد المُهَلهل أبي ليلى … وسلالة كُليب وجسَّاس، وعلامةً فاصلة توقِف إلى الأبد ما كان بينهما من غِل وقتال.

فمضى يؤمِّن الوادي لأهله … ومن حينٍ لآخر كان يخرج مع رجاله المقاتِلين لنُصرة النبي في معارك شتَّى ضدَّ فلول الكافرين … ولمواجهة العشائر المُعادِية للإسلام وللسلام … صلُّوا على طه خيرِ الأنام.

•••

كان الحادي ذو الصوت العذب، يستحثُّ جِمال موكبِ السيدة «فاطمة الزهراء» — ابنة رسول الله — في طريق العودة من زيارةِ بعض أقاربهم بالقرب من المدينة … وكان المساء رقيقَ النسمات، والشمس تميل نحو الغرب؛ فتصنع أشعَّتها الذهبية مع بضْعِ سحابات متناثرة منظرًا رائعًا، يوحي بالسكينة والهدوء … ومَضَت السيدةُ فاطمة تتأمَّل قدرةَ الخالق.

وهي تهمس: «قادرٌ على كلِّ شيء. سبحانه الخلَّاق العظيم!»

وفجأةً … انقلَبَ كلُّ شيءٍ وتحوَّل … واندفَعَ إلى السَّهل المنبَسِط، المئاتُ من المقاتِلين تطارد بعضُهم بعضًا.

هاجَت الإبل التي كانت هادئة.

وصرخ الحادي والمرافِقون محاوِلين الابتعادَ عن الساحة التي تحوَّلتْ إلى ميدانِ حربٍ حاصرتْهم فيها خيولٌ تصهل … ورجالٌ فوقَها يصرُخون ويتقاتلون.

وأطلَّت السيدةُ فاطمة … فراعها تشتُّت رهْطِها … واندفاعُ الناقة التي تحمل هودَجَها فزِعةً نحو الجبل في هياج … فارَّةً من المعركة؛ لتخوض في أحراشٍ شائكة وصخورٍ حادَّة … وهي ترغو رُعبًا.

صرخَت السيدة فاطمة تستنجد بحرَّاسها، ولكنَّهم كانوا قد تشتَّتوا وتفرَّقوا، فدعَت اللهَ أن يحميها، ووجدتْ نفسها تدعو على مَن تسبَّبوا في تشتُّت قافلتها بالشتات في الأرض، وعلى مَن مزَّقوا هدوء المساء وسلامه بمرارةِ التفرُّق والتمزُّق تحت صلصلة السيوف والرِّماح!

وبعد فترةٍ، هدأت الناقةُ حين هدأ القتال، واستبعدت عن ساحة المعركة … ثم وصَلَ الحادي الهارب والحارس إليها، بعد أن استطاعوا جمْعَ شتات القافلة الصغيرة … ليعودوا بها إلى المدينة عن طريقٍ آخر.

وحين وصلتْ حَكَت لأبيها ما جرى؛ فلامها رسول الله وعاتبها، وأخبَرَها أنَّ بني هلالٍ لا يستحقُّون لعنتها، بل إنَّهم يحتاجون لدعائها؛ فقد كانوا يقاتلون بعض أعداء الإسلام الذين كانوا يتربَّصون بها وهي في طريقها إلى المدينة.

قال الراوي …

عندما أخبرَت السيدةُ فاطمة والدها بما جرى لها … افترَّ ثغرُه عن ابتسامةٍ عريضة، ورَبَت عليها في حنان وهو يحمد اللهَ على سلامتها … ونجاتها من ذلك الكربِ الشديد وعودتها.

لكنَّه أخبَرَها أنَّ هؤلاء الذين لعنتْهم، كانوا بني هلال الشُّجعان يتصدَّون لجماعةٍ من يهود خيبر.

تعوَّدوا أن يقطعوا الطريق على قوافل المسلمين المتَّجهة إلى المدينة أو الخارجة منها.

وكانوا يتربَّصون بقافلتها. ولكنَّ العُيون والأرصاد التي بثَّها هلالُ بن عامرٍ أخبرتْه بما ينوي فعْلَه اليهودُ الخيبريُّون.

فأرسَلَ فُرسانه؛ ليُفاجِئُوهم ويؤدِّبُوهم على ما كانوا ينتوون.

ندمَت فاطمة، لكنَّ النبي تبسم وقال إنَّ الأمر استغرق وقتًا أطول ممَّا قدَّروا؛ ولذلك لم ينتهوا من المعركة قبل وصولك آخرَ النهار … حتى لا يُسيئوا إليكِ ويُضطر هجينك للفرار.

وهنا قالت فاطمة وهي آسفة: وهكذا يقدِّر الناسُ، وتضحك الأقدار.

وحزنت لأنها دعَتْ عليهم بالهزيمة والشَّتات، وهم الذين كانوا يؤمِّنون طريقَ عودتها.

هنا مسَحَ الرسول دمعتها، وقال: ادعِي لهم بالنَّصر، لعلَّ الله يستجيب لكِ؛ فيُخفِّف من أثَرِ لعنتكِ الأُولى عليهم.

ساعتها بكتْ فاطمةُ بكاءً شديدًا؛ لأنها لم تكُن تقصد أن تردَّ جميلَ بني هلال النبيل بلعنتهم. وأخذتْ تصلِّي وتدعو الله أن يعفيهم ويكفيهم شرَّ الهزائم وينصرهم على أعدائهم.

وعاد الرسول يبتسم وهو يُطَمئن ابنته الغالية مبشِّرًا أنَّ الله لا بدَّ سيستجيب لها … ولدعوتها الطيِّبة.

ليُخفِّف عن بني هلال وعشائرهم ما كتَبَ عليهم في لوحِ أقدارهم ومصائرهم. وعليهم أن يجاهدوا ما بأنفُسهم من ضَعف وشرور، وأن ينتصروا للخير فيحظوا بالراحة والسرور. والشرُّ بيِّنٌ والخير بيِّن، وكلٌّ مسطور في غيب عِلم الله، وهم خُلقوا للمجاهدة والمجالدة والمعاناة.

والله يسبِّب الأسباب لتكون في حياة هلالٍ وسلالته عبرةٌ لمَن يريد أن يعتبر، من ذوي الألباب.

وما أمر به الله سيكون، بحقِّ الكاف والنون … والقلم وما يسطرون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤