آخر حدود الكرم

– يا للكارثة.

كانت هذه صيحةَ حسن بن سرحان، بعد أن عبَرَ هو وأصحابه متنكِّرين مضاربَ العبيد ورُعاة الإبل … والجنود … وواجهوا الأرض التي يبستْ حشائشها لسنين مَضَت … لم يعلِّق أيُّ واحد منهم … فقد كان كلٌّ منهم يدرك أبعاد المصيبة التي حلَّت بوادي العباس منذ سنوات، فحوَّلته من جنةٍ فيحاء … نضِرة الأشجار سامقةِ النخل وارفةِ الظِّلال … إلى أرضٍ خراب، جفَّت ينابيعها ويبستْ أشجارها … وصارت نخلاتها أعجازًا خاوية.

كانت فكرة الرحيل تلحُّ عليهم جميعًا.

وكان الجميع يقاوم الاقتناع بها … دون أن يجِدَ سببًا لذلك بعد أن عمَّ اليأس ومات الأمل في تغيُّر الوضع، أو سقوط المطر بما يكفي لعودة الحياة إلى الأرض اليابسة.

•••

كان مجلس الأمير حسن بن سرحان قد وصَلَ إلى القرار الأخير بالرحيل … عندما دخَلَ عليهم عديدٌ من شيوخ القبائل ورؤساء البطون، وقد انعقد عزمهم جميعًا على الرحيل، إلى حيث يُنقذون ما بقي من حياةٍ وأطفال … وسيطر الموقف البائس على الجميع، مع أنهم لم يكونوا قد وصلوا إلى تحديد المكان الذي إليه يقصدون.

صرَفَ الأمير حسن الشيوخَ والرجال واعِدًا إيَّاهم تقريرَ الأمر في الصباح.

ولم يبقَ عنده سوى الأمير أبي زيد والأمير دياب بن غانم، والقاضي بدير بن غائم … فالْتفت إليهم وقال: يعزُّ على مثلكم جميعًا أن نغادر هذه الأرض، ولكنْ للضرورة أحكام … وعلى الحكَّام أن يضعوا مصلحةَ الرعية نُصب أعيُنهم، وإلا ما استحقُّوا ما هم فيه من مكانة … فهي أمانة وأيُّ أمانة.

قال أبو زيد: صدقتَ يا ابن سرحان، ولكنْ لا يجب أن نخاطر أو تغادر، دون أن تعرف إلى أين المسير، وكيف يكون المصير … وإلا لكنَّا كمَن يسوق أهله للانتحار والبوار.

قال حسن: هذا ما اجتمعنا من أجله … ولكني أريد أن أتأكَّد أننا قد اتخذنا القرار السليم … فهيَّا … مَن يريد أن يأتي معي فأهلًا … لقد قرَّرتُ التنكُّر في شبابٍ شعراء غرباء؛ لأطوف بمضارب بني هلال لأعرف أحوالهم بنفسي … حتى لا يكون القرار نابعًا من يأسي وعجزي … وإنما استجابة لرغبة الجميع.

استحسَنَ الثلاثة رأيه وأيَّدوه … وفعلوا مثله فتنكَّروا لساعتهم في ثيابِ الشعراء. وخرجوا تحت ستر الظَّلام يطوفون بالخيام … ويرقبون الناس ويتلمسون أحوالهم في الصحو والمنام.

وها قد مضتْ عليهم ثلاثةُ أيام وثلاث ليالٍ … شاهدوا خلالها من مظاهر الفقر والحاجة ما لا يصدِّقه عقل.

واستمعوا لحديثِ الجَوعى والصَّرعى … والعطاش … ولمسوا بأيديهم ما آل إليه الحال … تلك التي دفَعَت الأمير حسن … أن يصرُخ في ضيق بعد أن خرجوا من مضارب رُعاة الغنم والجِمال.

– يا للكارثة.

قال الراوي …

سار الأربعة الأمراء المتنكِّرون في ثياب الشعراء الغرباء … دون أن ينطق أيُّهم بكلمةٍ أو حرف، وقد عصَرَ قلوبهم — وهم الفرسان الشجعان — أبشعُ أنواع الخوف … الخوف من المستقبل، والخوف على الأطفال … لقد ذبَحَ الناسُ كلَّ ما يمكن الاستغناء عنه من الغنم والجمال، وباع معظم الناس كلَّ ما يمكن بيعه لقاءَ مال … ولمَّا طال المسير في صمت … وطال عليهم الوقت … وكلٌّ منهم يتشاغل عن الآخرين بحُزنه … ويُخفي عنهم همَّه وشجنه.

لاحتْ من بعيد نارٌ خافتة … لكنَّها كانت كافيةً لتكون لأبصارهم لافتة … فوجَدَ كلٌّ منهم فيها حجَّةً ليبدأ الحديث؛ فقالوا كلُّهم في وقتٍ واحد: هيا لنعرف أحوال أصحاب هذه النار … ولنعود قبل أن يدهمنا النهار.

صلُّوا على النبي المختار … الذي اخضرَّت تحت قدمه الأرض البوار … كانت تلك مضارب الأمير مفرج بن نصير … الذي كان جالسًا أمام خيمته يشكو للسماء مثلهم شديدَ حاجته وقلَّة حيلته … فقَدْ ذهبت المجاعة بكلِّ ما لديه من إبل، إلا ما يكفيهم للرحيل … ولعدَّة أيام مضتْ، لم يعُد لديهم طحين ولا عجين.

ولأنه لم يعُد يطيق سماع آهات الشكوى والأنين … خرج يستروح نسيم الليل ويفضي بشكواه … للإله الرحيم … وليُخفي عن أهل بيته ما يراوده من حزنٍ يجعل الدموع تطفر من عينَيه … وهو الفارس الذي كانت مضاربه مقصدَ المحرومين والمحتاجين.

ارتعشتْ شفتاه عندما لاح له خيال الراكبين الأربعة يقتربون في الظَّلام … وقال: اللهم اجعله خير … ولا تفضحنا أمام الغرباء.

ولمَّا تأكَّد أنَّهم ليسوا من أهل الحيِّ؛ ازداد اضطرابه … وعذابه … وكادت عيناه تذرفان الدموع … عندما حيَّوه بالسلام … وقالوا: أيها السيد الكريم … هل لك أن تقبلنا ضيوفًا لليلةٍ واحدة … فقد طالتْ بنا الطريق … وأجهَدَنا السفر.

قفَزَ الأمير مفرج وهو يفعل المستحيل ليُداري اضطرابه، مرحِّبًا … هاشًّا … وهو يدعو الله ألَّا يلاحظوا فقرَ حاله … وسوءَ أحواله.

– يا أهلًا بكم وسهلًا أيها الضيوف … نزلتُم أهلًا وحللتُم سهلًا … هذه داركم ولكم كل الفضل والمعروف.

ونزل الأمراء المتنكِّرون في ثياب الشعراء الغرباء عن رواحلهم … ودخلوا الخيمة حتى دعاهم للجلوس وهو يداري اضطرابه … ويُسرع إلى زوجته وهو يدعو الله ألَّا يلاحظ الضيوف ما به.

وفوجئتْ زوجته «بهيٌّ»، التي كانت من أجمل نساء الحيِّ، بزوجها يطلب منها أن تجهِّز عَشاءً لأربعة … وهو يعرف تمامًا أنهم منذ يومَين لم يذوقوا شيئًا من الطعام … وأنهم ذبحوا وأكلوا كلَّ ما لديهم من أنعام.

فصاح بها وقد نسِيَ حذره: اذهبي على الفور إلى أبيك شيبان، وأحضري ما تجِدينه لديهم من طعام … هيَّا فقد قصَدَنا هؤلاء دون العربان … وجاءونا من أبعد مكان … هيا … هيا.

ودفعها بلهفةٍ إلى الذهاب … وعاد ليرحِّب بضيوفه، الذين لم يخفَ عليهم ما هو عليه من اضطراب … بعد أن سمعوا سؤال زوجته … وسمعوا ما ردَّد به من جواب.

لكنَّهم لم يُظهروا شيئًا … وأخذوا يضربون معه في دروب الأحاديث والحكايات؛ ليخفِّفوا عنه ما به من عذاب.

ثم رأوه وهو يقوم في لهفةٍ ليجيب نداء زوجته، التي عادت من عند أبيها … ولم تستطع رغمَ ما حاولتْه من همس … أن تخفي ما عادت به من يأس … لكنَّهم حبسوا أنفاسهم عندما سَمِعوه يحاول أن يكتُم آهاتِ ألَمِه … وهو يستمع إليها تطلُب منه أن يخرُج في الحال … ليبيع ابنته لأيِّ مَن يريد أن يشتري جاريةً حسناء … لإطعام ضيوفه … فليس لديهم شيءٌ آخر … وأنها سوف تجهِّزها له في ثوانٍ.

لكنَّ الفتاة وكان اسمها «الثريَّا» … وكانت تستمع لمَا يجري في ألَمٍ وحُزن منذ وصَلَ الضيوف … ورأتْ ما هو عليه حال أبيها وأمِّها من اضطرابٍ وكرب … وتصوَّرتْ مدى فضيحتهم بين العرب … لأنَّهم لم يستطيعوا أن يضيِّفوا أربعةَ شعراء غرباء، نزلوا عليهم ذات ليلة … فقالت: أنا جاهزة … يا أبي … هيَّا بنا.

•••

لم يعُد الأمير مفرج إلى ضيوفه … بل انطلق على الفور مصطحِبًا ابنته؛ ليدور بها على شيوخ القبائل … وأهل الفضل. وهو يدلل عليها … وينادي: مَن يشتري بنتي «الثريَّا» بعَشاء أربعةِ ضيوف.

وكان أبو زيدٍ قد أسرع في خفَّة يتبعه خِفية … ليرى ما الذي ستكون عليه نهايةُ هذا الحادث العجيب، والأمر الغريب. وكانت السيدة «بهي» زوجة الأمير مفرج … تحدِّث ضيوفها وتسامرهم من وراء ستار، وتهوِّن عليهم الانتظار، متعلِّلة إليهم أنَّ أمرًا عاجلًا قد استدعى أن يخرُج الأمير لأمرٍ عاجل، وسيعود بمجرَّد أن تنتهي هي من إعداد الطعام.

وفجأةً دخل أبو زيد وهو يلهث، وهمس في أذن الأمير حسن بشيءٍ جعله يتسلَّل بسرعةٍ وخفَّة، خارجًا دون أن يَنبِس بكلمة، حتى لا يلفت أنظار صاحبة الدار … وأسكت أبو زيد رفيقَيه اللَّذين دُهشا لمَا يحدث … وهم يرون الأميرَ حسن يمتطي حصانه، ويسابق الريح، ويختفي وسطَ ظلام الليل الدامس … همَسَ لهما أبو زيد بإجابةِ سؤالهما قائلًا: إنَّ الأمير مفرج سيتوجَّه إلى منازل الأمير حسن؛ ليبيعه الثريَّا … بعد أن يئِسَ من بيعها لغيره … الجميع كانوا مذهولين لجمالها وحسنها … ولكنَّ الجميع يقولون … وإذا اشتريناها فماذا نُطعمها ونسقيها؟

أخذ القاضي بدير يُبَسمِل ويحوقل … وهو يقول: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله … اللعنة عادتْ تلاحق بني هلال … هذا ما كُتَب علينا وما قدِّر … لا حول ولا قوة إلا بالله … مكتوبٌ أن نغترب حتى في ديارنا … وأن تلحق بنا اللعنة … الأرض شربتْ من الدم ما جعلها تقسو وتتحجَّر … ماتت القلوب فمات الزرع الأخضر.

وبينما هم في الحديث … إذ دخَلَ عليهم الأمير حسن وهو يلهث فجلَسَ يلتقط أنفاسه والكلُّ يحاول أن يعرف ما جرى … وهو يهدِّئ من لهفتهم بالإشارة؛ حتى لا يسمع أهل الدار ما سيقول … وكانت السيدة «بهي» تروِّح عنهم بالحديث؛ حتى لا يحسُّوا بغياب الأمير مفرج ولا بتأخُّر العَشاء. ولمَّا تركتهم لتستقبل زوجها الذي عاد فرحًا مجبورَ الخاطر على ما يبدو هذه المرَّة … فانشغلتْ به عنهم.

حكى لهم الأميرُ حسن ما جرى منذ خروجه على عَجَل … وكيف حمِدَ الله أنَّه وصَلَ قبل وصول الأمير مفرج … فبدَّل ثيابه قبيل دخوله عليه بلحظات … وكيف بكى عندما رآه يدلل على ابنته الجميلة «الثريا» … ويرجوه أن يشتريها لقاءَ عَشاء أربعةِ شعراء.

وحكى لهم كيف طيَّب خاطره وردَّه مكرمًا مع ابنته، بعد أن أمَرَ له ببعضِ الدقيق والسَّمن من بيت المال … وكيف أسرع ليستبدل ثيابه مرَّة أخرى … ويُلهب ظَهْر فرسه حتى يصِلَ قبل عودته.

وأخَذَ الأمراء «الشعراء» الأربعة يتبادلون حديث الدهشة والعجب، حول هذه القلوب التي من الذهب … وهم يتابعون ما صار إليه الحال؛ إذ انقلبت من الصمت والاضطراب المثير للألم، إلى بهجةٍ وفرحة … وعمَّت المكان حركةٌ مليئة بالحيوية؛ إذ قامتا «بهي» و«الثريا» … فعجنتا وخبزتا وأشعلتا النار، وفاحتْ ريحة الخبيز تبشِّر بتحقيق الأمل.

ودخَلَ الأمير مفرج على ضيوفه هاشًّا باشًّا، يضحك مرحِّبًا … فقد ستَرَها الله معه، ولم يفضحه، وسيتعشَّى الشعراء الغرباء … ولن يقولوا إنهم قصدوا ذاتَ ليلة مفرج بن نصير … وباتوا من غير عَشاء.

•••

لم يجِد الأمراء المتخفون في ثياب الشعراء شيئًا يقولونه أثناء طريق العودة … فقد كان الأمر أكبرَ من أن تعبِّر عنه الكلمات … لكن الأمير حسن الْتفت إلى أبي زيد وقال: يا سلامة … لقد فاجأتَني حين طلبتَ أن تأخُذ معك أولادي الثلاثة: «يحيى»، و«مرعي»، و«يونس»؛ لكشف الأرض والطريق وريادته … كنت أعرف أنَّك تضع العقدة في المنشار … وكنت سأرفض … ولكنِّي الآن خجِلٌ من نفسي … فها هو الرجُل كان سيبيع ابنته لقاءَ إطعامنا لليلةٍ واحدة … فكيف أبخل بأبنائي في سبيل إطعامِ الهلالية!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤