لا آكُل طعامَ عدوِّي

لم يصدِّق حسن الهلالي ما قالوه؛ أن الكتب قالت إنَّ ديابًا هو الذي سيقتل الزناتي … وقال: إنَّ هذا من الخرافات.

أو هو من أكاذيب سعدة بنت الزناتي، التي وعدتْ أن تفتح أبواب تونس أمام أهل حبيبها ولم تفعل.

ويقول الراوي …

إنَّه على العكس من ذلك، صدَقَ وتأكَّد من قراءة الرمل … أنَّ ديابًا هو قاتل الزناتي … حتى ولو تمكَّن منه فارسٌ آخر … وحده دياب الزغابي، هو الذي ينتزع الحياة من قلب الزناتي.

ولهذا أسرَّها في نفسه، وأصرَّ على إبعاد دياب بعيدًا عن المعركة والنزال … ودبَّر حتى اختاروه لحراسة المال، من قطعان الأغنام والجِمال … وأرسلوه بها بعيدًا عن ساحة القتال … هناك في وادي الفضاء وبرِّ غلامس وأرض العويجة والمرجة الخضراء … كثيرون من الزغابة وبعض العبيد والإماء.

لكنَّ الأمور تغيرت والأحوال تبدَّلت … وبعد أن كان الزناتي يرفض الخروج من الأسوار ليقاتل … أصبح يوميًّا، على الله، يصول أمام معسكر الهلالية، وهو يصيح في عنجهيَّة: هل من منازل؟

فأبو زيدٍ هو الآخر طريح الفِراش بعد أن عضَّه الثعبان … ولم تُجدِ معه المراهم والبلاسم؛ فرقَدَ عاجزًا مشلولًا … لا يُناجز ولا يبارز.

وأثناء هذا، قتَلَ الزناتي العشرات من أمراء الهلالية … واضطر حسن أن يرسل تحتَ ضغط «الجازية» وأبناء وبنات المقتولين وبناتهم؛ لاستعداء دياب لينجز مهمَّته التاريخية … ويخلصهم من المأزق الذي وضعتْهم فيه غباوتهم في فهْمِ الإرادة الإلهية.

ووجَدَها دياب فرصته للانتقام ممَّن يتمنون موته، ولإذلال حسن نفسه، الذي لا ينزل له من زَوْر … فركبه الغرور وتمادي في إملاء شروطه.

وبينما هو جالس في ظلال شجرةٍ في بريَّة الغلامس، في انتظار وصول أبيه غانم وأخته غنيمة على رأس موكبٍ يضمُّ ثمانين أميرًا وثمانين فقيرًا وثمانين فقيهًا من الهلالية … إذ جاءه بعضُ العبيد صارخين زاعقين مستنجِدين: النجدة يا أمير دياب … النجدة والغوث.

هبَّ الأمير دياب على حيله.

وامتطى خيرَ مُهرة من خيوله … وصاح بهم: من أيِّ شيء تهربون وتصرخون؟!

قالوا: عفريت من الجنِّ خرَجَ علينا مهول الخِلقة، طويل القامة … رأسه في السحاب، وكعب رجله يشقُّ التراب … هجم علينا كالزوبعة، ما أسرعه! وبكفٍّ واحد اختطَفَ فصيلًا من مالك وجِمالك، ورفعه من رقبته كأنَّه يُمسك بأرنبٍ في قبضته، وحطَّه على السرج أمامه … ومثلما ظهَرَ كالبرق اختفى كلمحِ البصر … وانصرف كما حَضَر.

قال الراوي …

لمَّا حكى الرعاة لدياب ما نظروه … وهوَّلوا في وصفِ ما رأوه … قام من فوره، وامتطى فرسه الشهبا … التي صار لها زمان لم تخُض حربًا … ونادى عبده بدران … وقال له: قصَّ الأثر يا بدران … وهيا نلحق بذاك العفريت من بني الجان.

ومضى بدران أمامه على الحصان يقرأ الآثار … ويقوده على الطريق الذي سلكه المارد الجبَّار … حتى انتهوا إلى خيمةٍ أمامها صبيَّة … لها قامةٌ ألفيَّة … وذات حُسن وجَمال … وقدٍّ واعتدال … وأمامها ذلك الجزور الذي سُرق من صغار جِمال دياب … وهو مجزور … مقطَّع على جلده أمام الباب.

فلما رأتْهما قادمَين، قامت لهما واقفةً على القدمَين … حاسرةَ الرأس دون خِمار ولا ستار.

صاح بها دياب المُهاب: الْزمي خِباكِ يا امرأةَ السُّوء، لا رحِمَ الله مَن ربَّاك.

صاحت به المرأة السافرة … في لهجةٍ قادرة: الْزم حدودك أيها الفارس … فأنت هنا في برِّ غلامس … وهي أرض زوجي أبي خريبة الفارس الجبار، أخو الزناتي قاهر الأشرار.

قال العبد بدران: يا ستَّار.

والْتفت فإذا بجيشٍ جرَّار من مائة فارسٍ مِغوار … صاح ما هذا؟!

فصاحت به: يا هذا … إنَّه صاحب البيت جاء ليُقيم بناءه … ويحميه ويقتل أعداءه.

سخِرَ منها دياب … وأمَرَ عبده بدران بلقاءِ القادمين، وأمَرَه أن يقتُل أفرَسَهم ويأتي بفَرَسه في غمضةِ عين.

فانطلق بدران وهو لا ينوي ملاقاتهم … وعيناه تدوران في المكان؛ لتجدا مفرًّا من مواجهتهم … فلم يجِدْ خلف التلِّ إلا جُحر ضبعٍ، ساكنه ليس فيه … فدفن نفسه فيه، طالبًا من الله أن يُخفيه … وعن عيونهم يُداريه.

أمَّا ما كان من أمر دياب، فقد الْتفتَ إلى زوجة أبي خريبة … وقال: أمَّا أنا فسأذهب لأتوضَّأ ولأصلي الفرض؛ حتى أكون جاهزًا لملاقاة فارسك ودفنه في سابع أرض.

ولوى لجامَ فرَسِه، وانطلق إلى عين الماء … في انتظار ما تأتي به الأنباء.

أمَّا أبو خريبة، فإنه عندما وصَلَ إلى حيث زوجته … سألها حين رأى آثار الشهبا عمَّن كان في ضيافته.

فقالت له عقيلة زوجته: إنه دياب، أميرٌ من بني هلال … الذي خُطِف هذا الجزور ممَّا يملك من الجِمال … وقد جاء يطلُب الثأرَ منك، ويدعوك إلى القتال.

ارتجفتْ رُكبتا أبي خريبة … لكنَّه أخفى الخيبة … فقَدْ كان يعرف قبل كل الزناتية … أنَّ لهم في سيف دياب ما يكفي من أسباب المنيَّة.

فقال لعقيلة: إذن لقد تعدَّينا عليه … وأغَرْنا على ما لديه … فقومي في الحال … وخُذي له ملء هذه القصعة من اللَّحم والزبد … وحاولي أن تُرجعيه عمَّا ينتويه … وعن قتالي أثنيه … وصالحيه … وانصحيه أن يعود من حيث جاء … وإلا فلن يكون له بعد اليوم من رجاء.

ضحكتْ عقيلة في سرِّها … وأخفَت ابتسامتها في كمِّها … وقامت فجهَّزت اللحم والشواء، وحملت منه أطيبه مع جرَّةٍ ما … وتتبعتْ أثر دياب حتى لحقتْ به عند العين.

وكان دياب قائمًا يصلِّي … فانتظرتْ حتى انتهى من صلاته … ثم قرَّبت منه اللحم والزبد … ودعتْه للطعام … ليسود بين زوجها وبينه السلام.

ولمَّا انتهتْ من الكلام … قال لها: يا عقيلة … ضعي الماء الذي أحضرتِه أمام الفرس … فإن شربتْ منه؛ فسوف أسمع كلامك … وآكُل من طعامك.

ولمَّا قدَّمت عقيلة الماء وضعتْه أمام الشهبا … حمحَمَت الشهبا غاضبةً ورفَسَت القربةَ فسكبتْها.

وهنا ضحِكَ ديابٌ وقال لها: أرأيتِ يا عقيلة … أنا آكل طعام عدوِّي … فقومي، اذهبي إليه واجعليه ينتظر قدومي.

•••

كان أبو خريبة حاكمًا على هذه الأقاليم. ولَّاه أخوه الزناتي عليها … وأطلَقَ يده في قبائلها؛ فأسرف في الظُّلم حتى استجارتْ منه القبائل … إذ كان يُغِير عليها كلَّ حين؛ ليخطف العذارى من بنات شيوخها وأمرائها ويضمَّهنَّ لحريمه … وكانت عقيلة ابنةَ أحد شيوخ تلك القبائل، خطفها وأسكنها في البرية؛ لأنها لم تُنجب له أطفالًا.

ولذا فكَّرتْ أنَّ ديابًا قد يكون مُنقِذها من هذا العذاب … ولذا حذَّرته من أبي خريبة … وقالت لدياب إنها تريد مساعدته؛ لكي يخلِّصها ممَّا هي فيه … ويُعيدها لأهلها.

قالت له: إنَّ أبي خريبة عندما يأكل؛ فإن الجزور كلَّه لن يكفيه، بعدها يُصبح وحشًا مقاتِلًا … لا يغلبه مائة فارس … فاتركني أذهب إليه … وسوف أحذِّرك حتى لا تهاجمه وهو شبعان … فتصبح هزيمته أمرًا صعبًا.

قال دياب: وكيف أعرف إن كان شبعان أم جوعان؟!

قالت له عقيلة: سوف أكون خارجَ الخيمة فإن رأيتَني أضع السرج على الحصان وركابه الشمال ناحية اليمين وركابه اليمين ناحية الشمال … فاعرف أنه قد أكل … وأصبح صعبَ المراس؛ فلا تدعُه للنزال أو للقتال.

أمَّا إن وجدتَني أدقُّ بالدقماق أوتادَ الخيمة؛ فهو في أسوأ حال، فادعُه للقتال.

•••

رأى دياب عقيلة فوق التلة تدقُّ بالدقماق أوتادَ الخيمة. فاطمأن قلبه … فقام وتوضَّأ ثم صلَّى … واستلقَى تحت إحدى النخلات، ونام والشهبا ترعى بجواره.

وكان بدران ما زال قابعًا في جُحر الضبع ينتظر ما ستُسفر عنه المعركة … فإن تمكَّن أبو خريبة من دياب؛ خرج ليحمل الخبرَ المشئُوم إلى الهلالية. أمَّا إذا انتصر دياب خرَجَ معلنًا فرحته الكبرى … يزفُّ إلى الدنيا البُشرى … بينما كان قلبه يرتعد كلَّما تصوَّر عودة الضبع فجأةً وهو في حشرته هذه، التي لم تكُن تخطر بباله.

أمَّا أبو خريبة، فقد قرَّر أن يأخذ ديابًا على حين غِرة بالغدر … فحذَّرته عقيلة وقالت: هذا عارٌ، ولكنْ لنرَ همَّتك فندعوك الفارس الغدَّار.

ومع ذلك ركب فرسه، ومضى صامتًا يريد أن يفاجئ ديابًا، لكنَّ الشهبا شمَّت رائحةَ الحصان؛ فأسرعت نحو ديابٍ وصهلتْ فوق رأسه … فأيقظتْه … فأسرَعَ دياب وامتطى الشهبا؛ فلم يتمكَّن أبو خريبة من مفاجأته كما كان يتمنَّى … فوقَفَ كلٌّ منهما يتفاخر بقوَّته، ويهوِّن من شأن صاحبه … فيُثير غضبه … حتى لم يعُد هناك بعدَ الكلام كلام … فحمَلَ كلٌّ منهما على الآخر كالصاعقة، ولمَّا وجد أبو خريبةَ قوةَ خصمه … أخَذَ يُغريه بالمال والجِمال … أن يوقف القتال، ويمضي كلٌّ منهما إلى حال سبيله … ولكنَّ ديابًا المرصود لقتل الزناتي، لم يكُن ليفعل المصالحة مع أخيه … الأقل شأنًا منه … فهجَمَ عليه وكرَّ، حتى لم يعُد هناك مفر … فضربه ضربةً، كانت القاضية. فوقع على الأرض يتخبَّط في دمه.

وحين رأى بدرانُ ذلك حاول الخروج، ولكنَّ الضبع كان قد أتى … فلمَّا رآه زام وهجَمَ عليه لولا أن وجَدَ فرع سنطٍ جافًّا إلى جواره … فأخذ يضربه به وهو راقد في الجُحر والضبع يحاوره ويناوره … حتى ضربه ضربةً فوق رأسه … فقأتْ فرع السنط إحدى عينَيه … فجرى مهزومًا … يصرخ من الألم … وانتهزها بدران فرصةً … كي ينطلق إلى حيث كان دياب قائمًا بفرَسه على رأس جثَّة أبي خريبة … فهنَّأه بالنصر. وأحضَرَ سيفًا، وأراد أن يقطع رأس القتيل … وكان لأبي خريبة شواربُ طِوال، يتحدَّث عن طولها العيال والرجال … ولذا حرَّكها الهواء عندما مالت الرأس حين مسَّها على الرمال … فانفزع بدران وانخلع قلبه وقفَزَ مذعورًا إلى الخلف ليسقط في بركة من مياه الخيل والدماء.

فنزل دياب ضاحكًا من منظره … فقطع الرأس وحطها في مخلة الجواد … وتوجَّه إلى خيمةِ عقيلة … فأصرَّت أن تضيفه … فأبى … وقال: كريمُ الخصال، لا يدخل ضيفًا في بيتٍ بلا رجال.

فأكبرتْ عقيلة موقفه، وطلبتْ منه أن يُعيدها إلى أهلها … وقد وقَعَ حبُّه في قلبها.

وأرادتْ أن تركب خلفه على الفرس … فلَمْ يوافق … وأرسَلَ بدران ليُحضر جملًا عليه هودج، أركَبَها فيه … ومضى بها، والعبد يسحب الجمل وراءه، حتى وصَلَ إلى مضارب قبيلتها … فخرَجَ أهلُها على صوتِ زغاريدها … والْتفُّوا حول دياب يشكرونه، وعندما أخبرهم أنَّه قتل أبي خريبة لم يصدِّقوه.

فقال دياب لبدران: هاتِ الرأسَ من المخلة.

وحملها بدران يريهم إياها. فهبَّت الريح وحرَّكت الشوارب … ففرَّ كلُّ الأقارب، وخرجوا مرعوبين من المضارب … فضحك ديابٌ من جُبنهم، وصاحت عقيلةُ بهم فعادوا … وهم يقدِّمون رِجلًا ويؤخِّرون الأخرى … وأراد والد عقيلةَ أن يُكرمه … فعرَضَ عليه أن يهَبَ له ابنته.

فقال له دياب: هل لها إخوة يا شيخ؟

فقال الشيخ مباهيًا مفاخِرًا: طبعًا، لها عشرةُ إخوةٍ من الرجال والأبطال.

فسخر دياب وقال: هذا واضحٌ وفاضِحٌ يا شيخ … أشكُرك على هديَّتك … ولكنِّي لا أستطيع قبولها، فتَلِد لي أبناءً في شجاعةِ إخوتها.

ولوى لجامَ الشهبا وتبعه بدران … وعادا إلى مضاربهم. ثم أرسَلَ بدرانَ إلى بني هلال حاملًا رأس أبي خريبة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤