الفصل السابع

السبق والسجن

أتت نهاية يوليو عام ١٦٦٧ على دوني حاملةً معها بشرى تقديره؛ إذ كان الفارق كبيرًا بين أن يسجِّل عمله وينشره في نشراته الخاصة — وهو ما كان يفعله دوني طوال الصيف — وأن يُنشر بعضها في دورية «جورنال دي سافونز» — التي كانت جديدة لكنها بالغة التأثير — والتي كان رئيس تحريرها صديقًا شخصيًّا لدوني. إلا أن رؤية أعماله تُترجم إلى الإنجليزية وتُنشر في دورية أولدنبرج «مداولات فلسفية» كان تتويجًا لنجاحه.

ففي العدد ٢٧ من «مداولات فلسفية» توالت الصفحات عن أعمال دوني وأفكاره، حيث طُبعت ووُزعت على كل قلاع العلم في أوروبا. فكان ذلك اعترافًا بدوني في واقع الأمر. ودفع ذلك نقَّاده للتفكير. فقد كانت إنجلترا على كل حال هي موطن اكتشاف الدورة الدموية. فإذا رأى أهلها أن عمل دوني يستحق الذكر فمن عساه أن يعترض؟

ومع عدم إلمام دوني بالإنجليزية، لم يتمكن من تحليل ما نُشر كاملًا ليتأكد من أن أفكاره نجت من أخطاء الترجمة، لكن الفحص العرضي أظهر أن كثيرًا من النقاط الرئيسية كان موجودًا. فعلى سبيل المثال، وردت في البداية جملة تشير إلى أن دوني كان يدرس احتمالات نقل الدم لعشر سنوات منذ سمع عنه في أكاديمية مونتمور. وكان حدثًا عظيمًا أن يُذكر ذلك كتابةً، لأنه عندها يتأكد سبقه في ذلك المجال. وعندما يشيع نقل الدم عبر أنحاء العالم ستطبق شهرته الآفاق، وسيجني ثروات طائلة من وراء ذلك.

fig12
شكل ٧-١: «مداولات فلسفية» العدد رقم ٢٧ (أولدنبرج، الطبعة الأولى). حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية.

أورد المقال بالتأكيد حالتي نقل الدم اللتين أجراهما دوني إلى الشاب ثم إلى العامل؛ إذ لم يجرب أي شخص في العالم شيئًا بمثل هذه الجرأة. ومع الاعتراف الدولي به، أليس من المؤكد أن تعرض عليه الأكاديمية الملكية الفرنسية للعلوم عضويتها المرموقة؟ فكيف ترفض ذلك؟! فكل ما كان يحتاج إليه في ذلك الوقت هو قليل من التجارب الناجحة ومزيدًا من التغطية رفيعة المستوى.

استمرت هذه الفترة المثالية من حياة دوني المهنية شهرًا واحدًا، وربما زادت بضعة أيام. ثم بدأت الأزمة في أغسطس؛ إذ أنكر أولدنبرج العدد المذكور من دوريته واستبدل به نسخة جديدة. فتحول الثناء والضغائن اللذان أحاطا بدوني في الأسابيع الأخيرة إلى قهقهات وضحكات ساخرة. وكان الفارق الرئيس بين النسختين — فيما يخص دوني — هو أن خطابه المطول قد حُذِف واستُبدل به مقال قصير يصب نقده اللاذع لادِّعاء دوني السَّبْق.

استدعى دوني صديقًا لترجمة النسخة الجديدة، وجلس دافنًا رأسه بين كفيه، يُنصت إلى الهجوم الشرس على أقواله وعلى مصداقيته:

إعلان بشأن ابتكار نقل الدم

إن مؤلف هذه الدورية إذ عاد الآن إلى أنشطته السابقة التي اضطر لقطعها رغمًا عنه لبضعة أشهر، يرى من الأنسب أن يجمع مداولات جميع الأشهر المحذوفة في منشور واحد، يجب عليه في بدايته أن ينبئ القارئ بأنه وإن نشر ذلك الخطاب القادم من الخارج في آخر يوليو «بشأن طريقة جديدة لعلاج الأمراض العديدة بنقل الدم» والمرسل إلى السيد دو مونتمور وآخرين من جون دوني أستاذ الفلسفة وآخرين، فقد كان عليه أن يلتفت — كما يفعل الآن — إلى ما تم التأكيد عليه في ذلك الخطاب عن الزمان والمكان اللذين نُفذت فيهما تلك الطريقة لنقل الدم.

كان هذا تغيرًا واضحًا في نبرة الحديث؛ فبدون الاستمرار في القراءة اتضح أن دوني تحول من بطل إلى غاصب. تابع صديقه القراءة، وكان المقال قصيرًا، لكنه ذكر بوضوح أن الإنجليز وليس الفرنسيين هم أول من توصلوا إلى الفكرة معلنًا أن الفائزين في هذا السباق بالتحديد هم لوور وكينج. وما زاد الطين بلة هو أن المقال أُتبع مباشرة بعرض لباحث إيطالي كان يفكر هو الآخر في احتمالية التحكم في مجرى الدم.
fig13
شكل ٧-٢: «مداولات فلسفية» العدد رقم ٢٧ (أولدنبرج، الطبعة الثانية). حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية.
وبعد شهر، استحال الضيق لدى دوني يأسًا. ففي أواخر أكتوبر صدر العدد الثامن والعشرون من «مداولات فلسفية»، وجاء فيه مقال مطول.1 واستغرق دوني بعض الوقت ليفهم عنوانه:

بيان

من بين مزيد من تجارب نقل الدم، مصحوبة ببعض الاعتبارات التي ترتبط بالأساس بتطبيقها الواعي على الإنسان؛ بجانب دفاع آخر عن هذا الاختراع من مغتصبيه.

هذه التجربة إذ أثارت خلافات بين أهل الفضول هنا وفي الخارج …

لقد حان الوقت للاستعانة بمترجمه مرة أخرى. لم يعد المقال مجرد نقل لمقاله، لكنه استقى مادته من عدة مصادر. فقد ذكر أفكار الآخرين الذين يشارفون على النجاح في نقل الدم، وحذَّر بشدة من أنه في حال تنفيذها يجب ألا تُنفَّذ إلا بحرص شديد، وعلى يد الأشخاص المناسبين. وكان ثمة إيحاء ضمني بأن كلا الشرطين السابقين لم يتحققا من قبل.

أدرك دوني أن أحلامه بتحقيق الشهرة والثراء السريع قد تلقت ضربة قاصمة؛ إذ لم يكتفِ المقال بالسخرية من عمل دوني بل ألقى بظلال الشك على ذلك المجال البحثي بأكمله.

وبينما لم ينتقد الجزء الأول من المقال دوني إلا ضمنًا، فإن الجزء الأوسط منه لم يقف عند ذلك الحد؛ ففيه تناول المؤلف تناولًا مباشرًا ادعاء دوني السَّبْق:

قبل أن ننتهي من هذه المسألة، هناك شيء ينبغي ذكره عن سبب حذر «الفضوليين» في إنجلترا من إجراء هذه التجربة على الإنسان. فقد أَطْلَع العبقري سابق الذكر السيد دوني العالَم على تجاربه في باريس وأخبرنا عن مدى نجاحها. كما نشر عمله في «جورنال دي سافونز» وابتهج لأن الفرنسيين أحرزوا تقدمًا على صعيد هذا الابتكار — من ناحية تجربته على البشر — قبل أي إنجليزيٍّ.

وبينما نقرُّ فعلًا بأنهم حسب علمنا أول من اتخذ تلك الخطوة، وأجرى عملية نقل الدم على إنسان، فأذنوا لنا أن نخبر العالم بأن الفلاسفة في إنجلترا كان بإمكانهم أن يجروا تلك العملية على الإنسان قبل وقت طويل إن لم يكونوا حريصين أشد الحرص على ألا يضروا بحياة الإنسان. فهدفهم دائمًا هو الحفاظ على الحياة وإنهاء المعاناة. كما أنهم يشعرون بخوف مبرر من أنه حال فشل التجربة ووفاة المريض، من الممكن أن يعرضوا أنفسهم لعقوبة قانونية. وينبغي الوضع في الحسبان أن عقوبات القانون في إنجلترا أشد من نظيرتها في دول أخرى عديدة.

لكن ذلك لا يعني أن الإنجليز لم يفكروا بهذا الأمر. ويؤكد الناشر بكل إخلاص أنه قبل عدة أشهر رأى بأم عينيه الأدوات جاهزة للاستخدام وشهد الطريقة التي اتُّفق عليها ورُئِيَ أنها مناسبة للتطبيق على الإنسان. وللإمعان في إثبات ما سبق، سنورد الطرق الكاملة التي وضعها العبقري الدكتور إدموند كينج لأجل ذلك الغرض وذكرها في خطاب له. وهذا هو السبق الحق؛ إذ لم يرَ السيد دوني ملائمًا وصف الطريقة التي استخدموها في فرنسا على الإنسان، ولا غيره بحسب ما نعرف.

جلس دوني وقد أسكتته الصدمة بينما تابع صديقه قراءة وصف طريقة لنقل الدم بين الحيوانات تشبه كثيرًا ما نُشر من قبل. ولم يستطع أن ينتقد الطريقة، ولم يكن لديه سبب لينتقدها؛ فقد كانت هي الطريقة نفسها التي استخدمها هو:

إننا لم نكن لنعلق على هذا الموضوع في هذا الوقت إن لم يكن من الواجب علينا تصحيح خطأ وجد في إحدى أحدث الدوريات الفرنسية التي تؤكد بثقة أن الفرنسيين هم من منح الإنجليز أولى الأفكار عن هذه التجربة. ولماذا؟ لأنهم (كما يزعمون) كانوا شهودًا على أن أحد الرهبان البندكتيين وهو دوم روبرت دو جابتس ناقش الفكرة في منزل السيد دوني قبل عشر سنوات. ومن المؤكد أن كل العباقرة يقرون بأن الطريقة الوحيدة لحسم مثل هذه الخلافات هي وجود سجل علني مكتوب أو مطبوع. ويجب أن يرد فيه الزمان والمكان اللذان اقتُرح فيهما الابتكار للمرة الأولى وكذلك شرح للطريقة وحالات النجاح. وكل هذا ينطبق على إنجلترا.

صاح دوني: «أنا أول من نشرها. أنا أول من نشرها.» وقفز من مقعده وأخذ يجوب أرجاء الغرفة وهو يلوح بنسخة من الطبعة الأولى لدورية «مداولات فلسفية». وصرخ قائلًا: «انظر، هنا، ها هو ذا مطبوع. سجل مادي للتاريخ. لقد كنت الأول إلى أن قرروا شن هجومهم لهدمي في محاولة لإعادة كتابة التاريخ»، وتقطَّع صوته من فرط السخط: «هل عليَّ أن أُصدر دورية خاصة بي لتصل أفكاري إلى القراء؟» اقترح صديق دوني عليه أن يجلس ويسمح له بمتابعة القراءة. لكن دوني رفض ووقف محدقًا عبر النافذة ناظرًا إلى المحاكم الواقعة على الجهة الأخرى من نهر السين. وكان سؤال «أين العدالة؟» هو كل ما كان يجول بخاطره. وتابع صديقه:

وتعرِّفنا المداولة السابعة (المطبوعة بتاريخ ديسمبر ١٦٦٥) بعدد السنوات التي مرت منذ أن اقترح الدكتور كريستوفر رين تجربة نقل الدم إلى الأوردة. وكانت تلك إشارة كافية لدى الجمعية الملكية لترى إمكانية التحول من الحقن إلى نقل الدم في مرحلة ما في المستقبل. في الواقع، عندما عقدت الجمعية اجتماعًا علنيًّا في ١٧ مايو ١٦٦٥، أوصت بإجراء هذه التجربة. وإن ساورك الشك في ذلك، يمكنك الرجوع إلى العدد المناسب في الدورية الصادرة عن الجمعية، حيث سُجلت التجربة على يد أمناء السر الملتزمين بميثاق الأمانة.

ولم تحقق التجارب في ذلك الوقت تقدمًا كبيرًا؛ بسبب عدم كفاءة التجهيزات وعدم وجود منهجية متفق عليها. إلا أن الطبيب المطلع وخبير التشريح ذا الخبرة الدكتور لوور قد جاء بعد ذلك، وقد أتقن منهجية معينة ونشرها في العدد رقم ٢٠ من هذه الدورية. وكان قد استخدم تلك المنهجية في أكسفورد قبل نشرها كما استخدمها آخرون في لندن.

لذا يبدو من الغريب أن يظهر هذا الابتكار المفاجئ في فرنسا كما يقولون منذ عشرة أعوام ويظل في مكمنه لمدة طويلة إلى أن أُعلنت من لندن طريقة إخراجه إلى النور. ناهيك عن الخلاف الدائر على ما يبدو حول الأب الروحي الفرنسي لهذا الابتكار؛ إذ يقول السيد دو جوريي إنه أبوت بورديلو، لكن كاتب الخطابات في دورية «جورنال دي سافونز» يزعم أنه راهب بندكتي.

لكن أيًّا من كان صاحب هذا الابتكار، فليس هذا دليلًا ماديًّا؛ حيث إن على جميع من يدَّعون ملكيتهم لهذا الابتكار أن تتضافر جهودهم ليطوروه في سبيل خدمة البشرية، إذا كان يبشِّر بذلك. وهذا هو الهدف الرئيسي الذي يرمي إليه هذا المجال. ولا يهدف ما كُتب إلى مهاجمة أحد بل إلى إعطاء كل ذي حقٍّ حقه قدر المستطاع في ضوء ما يتبين للناشر.

عندها بلغ غضب دوني أقصاه. راح يحدق في الفراغ بينما خرج صديقه من الغرفة بهدوء، وأخبر الخدم بالمنزل أنه من الأفضل ألا يستقبلوا أي ضيوف خلال فترة ما بعد الظهيرة في ذلك اليوم. وكان كل ما أجاب به على تساؤلاتهم هو أن دوني تعرَّض لصدمة.

كان إنكار ادِّعاء الفرنسيين أنهم أول من فكروا في نقل الدم كالطعنة التي تركت جرحًا عميقًا، بينما لم تفعل الفقرات الأخيرة شيئًا سوى زيادة الأمر سوءًا. فقد ذكر أولدنبرج أنه نظرًا لأن الإنجليز هم من سبقوا إلى التفكير في الحقن، فإنهم يمتلكون الحق في زعم السبق إلى أي عملٍ تالٍ يتعلق بإدخال أي مادة في الدم. ودافع عن ذلك بالرجوع إلى أفكار دوَّنها بنفسه في وثائق لا توجد إلا في الجمعية الملكية. فما هي الأفكار التي كان يمكنهم المطالبة بحقهم فيها أيضًا عن طريق الاستشهاد ببند مختصر في دفاتر ملاحظات كدليل؟

مع ذلك كان هناك شيء واحد مؤكد لدى دوني؛ رغم أنه لم يُشعِرْه بارتياح كبير على عكس المتوقع. كان دوني هو الوحيد الذي نقل الدم من حيوان إلى إنسان؛ ولو كان الإنجليز قد فعلوا ذلك لذكره خادمهم الأمين أولدنبرج بكل تأكيد، وادعى أن للإنجليز السبق في هذا أيضًا.

قصص الأبراج

لكن كان هناك سؤال آخر في ذهن دوني: لماذا تكبد أولدنبرج كل هذا العناء والتكلفة بالتخلص من طبعة من دوريته وإصدار طبعة جديدة؟ إن كان يريد النكاية بالفرنسيين فلمَ لم يفعل من البداية؟ كانت الإجابة بالنسبة إلى دوني بسيطة؛ فمن الواضح أن الدورية أثارت جلبة بين علماء إنجلترا الذين أرادوا الهيمنة على هذا المجال البحثي. من المؤكد أنهم أجبروا أولدنبرج على سحب دوريته وإعادة طباعتها.

يبدو هذا التفسير هو الأرجح، لكنه تبين — في الحقيقة — أنه كان مخطئًا تمامًا. وكما هو الحال في معظم الأحيان، كانت الحقيقة أغرب من الخيال.

fig14
شكل ٧-٣: هنري أولدنبرج. حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية.
بدا صباح يوم ٢٠ يونيو ١٦٦٧ كغيره من الأيام. كان أولدنبرج قد قضى الأيام السابقة يعمل في مقر الجمعية الملكية، حيث كان يكتب بعض الخطابات لأشخاص في الهند الشرقية، وكان يستعد هذا الصباح ليذهب إلى عمله كالمعتاد، عندها دق الباب، وما إن فُتح الباب حتى دلف ضابط في سرعة، وبدلًا من أن يقدم بطاقة تعريف، قدَّم مذكرة توقيف:

إذنٌ بضبط هنري أولدنبرج بشخصه وإحضاره إلى البرج بتهمة المخططات والممارسات الخطيرة.

أرلنجتون2
ودون كثير من الرسميات، نُقل أولدنبرج إلى عربة، ووجد نفسه يُنقَل بسرعة عبر لندن برفقة ستة جنود. ومع وصولهم إلى برج لندن سيئ السمعة، أخرج الضابط المجهول من جيبه مذكرة ثانية وسلمها للحراس:

مذكرة إلى ملازم البرج لاستلامه [أولدنبرج] والتحفظ عليه في الحجز ووضعه تحت الحراسة المشددة. (٢٠ يونيو ١٦٦٧)

أرلنجتون3

كانت التجربة مرعبة، فرغم تراجع دور البرج باعتباره سجنًا حكوميًّا مقارنة بالقرن السابق، لم يكن البرج مخيمًا سياحيًّا، كما كانت هناك حالات كثيرة لأشخاص دخلوا على أرجلهم وخرجوا في توابيت. لقد كانت خسارة تشارلز الأول للبرج وللندن بالكامل عاملًا مهمًّا في هزيمته، ولم يكن ابنه ليكرر الخطأ نفسه، لذا فقد حول البرج إلى ثكنة شديدة التحصين؛ فقد زُود بمجموعة رهيبة من المدافع موزعة على الأسوار تدعمها ترسانة كبيرة.

اقترن الخوف بالحيرة لدى أولدنبرج. لماذا أنا؟ ماذا فعلت؟ ما التهم الموجهة إليَّ؟ ردد أولدنبرج هذه الأسئلة طوال رحلته رغم أنه أدرك سريعًا أن لا أحد سيجيبه. فهؤلاء كانوا ينفذون الأوامر، وليسوا أصحاب القرار وربما لم تكن لديهم فكرة عن هويته، ولا السبب في القبض عليه. مع ذلك ازداد قلق أولدنبرج عندما لم يكن أي ممن في البرج يعرف هو الآخر؛ ولم يُسمح له بقلم أو ورقة. لم يكن لديه أي وسيلة للاتصال بالأصدقاء في الخارج، وبدا الأفق مُعتمًا.

بينما كان العلماء يقضون حياتهم في الاختراع والدراسة، كانت إنجلترا عام ١٦٦٧ في حرب، وفي هذا الوقت لم يكن أي شيء على ما يرام. فقد اندلعت الحرب مع هولندا فعليًّا في صيف عام ١٦٦٤، رغم أنها لم تُعلن رسميًا إلا في ربيع عام ١٦٦٥. كان أصل المشكلة هو التجارة الدولية، حيث كانت هولندا وإنجلترا تتصارعان حرفيًّا على الهيمنة وعلى الحق في جلب البضائع من البلاد الأجنبية إلى أوروبا. وكان البرلمان البريطاني قد أقر عام ١٦٦٠ قانونًا بحريًّا يفرض على أي تاجر إنجليزي أن يسجل سفنه التي بُنيت بالخارج في لندن، وفرض البرلمان قيودًا تجارية بتحديد السلع التي لا يمكن استيرادها من قارة أوروبا إلا في سفن إنجليزية. وأُقِر قانون آخر عام ١٦٦٣ ليضاف إلى سابقه؛ إذ أجبر قانون السلع الرئيسية المستعمرين الإنجليز على عدم استيراد أي سلع إلا من إنجلترا، وحتى في هذه الحالة، يجب نقل البضائع في سفن إنجليزية. وكانت تتمة الأمر في مارس ١٦٦٤ عندما منح تشارلز مدينة نيو أمستردام — التي صارت نيويورك لاحقًا — إلى أخيه جيمس دوق يورك. ولم تُفاجأ هولندا؛ لقد كانت الحرب قادمة لا محالة.

كانت هذه هي الحرب الثانية لإنجلترا مع هولندا. وكانت الأولى قد انتهت لصالح إنجلترا، ولم يتوقع كثيرون أن تختلف الأمور هذه المرة. سجل بيبيس أولى المعارك البحرية الكبرى قبالة سواحل لوستوفت في ٣ يونيو ١٦٦٥ في نشوة كبيرة:

اشتبك الفريقان في ذاك اليوم — وتجاهل الهولنديون الأفضلية التي كانت لهم علينا بسبب الرياح — وهو ما أفقدهم ميزة سفن النار التي لديهم. وقُتل ماسكري إيرل فالماوث والسيد بويل على متن سفينة الدوق — رويال تشارلز — بقذيفة واحدة. وتطاير دمهما ودماغاهما على وجه الدوق؛ واصطدمت رأس السيد بويل بالدوق وأسقطته كما يقول البعض.

على كل حال، يقول بيبيس إن الإنجليز بنهاية اليوم قتلوا وأسروا ما بين ٨ آلاف إلى ١٠ آلاف رجل ولم يخسروا سوى ٧٠٠ رجل؛ «لم يعرف العالم انتصارًا أعظم من ذلك.» لكن الحال انقلب، وفي معركة كارثية وقعت فيما بين ١ إلى ٤ يونيو ١٦٦٦، دُمرت ٢٠ سفينة إنجليزية وعلى متنها ٨ آلاف رجل. ومع قضاء الطاعون والحريق الكبير على معظم تجارة لندن، قلَّت الموارد المالية، وبحلول يناير ١٦٦٧ أصبح تشارلز مستعدًّا لعقد مباحثات سلام مع الهولنديين. وفي ظل انخداع الأسطول الحربي بإحساس زائف بالأمان، وقف عاجزًا عن حماية سفنه بينما رست في ميناء كاثام، وتركها فريسة سهلة لهجوم خاطف. ففي ١١ يونيو، قَدِم الهولنديون وأضرموا النيران في المنازل والحظائر في جزيرة كانفي، وهاجموا شيرنس وجزيرة شيبي، وسقطت شيرنس في أيديهم. وفي اليوم التالي، شق الهولنديون طريقهم بالقوة عبر دفاعات ميدواي وأبحروا على طول النهر، وأحرقوا عددًا من خيرة سفن الأسطول الإنجليزي واستولوا على كبرى سفن البحرية الإنجليزية: رويال تشارلز. ورغم أن الهولنديين لم يصلوا لأبعد من ذلك، فقد أحدثوا ضررًا كبيرًا وسببوا إهانة عظيمة.

انتشر الخوف والفزع في البر في أعقاب الهجوم. وترددت شائعات عن إحراق كاثام وكوينبورو وهارويش وجريفسيند وكولتشستر ودوفر. وقال البعض إن الملك نفسه اختفى، وانتشر الهمس بوجود مؤامرات خيانة. وعم الخوف برَّ إنجلترا عندما شوهد أسطول معادٍ من ٥٠ إلى ٦٠ سفينة قبالة سواحل لاندز إند، وهو الطرف الغربي لمقاطعة كورنوول. وكانت السلطات تبحث عن جواسيس وأفراد يكونون كبش فداء. ويبدو أن اسم أولدنبرج ورد في إحدى قوائم المشتبه بهم.

لكن كلما سأل أولدنبرج أي شخص عن التهمة الموجهة إليه قوبل بالصمت. فإما أنه ما كان أحد ليخبره، أو أنه لم يكن أحد يعلم. ومن الصعب جدًّا إظهار براءتك، إذا لم تكن تعلم بالتهمة الموجهة إليك. إلا أنه في أوقات الحرب يكون من المغري جدًّا للسلطات الحصول على صلاحيات تتيح لهم إلقاء القبض على أي شخص دون أي تهمة رسمية، واحتجاز سجناء إلى أجل غير مسمى. وكانت المذكرة الصادرة بحق أولدنبرج قد صدرت في وقت سابق بموجب ما يُسمى الآن «اللائحة ١٨ب» لقانون الصلاحيات في حالات الطوارئ (الدفاع) لعام ١٩٣٩ — وهو قانون استُخدم في وقت أحدث لاعتقال سير أوزوالد موزلي وثمانية من زملائه المقربين.

كان أولدنبرج هدفًا سهلًا. فقد وُلد في بريمن بألمانيا عام ١٦١٨ تقريبًا، وبدأ مسيرته مثل كثير من الأكاديميين بدراسة اللاهوت. وخلال أربعينيات وخمسينيات القرن السابع عشر، كان أولدنبرج المبعوث الرسمي من بريمن إلى كرومويل، كما عمل لمدة طويلة في ألمانيا وهولندا. وكان قد تعرف على آل بويل عند زيارته لكرومويل، ربما من خلال تقديم الشاعر جون ميلتون له. وتعرف أولدنبرج على وجه التحديد بليدي رانيلا وأخيها روبرت بويل. وتحولت علاقة الصداقة إلى رعاية، وذلك عندما طُلب من أولدنبرج عام ١٦٥٧ أن يكون معلمًا خاصًّا لريتشارد جونز ابن ليدي رانيلا وقضى السنوات الأربع التي تلت يجوب قارة أوروبا ويُعرِّف ريتشارد الصغير بجوانب أدق من الحياة الأوروبية.

وفي حين بدأ أولدنبرج حياته متجولًا ومع عدم وجود صلات كثيرة تربطه بمكان واحد، فقد استقر في إنجلترا وقت عودة الملكية إليها، ووثَّق زواجُه عام ١٦٦٣ بدوروثي ويست ارتباطه بالمكان. وزادت قوة الارتباط عندما صار الزوجان مسئولَين جزئيًّا عن اليتيمة ذات الأحد عشر ربيعًا دورا كاترينا وهي وريثة لأطيان في كِنت. وللأسف ماتت دوروثي بعدها بعامين.

وخلال أسفار أولدنبرج في أنحاء أوروبا، كوَّن قائمة مهمة من المعارف والزملاء، ونما افتتانه ببيئة العلم الناشئة. وجعلته درايته بالمشهد العلمي الدولي — بجانب علاقته ببويل — خيارًا واضحًا لشغل منصب أول سكرتير للجمعية الملكية عندما تأسست بصفة رسمية.

وكان من بين ميثاق الجمعية الملكية مادة تحث بوضوح على المراسلات مع الخارج، واستغل أولدنبرج هذا الامتياز بصورة كاملة. لم تكن الجمعية تدفع له أي راتب، ودمر الحريق الكبير تجارة الكتب في لندن؛ لذا لم تكن دوريته تدر الدخل الذي كان ينتظره. ولكي يشغل وقته — ويكسب المال — بدأ أولدنبرج باستغلال مهاراته اللغوية في العمل لصالح جوزيف ويليامسون وهو زميل بالجمعية الملكية ومساعد وزير الدولة اللورد أرلنجتون؛ وهو نفسه أرلنجتون الذي ذيل توقيعه مذكرة القبض على أولدنبرج.

وبقراءة ما بين سطور التاريخ، ساورت الشكوك أرلنجتون في أن هذا الأجنبي الذي له باع في المكر والالتفاف قد زرع نفسه في قلب الحكومة الإنجليزية، وأنه — وإن لم يسبب أي أذى حتى الآن — لم يكن محل ثقة. ومن الأرجح أن ما أثار هذه الشكوك هي مراسلات أولدنبرج المتكررة مع فرنسا وهولندا، بجانب استخدامه لصندوق البريد الموجود في مكتب أرلنجتون. فبإرسال البريد الوارد، كان المكتب يتحمل رسوم البريد ويوفر على أولدنبرج أموالًا كثيرة. ولإخفاء هذا، كان يجعل خطاباته الواردة توجه إلى السيد جروبنول وهو عبارة عن إعادة ترتيب ساذجة لحروف اسمه. وكان معظم تلك الخطابات يُسلَّم لأولدنبرج ولم يُفتح، وفي مقابل هذه الحرية، كان أولدنبرج يسرب أي معلومات سياسية حساسة في ردوده على ويليامسون.

ففي ٢٤ مارس ١٦٦٥ (أو ١٦٦٦) — على سبيل المثال — كان قد تلقى خطابًا من المراسل الباريسي أونري جوستيل:

لقد تسلمت كل خطاباتك، فمنذ آخر خطاب تفضلت بكتابته إليَّ علمت بطبول الحرب التي تدق في إنجلترا. ويبدو أن الحال نفسه سائد هنا؛ فقد استولى الإنجليز على بعض سفننا، وقيل لي إن الملك أخبر الملكة الأم لإنجلترا أن هذا سينتهي بإجباره على إعلان الحرب على إنجلترا.

وبعدها في تلك السنة كتب جوتسيل مرة أخرى يقول:
لم يكن لدي شك قط في أن البرلمان سيوفر وسائل استمرار الحرب؛ لكني أيضًا على يقين بأن إنجلترا ستعاني الويلات بسببها. فلا يزال من الممكن أن يقع حدث مزعج لا يمكن لأحد توقعه، والأعداء غير واضحين إطلاقًا؛ ومهما بلغت شجاعة المرء، فعندما يواجه مقاومة قوية وعنيدة سيعاني منها. أعترف بأننا خسرنا سفينة قوية؛ لكن لسوء الحظ لم يكن بإمكانها مقاومة سبع من سفنكم هاجموها؛ لم يكن هذا هجومًا حاسمًا — علينا أن ننتظر نهاية الحرب.4
ويبين خطاب كتبه أولدنبرج وهو في رحلة إلى باريس كيف كان نشيطًا في إرسال الأخبار إلى أعلى مناصب في البلاد. كان الخطاب موجهًا إلى ويليامسون ومكتوبًا بالفرنسية، ربما يكون بهدف تقليل عدد القادرين على قراءته في إنجلترا:

لقد دخل التتار بولندا، ودمروا كل شيء بالنار والسيف. ووصلوا إلى لفيف، ومن المقرر أن يجتمع المجلس التشريعي مرة أخرى خلال ثلاثة أشهر. ويخطط مايكل عباسي لشن الحرب على راجوتسكي الصغير. وسوف يمده الأتراك بالجنود. وستكون هذه الحرب مصدر إلهاء وستسهل غزو تلك المقاطعة بمنع الإمبراطور من إرسال جنود إلى فلاندر.

«وهنا لا يدور حديث إلا عن السلام والجميع يؤمن بأنه سيتحقق.

شئونك في أمريكا ليست بحال جيدة، ومهما قلت فلتصحبك السلامة. لا يعتقد أحد أنك ستستطيع أن تنفذ حساباتك في أيسولا.»5
كان هذا التواصل البريدي إجراءً مريحًا، لكن من السهل تصور كيف يمكن أن يثير شكوكًا في أن أولدنبرج ربما يسرب معلومات في الاتجاه الآخر كذلك. وفي الأوقات المحمومة في هذه الحرب، بدأ أرلنجتون بالتحفظ على بريده وقراءته. ويبدو أن أولدنبرج قال شيئًا «حساسًا» في أحد خطاباته.

وكان للذين عرفوا أولدنبرج آراؤهم الخاصة فيما إذا كان قد ظُلم أو لا. كان هوك المساعد العلمي لبويل وزميل الجمعية الملكية معروفًا بسلاطة لسانه وقدرته على تكوين الصداقات ثم إفسادها. كان الموقف واضحًا لديه: لقد دخل أولدنبرج عالم الاستخبارات الموحل وكان السجن جزاءه.

حتى إذا كان أولدنبرج قد تجاوز الحدود، كان بيبيس منزعجًا من فكرة إرسال رجل إلى البرج كان قد قضى وقته في العيش في قلب الحكومة وتسجيل تفاصيل التاريخ والعلم. وكان الموقف سيصبح أكثر واقعية بالنسبة له حيث لم يكن يفصله سوى بضع مئات الياردات عن ذلك المعلم الشهير. وفي ٢٥ يونيو علق قائلًا:

قيل لي بالأمس إن السيد أولدنبرج أمين سرنا في كلية جريشام قد أُودع البرج لكتابته أخبارًا إلى عالمٍ في فرنسا كان يتراسل معه بانتظام حول أمور فلسفية؛ والكتابة أو فعل أي شيء تقريبًا في هذا الوقت أمر غير آمن.

وفي يوم في أوائل يوليو، لاحت لأولدنبرج أول بارقة أمل؛ خطاب من صديقه وزميله ويليامسون. ربما سيكتشف الآن السبب الذي دفع رئيسهما المشترك أرلنجتون للتوقيع على المذكرة. كانت الأمور تتحسن:

سيدي

في هذه الأزمة التي ألمَّت بك لا أعرف ما يمكنني تقديمه إليك بجانب تأييد منطقك وفلسفتك اللذين يقضيان بالتحلي بالصبر. آمل أن تتحسن الأمور في وقت قصير، وسأكون سعيدًا بتقديم ما أستطيع.

إن أردت فسأرسل إليك ما قد يرد إليك من أي مكان، وأعتقد أن عليَّ أن أفتح البريد القادم من فرنسا وأُبقيه معي. أرى أن قانون لويس أُرسل إليك مرتين، ثمة طرود وصلت بالفعل. أتمنى لك السعادة بكل إخلاص وألا يطول أسرك.

سيدي
خادمك المتواضع
جوزيف ويليامسون6

لم يكن أولدنبرج ليُلام على قراءة الرسالة عدة مرات محاولًا أن يفهم ما كان يقصده ويليامسون بالضبط. لكن مضمون الرسالة كان واضحًا. لقد شعر ويليامسون بالأسف تجاهه، لكن لم يكن يستطيع فعل أي شيء. ولم تكن هناك أي إشارة إلى أنه علم حتى سبب احتجاز أولدنبرج، وبدا اقتراحه إرسال خطاباته الواردة من الخارج إليه غريبًا.

كان أولدنبرج من الناحية الرسمية تحت «السجن المشدد»، وهو مصطلح كان يعني لإدارة السجن أنه لا يتمتع بامتيازات كثيرة، ولا يحق له بالطبع الحصول على ورقة وقلم؛ فإن كان متآمرًا، فآخر شيء تقبله السلطات هو أن يتمكن من استكمال مهمته من داخل سجنها. لكن يبدو أن أولدنبرج قد استخدم مهاراته الدبلوماسية في التفاوض ونجح في كتابة رسالة قصيرة بالقلم الرصاص على الجهة الخلفية من خطاب ويليامسون.

سيدي

أشكرك على خطابك الودود: وأرجو استكمالًا لفضلك إن استطعت، وفي الوقت الذي تراه مناسبًا أن تقدم تحياتي للسيد أرلنجتون وأن تخبره أنني آمل من سعادته أن يدرك في الوقت المناسب — عندما ينتهي سوء التفاهم هذا — إخلاصي وحماسي لخدمة جلالة الملك والأمة الإنجليزية وسعادته بكل ما أوتيت من قوة. وفي الوقت الراهن، أرجو منك عندما تسنح الفرصة أن تتحدث عن ضيق حالي وطول إقامتي في مكان مشئوم كهذا البرج. كذلك ما ترى من المناسب إرساله إليَّ من الخطابات التي تصلك من بريدي الوارد سيكون مصدر ترويح أُرحب به.

سيدي
خادمك المخلص والمتواضع
أولدنبرج

ملحوظة

أرجو أن توفر لي — إن تيسر — إمكانية أن أرى صديقًا من وقت لآخر؛ إذ لا يُتاح لي استخدام القلم والأوراق، إلا هذه الرسالة فقط كتبتها بمعروف من الملازم.7

كان تعليق أولدنبرج عن طول إقامته في مكان مشئوم طريقة مهذبة لقول ما كان كل شخص يعرفه في ذلك الوقت؛ فالطريقة الوحيدة التي يمكن بها للمرء أن يمر بتجربة أبعد ما تكون عن السرور في السجن هو تحمل تكاليفه. فالأكل والاستحمام كانا مقابل المال، وحتى عندها يجب تسيير الأمور بدفع المال للحراس.

يبدو أن خطاب أولدنبرج لم يحقق فائدة كبيرة. والأسوأ أنه بدأ يسمع أن أصدقاء سابقين جاءوا لزيارته في السجن، لكن بعد رؤية مذكرة الاعتقال التي تقول إن احتجازه كان بسبب «التصاميم والممارسات الخطيرة» غادروا سريعًا. فحتى إن كان أولدنبرج بريئًا، كان من الواضح أن التعامل معه كان صعبًا وخطيرًا. كما أنه لم يكن لديه أي سلطة؛ لذا لم يكن هناك سبب يدفع أي شخص ليتحمل عناء مساعدته. فأولدنبرج ليس في موقع يسمح له برد الجميل. والأسوأ كذلك، أن كثيرين من معارف أولدنبرج قد نشروا على ما يبدو شائعة كونه جاسوسًا، وسرعان ما جف نبع زائريه.

إلا أن أولدنبرج استقبل في الواقع زائرًا آخر، رغم أنه لم يرغب في الكشف عن هويته. وتمكن أولدنبرج من إملاء خطاب كتبه الزائر المجهول بعد مغادرته قبل أن يرسله إلى سيث وارد، وهو زميل بالجمعية الملكية وأصبح الآن أسقف ساليسبري. وبيَّن الخطاب أن أولدنبرج لم يُسمح له بقلم وحبر، لكنه كان يأمل أن يتمكن هذا الصديق الحميم من إثبات براءته. من الواضح أن أولدنبرج لديه الآن فكرة عن الاتهام الموجه إليه، لكن نتيجة لطبيعة احتجازه لم تسنح له الفرصة للدفاع عن نفسه:
قضيتي هي ما يلي. أنا متهم بمخططات وممارسات خطيرة؛ وعلى حد فهمي، فقد استُنتج من بعض خطاباتي وكلماتي أنها تحتوي على تعبيرات تجسد هذا. هذا كل ما أعلم بشأن اتهامي، وهو ما سأرد عليه بكل صراحة وصدق يُرجى، وأمام الرب الذي يرى كل شيء، بما يلي.8

وتابع أولدنبرج ليبين أنه إن كان ينتقد الإنجليز في الحرب، فإن ذلك لم يكن إلا لأنه أراد أن يكون أداؤهم أفضل. ولا يمكن بأي حال أن ينظر إلى ذلك باعتباره إهانة للملك أو شعبه. كما أنه أكد أن كتابته للخطابات قدمت ميزة كبيرة للملك من خلال الحصول على معلومات مفيدة من الدول المختلفة التي راسلها. وختم دفاعه بنداء أنه على استعداد لتحمل العقاب الكامل إن كان هناك أي ذنب ارتكبه. وتوسل إلى قارئ الرسالة أن يفعل كل ما في استطاعته ليحوز رضا أرلنجتون والملك؛ لكيلا يُترك في السجن لتتدهور حالته وتسوء.

تشير كل الدلائل إلى أن هذا الخطاب لم يتخطَّ أسوار البرج. والأرجح أنه عُثِر عليه بحوزة الزائر وصودر، وهو الآن في مكتب السجلات الحكومية. (من المنطقي أن نفترض أنه لو كانت الفرصة سنحت لأولدنبرج، لكتب إلى بويل أيضًا؛ ولو أن بويل تسلم الخطاب لحرقه لإخفاء أي دليل على وجود اتصال بأولدنبرج.)

وفي ٢٠ يوليو نجح أولدنبرج في تهريب خطاب آخر عبر أسوار البرج التي لا تُخترق. وهذه المرة كان الرجاء مباشرًا؛ إذ كتب إلى اللورد أرلنجتون يسأله أن يلتمس له عفو الملك:

فخامتكم!

بعد أن حصلت على قلم وحبر وورقة في إطار التزام حارس جلالته في البرج بأوامركم من أجل تقديم عريضة متواضعة إلى جلالته بجانب شفاعة سعادتكم، لا يسعني إلا أن أبدأ بالإعراب عن امتناني لمعاليكم على منحي هذه الحرية، وأن أطلب في الوقت ذاته أن تصل هذه العريضة إلى جلالته على يديكم وبفضل إحسانكم بهدف أن أُقدَّم لجلالته كما قدَّمني إليكم ربما بعض أولئك الذين يعرفونني حق المعرفة.9
لم يؤثر حبس أولدنبرج لشهر كامل في قدرته على كتابة عبارات افتتاحية منمقة ومتذللة. إلا أنه لا يوجد ما يشير إلى أن أي شخص خاطر بالدفاع عنه وعرض قضيته. فحتى بويل لم يكن مستعدًّا على ما يبدو لأن يتخذ تلك الخطوة ويستخدم نفوذه.

لم يعرف أولدنبرج أنه في الوقت الذي كان يكتب فيه الخطابات محاولًا استعادة حريته، كان هناك شخص ما — ربما يكون ويلكنز — ينشر النسخة التالية من دوريته؛ وهي النسخة الأولى من العدد ٢٧ المثير للجدل من دورية «مداولات فلسفية». من المتوقع أن الدافع وراء ذلك كان الحفاظ على بقاء دورية أولدنبرج واستمرارها — هي ودخلها — ليجد صاحبها عملًا يعود إليه عند إطلاق سراحه. من ناحية أخرى، ربما كان الشخص الذي تدخل — أيًّا كان — يسعى للاستيلاء على الدورية وادعاء ملكيته إياها أو جعلها جزءًا لا يتجزأ من الجمعية الملكية. من الصعب أن نعرف، لكن من دون علم أولدنبرج أو موافقته نُشرت النسخة ووُزِّعَت على قائمة المشتركين الذين يدفعون رسومها.

وفي ٥ أغسطس، كتب أولدنبرج مجددًا إلى أرلنجتون. تغيرت نبرته وكان الخطاب مختصرًا ومباشرًا. إن لم يُطلَق سراحه قريبًا فسيُفلس ويُرسل إلى سجن المديونين. ربما كان لهذا الخطاب بعض الأثر، أو الأرجح أن الخطوة التالية كانت نتيجة انتهاء الحرب بين إنجلترا وهولندا بتوقيع معاهدة سلام في بريدا في ٣١ يوليو. وأيًّا يكن السبب، فقد تلقى ملازم البرج رسالة بسيطة في السادس والعشرين من أغسطس:
أولدنبرج. إفراج للسجين أولدنبرج من البرج. ٢٦ أغسطس ١٦٦٧.10
لا بد أن الاحتجاز في زنزانة كان أمرًا محبطًا على نحو يفوق الوصف. لكن إطلاق سراحه جلب مزيدًا من الخطر. فمن الذي يمكن لأولدنبرج أن يثق فيه؟ هل يأمن عودته إلى منزله في لندن، أم أنه يُقتَل على يد جماعة من الغوغاء لا يميزون الرجل البريء عندما يرونه؟ لقد أُعدِم كثير من الأجانب في الشوارع دون محاكمات في أعقاب الحريق الكبير، وكان أهل لندن معروفين بأن شكوكهم سرعان ما توصلهم إلى استنتاجات بشعة. لم يعرف أولدنبرج كثيرًا عن الحالة المزاجية العامة في لندن بعد انتهاء الحرب.

ربما كان أولدنبرج يرتعد خوفًا أثناء سيره، لكنه لم يكن جبانًا. لقد أراد أن يقف أمام الشخص الذي تسبب توقيعه في سجنه، ولو لإثبات أنه لم يكن لديه ما يخشاه. انطلق أولدنبرج على قدميه وسار نحو ميل من البرج إلى منزل أرلنجتون في وسط المدينة، وكما أخبر بويل لاحقًا: «حضر إلى لورد أرلنجتون معلنًا عن خضوعه التام له.» وأعرب عن ولائه وإخلاصه للملك والبلاد وتصالح مع المدعي.

ربما تصالح أولدنبرج، لكن قليلين من الناس في الشارع هم من علموا بذلك. فالأفضل ألا يلفت الأنظار وأن يخرج من لندن؛ ولو لبضعة أيام. فسيستغرق الأمر بعض الوقت لينتشر الحديث عن إطلاق سراحه، والأمل في أن تنتشر الشائعات نفسها عن براءته. ولم يكن منزله في بول مول يوفر له قدرًا كبيرًا من الأمن؛ لذا انصرف بأقصى سرعة متوقعة من رجل يحمل قليلًا من المال — إن لم يكن لا يملك مالًا على الإطلاق — إلى الريف، إلى كريفورد في كنت، ربما إلى منزل دورا — تلك الفتاة القاصر التي تحت وصايته.

كان هواء الريف عليلًا، لكن لم يكن لدى أولدنبرج أي وسيلة لجني المال بعيدًا كل هذا البعد عن لندن. وبعد أن استعاد أولدنبرج عافيته وتناول بعض الطعام الجيد، قرر أن يعود إلى لندن ليرى إن كان من الممكن أن يستأنف نشاطه من حيث توقف. وسرعان ما أدرك أن هذا الأمر لن يكون سهلًا. وفي ٣ سبتمبر ١٦٦٧، كتب إلى بويل — الذي كان يقيم في أكسفورد وقتها — وتمنى أن يكون بخير واعتذر عن غيابه. وكتب إلى كثيرين من أصدقائه السابقين الآخرين، وشعر بخيبة الأمل من عدم تلقيه أي رد إلا من بويل وبيل؛ ولم يكن ذلك بأفضل ترحيب بعودته إلى الديار.

لندن، ١٢ سبتمبر ١٦٦٧
سيدي!

رغم مرور أكثر من أسبوعين منذ أن أعلمت أصدقائي الذين أتراسل معهم بعودتي إلى سابق عهدي، لم أتلقَّ أي رد إلا منك ومن الدكتور بيل (وامتناني إليك أكبر)، الأمر الذي يجعلني أخمن أن الأجانب، وخاصة في المناطق المجاورة ربما يتحرجون من مواصلة نشاطهم السابق الذي اعتادوا عليه وهو قضاء الوقت معي، بدافع الرفق بي وخوفهم على سلامتي التي قد يظنون أنها تتعرض للخطر نتيجة كتابتهم إليَّ بقدر كتابتي إليهم. لكنني أنوي أن أريحهم من مخاوفهم إن وجدت أنها تسيطر عليهم، وذلك بقصر مراسلاتي على الأمور ذات الطبيعة الفلسفية، أو من المجاملات اللطيفة ما لا يُساء فهمه أو يثير شكًّا في أي نوايا خبيثة.11

كان أولدنبرج قد تغيب لبضعة أشهر وكان عليه أن يتوقع بعض المفاجآت في كومة البريد التي تنتظره. لقد انتابه الفضول حتمًا لفتح نسخة مما ادُّعي أنه دوريته. والأرجح أنه قلَّب صفحاتها ووضعها جانبًا. كان على وشك اكتشاف من الذي استكمل إصدار صحيفته بمجرد فتحه باقي البريد.

fig15
شكل ٧-٤: ترجمة أولدنبرج لخطاب من دوني. حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية.

من ضمن بريده كان هناك بضع خطابات تشكو من الطبعة المذكورة لدوريته، مشيرةً إلى أنه أفسح المجال لانتشار الادعاءات الفظة لفرنسي مغمور بالسبق. ربما نجا أولدنبرج من اتهامات بخيانة التاج، لكنه الآن يواجه نداءات بالخيانة من داخل الوسط العلمي. تصفح أولدنبرج نسخة الدورية مجددًا، لكن بعناية أكبر هذه المرة. ووجد النسخة المترجمة من المقال الفرنسي. وتذكر ترجمته المقال قبل يوم فقط من اعتقاله أو نحو ذلك، ووضع الترجمة ضمن كومة من الأوراق المجهزة للعدد التالي. من الواضح أن ادعاء السبق في هذا المقال كان مبالغًا فيه، وكان يخطط دائمًا لأن يستغل صلاحيته كمحرر في إضافة معلومات توازن الأمر على نحو سليم. إلا أن المقال نُشر بالكامل دون أي تعديلات.

وبحلول الثالث والعشرين من سبتمبر، كان أولدنبرج قد أعاد كتابة النسخة الجديدة وطبعها، ووُزعت ٥٠٠ نسخة في أنحاء أوروبا. وبالنظر إلى أن النسخة الأصلية لم يتبقَّ منها إلا طبعات قليلة، يبدو أن معظم الناس تخلصوا من الأولى وأبقوا النسخة الجديدة. لم يكن الاختلاف ملموسًا لدى كثيرين إن لاحظوه أصلًا. أما بالنسبة إلى القلة المهتمة بنقل الدم اهتمامًا شغوفًا — الذين كانت المكانة الرفيعة في هذا المجال إلزامية في حيواتهم المهنية — فقد كانت تلك الأحداث كارثية.

كان هذا وقت بذل مزيدٍ من الجهد لمواجهة الأزمة. ففي ٢٤ سبتمبر، كتب أولدنبرج إلى بويل من جديد، وذكر أن النسخة المعدلة من العدد السابع والعشرين في المطبعة، وأنها تضمنت تنصلًا من المسئولية عن النسخة الأولى. كما ذكر أن لوور طلب مقابلته وأن الفرصة قد سنحت ليشرح له ما حدث. وختم أولدنبرج خطابه بشكوى من أن ناشره السيد جون مارتن قد عدَّل مستحقاته، وأن الدورية لن تدرَّ عليه في الأرجح أكثر من ٣٠ فلورين هذا العام. كان هذا درسًا قويًّا في عالم الأعمال القاسي؛ من الصعب أن تجني الأموال من بيع المعرفة العلمية في أحسن الأحوال.

خريف مضطرب

في مجمل الأمر، كان الخريف وقتًا عصيبًا على دوني وكارثة على أولدنبرج. لكن الأشهر التالية كانت على وشك أن تزخر بأحداث كثيرة لكلا الرجلين. فخلال ذلك العام، تزوج أولدنبرج من دورا القاصر التي تحت وصايته ذات الأربعة عشر ربيعًا. وبذلك آلت له أملاك دورا في كِنت؛ مما عزز موقفه كثيرًا، ولو لم يوفر له الاستقلال المالي. أما دوني فقد ظلت الأشهر التالية صعبة عليه، حيث ظهرت المشكلات مع مريضه التالي البارون بوند. في الواقع، انتقلت أخبار الموقف بسرعة إلى أولدنبرج لدرجة أنه تمكن من التعليق عليها في مقاله في شهر أكتوبر الذي شكك فيه في ادعاءات دوني.

كان البارون بوند ابن أول وزير دولة لملك السويد. وكان يقضي الوقت على اتصال وثيق بالملكة السابقة كريستينا — وهي امرأة متألقة أعلنت عام ١٦٥٥ تحولها من العقيدة البروتستانتية إلى الكاثوليكية وتخلت عن عرشها. وكان والدا كريستينا يرغبان في إنجاب ذكر؛ وتنبأ المنجمون بأن الطفل سيكون ولدًا وأعلن الأطباء في البداية، أن كريستينا ذكر. ولما أدركت أمها أنها في الواقع أنثى تعاني من تشوه في الحوض، رفضتها. وقرر والدها أن يربيها لتكون أميرًا؛ وهو ما لم يكن بدايةً جيدةً لحياتها. وتحسنت الأمور بعض الشيء عندما قُتِل والدها في معركة عام ١٦٣٢، وتُوِّجَت كريتسنيا ذات الأعوام الخمسة ملكة على السويد من بعده.

وعلى الفور، خضعت كريستينا لبرنامج تدريبي قاسٍ يتضمن ١٢ ساعة من الرياضة والدراسة لستة أيام أسبوعيًّا. وفي الخامسة عشرة من عمرها، كانت تتحدث خمس لغات بطلاقة، وبدأت تدير شئون البلاد بالفعل، ولم تكن تنعم إلا بثلاث أو أربع ساعات من النوم كل ليلة. وكان الترويح في صورة ركوب الخيل واصطياد الدببة. وكان حماسها للاستيقاظ باكرًا وبالًا على ديكارت؛ فقد كانت كريستينا قد عينت ديكارت ليعلمها الفلسفة، لكن أصابه الإرهاق من استمرار مطالبته بالاستعداد لتقديم دروس في الخامسة من صباح كل يوم؛ إذ كان يفضل أسلوبًا باريسيًّا أكثر راحة يمكنه من الاستيقاظ الساعة الحادية عشرة. في عام ١٦٥٠، أُصِيب بالتهاب رئوي، ومات ودُفن في استوكهولم.

لذا لم يكن من المفاجئ أن تتدهور صحة كريستينا بعد وفاة ديكارت بعام. وأوصى أطباؤها بوصفات علاجية كثيرة، لكن كريستينا أرسلت في طلب صديق ديكارت الطبيب الفرنسي بيير بوردولو. وعند قدومه استبعد كل الأطباء وتخلَّص من وصفاتهم، وبدلًا من ذلك، أوصاها باللهو واللعب؛ بالراحة والاستجمام. لا بد أن ذلك كان صادمًا بكل تأكيد لهذه الفتاة المفعمة بالحيوية على نحو استثنائي، لكنها سرعان ما تعافت وأشرقت ملامحها أمام هذه الحرية الجديدة. وباستغلال هذا الإحساس الجديد بالاستقلال، تخلت كريستينا عن العرش وانتقلت إلى روما.

عاد بوردولو إلى باريس محملًا بالهدايا، وظل هو وكريستينا يتواصلان بالخطابات. لقد كانت المراسلة هي الوسيلة التي سمعت بها كريستينا عن نقل الدم. كان من الواضح أنها انبهرت بالفكرة، لكنها قالت في ردها على بوردولو:
أعتقد أن ابتكار حَقن الدم جيد جدًّا، لكنني لا أرغب في أن أجربه بنفسي، فقد أتحول إلى خروف. فإن كنت سأمرُّ بتحول، فإني أفضل أن أصبح لبؤة، لكيلا يتمكن أحد من التهامي؛ أنا بحال جيدة … لكن إذا احتجت هذا العلاج، فقد قررت أن أُحقن بدم ألماني، لأن الحيوان الألماني أقل شبهًا بالإنسان من أي حيوان أعرفه.12

لم تَرْق الحياة في روما إلى توقعات كريستينا، وسرعان ما اكتسبت عداوات علية القوم. وبعد فشل محاولة تحرير نابولي من حكم الإسبان قررتِ العودة إلى السويد في عام ١٦٦٦. وفي خريف عام ١٦٦٧ سمعت أن مستشارها السابق البارون بوند أصيب بوعكة شديدة. وبالمصادفة كان البارون في باريس حيث أحدث التكنولوجيا الطبية: نقل الدم. على الأرجح أن كريستينا أرسلت إلى بوردولو، وعلى إثر ذلك، أُرسل في طلب دوني وإميري.

كان البارون بوند مريضًا لدرجة أن كلا الطبيبين كانا ممانعين التعامل معه في البداية؛ فمعالجة شخص قبل وفاته مباشرةً تنطوي على احتمال كبير بالاتهام بالإهمال. وكان البارون يُعاني على مدار ثلاثة أسابيع من مرض في الكبد والطحال، وإسهال صفراوي وحمى شديدة بحسب تشخيص دوني. ومع وصول دوني وإميري، كان قد فحصه أربعة أطباء آخرون، وقد أجرى جميعهم للبارون فصد دم، آملين في التخلص من الدم المصاب. هكذا، أصبح المريض في غاية الوهن، عاجزًا عن الحركة أو الكلام، وكان فعليًّا غائبًا عن الوعي؛ كانت العلامة الرئيسية على الحياة أنه كان يتقيأ بشدة بمجرد إعطائه أي طعام أو ماء.

أرسل أقارب البارون في طلب خيرة الأطباء كإجراء أخير، لكن دوني لم يكن متحمسًا جدًّا؛ فنقل الدم — كما بيَّن — لا يصلح لعلاج الأجزاء الصلبة (في مقابل الأجزاء السائلة) من جسم الإنسان، وكان واضحًا من الأعراض أن المريض يعاني من غرغرينا بالأمعاء. كان على قناعة بأنه لو كان أقارب المريض اتصلوا به قبل ذلك لاختلف الأمر كثيرًا. وكان على يقين من أنهم لو كانوا أجروا له نقلًا للدم، بدلًا من فصده لكانت لتلك الطريقة فائدة كبيرة.

ومع ذلك، قال أقارب المريض إن الاستسلام الآن يعني التخلي عن أمل الرجل الأخير. وفي النهاية تراجع دوني عن قراره. لكن حتى عند ذلك كان راغبًا في إبراء نفسه؛ إذ أصر على إقرار الأطباء الذين عالجوا المريض قبله بفشل علاجهم، وأنه من المقبول تجربة هذا العلاج التجريبي.

وفي صباح اليوم التالي، ومع انتهاء الإجراءات الشكلية، عاد دوني وإميري ومعهما عِجل. كان المريض في حالة خمول ويعاني تشنجات. وكان نبضه بطيئًا وضعيفًا. وبمجرد نقل كمية صغيرة من الدم إلى أوردة بوند، تسارع نبضه وزاد قوة، وتوقفت التشنجات وبدأ يتكلم بعدة لغات. وبعد دقائق غلبه النعاس. وانتظر دوني وأقارب بوند ليروا ما الذي سيحدث.

وبعد ثلاثة أرباع الساعة، استيقظ بوند وتمكن من تناول عدة أطباق من الحساء على مدار اليوم، وظل هادئًا، وهو ما اعتبر تحسنًا. وتوقف الإسهال للمرة الأولى منذ أسابيع. لكن — للأسف — بعد ٢٤ ساعة خارت قوته وضعُف نبضه وهزُلَ بدنه مجددًا. وبطلب من أصدقاء البارون، أوصل إميري المريض بالعجل وأعطاه جرعة دم جديدة. مرة أخرى تعافى المريض قليلًا لكنه تُوُفي في الخامسة بعد ظهر ذلك اليوم.

تجمع عدد من الأطباء في عملية تشريح مريعة ليشهدوا الفحص ويقدموا تعليقاتهم. واكتشفوا أن أمعاء الرجل المسكين كانت متعفنة، وكان البنكرياس متصلبًا والقناة البنكرياسية — التي تحمل العصارات الهاضمة إلى القناة الهضمية — مسدودة. وكان طحاله مكتنزًا بشدة وكبده متضخمًا وعليه علامات مرض واضحة في بعض الأماكن. وكان دوني مهتمًّا بحالة القلب. فقد كان «جافًّا جدًّا كما لو كان محترقًا». كما لفت انتباهه أن الوريد الذي حقنوا الدم فيه لم يعد أكثر امتلاءً من سائر الأوردة، فقد بدت كل الأوعية فارغة.

وكما يروق للجراحين كثيرًا، أعلن دوني أن عملية نقل الدم نجحت، لكن سوء حالة المريض الصحية بشدة لم يسمح لعملية نقل الدم بأن ترد له عافيته. كان دوني جريئًا؛ فقد كانت الطريقة سليمة، لكن ما كان يحتاج إليه في ذلك الوقت هو مريض سليم بدنيًّا، لكن مصاب بمرض آخر. وكانت هذه الحالة المثالية لبيان مزايا علاجه الجديد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١