البراءة

إنما محمد أُذُن من حدَّثه شيئًا صدَّقه.

نبتل بن الحارث

الآن وقد تم إخضاع خيبر تمامًا لسلطان الدولة وتحجيمها إلى الأبد، وبعد فتح أم القرى وخضوع سادة العرب أهل الله القرشيين لدولة يثرب، وبعدما أصبحت هوازن مثلًا، فسُلِبت أموالها، ونُكِحت نساؤها، وأسلمت جميعًا راغمة لسلطان الدولة، وبعد أن كمنت ثقيف كثعلب في حجر، وبعد ما خرج عليها سيدها مالك بعدما تألَّفه الرسول بالعطايا، فأحكم عليها الحصار، يقطع عليها الطريق ويستولي على قوافلها، وبعدما تضخَّم حجم الجيش الإسلامي وضم أشاوس القبائل الحجازية جميعًا؛ عادت كنوز قيصر تُنادي العرب، ففي صبيحة يوم من أيام رجب من سنة تسع، أعلن مُنادي النبي في الناس التجهز لغزو الروم.

ويحكي راوي السيرة ابن هشام فيقول:
ثم أقام رسول الله بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم … وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يُحِبون المُقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله قلما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بيَّنها للناس؛ لبعد الشُّقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.١

ورغم كل تلك الانتصارات الساحقة، ورغم تفكيك الروابط القديمة بين القبائل المُتحالِفة وإدخالها جميعًا في حلف الدولة، وما أدَّى إليه ذلك من إضعاف شديد لصوت المُعارَضة التي أُطلِق عليه اصطلاح «النفاق»، بعدما تقلَّمت أظافرهم تمامًا؛ تعود الأخبار تُخبِرنا بأن النفاق قد عاد إلى الظهور عندما دعا النبي إلى غزو الروم، فقام المنافقون يُثبِّطون هِمَم الناس، ويجتمعون في بيت سويلم عند جاسوم يقولون بعضهم لبعض: «لا تنفروا في الحر.»

ويقول ابن هشام إن هذا التباطؤ والتراجع عن الخروج إلى الروم كان «شكًّا في الحق وإرجافًا برسول الله »، ولكن لأن الظروف قد تغيَّرت، ولم يعد بإمكان أحد أن يتطاول مرة أخرى على الرسول، فقد أخذوا بالاجتماع سرًّا لبحث شئونهم، فكان أن أرسل النبي إليهم طلحة بن عبد الله في نفر من أصحابه، فحرَّق عليهم البيت وهم فيه،٢ ثم جاء الوحي يقول: وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (التوبة: ٨١-٨٢). أما النبي فقد كان يُحدِّث أصحابه بينما البيت يُحرَّق على المجتمعين فيه: «في أصحابي اثنا عشر مُنافِقًا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.»٣

وأحيانًا ما كان المسلمون يأتون النبي يستأذنونه في عدم الخروج إلى وقعة، لظروف خاصة ببعضهم فيأذن لهم، فلما جاءه بعضهم هذه المرة، تدخَّل الله بنفسه ولم يقبل عذرهم بل وجَّه لهم اتهامات مُباشِرة بالكذب، ثم نصح رسوله بألا يعذرهم ولا يقبلهم في جيشه حتى لا يُؤثِّروا في جنده الذين يميلون إليهم ويستمعون لرأيهم، فقال تعالى عز من قائل:

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (التوبة: ٤٢–٤٧).

وهكذا، وبينما يُنفِق أصحاب اليقين أموالهم لتأمين مِيرة المجاهدين لذلك الطريق الطويل، مثل عثمان بن عفان الذي تبرَّع بألف دينار،٤ كان هناك آخرون يشكُّون في جدوى تلك الغزوة، ويشكُّون في نصر العرب على جيوش قيصر، فشكُّوا في الحق بتعبير ابن هشام، ويشرح ابن إسحاق الآيات السوالف فيقول:
وكان الذين استأذنوه من ذوي الشرف، فيما بلغني؛ منهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافًا في قومهم، فثبَّطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه فيُفسِدوا عليه جنده، وكان في جنده أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم.٥

أما الوحي فقد استمر شارحًا لموقف هؤلاء فاضحًا لهم، حيث أبان بصدق الله تعالى أنهم ما تراجعوا إلا نقمة لأنهم لم يحصلوا على أموال وعطايا كالتي أعطاها النبي للمؤلفة قلوبهم، حيث يقول:

وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (التوبة: ٥٨).

وقد وضح موقف هؤلاء المنافقين، فيما ورد عنهم من أخبار تُشير إلى جُبنهم عن ملاقاة الروم بني الأصفر وتخوُّفهم ذلك، عندما رأوا النبي يقود جنده مُيمِّمًا شطر الروم فوقفوا يقولون لبعضهم: «أتحسبون جِلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لَكأنا بكم غدًا مُقرَّنين في الحبال إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين.» فلما علموا أن قالتهم قد بلغت النبي هرع وديعة بن ثابت بهم يُمسِك بناقة الرسول يعتذر قائلًا: «يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب.» فأنزل الله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.٦ وهو الأمر الذي يُشير إلى تضاؤل شأن المُعارَضة إلى حد الرهبة والرعب والاعتذار بما لا يليق برجال الحرب وأسنان الشرف.
وخرجت جحافل المسلمين في ثلاثين ألف مُقاتِل وعشرة آلاف فرس حتى وصلت مشارف بادية الشام لتُحاصِر تبوك، فيخرج يوحنا بن رؤبة المنوب على أيلة من القيصر ليُصالِح الرسول على دفع الجزية، ويتبعه أهل جرباء وأذرح، ويكتب لهم النبي كتابًا بذلك، ثم أرسل خالد بن الوليد إلى دومة فأتاه بأكيدر الكندي فصالحه بدوره على الجزية، واكتفى من سفره الشاق بذلك وأخذ قراره بالعودة إلى يثرب، حيث تأكَّد أن هرقل عظيم الروم قد جمع جموعه في حمص.٧
ونعلم مع ذلك أنه مع ترك المنافقين المعلومين بيثرب، فقد وجد بين من خرجوا للجهاد منافقين جددًا، حيث يروي ابن إسحاق عن محمود بن لبيد أنه أصابهم عطش في الحجر، فدعا النبي ربه فأرسل سحابة أمطرتهم ماءً، وهنا يقول محمود بن لبيد:
لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله حين دعا، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول ويحك؛ هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة.٨
لكن ليجد المنافقون في عودة النبي دون لقاء الروم، أو حتى تجاوز تبوك نحو الشمال، مجالًا للخوض. وهنا يُعلِمنا البيهقي السبب وراء خروج النبي إلى الروم، وأنها كانت مؤامرة يهودية لا يشير إلى أطرافها ولا أسمائهم ولا من هم، وأن الله قد أنقذه من تلك المؤامرة، وذلك في قوله: «ما روي في سبب خروج النبي إلى تبوك وسبب رجوعه إن صح الخبر فيه … أن اليهود أتوا رسول الله يومًا، فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي، فالحقْ بالشام؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء. فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عز وجل آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت السورة: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا إلى قوله: تَحْوِيلًا (الإسراء: ٧٦-٧٧)، فأمره الله عز وجل بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث.»٩
ومن هنا يمكن فهم الحقيقة وراء مسجد ضرار وما دار حوله من أحداث، كانت مساجد رسول الله فيما بين المدينة إلى تبوك معلومة مُسمَّاة، ويُعدِّدها ابن هشام فيقول إنها كانت كالتالي: «مسجد بتبوك ومسجد بذات الخطمي ومسجد بآلاء ومسجد بطرف البطراء من ذنب كواكب ومسجد بالشق — شق تارا — ومسجد بثينة حدران ومسجد بذات الزراب ومسجد بالأخضر ومسجد بذي الحيفة ومسجد بصدر حوحنى ومسجد بالحجر ومسجد بالصعيد ومسجد بالوادي — اليوم وادي القرى — ومسجد الرقعة من الشقة — شقة بني غدرة — ومسجد بذي المروة ومسجد بالفيفا ومسجد بذي خشب.»١٠
وبالمثل، لكن داخل يثرب، أقام بعض المسلمين مسجدًا وجاءوا النبي عندما كان يتجهز لغزو الروم كما سلف، فقالوا: «يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتُصلِّي لنا فيه.» وكان جواب النبي وعدًا جميلًا يقول: «إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدِمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلَّينا لكم فيه.»١١
لكن مع تواتُر النفاق في هذه المرحلة جاء النبي الخبر أن أصحاب ذلك المسجد هم من المنافقين، ونفهم من الروايات أنهم من الأوس تحديدًا، حيث يُفيدنا الثعلبي النيسابوري أنهم بنوه ليستقبلوا فيه أخطر زعمائهم الذي غادر المدينة مُخاصِمًا للرسول «أبو عامر بن النعمان بن صيفي» المعروف باسم الراهب، لكن النبي أسماه بالفاسق، حيث كان أبو عامر قد ترهَّب في الجاهلية ولبس المسوح واعتنق الحنيفية، ولما التقى بالنبي اختلف معه حول صحيح الحنيفية، فغادر المدينة مُغاضِبًا له، ثم تُفيدنا المصادر أنه قبل غزو النبي للروم بقليل أرسل أبو عامر لأهله وهو أوسي، وقال لهم: «أعدوا العدة والسلاح وابنوا لي مسجدًا، فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجند لنُخرِج محمدًا وأصحابه من المدينة.» ويزعم الثعلبي أنه كانت قد نزلت فيه آيات تقول: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا.١٢
ويحكي لنا البيهقي ما حدث بشأن ذلك المسجد الذي وعد النبي أصحابه بافتتاحه لإيواء المحتاجين، فيقول: «إن النبي أقبل من تبوك حتى نزل بذي أوان بينه وبين المدينة ساعة من نهار … فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي … فقال: انطلِقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه، واحرقاه. فخرجا سريعًا حتى دخلاه وفيه أهله فحرَّقاه وهدماه وتفرَّقوا عنه.»١٣ لقد باتت السياسة إزاء المنافقين قد أخذت شكلها العنيف الرادع كما هو واضح.

وقد جاء الوحي يُعقِّب على إحراق المسجد في آيات كريمة صريحة تقول:

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة: ١٠٧–١١٠).

وبحرق مسجد ضرار يعود النفاق إلى الانكماش مرة أخرى، ولا يجد المنافقون كل مرة سوى أن يتجهوا إلى سيد المدينة وسيد الخلق يحلفون بالله أنهم ما أرادوا ما وصله من حديث لكنهم أرادوا خيرًا وحسنًا، أو أنهم ما قالوا ما سمع، أو يُقسِمون بأغلظ الأيمان أنهم إنما كانوا هازلين، وأدركوا أن جهاز الدولة الرقابي قد دخل بيوتهم وتصنَّت أحاديثهم وعلم أسرارهم، حتى قال نبتل بن الحارث أخو بني عمرو بن عوف:

إنما محمد أُذُن،

من حدَّثه شيئًا صدَّقه.١٤

لكن ليتدخل الوحي مرة أخرى شارحًا مُوضِّحًا مُبيِّنًا:

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (التوبة: ٦١).

ولكن، ووسط تلك الأحداث التي كدَّرت صفو الرسول ومدينته، يأتي حدث جديد، يُضيف للدولة رصيدًا، يفرح له الرسول والمؤمنون، حيث يحكي ابن كثير:
أن رسول الله لما ارتحل عن ثقيف، سُئل أن يدعو عليهم، فدعا لهم بالهداية، وقد تقدَّم أن رسول الله حين أسلم مالك بن عوف النصري، أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرًا على من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويُضيِّق عليهم حتى ألجأهم إلى الدخول في الإسلام، وتقدَّم أيضًا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمس، أنه لم يزَل بثقيف حتى أنزلهم من حصونهم على حكم رسول الله ، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية … ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا … ثم أجمعوا أن يُرسِلوا رجلًا منهم هو عبد ياليل بن عمرو بن عمير … ومعه بضعة عشر رجلًا.١٥

وكان فرح المغيرة بن شعبة الثقفي عظيمًا لما التقى وفدهم على أبواب المدينة، فأخذهم ليُعلِمهم بروتوكول الدولة، وكيف يدخلون على رسول الله ، وكيف يُؤدُّون له التحية، لكنهم عندما دخلوا على الرسول لم يفعلوا سوى فعل العربان، وحيَّوه تحيتهم الجاهلية الاعتيادية، وأمر النبي فضُرِبت لهم قبة في مسجده تكريمًا لهم، وجلس النبي في مجلسه على مسافة يسمع منهم ويقولون له، وكان يسعى بينهم خالد بن سعيد بن العاص، ولما قدَّم لهم طعامًا رفضوا تناوله توجسًا وخيفة، إلا بعد أن أكل منه خالد بن سعيد، ولما انتهت المفاوضات كتب خالد بينهم الكتاب.

وإبان المفاوضات حاولوا تأجيل هدم اللات فلم يرضَ الرسول إطلاقًا، بل أعلمهم أنه سيُرسِل معهم أبا سفيان صخر بن حرب، وولدهم المغيرة بن شعبة ليهدماها، ثم سألوه أن يُسقِط عنهم الصلاة.

لم يُدرِك الثقفيون أن واجبات الصلاة الخمس تمرين سريع للتأمل، تتضمن ترديدًا لآيات القرآن حتى تعتاده آذانهم، ثم إنها تحوي الشهادة للرسول بالنبوة في كل مرة، وتُعوِّد المُلتزِم بها الانتظام في نظام صفوف صارم. كل ما رأوه فيها إرغامًا لأنفهم العربية المُتأبِّية المُتكبِّرة على السجود، ولم يُدرِكوا أنها كانت إخضاعًا لسلوكهم اليومي لمُؤسَّسة دقيقة مُرتَّبة تخرج بهم عن عشوائية القبلية وتشظيها، إلى المنظومة المُوحِّدة، ولم يقبل النبي أي تفاوض بشأن الصلاة، وأجاب بحسم: «لا خير في دين لا صلاة فيه.» فكان ردهم المُختزَل الذي يبدو على مضض: «سنُؤتيكها.» أبدًا لم يقولوا سنؤتيها لله تعالى، بل استمروا ليقولوا بجرأة شديدة: «سنؤتيكها وإن كانت دناءة.» ثم أصروا ألا يكونوا كبقية الأعراب؛ فهم أهل مدن وحضارة وأنفة وكبرياء، واشترطوا على النبي أنهم لن يدفعوا الضرائب (الصدقة)، ولن يشتركوا في معاركه (الجهاد)، فوافقهم، ثم قال بعد ذلك للمسلمين: «سيتصدقون ويُجاهِدون إذا أسلموا.»١٦
واستأذن الثقفيون النبي أن يسبقوا رسله المُزمَع ذهابهم معهم لهدم اللات، «فلما جاءوا قومهم تلقوهم، فسألوهم ما وراءكم؟ فأظهروا الحزن، وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف، يحكم بما يريد وقد دوَّخ العرب … فألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا.»١٧
ولحق بهم ولدهم المغيرة ومعه أبو سفيان وهدموا اللات وأخذوا ما بها من جوهر وحُلًى وذهب وفضة.١٨ بينما كان النبي قد أمَّر على ثقيف عثمان بن أبي العاص أميرًا منوبًا من قِبله، وكان أحدثهم سنًّا.١٩

ويمر من الشهور ثلاثة، رمضان وشوال وذو القعدة، ويأتي موسم الحج، لكن الموسم هذه المرة لم يكن كالمرات السوالف، حيث كان لا بد أن تُشرِف الدولة بنفسها عليه، فبعث رسول الله أبا بكر أميرًا منوبًا من قِبله على حج سنة تسع للهجرة ليُقيم للناس حجهم.

ويُفاجئ الأمر قريشًا، فحتى سيادة الحج والكعبة قد ذهبت إلى دولة يثرب. نعم إن أبا بكر قرشي، لكن معنى أن يأتيها من يثرب أميرًا على الحج، هو معنًى يسلب قريشًا وضعها السيادي الباقي في إقامة الشعائر الدينية للعربان، وهنا تعترض قريش هاتفة: «إنا أهل الحرم وسقاة الحاج وعُمار هذا البيت، فلا أحد أفضل منا.» لكن ليأتيهم الرد: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.٢٠

لقد بات المطلب الآن بعد انصرام عام على فتح مكة، إسلام الجميع دون مُوارَبة، حيث أكَّدت كتب السير أن «الناس من أهل الشرك كانوا على منازلهم من حجهم.»

ثم تأتي الضربة القاصمة في نقض النبي لما كان بينه وبين المشركين من عهد ينص على «ألا يُصَد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك»؛ لضمان استمرار التجارة وسيولتها، وقد جاء ذلك النقض عندما أرسل النبي ، علي بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر، ومعه أوامر الوحي في الآيات المعروفة باسم «براءة» وقال له: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمِنى؛ أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته … وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أُذِّن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة.»٢١ وكان أبرز نصوص وثيقة براءة يقول:

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (التوبة: ٢٨).

كان معنى ذلك خراب ديار قريش إلى آخر الدهر، فمعنى ذلك توقُّف التجارة ودمار الأسواق، وزاد الأمر نكاية ما جاء مع سورة براءة من أمر إلهي بإلغاء العمل بنظام النسيء، وكان النسيء تحريكًا للأشهر الحرم القمرية، لتدور مع الأشهر الشمسية، حتى تتوافق رحلتا التجارة مع موعد المحاصيل والرياح الموسمية في بحر الهند، وهي الرياح والمحاصيل التي تسير وفق المجريات الشمسية (الزمن الميلادي)، وجاءت الآيات تُؤكِّد:

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ (التوبة: ٣٧).

وهكذا تم تثبيت الأشهر القمرية جميعًا، وهو ما قال المسعودي بشأنه شارحًا: «عندما ظهر الإسلام، كانت الأشهر الحرام قد عادت إلى بدئها على ما كانت عليه في أصلها، وذلك قول النبي : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض.»٢٢
نعم، كان تثبيت الأشهر الحرم وسلخها عن المصالح المادية ارتفاعًا بها وتكريمًا لها وتوقيرًا؛ لجعلها رمزًا لوحدة البيت الجامع للعرب المُتوحِّدين في الدولة الواحدة، لكنه كان ضربًا واضحًا للتجارة والأسواق، بل وتراجعًا بالعرب جميعًا عن مركز دولي مُتميِّز حقَّقوه من ذلك النظام التجاري الديني، فأمسكوا بعنان تجارة العالم، وبدأت قريش تشك فعلًا في أهداف الدولة الجديدة، وصوَّرت لها أحلامها المريضة أن المقصود دمار فعلي، وانتقام مما سبق وقدَّمت أيديها، وتقف تقول:
لتُقطَعن عنا الأسواق، فلتهلكن التجارة، وليذهبن ما كنا نُصيب فيها من المرافق.٢٣

لكن لتُفاجأ بسوء ظنها، وتبدأ في رؤية ما ينتظرها حقًّا، عندما يرد عليها الوحي الكريم:

وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة: ٢٨).

أما كيف سيتحقق ذلك وهم يريدونه مكاسب عينية ملموسة، تُعوِّضهم عن خراب تجارتهم وبوار أموالهم؟ فهو ما يشرحه ابن هشام مُؤيَّدًا بآي الله الكريم، في قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ؛ أي من وجه غير ذلك … قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ … مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ؛ أي ففي هذا عوض عما تخوَّفتم من قطع الأسواق، فعوَّضهم الله بما قطع عنهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية.٢٤

ماذا تقصد الآيات؟ إن أهل الكتاب في الجزيرة قد انتهى أمرهم إلى الذبح أو الجلاء أو الجزية، فأي أهل كتاب؟! وهنا توجَّهت الأنظار بعيدًا، إن الآيات تطلب منهم تعويض خسائرهم هناك؛ فعند الإمبراطوريتَين كنوز عظيمة، وهنا تفهم قريش سر كل ذلك التضيق، لقد بات عليهم التحول عن التجارة إلى القتال، لقد بدأ المستقبل الجديد يفرش ظله على الواقع فيُزيح القديم، وجاءت الآيات تُؤكِّد الجهاد كبديل أفضل من التجارة، وتُوجِّه أنظارهم نحو الشمال.

لقد جاءت القرارات الأخيرة لتُخِل تمامًا بنظام التجارة العظمى التي كانت قريش تُشرِف على إدارتها، ومع إسلام العرب وتتالي ذلك الإسلام بعد أشهر في وفود تُشهِر إسلامها، جعل هناك استحالة في تقديم آفاق غنائم جديدة داخل جزيرة العرب. لقد آن أوان تحقُّق الوعد المُغلَّظ بالأيمان الذي أطلقه النبي في مكة عندما كان مَهيضًا:

والذي نفسي بيده لتملكُن كنوز كسرى وقيصر.

وجانب آخر، يُدرِكه الوعي النفاذ؛ أن الطريقة الوحيدة التي كان يمكن بها الحفاظ على وحدة القبائل، هي تقديم هدف مألوف لها، البحث الدائم عن الغنائم، وهو ما قامت عليه الدولة النبوية ذاتها حتى الآن، الهدف أصبح ذلك العالم المفتوح أمامهم على مصراعَيه. لقد أصبح مطلوبًا من العرب أن يتحولوا عن مُجرَّد سادة تجارة العالم؛ ليُصبِحوا سادة هذا العالم نفسه. أما بقية العربان الذين ارتبطوا بأسواق مكة، فقد باتوا يُعانون من الخراب نفسه، لم يعد أمامهم سوى الانخراط في الدولة للحصول على نصيب من الغنائم المُنتظَرة. لقد جاءت وثيقة الوحي براءة؛ لتدفع الجميع دفعًا إلى اعتناق الإسلام وإلى التوحيد وإلى التوجه خارج الجزيرة.

أما ختام المسك فكان موت رأس المُعارَضة والنفاق، عبد الله بن أُبي بن سلول، الذي خفتت بعده أصوات المُعارَضة تمامًا.

١  ابن هشام: في الروض الأنف للسهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص١٧٣.
٢  نفسه: ص١٧٤.
٣  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٥، ص٢٦١.
٤  ابن هشام: في الروض الأنف للسهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص١٧٤.
٥  نفسه: ص١٨٩، ١٩٠.
٦  نفسه: ص١٧٨.
٧  الموضع نفس. انظر أيضًا ابن سيد الناس: عيون الأثر، سبق ذكره، ج٢، ص٢٧٧.
٨  نفسه: ص١٧٦.
٩  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٥، ص٢٤٥.
١٠  ابن هشام: في الروض الأنف للسهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص١٨٠.
١١  الموضع نفسه.
١٢  الثعلبي: عرائس المجالس، سبق ذكره، ص١٤٠.
١٣  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٥، ص٢٥٩، ٢٦٠.
١٤  ابن هشام: في الروض، سبق ذكره، ج٤، ص١٩٠.
١٥  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٥، ص٢٦، ٢٧.
١٦  نفسه: ج٥، ص٢٧.
١٧  نفسه: ج٥، ص٣٠.
١٨  ابن سيد الناس: عيون الأثر، سبق ذكره، ج٢، ص٢٩٣.
١٩  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٥، ص٢٨.
٢٠  ابن هشام: في الروض، سبق ذكره، ج٤، ص١٨٦.
٢١  نقسه، ص١٨٧، ١٨٨.
٢٢  نفسه: ص١٨٩.
٢٣  الموضع نفسه.
٢٤  المسعودي: مروج الذهب، سبق ذكره، ج٢، ص٥٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠