الفصل الحادي عشر

سرُّ إلينا

توارت من المعهد، طلابه ومدرسيه، وجوه كثيرة بعد التطهير كنا قبل ذلك قد ألفنا أن نراها، لكن من بقي في المعهد أطلقوا لأنفسهم في عملهم حرية أوسع ونشاطًا أكبر، ما دامت أصابع الرعب قد زالت عن حلوقهم، وكنت عندئذٍ في آخر أعوام دراستي، وكان قد مضى عليَّ أمد منذ أخذت في معالجة مشكلات هندسية عملية في مصنع المعهد، أنفق فيها بعض وقتي باعتبارها جزءًا من منهج دراستي، حتى إذا ما تخرجت كان لي أن أتطلع إلى منصب رئيسي في صناعة المعادن التي كان يتسع نطاقها.

ولم ألبث بعد حركة التطهير أن التقيت ﺑ «إلينا»، وقد عرفت ما تعانيه من آلام، فسرعان ما صيرت كيمياء الحب آلامها جزءًا لا يتجزأ من حياتي، فأصبحت تكوِّن فصلًا من قصة سيرتي، بل إن ما ألمَّ بي من أحداث إلمامًا مباشرًا قلما ترك في نفسي أثرًا أعمق مما تركته هذه الأحداث التي وقعت ﻟ «إلينا» وغيرت من نظرتي إلى حكومة السوفيت.

لطالما أخذني العجب مما تفعله المصادفة البحتة في تقرير حياة الإنسان، لقد حدث لما انتقلت إلى «دنيبروبتروفسك» أن سكنت «إلينا» في شقة من منزل يقع على مقربة من مسكني، وكانت تذهب إلى عملها في الصباح في نفس الوقت — تقريبًا — الذي كنت أذهب فيه إلى المعهد، فنشأ عن ذلك أننا كثيرًا ما كنا نركب عربة واحدة، وقد كنت لحظتها أول مرة ذات يوم ثارت فيه عاصفة ثلجية شديدة، إذ كان كلانا واقفًا ينتظر على طوار السيارة الكهربائية الحجري، ومعنا نحو اثني عشر رجلًا وامرأة تلاصق بعضهم في بعض.

تلك كانت حادثة عابرة، كذلك كان لقائي الثاني بها ولقائي الثالث فيما تلا ذلك من أسابيع، كلها كانت من قبيل المصادفات، لكني بعدئذٍ أخذت أبحث عن هذه الفتاة الممشوقة ذات الشعر الأسود، وأخيرًا جعلت أنتظر قدومها، فكنت أترك سيارات كثيرة تمضي فلا أركبها ارتقابًا لها، وعلى غير أساس من منطق سليم كنت أغضب إذا ما تأخرت، حتى إذا ما لمحتها بطرف عيني قادمة بقدِّها الأهيف؛ نبض قلبي نبضة أو نبضتين، وحسبت — وكان حسابي صوابًا كما علمت فيما بعد — حسبت أنها كانت شاعرة أتم الشعور باهتمامي بها، وأنها لم تكن إزاء اهتمامي تقف موقف التي لا تأبه بالأمر كثيرًا أو قليلًا، وكثيرًا ما ضحكنا معًا فيما استقبل من الأيام، ضحكنا معًا من هذا الغزل الذي يتم بغير كلمات وعلى طرف من سيارة عامة.

ولما قُدِّمْتُ لها في نهاية الأمر — وكان ذلك أيضًا مصادفة — أحسسنا معًا كأنما طال عهد تعارفنا، كان ذلك في ساعة متأخرة ذات مساء، وكنت عائدًا من جلسة طويلة عقدتها اللجنة الإقليمية، وكانت القاعة معبأة بالدخان، والنقاش يبعث الملل، فما كان أحلى الخروج عندئذٍ إلى الهواء الطلق حيث أستنشق الهواء البارد وأحس لسع الصقيع، وبينما كنت أخطو مسرعًا في طريقي، ناداني منادٍ، فقد مررت لتوي بسيدتين أوشكت ألا أراهما.

دُرْتُ ببصري إلى خلفي فعرفت منهما طبيبة كانت عالجتني في المستشفى بعد خدمتي على الحدود الفارسية، وأما التي معها فهذه الجميلة التي لم أكن عرفتها بعد.

حيتني الطبيبة تحية حارة، وقالت: «كيف كانت حالك هذه الأيام يا فكتور أندريفتش؟ إنني لمغتبطة حقًّا أن أراك، لقد كنت أتابع قراءة مقالاتك في الصحف، وكنت أتتبع أخبار تقدمك في الحياة من أصدقاء لي هم كذلك أصدقاؤك، معذرة، فإني أقدم إليك صديقتي الشابة «إلينا بتروفنا».»

فكادت الطبيبة أن تفزع لهذا الشوق الذي بدا في «إلينا» وفيَّ حين تصافحنا، ولهذه الحيرة التي نطق بها لسان حالنا، فما كان يدور بخلدها أنْ قد مضى علينا شهر أو نحو شهر ونحن لا نحلم إلا بمثل هذا اللقاء ليصل مسافة الخلف بيننا، ولا شك أنها ازدادت دهشة حين التمسنا سبيلًا لتوصيلها إلى سيارة عامة حتى نمشي وحدنا، ولم يكن عسيرًا علينا أن نخلق علة لذلك، ما دمنا نسكن معًا في منطقة واحدة.

الأناقة والرشاقة كانتا أول ما يخطف البصر من جمال «إلينا» الفريد، نعم كان لها وجه رائع، لكن لو أراد فنان أن يصورها لما عَنَّ له قط أن يرسم وجهها وحده على لوحته، بل إن طبيعة الموقف تملي بنفسها عليه الرغبة في أن يصورها كاملة، كانت «إلينا» في ذلك المساء الذي تم فيه لقاؤنا الأول على صورة رسمية، تلبس معطفًا من فرو أسود، يضيق عند الخاصرة، وتحته رداء يسطع بلونه على نحو ما اعتاد أهل القفقاس، وعلى رأسها قبعة لم تطرز حوافيها، وعليها قليل من فرو أبيض، وكانت القبعة مرتكزة على شعرها الفاحم، ماثلة على نحو يستوقف النظر، فأظهرت طولها النحيل، وعلى حاجبيها بضع رقائق من الثلج المتساقط، لمعت كأنها من كريم الأحجار.

مشينا نحو الساعة ذراعًا في ذراع، نتحدث عن نفسينا وعن العالم ثم عن نفسينا من جديد، فقد كانت هي كذلك آتية لتوِّها من اجتماع في مكان عُبِّئ هواؤه، وأرادت أن تستردَّ نشاطها بالبرد القارس والهواء الذي يلمع كأنه البلور، أنبأتني أنها كانت في «دنيبروبتروفسك» لأول مرة، وأنها كانت مهندسة معمارية في مكتب للتخطيط الهندسي يتبع الحكومة، وكانت ترجح لنفسها أن يطول بقاؤها في هذا البلد، ولقد تخرجت منذ أربع سنوات في معهد الفنون «بخاركوف» حيث تخصصت في فن العمارة.

قلت لها في موضع من سياق الحديث: «ما أسعدني بلقائك، إني لأحس أن هذا اللقاء سيزدهر بصداقة صحيحة.»

فقالت مبتسمة: «وهذا ما أحسه أيضًا، لكني أصارحك بأني لا أريد هذه النهاية حرصًا عليك، فلو كنت عاقلًا يا «فكتور أندريفتش» لجعلت هذا اللقاء الأول لقاءً أخيرًا.»

فأزعجتني هذه العبارة منها على الرغم من أنها ضحكت بعدها، فقد شككت للوهلة الأولى أن الأمر أخطر مما يبدو من طريقة حديثها، شككت أن يكون حديثها ذاك مشيرًا إلى مأساة لها في حياتها الخاصة، فقد ابتسمت لكن ابتسامتها خلت من كل علامات المرح، وكمن في عينيها اكتئاب عجيب تفاعل مع جمالها منذ اللحظة الأولى فزاد أثره قوة على قوة.

قلت لها: «سأتعرض لكل خطر في سبيل صداقتك.»

– «لكني أنذرك فاذكر نذيري.»

– «لا بأس فسأذكره، لكن لا بد لك مقابل هذا أن تنبئيني عن نفسك أكثر مما أنبأتني، فمثلًا …»

فقاطعتني قائلة: «لا تسلني، نعم أنا متزوجة، وزوجي رجل طيب لكنه منكود الحظ، وكلانا نعيش تحت سقف واحد، وأعنى به عناية الأخت بأخيها، أما فيما جاوز ذلك فنحن زوج وزوجة بالاسم وحده، أنا لا أحبه … وبهذا المعنى … أنا مسرورة بلقائك، لقد استوحشت بوحدتي.»

– «استوحشت بوحدتك؟ أنتِ؟ بكل ما لك من دار وعمل ناجح وجمال …»

– «أوه، إنني أعرف ناسًا كثيرين، بل ربما كانوا أكثر عددًا مما ينبغي، ومع ذلك فأنا أغبطك؛ لأن لك بيتًا حقيقيًّا وأمًّا، لقد مات أبي، وأمي تعيش في «كيف»، ولست أخلو من الغبطة لهذا، ففي هذه الأيام يمر علينا من الأحداث ما لا يجوز لأحد أن يتحدث عنها لأحد حتى لأمه، ثم أغبطك كذلك لما تعيش فيه من أوهام، إذ لا شك أنك شيوعي يخلص لمذهبه.»

قلت: «يستطيع الإنسان أن يكون مخلصًا لمذهبه حتى بعد أن يطرح بعض أوهامه، لكن دعينا من السياسة الآن، حدثيني عن زوجك أكثر مما فعلت …»

– «أرجوك ألا تطلب هذا، فلو كنت حقًّا تريد أن تعاود رؤيتي فهنالك شرط واحد أشترطه عليك، وذلك هو أن تتصرف معي على فرض أنه غير موجود، والواقع أنْ ليس له وجود بمعنى الوجود الصحيح، لكني أعود فأنذر، إنك مليء بالأمل والإيمان، أما أنا فلا أمل لي ولا إيمان، فأنا من القافلة في ذيلها على حين أنك من الموكب في طليعته، وسيسهل عليك السير إلى أمام لو كنت في سيرك وحيدًا.»

– «لن أستمع إلى نذيرك هذا، وفي نيتي أن أراك كثيرًا مهما كلفتني هذه الرؤية من ثمن.» وهنا افتعلت هيئة المرح ومضيت أقول: «لن أندم على صلتي بك حتى وإن لقيت في سبيل ذلك نيران الجحيم عذابًا.»

فابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: «أسمعتك تقول نيران الجحيم؟ لست أدري شيئًا عن نيران الجحيم، لكني أعرف كثيرًا عن نيران هذه الحياة الراهنة، وأين منها نيران الجحيم، ما دامت هي تصيب الناس في حياتهم لا بعد أن يلحق بهم الموت.»

تركتها عند باب دارها بعد أن تم الاتفاق بيننا على اللقاء في المتنزه مساء السبت المقبل، واشتريت تذكرتين لحفلة موسيقية ممتازة كانت ستقام في ذلك المساء، وسيشترك فيها أعلام الفنانات من فرقة الرقص التمثيلي الموسيقي بموسكو، من أمثال «فكتورينا كريجر» و«جوليوين»، كان انتظار السبت عذابًا أليمًا، ومع ذلك فقد اجتنبت لقاءها على طوار العربة العامة، وكان كلما آن وقت النوم من كل ليلة، فرحت لأن معناه أننا اقتربنا خطوة من موعد اللقاء المضروب.

ولَكَمْ سرَّني حين التقينا أن أدرك من ضغط يدها على يدي ومن تورُّد وجنتيها أن «إلينا» كذلك كانت تنتظر هذا اللقاء الثاني بصبر نافد، مشينا وتحدثنا ثم ذهبنا إلى مسرح الأوبرا، وكانت فيما يبدو من هزة الفرح بمثل ما نعهده في الطفل يوم العيد.

همست في أذني بينما كانت «جوليوين» ترقص دور كورسير: «إنني لأنسى كل همي وأنا في جوارك.»

لم تعد «كريجر» بالشابة الصغيرة، ومع ذلك فلم يزل رقصها رائعًا، وكانت تصادف من الناس إعجابًا في طول الروسيا وعرضها، وكانت تلك الليلة ترقص مناظر في دورها المشهور من رواية «بحيرة التم»، وصفق لها النظارة تصفيقًا عاصفًا، ثم تبعتها مغنية أخذت تنشد: «فكوا أساري، ألا فكوا أساري، وسأعرف كيف أمحو عاري، وسأعيد في الناس سمعتي وفخاري …» فضغطت «إلينا» على يدي ضغطة شديدة حتى آلمتني.

قالت في صوت منخفض فيه اضطراب: «فكتور أندريفتش، أنصت إلى هذه الكلمات فإن لها لأعمق الأثر في نفسي ونفوس كثيرين بل كثيرين جدًّا سواي.»

ثم جاءت امرأة بدينة فغنت أنشودة «ليزا» من رواية «ملكة البستوني» فأحسست كأنما ذهبت عن «إلينا» كل فرحة بالحفلة الموسيقية، وأخذت تتململ في كرسيها وتتنهَّد، فلما بلغت المغنية من أنشودتها هذه العبارة: «وجاءت السحابة الصغيرة فاستتبعت في ذيلها الصواعق وحطمت قوائم السعادة والأمل …» نهضت «إلينا» من فورها وجذبتني معها.

قالت: «أرجوك الانصراف يا فكتور أندريفتش، أرجوك لم يعد في وسعي أن أنصت أكثر مما فعلت.»

ولما خرجنا إلى الهواء الذي يلفحه الصقيع، هدأت ثورة نفسها، ولم أسألها شيئًا، واعتزمت ألا أستكشف هذا السر المقبض الذي يعتم حياتها بظله، مهما يكن نوعه.

قلت: «هيا إلى مطعم فنسمع شيئًا من العزف البهيج.»

– «لا بأس، لكني أشترط شرطًا واحدًا، وهو أن أدفع حسابي، فأنت طالب وأنا أعمل وأكتسب، وليس ثمة ما يبرر أن تدفع أنت.»

وبعدئذٍ جرت العادة خلال الأشهر التالية أن نلتقي مرة على الأقل في كل أسبوع، وكثيرًا ما التقينا في الأسبوع أكثر من مرة، وانقضى الشتاء وأقبل الربيع، وقدمتُ «إلينا» لأمي؛ فأحبت كلتاهما الأخرى منذ النظرة الأولى، وأخذتا بعد ذلك تلتقيان كثيرًا حتى ولو لم أكن معهما.

قالت لي أمي: «إنها امرأة لطيفة وهي تحبك حبًّا جمًّا، وأنا أعلم كيف تحس نحوها، لكن في حياتها شيئًا يبهظ فؤادها بحمله الثقيل.»

– «أعلم ذلك يا أماه ولم أعثر على شيء أفسر به سر شقائها، ولقد وجدت أن تحسُّس السر من أصوله إنما يؤذي شعورها، فكففت عن السؤال.»

– «لقد أصبت يا «فيتيا» إنها فتاة طيبة ولا عليك إذا ركنت إليها، وأيًّا ما كان هذا الذي يعنيها فلن يكون مما يسيء، فهي من الناس الذين لا يحبون أن يؤلموا أحدًا إلا نفسها.»

وحدث ذات ليلة أن تعشَّت «إلينا» مع أسرتي ولبثت تقضي المساء، فأخذنا في القراءة معًا وجلسنا نستمع إلى المذياع معًا، وعرف كل منا، دون أن نتبادل في ذلك الكلمات، أنها لا تريد العودة إلى دارها.

قالت «إلينا»: «هذه ليلة زواجنا يا فكتور، فأنا أحبك بكل قلبي ونفسي، وأرجو أن تصدقني إذا ما قلت: إنك الرجل الأول والرجل الأوحد الذي التقيت به في حياتي منذ ذهب عن فؤادي حبي لزوجي.»

مضت شهور و«إلينا» ما فتئت تزورنا في دارنا حتى كادت تصبح فردًا من الأسرة، وكان أبواي وإخوتي يجلونها إجلالًا لما كان يحيط بها من هالة مجد تشع النور إشعاعًا في نفوس أهلي جميعًا، ورغم ذلك كله لم أكد أخلو من قلق مُقِض لعلمي أن جزءا هامًّا من حياتها ما زال عني خبيئًا، وكان يُخَيل إليَّ أحيانًا أنها تعيش في حالة من الهلع الذي لا ينقضي، كأنما كانت تسكن من هذه الدنيا دارًا توازَن بنيانها على شفا هاوية توازنًا قد يختل لأضعف المؤثرات فتهوي بها في القرار.

وذات يوم وجد هذا الهم الحائر في نفسي بؤرة يتركز فيها، ولقد عللت لها ريبتي بأنها قلق مني على سعادتها، لكنها كانت ريبة ترجع في أكثرها إلى غيرة الرجال المألوفة على من أحبوا من نساء.

ذلك أنه حدث ذات عصر بعد أن فرغت من محاضراتي أن صحبت طائفة من زملائي في الدراسة إلى مباراة في كرة القدم كانت تجري في ملعب المدينة، فلما أن انتصف وقت اللعب بفترة من الراحة اندفعنا مسرعين إلى المقصف لنجرع أكواب الجعة، فوجدنا — كما هي الحال دائمًا — صفًّا طويلًا من المنتظرين أمام النضد، وأخذنا من الصف مكاننا، وبينا أنا واقف في الصف أرسل نظرات هائمة خلال الباب إلى مطعم ملاصق، إذا وقع بصري على «إلينا» وقد تأنقت في ثيابها تجالس رجلين لم أشك في أنهما أجنبيان عن البلاد، وكان ثلاثتهم يشربون النبيذ ويسمرون في مرح، وخُيِّلَ إليَّ أن الرجلين ينظران إلى «إلينا» نظرات فيها جرأة وشهوة.

وبقيت في الملعب حتى انتهى اللعب، لكني لم أشهد منه شيئًا.

ماذا كانت «إلينا» تصنع في صحبة هذين الأجنبيين؟ ولما انتهى اللعب رأيتها تغادر الملعب محروسة بذينك الرجلين، وركبوا جميعًا سيارة أجنبية كبيرة، فظللت بقية اليوم تائه الفكر ولم يغمض جفناي طيلة الليل.

وفي اليوم التالي قَدِمَت «إلينا» إلى داري للعشاء كسابق اتفاقنا، فحدجت فيها بصري ونحن جالسان إلى مائدة الطعام، لكني لم أعثر فيها على علامة واحدة تنم عن التحول، أيكون هذا الاتصال بالأجانب — وهو أمر خطير في بلادنا — جانبًا مألوفًا لها في حياتها بحيث لا تتأثر له؟ ولما خلا لنا المكان ذكرت في سياق الحديث العابر أنها كانت في مباراة كرة القدم في اليوم السابق.

قالت: «طلب إليَّ رئيس مكتبي أن أصاحب زائرين إلى هناك، يا لهما من ثقيلين!»

لم أنبس بكلمة عن رؤيتي لها في الملعب، ولما غادرت غرفتي ذاهبة إلى المطبخ لحظت حقيبتها مفتوحة ولمحت فيها أوراقًا، وكانت نار الغيرة والشك لا تزال تتأجج في صدري فعبرت بنظري عبورًا سريعًا على تلك الأوراق، فوجدت ورقة منها مكتوبة بالألمانية، وعرفت — على جهلي بالألمانية — أنها تحوي أشياء فنية وإشارات إلى مقاييس وآلات، وكانت الورقة الأخرى مكتوبة بالروسية، تبدأ بالعبارة الآتية: «إذ أرسل إليكم طي هذا الخطاب تقريرًا فيه المعلومات، أود أن أذكر …» هنا سمعت وقع خطاها قادمة فأعدت الأوراق مكانها مسرعًا.

لم يعد عندي مجال للشك في أن لهذه الأوراق صلة ما بذينك الأجنبيين، وأن القصة كلها إنما تشتمل على مفتاح سر حياتها الغامض، فلما أن افترقنا في ساعة متأخرة من ذلك المساء سألتها متى يكون لقاؤنا التالي.

قالت: «الجمعة مساءً.»

– «عندي محاضرة — لسوء الحظ — هذه الجمعة أيضًا، فليكن لقاؤنا يوم الخميس.»

– «آسفة يا حبيي؛ لأني أتوقع أن تشغلني مشغلة هامة يوم الخميس.»

وكانت ريبتي قد أرهفت حسي، فأشرقت عليَّ عندئذٍ حقيقة لم أتبينها قبل ذلك الحين وهي أن «إلينا» من عدة أشهر لم تخلُ لي يوم الخميس من كل أسبوع، فاعتزمت أن أتعقبها هذا الخميس — إذا استطعت ذلك — لعلي أعلم من أمرها شيئًا.

وجاءت ليله الخميس مظلمة ممطرة مما يسَّر عملية التعقب على رجل لم يحترف مثل هذا العمل، فلما أبصرت بها تعتلي سيارة عامة وثبت على سلم السيارة الخلفي، حتى إذا ما نزلت بالقرب من وسط المدينة، نزلت وتابعتها على مبعدة في الجانب الآخر من الطريق، فرأيتها تدنو مما بدا لي كأنه دار خاصة، ودقت الجرس وفتح لها الباب رجل يرتدي حلة، فأدخلها وتلفت يمنة ويسرة في حذر ثم أغلق من دونه الباب.

ووقفت إلى جوار باب بحيث أتمكن من رؤية الدار واضحة، وظللت أرقبها ما يقرب من ساعتين، فرأيت داخلها ناسًا يجيئون ويذهبون، وكان هنالك من أضواء المنازل المجاورة ومن الضوء الذي انبعث من الباب عند فتحه ما مكنني من رؤية وجوههم، وكان الرجل ذو الحلة كلما فتح الباب نظر إلى الطريق نظرة فاحصة كأنما يريد أن يستوثق أنها تخلو من المشاهدين، ومعظم من قصد الدار كان من النساء، عرفت منهن عددًا، فإحداهن سيدة معروفة في المدينة بأسرها، معروفة بجمالها وفتنة حديثها حين تستضيف الأضياف، وهي زوجة طبيب مشهور، وأستاذ في أمراض النساء، وأخرى كانت مغنية ذائعة الصيت في دار الأوبرا من المدينة، وكان من القادمين مهندس بارع طالما رأيته في المؤتمرات الفنية عضوًا، وقد عرفت من الزائرات طائفة، عرفتهن إذ كن واقفات أمام الباب ينتظرن أن يُفْتَح لهن، فعرفت فيهن سيدات كثيرًا ما رأيتهن في المسرح ومباريات الرياضة البدنية وهن في «دنيبروبتروفسك» بمثابة سيدات الطبقة الراقية.

وأخيرًا جاءت «إلينا» من داخل الدار يصحبها رجلان يرتديان معطفين من معاطف المطر، التي يلبسها المدنيون، لكن أحدهما فتح معطفه ليخرج سيجارة من جيبه الداخلي، فرأيت أنه يرتدي حلة عسكرية لم تدع لي مجالًا لشك في أن صاحبها من الشرطة السرية، فعرفت عن «إلينا» كل ما أردت أن أعرف، فهي تنتمي بغير شك إلى فرقة الجواسيس التي انبثت في كل ثنية من ثنايا مجتمعنا السوفيتي!

فاضطرب رأسي اضطراب الهلع، وأخذت أتقلب في سريري ذلك الليل، أحاول ترتيب خواطري، فما كان لي من الوجهة النظرية — باعتباري شيوعيًّا — أن أنقم على الشرطة السرية في تجسسها الذي تغلغلت به في كل ركن من أركان البلاد، ولم يكن هنالك من جديد بالنسبة إليَّ في أن ألوف الناس يبدون كأنما تشغلهم في الحياة هذه المشغلة أو تلك، وهم في حقيقة أمرهم لا يشتغلون إلا بالتجسس، ولكن على الرغم من ذلك كله، فقد دهشت دهشة عميقة إذ علمت أن الفتاة التي أحببتها كانت فيما يظهر من أعضاء الشرطة السرية، فكأنما ظهرت مني غريزة دفينة تمقت التجسس، فاهتز كياني من جذوره هزًّا عنيفًا.

كان منا نحن الشيوعيين من يعلم علم اليقين أن ألوفًا من الأبرياء رجالًا ونساءً يُزَجُّ بهم في السجون أو يُدْفَع بهم إلى معسكرات العمل الشاق، لكننا ندس مثل هذا العلم في أعماق رءوسنا فلا يطفو، وقد كنا نفسر لأنفسنا هذه الحالة بأنها تدبير «وقائي»، أو كنا نغضي عن الجانب الخلقي من الأمر إغضاءً ونأبى أن ننظر إلى الأمر بأبصار زالت عنها الغشاوة، أيمكن أن تكون «إلينا»، وهي القريبة من فؤادي الحبيبة إلى نفسي قد أنزلت بالأبرياء عذابًا وموتًا؟ كنت كلما فكرت في هذا الكشف الفظيع، ازدادت حالتي يأسًا، فقد مزقني الجذب من جانبين: فحب هنا وهلع هناك.

أرسلت إلى «إلينا» رسالة قصيرة في الصباح التالي أنبئها أن قد اضطرتني ظروف إلى مغادرة المدينة نحو أسبوع، وانتقلت إلى دار أحد الأصدقاء خشية أن تجيء إلى دارنا بحثًا عني، أو أن أصادفها في الطريق في الحي الذي نسكنه معًا، حتى إذا ما أقبل الخميس التالي كنت في مخبئي عبر الشارع أرقب تلك الدار وما يحيط بها من سر عجيب، فرأيت «إلينا» هناك للمرة الثانية، كما رأيت آخرين، معظمهم نساء، واتضح لي الآن ما يعملون وعلى أي نظام يسيرون، فكل هؤلاء — بمن فيهن من زوجات الموظفين الأعلام — كُنَّ يقدمن تقاريرهن عما عملن طيلة الأسبوع، ولعلهن كذلك كن يتلقين الأوامر، فدار خاصة كهذه جعلت مثل هذه المهمة أيسر وآمن من الاجتماع في المركز الرسمي للشرطة السرية.

عدت إلى داري ذاك المساء، وكتبت إلى «إلينا» أقول: إن أسبابًا لا قِبَل لي بالإفصاح عنها تضطرني اضطرارًا ألا أراها بعد ذاك، وقلت كذلك: إن كل ما بيننا من صلات قد بلغ الآن ختامه، وإني لأشكر فضلها إذا ما قبلت قراري في هذا الأمر ولم تحاول أن تستأنف العلاقة التي كانت تربطنا، والتي استحال عليها أن تعود فتربطنا من جديد.

وكان هذا القرار كأنما هدَّ قوائمي هدًّا بحيث لا أستطيع عملًا أو تفكيرًا واضحًا، وانقطعت عن المعهد وأخذت أذرع شوارع المدينة ساعات بعد ساعات، أحاول عبثًا أن أنسى عذابًا أليمًا، على أن حالتي هذه إنما كانت تخفي وراءها شوقًا مضنيًا لرؤية «إلينا» كما كانت تخفي وراءها قلقًا مؤرقًا خشية أن أكون في ظني بها آثمًا.

وبعد ذلك بأيام، عدت من المعهد فناولتني أمي خطابًا.

قالت أمي: «تركت إلينا لك هذا الخطاب، وقد ظهرت عليها علامات الحزن العميق، وتورمت عيناها بالبكاء، إنني لا أحب يا «فيتيا» أن أتدخل في شئونك الخاصة لكني آمل أن تتبصر ما أنت صانع، إن الجراح التي ينزلها بنا أحباؤنا هي آلم الجراح جميعًا.»

كان خطاب «إلينا» قصيرًا: «حبيي فيتيا، أرجوك فضلًا أخيرًا، قابلني مساء الغد في محطة السكة الحديدية الساعة السادسة، إني لأتوسل إليك أن تهبني هذه المكرمة الأخيرة قبل أن نفترق إلى الأبد.»

ذهبت قبلها فانتظرتها حتى جاءت تحمل حقيبة صغيرة للملابس، وحز قلبي ما رأيته على وجهها الجميل من علامات الألم كأنما هو السكين الماضية.

قالت لي: «سنذهب معًا إلى نهر سامارا وسنأكل معًا ونسمر معًا في طلق الهواء، لقد أعددت تذكرتي القطار.»

ودار الحديث بيننا في القطار حول أمور توافه، فتحدثنا عن إعدادي للامتحان الأخير في المعهد، وعن مشروع بناء كانت مشتغلة هي بتصميم خطته، ووصلنا محطة صغيرة وسرنا في طريق ريفي حتى بلغنا ضفة النهر، واجتنب كلانا أن يفتح بالحديث موضوعًا خطيرًا، كأنما كنا نؤجل عامدين تلك اللحظة التي من أجلها جئنا ها هنا، ودنا الليل وقرقعت السماء على مبعدة بصوت الرعود.

قلت مُقترحًا: «دعينا نسبح في الماء لحظة قبل أن تصبَّ السحائب ماءها.»

ونضونا ثيابنا وارتمينا في الماء، حتى إذا ما انتعشنا بالسباحة عدنا فارتدينا الثياب، ثم فرشت غطاء مائدة ونشرت عليه طعامًا، وكانت قد أحضرت معها كذلك زجاجة من نبيذ ناباريلي.

قالت «إلينا»: «لقد شربنا نخب التقائنا منذ أمد بعيد، فلنشرب الآن نخب افتراقنا.» قالت ذلك وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ثم مضت تقول: «تذكَّر أنني قلت لك آنئذٍ: إنه يحسن ألا نعاود اللقاء، فها أنا ذا على وشك أن أفقد صحبتك، وسأعتزل وحيدة مرة أخرى.»

لم يأكل أحد منا شيئًا من الطعام، لكننا شربنا النبيذ.

– «قل لي يا «فيتيا» ماذا حدث على غير ارتقاب؟ لماذا أمسكت عن حبي؟»

– «إني أحبك الآن كما أحببتك دائمًا، وذلك ما جاء بي ها هنا، وإنما جئت معتمدًا على إخلاصك يا «إلينا»، فهل لك أن تكاشفيني بسرك؟ فلن أساق بعد الآن كما يساق يافع مأفون.»

– «ماذا تريد أن تعلم عني، أهو عن زوجي ما أردت أن تعلم؟»

– «لا بل عنك أنت، فأنا أعلم لماذا تصحبين الأجانب، وأعلم من اجتماعاتك مساء كل خميس في الدار التي تقع في شارع ﺑ … فماذا تريدينني بعد أن أقول؟»

فتنهدت باكية وأخذت تقول: «رباه يا رباه، ماذا أنا صانعة، ماذا أنا صانعة؟»

ولمعت السماء بالبرق، وأخذت قطرات المطر الكبيرة تسقط من السماء، فلجأنا إلى كوخ سماك مهجور كان منا على مقربة، وفي ذلك الظلام الذي أخذ يزداد حلوكًا، وعلى كومة من الدريس اليانع العبق، قصت عليَّ «إلينا» قصة سرها.

قالت: «أحبك حبًّا لا أستطيع معه أن أضحي برفقتك، فحاول يا حبيب الفؤاد أن تنصت إلى حديثي بعقل فسيح الأفق، سأنبئك بما لم أنبئ به إنسانًا آخر، بل بما لم أنبئ به أمي، ودع عنك زوجي المسكين، فإذا ما سمعت قصتي حتى ختامها، فلك بعد ذلك أن تقرر لنفسك طريقًا.»

وها هي ذي قصة «إلينا» عن حياتها، أسجلها بألفاظها كما بقيت في الذاكرة.

«كنا نعيش في «كيف»، وكانت أمي فيما مضى تشتغل بالتدريس، كما كان أبي أستاذًا للهندسة معروفًا بين الناس، يشتغل في شركة في «كيف» ويكسب مالًا كثيرًا، وكنت ابنة والديَّ الوحيدة، فنعمت بطفولة سعيدة، لم أُحْرَم خلالها شيئًا، وتعلمت عزف الموسيقى واللغات ونشأت خلية البال من كل هم، وكان الرسم هوايتي التي آثرتها على كل شيء سواها.

وكان لجيراننا ابن هو «سرجي» يطلب العلم في معهد الفنون الهندسية في «خاركوف»، وكان يقضي عطلة الصيف بين ذوبه فتصادقنا، ثم أثمرت الصداقة حبًّا حين تقدمت بي السن، فتقدم إلى خطبتي ولم أكن قد أربيت على السابعة عشرة إلا بأمد قصير، فقبلت زواجه وانتقلت معه إلى «خاركوف» حيث هيأت لي الفرصة أن أتابع الخطى نحو ما أطمح إليه من هدف، فدخلت معهد الفن الجميل وفيه تخرجت عام ١٩٣٠م.

ولا شك أنك لا تزال تذكر أن هذا هو العام الذي اتُّهِمَ فيه كثير من المهندسين والإخصائيين بالتخريب، ولقد حدث أني كنت في زيارة أهلي في «كيف» حين وصل ضباط الشرطة السياسية وألقوا القبض على أبي، وفتشوا كل ما في الدار فمزقوا الصور والأرائك والحشايا، ولم يجدوا بالطبع شيئًا، والحق أن من العجائب أن يدور في خلد إنسان عن أبي وهو الرجل الوديع البحاثة أنه ممن يعملون على التخريب، وقد كان اتهامه هذا من الغرابة بحيث تعزينا — أمي وأنا — بفكرة أنه لا محالة لن يلبث حتى يطلق سراحه.

وكان من الطبيعي أن أظل في «كيف» لأعاون أمي حتى تنقشع عنها تلك المحنة، فحياتنا السعيدة قد بلغت ختامها، ولم ندرِ قط ماذا عسى أن تكون التهمة الموجهة إلى أبي، ولم يأذنوا لنا بزيارته، ولبثت أسبوعًا بعد أسبوع، ثم شهرًا في إثر شهر، أذهب كل مساء إلى باب السجن لأبعث إليه بلفائف الطعام، وكنت كل مرة أقف ساعات في صف المنتظرات وهن مئات من البائسات الأخريات، وقد يهطل على رءوسنا المطر تارة، ويسفعنا الثلج طورًا، وكذلك كنت كثيرًا ما أتردد على مكاتب الشرطة السياسية خارج السجن، يحدوني رجاء اليائسة في معاونة أبيها.

وقصدت إلى مكتب الشرطة السياسية ذات يوم، فطُلب إليَّ أن أدخل مكتب الرئيس، وعجبت فيمَ أرسل الرئيس في طلبي، ولما أن دخلت وجدت هناك رجلًا في منتصف العمر لطيف الترحيب باعثًا على احترامه، فأخذت ألتمس العفو عن أبي وأخذ يصغي، ثم قال: «أصغيت إليك فأصغي أنت الآن إليَّ يا «إلينا بتروفنا» أنتِ فتاة رشيقة بل أنت ربة جمال، بل لك فوق جمالك ثقافة واتزان، وتلك هبات قد تكون ذات نفع عظيم لبلادنا، ولست بحاجة إلى القول بأنها قد تنفعك وتنفع أباك، ففي مستطاعنا أن نعينك على شرط أن تبادلينا معونة بمعونة، ولن أضيف على ما قلته شيئًا، فلا حاجة بي إلى ذلك؛ لأني ألمح فيك ذكاءً وفطنة، كلا، لا تعبسي ولا تجزعي، فإن ما أقترحه عليك ليس في خسة الحياة نفسها، فأنا لا أطالبك بمضاجعة رجل في فراشه، وإن من أعواننا لنساءً نطلب إليهنَّ ذلك، ومنهن أفراد بلغن في مدينتنا منزلة عالية من التقدير، لكنك ستخدميننا دون أن يمس طهارتك شيء أو ينال من شرفك نائل، سنطلب إليك أن تلاقي من الناس من لا يسوءُك أن تلاقيهم، حيث تسمعين عنهم كثيرًا مما تريد حكومة بلادنا أن تحيط به علمًا، وطبيعي أنك ستؤجرين على عملك أحسن الأجر، وسنحميك وسنحمي معك من تحبين.»

وقدم إليَّ سيجارة اعتذرت عن عدم أخذها، فأخرج من درج مكتبه صندوقًا من الحلوى وعرض أن آخذ منه ما شئت، فنظرت إليه نظرة لا تنم عن سذاجة.

ثم قلت: «بعبارة أخرى: كل ما تريدونني أن أصنعه هو أن أقدم لكم طائفة من الأنفس البشرية، وربما كان مَنْ أقدم لكم أصدقاء أبي أو معارفه، فأتيح لكم بذلك أن تطبخوا عددًا آخر من القضايا التي تستثير اهتمام الناس؟ فإذا فعلت ذلك أطلقتم سراح أبي، فهل أصبت في الإفصاح عما تريد؟ ذلك ما تريده وما ترشوني من أجله ببضع قطع من الحلوى لعلي أستجيب؟»

فضحك وقال: «ذلك تبسيط للصورة فيه إسراف.»

– «إذن فيؤسفني ألا أستطيع القيام بما تطلبون.»

– «لا تتسرعي في اتخاذ هذا القرار يا «إلينا بتروفنا» فليس بنا حاجة إلى سرعة، فلديك من المهلة ما تشائين لتفكري في الأمر مليًّا ثم تعودين، وإلى أن تعودي إلينا بقرار، فلا ينبغي أن يعلم أحد عن هذه المقابلة شيئًا مهما يكن صغيرًا، وإلا حبسنا العصفور الصغير في قفص قد يلبث فيه أمدًا طويلًا بالغًا في الطول، من فضلك وقعي على هذه الورقة.»

وكان ما وقعته استمارة يتعهد فيها صاحب التوقيع ألا يخبر أحدًا بما دار من حديث، ويُنص فيها على عقوبة مخيفة لو خالف ما تعهد به.

مضى الزمن في حزن عميق يا «فيتيا»، فها هي ذي فرصة قد أتيحت لي لأشتري حرية أبي بثمن هو أن أكون أداة للشرطة السرية، فكاد يغلبني إحساس بإجرام إذا ما تركته يعاني في سجنه، ولو أنه من حسن حظي أنني كنت أعلم عنه أنه لو عرف موقفي لكان آخر إنسان في الدنيا يتوجه إليَّ بلائمة، لكني عانيت روحًا وبدنًا، ثم دُعِيتُ مرة أخرى إلى مكتب رئيس الشرطة السياسية، فلم أجد فيه هذه المرة ظرفًا في الترحيب، كلا ولا قدَّم لي هذه المرة حلوى أو سجائر.

دخلت فتشاغل بالنظر إلى أوراق وتظاهر بعدم رؤيتي، وبينا أنا واقفة هناك وقفة الحائر سمعت صرخات مفزعة في مكان ما من البهو، فصرخت من خوف صرخة لم تكن لي إرادة فيها، فرفع بصره إليَّ.

قال: «أهو أنت هنا ثانية؟ أيزعجك هذا الضجيج الذي تضيق له النفس؟ أنت في ذلك على حق، شخص يحفزونه بذلك على تذكر ما قد نسيه … نعم إن مهمتنا مهمة شاقة، تتطلب أعصابًا من الصلب، والآن هل تقبلين ما عرضته عليك؟»

– «لا، لا أقبله، ليس في وسعي أن أقبله.»

– «أذلك قرار حاسم منك؟»

– «نعم، إنه قرار حاسم.»

– «إذن فأنا آسف من أجلك ومن أجل أبيك، ولا زلت أرى أنك قد تغيرين من رأيك، نهارك سعيد.»

ثم تشاغل من جديد بتلك الأوراق، وتركته وانصرفت.

وفي مساء ذلك اليوم، حين جاء دوري فسلمت حزمة الطعام لأبي في قفص قريب من بوابة السجن، أعاد الموظف المسئول اسم أبي بعد أن ذكرته له: «لادينين؟ لا، ليس في وسعي قبول حزمتك.» فوقفت إزاءه جامدة من الهلع.

صحت له: «ماذا جرى؟ إنه أبي، هل مات أبي؟ هل أرسلوه إلى طرح بعيد؟»

– «لا علم لي بشيء، عني! مَنْ بعدها!»

– «لكنه رجل كهل، إنه بريء، ولا بد أن أعلم ماذا أصابه.»

– «عني وإلا أبعدتك بالقوة، إنك سبب في تعطيل الصف كله.»

ذهبت إلى نافذة أخرى كُتِبَ عليها «استعلامات» فقلت للحارس: إني أريد أن أعلم ماذا أصاب أبي، وأعطيته الاسم، فأقفل النافذة ورأيته يتحدث بالمسرة، فأرهفت أذني لأسمع، لكني لم أسمع إلا لفظة واحدة هي «مستشفى» ففتح النافذة وقال: «آسف لا نبأ عنه.»

درت لآخذ سمتي نحو الدار مع أني أوشكت أن أعجز عن تحريك قدمي، وأعطيت حزمة الطعام لسائل حتى لا أزعج أمي، ثم حاولت في اليوم التالي أن أقابل طبيبًا يعمل في مستشفى السجن يحدوني أمل غامض أني ربما سمعت عن أبي خبرًا، وبدأتُ بحثي بعدة أطباء كانوا أصدقاء أسرتنا، فكان كل منهم يحيلني على آخر، فلما مضت عليَّ في هذا البحث ساعات أعطاني شخص اسم طبيب له — فيما ظن — علاقة بالسجن في «كيف».

ذهبت إليه فأدخلني ظنًّا منه أني مريضة، لكنه لم يكد يغلق الباب من دوننا حتى جثوت أمامه على ركبتي وصارحته بما ذهبت إليه من أجله والدمع يتساقط من عيني، وكان رجلًا طيب القلب، لكن قصتي التي رويتها له أفزعته حتى أطارت صوابه، وتوسل إليَّ أن أنصرف عنه، قائلًا: إن عمله في السجن سر لا يُفْشَى فلا يستطيع أن ينبئني بشيء.

قال: «اذكري من فضلك يا عزيزتي أنني رجل ذو زوجة وأبناء، ولا أستطيع أن أعرض نفسي للخطر، الحق أني آسف، لكني لا أستطيع إزاءك شيئًا، لا أستطيع شيئًا، بالله اتركيني وإذا كنت تكنين الحب لأسرتك فلا تجلبي الشقاء لأسرتي.»

لكني أبيت أن أتركه، وأخذت أبكي تارة وأتحدث طورًا حتى غلبته على أمره فوافق أن يعين لي موضع أبي إن كان حقيقة في مستشفى السجن، واتفقنا أن أتصل به بعد ثلاثة أيام عن طريق المسرة من تليفون عام.

وظلت أمي تعد لفائف الطعام لأبي، وظللت آخذ هذه اللفائف فأعطيها للسائلين، وأخذت أرقب الموعد المضروب بيني وبين الطبيب، حتى إذا ما آن، اتصلت به خلال المسرة.

قال لي منذرًا: «تشجعي وتملكي نفسك، فلديَّ أخبار لا تسر، أبوك في المستشفى، وأرجح ظني أن حالته لا تبعث على رجاء لأن رئتيه ملتهبتان … زيدي على ذلك …» وهنا تردد قليلًا «إن بجسده كدمات خطيرة، مع السلامة، أنا شديد الأسف.»

ذهبت إلى مكتب الشرطة السياسية كارهة، وأرسلت اسمي للرئيس، فلم يلبث أن دعاني للدخول، وقابلني عند الباب يبتسم ابتسامة عريضة.

– «ماذا أتى بك من جديد؟ هل اتخذت قرارًا حاسمًا؟»

قلت: «كلا، فقبل أن أحسم قراري لا بد أن أرى أبي.»

– «إن تدبير ذلك عسير، ولست أريد لك اضطرابًا، فأبوك في المستشفى، وليس في حالة تسمح بزيارته.»

– «أرجوك، أرجوك أن تأذن بزيارتي إياه، فأنت إنسان من البشر أيًّا ما كانت الحال …»

– «ليس مَنْ هنا ناس من البشر يا «إلينا بتروفنا»، بل هنا رعاة الثورة، ليس هنا مكان لعاطفة، وما أدواتنا التي نقاتل بها أعداء الدولة سوى العذاب والموت، وخير لك أن تتبيني هذه الحقيقة عاجلًا والشر في التسويف، سآذن لك برؤية أبيك على أساس واحد وهو أني أريد معونتك، اذهبي إلى السجن، ففي طريقك إليه سأرسل أمري بذلك، وفكري في الأمر الذي أعرضه عليك ودعي عنك هذه البلاهة الحمقاء.»

ساروا بي إلى عنبر حيث كان أبي وحده في غرفة نقلوه إليها استعدادًا لزيارتي، كان راقدًا على سرير من الحديد، ساكنًا سكون الموت، وقد طالت له لحية بيضاء في هذه الشهور التي افترقنا خلالها، لم يبقَ له من جسده إلا جلد وعظام، ورأيت على جبهته وعلى صدغيه الغائرين أشرطة قبيحة من الجلد، كما رأيت أربطة على أصابعه وذراعيه، دنوت من سريره فلم يكن لديه من العافية ما يعينه على ابتسامة الترحيب، ولما أخذ في الحديث رأيت ما راعني إذ رأيت أن أسنانه الأمامية قد خُلِعَت عن فكه خلعًا.

قال بصوت متكسر: «لا تبكي يا يولوشكا.» هذا هو الاسم الذي كان يدللني به منذ طفولتي.

كنت قد أوصيت أن أتحدث في أمور عائلية وألا أعرج بالحديث على شئون السياسة، لكن الحارس الذي صحبني هاله ما رأى فأدار وجهه عنا تلميحًا لنا بأنه لن ينصت إلى الحديث، وأشار أبي إليَّ بإصبعه أن أنحني إليه، ثم همس في أذني: «ها أنت ذي تشهدين حالي يا «يولوشكا»، لقد جعلوا يضربونني يومًا بعد يوم، فأداتهم هي التعذيب، ومئات ممن سُجِنوا في «الحجر المنفردة» ها هنا يُجْلَدون بالقطائل المبتلة ولا يخلى بينهم وبين النوم أسابيع متوالية، أو هم يوضعون في غرف هي الجليد في بردها، لقد ضربوني في غير رحمة لأسمي لهم شركائي في المؤامرة.

فماذا أقول إن لم تكن هناك مؤامرة؟ لم يكن هناك مؤامرة إلا في خيالهم الجامح، إنهم بمثابة من يرى أشباحًا، لطالما تمنيت أن يكون هناك ما أعترف به، ولقد تذكرت أخطاء ليست بذات خطر، فاعترفت بها على أنها ضروب من أفعال التخريب، وحبكت لهم حوادث تخريب لم تقع، لكنهم لم يزدادوا إلا ضربًا؛ لأن ما نسجت لهم بخيالي من أباطيل كان من السذاجة بحيث لم يستقم أمام عقولهم، وفيمَ استرسالي معك في هذا الحديث؟ لقد كنت سمعت عن الشرطة السرية وأساليبها لكن أسوأ ما كان يصوره لي الخيال لم يكن إلى جانب الواقع شيئًا مذكورًا، ليس هؤلاء بشرًا، إنما هم نفر من الشياطين، أواه يا ابنتي يولوشكا، إن ما صنعه هؤلاء الناس …»

– «ستبرأ يا أبت مما ألمَّ بك، وسأخرجك من هذا الجحيم، إني أعدك …»

– «لا يا ابنتي فلا أمل هناك، لقد صارحني الأطباء بحقيقة أمري، فقد تندمل الجراح التي أثخنها التعذيب في جسدي، لكن رقادي في مكان بارد قد أنزل العلة برئتيَّ، والبرء في ظروف كهذه وفي سن مثل سني ليس قريب الاحتمال، ولن تمضي أيام قلائل حتى يدركني الموت، فانسي هذا ما استطعت إلى النسيان سبيلًا، وامضي في عملك كأن لم يحدث من ذلك كله شيء، وكوني كريمة في معاملة أمك وزوجك سرجي.»

– «مواطنتي، لقد انتهت الخمس الدقائق ولا بد لك من الخروج.»

ومات أبي بعد أيام، وذهبت إلى زوجي في خاركوف.»

استوقفت «إلينا» في قصتها.

– «لا عليك يا حبيبتي، لست أريد أن أعرف منك أكثر مما عرفت، فأسفي شديد عليك وخجلي عظيم من نفسي، فسامحيني على ما بدر مني من سلوك أحمق.»

قالت: «لا، لا، فما دمت قد بدأت فلا بد لك أن تسمعني حتى النهاية المرة، أريد لك أن تعلم وأن تقدر الظروف، فما ذاك إلا بداية الأهوال.» ثم استرسلت في قصتها المروعة: «انقضى عام ١٩٣١م وانقضى كذلك الشطر الأعظم من ١٩٣٢م، وكان زوجي حينئذٍ قد تخرَّج وعمل في مصنع كبير، وكان في فزع لا ينقضي خشية القبض عليه، شأنه في ذلك شأن غيره من الإخصائيين الفنيين في ذلك الحين، فعلى الرغم من أنه لم يقترف إثمًا يزجره ضميره عليه، كان يفزعه ذلك الخوف الذي لا ينتهي والذي لا يرتكز على أساس يبرره؛ لأنه رأى بعينيه سائر رفقائه يتخطفهم هذا القضاء واحدًا في إثر واحد.

ومع ذلك فلم أكد أصدِّق النبأ حين أُنْبِئْت أن القبض قد أُلْقِيَ عليه فعلًا، لقد كنت أعرف أصدقاءه جميعًا، وآراءه جميعًا وأفعاله جميعًا، فما عرفت فيه إلا براءة لا تشوبها شائبة من عداوة، بل إن فكرة العداوة نفسها لم تدر في رأسه، فعاودت الوقوف في الصفوف الكئيبة من جديد، صفوف الألوف من النساء، عاودت الوقوف في تلك الصفوف لأبعث برسائل الطعام إلى السجين.

وتذرعوا بذريعة سخيفة لطردي من وظيفتي؛ لأن رؤسائي بالطبع لم يريدوا إلى جانبهم زوجة مهندس سجين، فأخذت أبيع كل ما ملكت يدي شيئًا فشيئًا لأشتري الطعام لنفسي ولزوجي السجين، وأعطيت في الموسيقى دروسًا، وعاونني بعض الأصدقاء بشيء من المال على وعد قطعته لهم على نفسي كلما أحسنوا إليَّ بشيء ألا أبوح لأحد أني رأيتهم أو أنهم عاملوني في شيء من الرحمة؛ ذلك لأني ما دمت زوجة «عدو الدولة» فقد أصبحت على هذا الاعتبار طريدة المجتمع منبوذة من الناس.

ولما قضى «سرجي» بضعة أشهر في سجنه، رُفِضَت رسالة الطعام التي أخذتها له عند بوابة السجن، فخُيِّلَ إليَّ أني أرى شريطًا سينمائيًّا مليئًا بالفظائع مرة ثانية بعد أن رأيته بعينه فيما مضى، ذهبت إلى نافذة أخرى وطلبت مقابلة الرئيس، فوقفت أنتظر ساعتين أُخِذْتُ بعدهما إلى مكتب الرفيق «ت» الذي كان فيما سبق عونًا من أعوان رئيس الشرطة السياسية في «خاركوف»، وهو رجل طويل وسيم أشقر، يدل جسمه على أنه ينعم بغذاء جيد، وكان السحر يشع منه.

قال إذ صافحني وقدم لي مقعدًا في شهامة الرجال: «آه، لقد كنت أتوقع منك زيارة، وما أحب إلى نفسي أن تزورني جميل الغانيات، هذا فضلًا عن تقرير وافٍ جاءني عنك من مكتبنا الرئيسي في «كيف»، ويؤسفني أن نتلاقى في مثل هذه اﻟ… ماذا أقول؟ أأقول هذه الظروف الرسمية؟ ومع ذلك فأنا مغتبط لهذه الفرصة السعيدة.»

فأجبته: «هل تعني أنك دبرت الفرصة تدبيرًا برفضك قبول رسالة الطعام التي أتيت بها إلى زوجي؟»

– «أرَفَضوا حقًّا أن يأخذوا منك رسالة الطعام؟ يا لهم من حمقى آثمين! سأنظر في الأمر من فوري.»

وضغط على زر فدخل ضابط أنيق، وأمره أن تؤخذ رسائل الطعام التي آتي بها لزوجي، ثم خرج الضابط.

– «صدقيني يا «إلينا بتروفنا» إذا ما قلت: إني آسف لهذا الشتاء الذي تتعاورك أسبابه، ولكني مع ذلك أرى الأمر مرهونًا باختيارك، ولعلك تعلمين أن ما عُرِضَ عليك في «كيف» منذ عامين لا زال قائمًا، فنحن رجال الشرطة نفي بوعودنا.»

فأجبته: «لماذا سجنتم زوجي؟ إنك تعلم كما أعلم أنا أن زوجي بريء، ولو كان لك أم أو أخت لأخذتك الشفقة عليَّ، ليس في مقدوري أن أتجسس لكم؛ لأن التجسس ليس من خلقي، وإن الموت لخير لي منه، لكني مستعدة أن أعمل أي شيء تريدون مني غير ذلك إنقاذًا لزوجي؛ لأني كلما تصورت آلامه مادت بي الأرض.»

ومضيت في الكلام لا أسكت، فأقول وأعيد ما أقول مرات، أتوسل مرة وأتهم مرة، وجعل هو ينصت إلى قولي في صبر جميل، حتى إذا ما أرهقني الكلام إرهاقًا لم أستطع معه الاسترسال فيه، دنا مني وربت على كتفي تربيتًا توشك ألا تجده إلا من والد.

قال: «إن الحياة قاسية يا «إلينا بتروفنا»، وإذن فلا بد للإنسان أن يواجه الواقع، وواجبك أن تفكري في نفسك أولًا، ففيمَ هذا العناء؟ لماذا ترفضين العمل معنا؟»

– «إذن فاسمع لماذا، فقتل أبي البريء سبب لهذا، وقتل ألوف الناس من أمثاله ألوف من الأسباب كذلك، ولن أُحمِّل ضميري عبء ما تسفحه سائر الزوجات والأمهات من دماء وعبرات حتى ولو كانت الغاية سلامة زوجي، هذا هو السبب.»

قال: «أفهم جزعك هذا من الدماء والعبرات، لكن كوني عاقلة ما استطعت، فلن نكلفك أعمالًا تؤدي إلى دماء ودموع، وكل ما نطلبه هو أن تعملي مع الأجانب، فبلادنا تحيط بها ضباع الرأسماليين التي تعوي رجاء أن تثور الثورة وتنسفح الدماء، ولست أبغي عليك الآن ضغطًا، لكنك إذا ما غيرت من رأيك فأنا رهن إشارتك في كل وقت، إن أباك قد مات ويستحيل لما فات أن يعود، لكن زوجك لا يزال يحتاج إلى نجاة، ونجاته متوقفة عليك لا عليَّ.»

ومع ذلك فقد وعد أن تصل إلى «سرجي» ما أبعثه إليه من رسائل الطعام، حتى يُقْضَى في أمره بصورة رسمية ويُنْفَى، ولم يمضِ بعد ذلك إلا أسابيع قلائل حتى أُنْبِئْت أن قد حُكِمَ عليه بعشر سنوات ينفقها في عمل شاق بمعسكر من معسكرات الاعتقال في جبال أورال.

لبثت أمدًا طويلًا أحارب في نفسي إغراء الالتحاق بالشرطة السرية، وكنت أكابد الشوق إلى «سرجي» وكان الكفاح قد نال مني فأجهدني، فلماذا أسبح في الخيال على نحو ما فعل دون كيشوت ما دام العصر الذي أعيش فيه يسوده الباطل والإجحاف؟ وكم من مرة صممت أن أخطو الخطوة القاضية، لكني في كل مرة كنت أسمع في اللحظة الأخيرة صوتًا في طوية نفسي، صوتًا أعمق جذورًا من أن يجد عند العقل تعليله، كنت أسمع هذا الصوت يقول: «لا، لا ينبغي لك أن تفعلي.» إن فكرة التجسس، التي من شأنها أن تتظاهري بالصداقة لمن تدبرين له أن ينتهي إلى الموت، كانت تثير في نفسي امتعاضًا، حتى لقد أصابتني بالعلة في جسدي.

وظللت نحو عام كامل أبعث بالرجاء في إثر الرجاء إلى نواحٍ مختلفة من الحكومة، طالبة أن يعاد النظر في قضية زوجي، وبالطبع لم يثمر رجائي، ثم حدث بعد ذلك حادث، وذلك أني كنت أزور معرضًا من معارض التصوير الأوكراني مع صديق صادقته أيام الطلب في مدرسة الفن الجميل، وإذا أنا أرى وسط الزحام الرفيق «ت» وفي صحبته امرأة رائعة الجمال، وأدركت من موقفه إزاءها أنه كان في قبضتها ولم تكن هي في قبضته، فجعلت أرقبهما في اهتمام فوجدتها رعناء ووجدته مصغيًا لها مطيعًا كأنما هو غلام أحب وهجره الحبيب.

إذن فها هو ذا موظف الشرطة السياسية الذي لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلًا، والذي في يده تصريف القضاء لعشرات الألوف، ها هو ذا ينساق كالشاة لامرأة وضاءة المحيَّا! فلعل هذا التناقض فيما رأيت قد أوحى إليَّ بما أوحى، ولقد بدت لي الفكرة الطارئة شديدة الغرابة والشذوذ، لكني صممت على تنفيذها.

ولم يكن عسيرًا عليَّ أن أعلم من ذا تكون هذه الصديقة التي شهدتها مع الرفيق «ت»؛ فتعقبتها في محل سكنها وارتقبتها عند مدخل العمارة الجديدة التي كانت تسكن فيها، ثم تتبعتها إذ هي تصعد السلم، وبينا هي تحرك المفتاح في باب شقتها دنوت منها في شجاعة وبدأتها بالكلام.

قلت لها: «نشدتك الله يا سيدتي أن تأذني لي بالكلام معك بضع دقائق.»

أخذها مني الفزع أول الأمر، لكنها ما لبثت أن صوَّبت بصرها فيَّ وصعَّدت، حتى رأت — فيما يظهر — أنني لم أكن أريد بها الأذى.

– «لست أدري ماذا تريدين، هيا فادخلي فلا يجمل بنا الوقوف ها هنا في الردهة.»

دخلنا غرفة استقبالها التي أثثتها بذوق ممتاز، وكان بها بِيان في ركن من أركانها، ولقد بدت عليَّ — فيما أرجح — علامات التعب والإعياء بعد ساعات وقفتها منتظرة في الطرق.

فقالت لي السيدة: «اخلعي معطفك يا ابنتي واجلسي، وسأصنع لك فنجانًا من القهوة فأنت فيما تظهرين أقرب إلى الموتى منك إلى عالم الأحياء.»

وضعتُ يدها في يدي وجعلتها تصغي إلى قصة متاعبي، فرويت لها عن موت والدي وعناء أمي ونفي زوجي، وطلبت منها ما يعوزني من معونتها، ففي مقدورها أن تحصل لي من صديقها الضابط السياسي على إذن بزيارة زوجي، فلم يعد في يديَّ ما أقدمه لزوجي سوى الزيارة، وقد كان ألمي من العمق بحيث وجد إلى قلب السيدة سبيله، فأخذت هي الأخرى في البكاء.

سألتني أسئلة كثيرة ثم أخذت تذرع الغرفة المفروشة بالبسط جيئة وذهابًا، مفكرة في أمري، وبينا هي في انتباهها الموزع جلست إلى بيانها تعزف بعض الألحان.

ثم قالت آخر الأمر: «إلينا بتروفنا، يؤسفني ألا أستطيع لك وعدًا إلا وعدًا ببذل ما أستطيع، وإنك بالطبع لتعلمين أنه لا ينبغي لك أن تذكري أمر هذه الزيارة بأي حال من الأحوال، لا تذكريها في حديثك معي في المسرة.»

وقبلتني قبلة حنان أدهشتني، فرجحت ألا تكون سعيدة، بل ألا تكون مستمتعة بحياتها الدنيوية، كما يبدو عليها، وذهبت إلى الكنيسة ذلك المساء وأخذت أدعو الله دعاءً طويلًا، فعلى الرغم من أني لا أومن بالله يا فيتيا، فإني إذا ما حزبني الأمر تراني أنقلب على عقبي إلى ما نشأت عليه في طفولتي، ومهما يكن من أمر فقد دعوت الله في إخلاص كما يدعوه المؤمن، ثم تَلْفَنتُ معشوقة «ت» فعلمت منها أن دعوتي قد أُجيبت، وطلبت مني أن أذهب إليها من فوري، فلما وصلت إليها بكيت من فرحتي وقبَّلت يديها، فأمرتني أن أكتب طلبًا رسميًّا آخر ألتمس فيه مقابلة زوجي، وأكدت لي أن طلبي مجاب هذه المرة، أما عن حقيقة أمرها هي فلم تفصح لي بأكثر من التلميح.

– «الحياة هي الحياة يا إلينا بتروفنا، لقد مضى عليَّ عهد لم يكن فيه العيش مترفًا كالذي ترين الآن من ترف، لكني كنت إذ ذاك أسعد مني الآن بكثير، فلا أقل من أن أنعم لحظة قصيرة حين أعلم أنني استطعت أن أخفف قليلًا من عبء الشقاء عنك وزوجك، إنه لمما يشرح الصدر أن أصنع الخير مرة على سبيل التغيير من مجرى الأمور المألوف، ورجائي ألا تذكري أبدًا أننا التقينا، لا ينبغي لك أن تتلفني إليَّ مرة أخرى، أو أن تظهري بمعرفتك لي إذا ما رأيتني.»

وهكذا لم تمضِ إلا أسابيع قليلة حتى كنت في القطار آخذة سمتي نحو جبال الأورال، وحملت معي حزمات كبيرة، إذ أنفقت كل ما أملك من مال لأشتري طعامًا وثيابًا تحتية من الصوف، وأحذية وتبغًا، وصوَّر لي الخيال لقاءنا وفرحة «سرجي» ووجهه المشرق وما سنقضيه معًا في سعادة من لحظات قصار، فلما جاوز القطار «سفرد لوفسك» نزلت في محطة صغيرة، وكان مطر من مطر الخريف يتساقط، ولاح لي كأنما هبطت في ذلك المكان، عالمًا من قذر ووحل عميق، وكان معسكر الاعتقال يبعد أميالًا عن محطة السكة الحديدية، ولبثت أحاول جهدي مع فلاح لعلي أستميله فيركبني عربته إلى هناك، وسارت بنا العربة ساعات بين غابات كثيفة وصخور وعرة، حتى بلغنا في نهاية الأمر نجدًا فسيحًا مكشوفًا تحيط به أسوار عالية من الأسلاك الشائكة.

ورأيت وراء الأسوار صفوفًا مديدة من الثكنات بنوافذها الضئيلة ذات القضبان، كما رأيت الحراس منبثين في أرجاء المكان وبينهم طائفة يتبعها كلاب في وجوهها علائم الشر، وبينا أنا واقفة أمام البوابة تحت المطر أنتظر الإذن بالدخول، جاءت فرقة يقرب عددها من ثلاثمائة سجين، جاءت تسير رباع رباع عائدة من الغابة إلى المعسكر، ولم أكن شهدت في حياتي قبل ذاك ناسًا من البشر قد بلغ بهم ما بلغ بهؤلاء من مهانة وتهافت، فما رأيت فيهم رجالًا لكني رأيت أشباحًا للرجال، رأيت صورًا شائهة لآدميين تسترهم هلاهل وتنفر من رؤيتهم العين، طالت لحاهم وذوت أجسادهم وأخذوا يشدون أقدامهم شدًّا خلال الوحل في هذه المرحلة الأخيرة من مراحل يوم ذاقوا فيه طعم الموت من نصب وإعياء، وكيف لي يا «فيتيا» أن أجد ألفاظًا تعبر لك عن بؤس ما شهدت لتشعر بما شعرت؟

ودخلت غرفة الحراسة فقدمت أوراقي وجاء ضابط فسألني أسئلة كثيرة ثم أمر امرأة حارسة أن تفتشني، فلم تبحث في ثيابي فقط بل بحثت في جسدي كذلك، وأخذوا ما كان معي من أقلام وأوراق، بل أخذوا مقصًّا صغيرًا لأظفار اليد كان في حقيبتي، وبعد ذلك كله لم يأذنوا لي بأخذ ما معي من لفائف الطعام، وكل ما سمحوا بإدخاله هو التبغ والسجائر والصابون.

صاح الضابط في وجهي قائلًا: «أيتها المواطنة، ليس هذا المكان مصيفًا ولا مصحة يرتادها المستشفون، فيكفيهم ما نعطيهم إياه من طعام وثياب، إنهم أعداء الدولة.»

جلسنا في الغرفة الصغيرة القذرة انتظارًا ﻟ «سرجي» فرأيت على الجدران صورة عليها بقع من الذباب ﻟ «ستالين» و«دزرزنسكي» و«ياجودا»، كما رأيت شريطًا مهلهلًا من قماشة راية كُتِبَ عليه «البعث عن طريق العمل»، ظللت أرقب من النافذة فما لبثت أن شهدت رجلًا كهلا نحيلًا يدنو من الغرفة ووراءه حارس شهر مسدسه، وكان الرجل ذا لحية مشعثة بيضاء ورأسه يشتعل بالشيب، كما كان جسده ذاويًا يفزع الرائي لرؤيته وعلى إحدى عينيه رباط من خرقة قذرة، وبالجملة كان كأنما خرج لتوِّه من أرض العذاب، فتحرك قلبي لهذا المخلوق الذي يبعث في النفس الحزن ودرت ببصري نحو الضابط.

قلت: «هل ترى أيها الرفيق ذلك الرجل الكهل؟ أرجوك أن تعطيه هذه العلبة من السجائر.»

كان ذلك كل ما أستطيعه لأعبر به عن عطفي على ذلك المسكين، فانفجر الضابط مقهقهًا وأخذ يضرب فخذه بكفه من فرط السرور.

– «جميل والله! أتسخرين مني أم أنك حقًّا لا تعرفين زوجك إذا ما رأيته؟»

فجمدت من الجزع، وانفتح الباب ودخل الكهل، فلما أن دنا مني تبينت أنه «سرجي» حقيقة، لكنه محطم مسن يوشك ألا يكون إنسانًا من البشر، كيف أصدق هذا الذي أرى؟ لكني ذهبت إليه وضممته بذراعي وهمست قائلة: «سريوزا يا حبيبي، سريوزا يا مسكين.»

نظر إليَّ مشدوهًا وارتجف بالعاطفة وجهه الذي شاه من العذاب، وما هو إلا أن جثا على ركبتيه وأخذ ينهنه بالبكاء ويقبِّل ثوبي وركبتي ويدي، فهدأت من نفسه وأجلسته على الدكة بجواري، وكان ما سُمح لي به عشر دقائق لا تزيد، بعد رحلة قطعت بها نصف البلاد الروسية، وأنذرونا ألا يدور بيننا حديث في غير الشئون الخاصة، فما كدنا نأخذ في الحديث حتى صاح بنا صائح: «انتهى الزمن، بقيت دقيقة واحدة للوداع.»

همس لي «سرجي» المسكين: «إلينا يا عزيزتي، أنقذيني لو كان ذلك في حدود المستطاع، الحياة هنا أبشع مما يصوره الخيال لكائن من كان خارج هذا المكان، إنها أسوأ مما كان يصوره لي الوهم، إنهم يعاملوننا معاملة العجماوات لا معاملة الآدميين، ويَلْقَى المسجونون حتوفهم كل يوم كأنهم الذباب، هم يضربوننا ويميتوننا من جوع، «إلينا!» «إلينا» أنقذيني، يستحيل أن ينقضي عليَّ عام آخر في هذا الجحيم وأنا حي من الأحياء.»

فصاح به الحارس: «اسكت يا وغد!»

وعدته أن أبذل وسعي، وعدت إلى خاركوف يملأ ناظري هذا المشهد المؤلم لحطام إنسان كان فيما مضى زوجي، وها هنا زال عني كل أثر للتردد، فما كان لي أن أدعه هناك لأشبع كبريائي وأنقذ ما لي من طهارة الأخلاق، فذهبت إلى الرفيق «ت» وتمت بيننا الصفقة، قبلت عبودية الشرطة السرية ثمنًا أشتري به حرية «سرجي».

– «أؤكد لك تأكيدًا تؤيده كلمة الشرف أقولها بنفسي، إنك يا «إلينا بتروفنا» لن تكلفي عملًا مما عسى أن يؤدي إلى «دماء ودموع» — على حد تعبيرك ذات يوم — لكنك لقاء ذلك ستدفعين حياتك ثمنًا إذا ما كشفت لأحد بأقل تلميح عن علاقتك بنا.»

فأجبته قائلة: «ضع دائمًا نصب عينيك أنني لن أنقذ زوجي بحيث أبعث بزوج امرأة أخرى أو أبيها أو أخيها إلى مثل هذا القضاء، إنك لتعلم علم اليقين أن «سرجي» بريء وأن الكثرة الغالبة ممن زُجَّ بهم في ذلك المأزق الجهنمي أبرياء، وسآذن لك بقتلي قبل أن آذن لنفسي بالمساهمة في مثل هذا الظلم الصارخ، وكذلك أحتفظ لنفسي بحق الخروج من هذا العمل حين أشاء، ولا بد أن آخذ تعهدًا مكتوبًا بذلك.»

– «أقدُرُ ما تقولين، وها أنا ذا قد أعطيتك وعدًا بذلك أصونه بشرفي، لكنني لا أستطيع أن أتعهد لك بشيء مكتوب، ثقي بصدق وعدي، فسيكون لك حق الانسحاب، والآن فلنوقع الصفقة بيننا، فخذي هذه الاستمارة واملئيها.»

كان ما أعطانيه قائمة بأسئلة تملأ عشر صفحات لم تدع شيئًا عن حياتي وآرائي وعن حياة أقربائي وأصدقائي وآرائهم إلا سُئلت عنه، جلست أجيب عن أسئلتها فترة طويلة ثم وقعتها بعد أن فرغت منها، ففحصها مساعد رئيس الشرطة السرية الرفيق «ت» وكتب على هامشها بعض ملاحظات ثم حفظها في خزانته وارتدي معطفًا وقبعة مدنيين وغادرنا مكتب الإدارة معًا.

وركبنا سيارة بلغت بنا موضعًا يبعد عن «فندق السائحين» بضع عمارات، حيث نزلنا.

قال: «سأسبقك مفردًا، وعليك أن تتبعيني بعد ثلاث دقائق لا تقل ولا تزيد، واصعدي إلى الطابق الخامس من الفندق «وذكر لي رقم الغرفة» سأكون هناك في انتظارك ولا تظهري هكذا بمظهر المأخوذ، فأنا الآن ضابط من الشرطة السرية لا إنسان من الناس فلا حاجة بك إلى الجزع.»

وبعد دقائق كنا معًا في الغرفة المعينة، ولما طرق الباب خادم الفندق بما جاء به من طعام ونبيذ، اختفيت في غرفة مجاورة فهنأني رئيسي بعد أن عاد الخادم: «ما أذكاك من فتاة! لكن الفطنة ها هنا ليست بذات نفع كبير؛ لأن كل من يعمل في فنادق السائحين من مدير الفندق فنازلًا إلى الخادمة التي تمسح الأرض من أعوان الشرطة السرية.»

وإذ كنا نتناول العشاء، أخذ يرشدني بتعليماته الأولى، ويلقي عليَّ درسًا سريعًا في أساليب الشرطة السرية.

وقال يشرح موقفه إزائي: «يؤسفني أن أقول: إنك لن تعملي معي في الوقت الحاضر، لكن سيأتي يوم — بعد عودتك إلى خاركوف — يتاح فيه لنا معًا أن نفعل الأعاجيب.»

– «إلى أين أنا ذاهبة أول الأمر؟»

– «ستمكثين في خاركوف بضعة أشهر، إذ لا مندوحة لك عن تعلم شيء كثير، ثم سنبعث بك إلى «دنيبروبتروفسك» وهو بلد جميل، يجتمع فيه كثير من الأجانب بسبب الخزان الكبير هناك وبناء المصانع وغير ذلك من الأعمال القائمة، وستجدين بين هؤلاء الأجانب مهندسين من أمريكا وإخصائيين من ألمانيا، فواجبنا هنالك كبير، وأحب أن تعلمي أنني أوصيت بك بنفسي، فأصبحت بهذا مسئولًا عنك، فلو انحرفت عن جادة الصواب بشيء من الألاعيب وقع اللوم على عاتقي، وربما ظننت أنك في قبضة يدي، لكن حقيقة الأمر على عكس ذلك يا عزيزتي، فأنا الآن تحت سلطانك، وسنغفر لك كل زلة تصدرين فيها عن طوية سليمة، أما إذا حاولت خداعنا أو حاولت «الانحراف إلى اليسار» — كما يقولون — كان الله في عونك حينئذٍ، نعم أنا الآن تحت سلطانك، وذلك هو ما جعلني أوثر الآن أن أتحدث إليك على هذا النحو الودي الصريح.»

قلت: «ها أنا ذا أصغي إليك.»

– «أول ما أسديه إليك من نصح يا «إلينا بتروفنا» هو أن تدربي ذاكرتك وخصوصًا فيما يختص بالوجوه، لا تكتبي شيئًا، بل أمسكي كل شيء على صفحة الذهن بحيث لا يفلت، وذلك شيء يستفاد بالتدريب، فالأوراق والمذكرات لها خطورتها، فاحفظي عن ظهر قلب ما تحسين الحاجة إليه: الأسماء والعنوانات وأرقام التليفون والوقائع، إن أداتك الأولى هي الذاكرة.

ولغاتك الأجنبية استخدميها، فهي كذلك أدوات نافعة، وكذلك جمالك، فأنت من أشد النساء اللائي يخدمننا فتنة، وجانب من مهمتك الرسمية أن تحتفظي لنفسك بهذه الفتنة، فلا تقتري على نفسك في شراء الثياب ومساحيق الزينة، فهذه ألوان من الإنفاق لها من الأسباب ما يبررها.

وسيحدث لك أن تلتقي حينًا بعد حين بسواك ممن يعمل في خدمتنا، فلا تثقي بأي منهم ولا تنبسي ببنت شفة مما قد يدل على طبيعة مهمتك مهما يكن ذلك على سبيل السياق العابر، وإذا دعت الحال أن تعملي مع غيرك من أعضاء الشرطة السرية في إنجاز مهمة واحدة اتبعي الأوامر فيما يخص الجانب الذي عُهِدَ إليك به، مهما بدا لك أنها أوامر سخيفة، فليست التبعة الملقاة عليك إلا هذا.

ونصيحة أخرى يا عزيزتي لها قيمتها، لا تقبلي قط شرابًا إلا إذا صُبَّ في حضرتك وإلا إذا شرب منه المضيف أولًا، ولا ترتبطي بصلات الصداقة مع أي رجل في خدمة الشرطة السرية إلا إذا وافق رئيسك موافقة صريحة على هذه الصلات، وبلِّغي أول الأمر عن كل صلة تنشأ بينك وبين كائن من كان، مهما بدت لك هذه الصلة تافهة وعابرة، وسيكون لك الحق في الانتفاع بالدكاكين الخاصة بنا وفي قسائم تبيح لك من الطعام والثياب قدرًا أكثر مما يصيب سائر أبناء الوطن، فالقائمون على حراسة الوطن حتى يكون بمنجاة من العدوان لا ينبغي أن ينقصهم شيء، والآن فأنت واحدة منا.»

فقاطعته قائلة: «أريد سؤالًا واحدًا آخر، متي يعود زوجي إلى داره؟»

– «لا عليك، فنحن لا نخلف الوعد، سنعطيه وظيفة طيبة في «دنيبروبتروفسك» وستكونين أنت مهندسة معمارية.»

وعاد «سرجي» بالفعل بعد ما يقرب من شهرين، وإنه لرجل عاقل طيب القلب، فهو يعلم أنني لا أكنُّ له سوى الإشفاق، أما الحب القلبي بمعنى الكلمة القديم، فلم يكن له بيننا وجود، ولعل النظام السوفيتي هو الذي قتل فينا مثل هذه الرابطة، لم يسألني قط كيف استطعت إنقاذه، ومن يدري؟ لعل ما يتوهمه في ذلك من شكوك أشد بشاعة من الواقع على ما اتصف به ذلك الواقع من سواد.

ألا ما أفظع هذا القرار الذي أخذت به نفسي آخر الأمر، لكنك يا «فيتيا» لو رأيت معسكر الاعتقال، وما انتاب «سرجي» من تحول مخيف؛ لعرفت لماذا استسلمت في النهاية بعد أعوام من الإباء، وما أنا إلا واحدة من ألوف أُجْبِروا على هذا النحو أن ينفذوا أوامر الشرطة السرية، ولا يتصل عضو بعضو من هذه الألوف، فيستحيل على أحد منا أن يرى أحدًا في الدار التي رأيتني فيها، فكل منا يساق إلى غرفة وحده بحيث يستحيل أن يرى أحدٌ أحدًا حتى بالمصادفة، ومع ذلك فقد صادفت بعض هؤلاء الناس خلال أداء مهمتي، وإن من بينهم لزوجات لكبار الموظفين وأعلام الرجال بصفة عامة.

فأحيانًا تقع الواحدة منهن في الفخ لضعف حيلتها فتقبل العمل تحت شيء من الوعيد، وأحيانًا يغري رجال الشرطة السرية بعض هؤلاء النساء بفعل السوء وبعدئذٍ يضطرونهن إلى العمل معهم وإلا وشوا بفساد سيرتهن إلى أزواجهن، وأعتقد أنه كثيرًا ما يتهم بعض هؤلاء بجرائم لم يقترفنها، فتصاغ هذه الجرائم على نحو محبوك بحيث يستحيل على أزواجهن أن يشكوا في إثمهن، فتراهن لهذا يستسلمن مجبرات، فهنالك من أقذر الأساليب مئات وألوف لينشئوا جيش الجاسوسية يا «فيتيا»، وقليلات جدًّا أولئك اللائي يعملن هذا العمل لمال أو لسلطان؛ إذ العادة أن يتم الأمر تحت ضغط لا يقاوم، فالقصة كما ترى مليئة بألوان الوحشية وصنوف البشاعة.»

– «وإذن فهذا سبب قدومك إلى «دنيبروبتروفسك» يا إلينا؟»

– «نعم يا «فيتيا»، وهذا هو سبيل لقائي بك بعد نحو شهر من قدومي من خاركوف، ولقد بلغت عن صلتي بك، فلم يكن أمامي في ذلك سبيل للاختيار، لكني لم أذكر شيئًا أكثر من مجرد الصلة، أي حبيبي فيتيا.»

– «وهل قال لك رؤساؤك شيئًا عني؟»

– «بالطبع، لكنهم لم يقولوا شيئًا يسيء، فصحيفتك فيما يظهر نقية من الشوائب في الجانب الذي يعنيهم، أما تزال دهشًا جازعًا لاشتغالي بالتجسس؟»

– «نعم، إذا أردت أن أكون صادقًا فلا بد لي من زمن ينقضي حتى تتهيأ نفسي لهذه الصدمة.»

– «ومع ذلك يا «فيتيا» فأنت شيوعي، وواجبك على هذا الاعتبار أن تبلغ كل شيء مما عسى أن يكون ضارًّا بالحزب، سواء أرضيت ذلك أم كرهت، فهل ترى من فارق كبير بين هؤلاء الملايين من الجواسيس المختارين وبين أولئك الذين اضطروا اضطرارًا أن يتجسسوا؟ أليس كلانا مصيدًا في الشبكة القذرة بعينها؟»

– «إن فيما تقولين شيئًا من الصدق، وإن تكن الموازنة — ماذا أقول؟ — ساذجة، فالواقع أنْ كلانا يدفع الأذى عن نظامنا السياسي، سواء أكان ذلك كرهًا أم طواعية.»

– «أما وقد جازفت يا حبيبي فأنبأتك بقصتي، فقد باتت حياتي في يديك، فإذا أردت أن تكون شيوعيًّا صالحًا؛ وجب عليك أن تكاشف أولي الأمر بما سمعت، ومع ذلك فلست أرتاب لحظة واحدة في أنك لن تفعل ذلك، وما أهون عليَّ أن أذهب إلى أقصى الأرض لأنجو من فخاخ الشرطة السرية، لكن هذه الشرطة السرية متناولها بعيد المدى، فلا مفر منها إلا بالموت، ولكم فكرت في الانتحار على أنه الوسيلة التي لا وسيلة سواها للخلاص.

فيتيا يا حبيبي كن على حذر، فنحن نعيش في بلاد كل من يحيط بنا من أهلها يلبس قناعًا، فلا تثق بإنسان كائنًا من كان بحيث تسرُّ له بمكنون نفسك، ولست أقصر حديثي على البوابين والمتسمعين خلال ثقوب الأبواب، إنما أعني أكثر الناس في هذا البلد احترامًا، فطريق السلامة الوحيد هو في افتراض أن الناس جميعًا بغير استثناء ينقلون الأخبار ثم ينقلونها وينقلونها … أواه يا «فيتيا» لقد بلغ مني الإعياء واليأس مبلغًا عظيمًا، وسأظل على حبك حتى لو نبذتني نبذ النواة.»

فقلت في انفعال عاطفي إزاء هذه الفتاة التي وقعت في الشَّرَك: «إلينا أمسكي عن هذا الهراء، إنه ليشقيني الآن شيء واحد، وذلك أني عاجز عن معونتك، فكم يثير صدر الرجل أن يرى نفسه عاجزًا عن مساعدة المرأة التي يحب.»

فقالت إلينا: «هيا نسبح فتذكري لما انتابني من صعاب يجعلني أحس كأنما تلزَّج مني الجسد.»

كان الماء دفئًا، وسبحنا في الظلام وتحت المطر، وسط لمعات من البرق وقرقعة من الرعد، نعم إن ذلك الفعل منا جاء دليلًا على شيء من الحماقة وعدم الحرص، لكنني رأيت السباحة عندئذٍ ضرورة لكي أزيل بالماء بشاعة القصة التي روت، ثم حملتها خارج الماء حيث وضعتها في حظيرة السماك ونشفت جسدها كأنها الطفل، ولففتها في مخدع من الدريس العاطر، ولما كانت منهكة بما تحرك في نفسها من انفعالات خلال ذلك اليوم العجيب، فقد استغرقت في النعاس من فورها.

ولما أصبح الصباح عدنا بالقطار إلى المدينة.

وهمست في أذني قائلة: «الحق يا «فيتيا» أني أحس الآن خيرًا مما كنت وأنقى مما كنت، ما دام هذا السر المخيف قد ارتفع من بيننا، فلو دمت على حبك إياي فسأكون بذلك أسعد مني في أي لحظة مما مضى.»

وبعد ذلك بأسابيع قليلة ذهبت «إلينا» إلى «كيف» لزيارة أمها حيث لحقت بها، وذات نهار مشمس قصدنا معًا إلى المقابر، وهنالك اقتلعت الأعشاب عن قبر أبيها وزينته بالورود، وكنت قد أحضرت معي علبة من الطلاء فطليت الحاجز الذي يحيط بالقبر والصليب الحديدي الذي يقوم عند طرفه، وأما «إلينا» فلم تبكِ بل أخذت تقص لي عن أبيها وعن طفولتها السعيدة بينا كنت أنا أقوم بعملية الطلاء.

قالت لي إذ نحن في الطريق عائدين إلى الدار: «لو علمت الشرطة السرية يا فيتيا أنك زينت القبر لألقت عليك القبض، فإنه من الخطر أن تبدي شعورًا طيبًا نحو أبي المسكين البريء حتى بعد موته، لكن هذا العمل الإنساني الذي قمت به على ضآلته قد زادني شغفًا بك.»

فقلت: «إذن فالعمل جدير بأن أخاطر في سبيله.»

– «لكن ألا يقلقك مثل هذا العمل باعتبارك شيوعيًّا مخلصًا؟»

– «كلا، إنه لا يثير في نفسي قلقًا، وربما كنت شيوعيًّا مخلصًا بغير هذا المعنى.»

وذهبنا معًا إلى متنزه في «كيف»، وكانت هنالك جوقة موسيقية تعزف في الحديقة التي كانت تسمى فيما مضى بحديقة القيصر، وكانت الأغنية الشائعة عندئذٍ نغمة سخيفة تمجد «الحياة المرحة السعيدة» التي يحياها أبناء السوفيت، ونظر كلانا — إلينا وأنا — كل إلى عيني زميله، وكان حسبنا النظرة عن كلمات نتبادل بها ما يدور في رأسينا من خواطر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١