الفصل السابع عشر

تعذيب بعد منتصف الليل

سقط قلبي في جوفي حين سمعت صوت «جرشجورن» في التليفون.

– «الله! الله! إذن فقد عاد الطائر الصغير بعد رحلته الطويلة … لعلك مسرور بمقامك الجديد في الفندق … تعالَ فقابلني في منتصف الليل.»

كان عليَّ أن أنتظر قدومه كما هي العادة، وكان ذلك أول يوم توليت فيه منصبي الجديد رئيسًا للقسم الفني من المصنع، وكنت قد ملأت يومي بالعمل حتى ساعة متأخرة واقفًا على قدمي معظم الوقت، ومع ذلك فلم ينل مني هذا المجهود الجسدي بقدر ما نال من أعصابي ما أصابها من توتر انفعالي بسبب ما لقيته من حط في قدري وطرد من منزلي، ومهما يكن من أمر، فقد كنت متعبًا يائسًا في حالة شبيهة بالدوار، حين دعاني «جرشجورن» آخر الأمر للدخول في مكتبه.

فابتسم في خبث وقال: «هيه يا «كرافتشنكو»، آمل أن تكون قد نعمت برحلة مفيدة، إننا لا نحب لمجرى تحقيقنا أن يضطرب على هذا النحو.»

فقلت: «لقد استأذنت بما يقتضيه الواجب.»

– «أعرف ذلك، أعرف ذلك، ولقد علمت أنك ذهبت بحثًا عن رجل يحميك؛ فتشفعت بناس أمثال: «إيفانتشنكو» و«مارجولين» أليس كذلك؟ لكنهما وا أسفاه مقبوض عليهما الآن؛ لأنهما من أعداء الشعب!»

– «نعم يا رفيقي «جرشجورن»، فقد أردت معونة من «إيفانتشنكو» ولِمَ لا؟ لقد كان لي رئيسًا عدة أعوام، وهو عضو في الحكومة، وأما «مارجولين» فقد كان أمين الحزب في ذلك الإقليم عندئذٍ، ومهما يكن من أمرهما فلم أكن أنا الرجل الذي عينتهما في منصبيهما.»

– «بالطبع لم تعينهما أنت في منصبيهما، لكنها مصادفة عجيبة: أن يتبين أن كل أصدقائك وحُماتك من الخونة: «فيلين» و«مارجولين» و«إيفانتشنكو» وكثير غيرهم، قل لي: كيف حدث أن كتب «مارجولين» خطابًا في صالحك إلى اللجنة المحلية، طبعًا باعتباره صديقًا قديمًا لك؟»

– «لم أرَ الرجل إلا مرة واحدة في حياتي، وذلك يوم رأيته ذاك النهار في مكتبه.»

– «لست على يقين من صدق ما تقول … لكن دع هذا الآن، فيهمني قبل ذلك هذا المتلاف القذر «إيفانتشنكو»، ولقد كان لك صلة بالخائن مدة طويلة …»

– «نعم، لكني لم أكن أعرف عنه أنه خائن.»

– «ألم تلاحظ قط شيئًا مما كان يفعله في سبيل التخريب والإتلاف، مع أنك كنت تشتغل معه عن كثب، وكنت شديد الصلة به؟»

– «لا، لم ألاحظ قط شيئًا.»

– «ماذا تستطيع أن تنبئني به عنه فيما له علاقة بصناعة خراطة الأنابيب؟»

فأخذت أعيد له ما عرفته عنه، بل عرفته عنه الأمة كلها، فعلت علائم الغضب وجه «جرشجورن» السمين المتألق، وأخذ ينقر بأصابعه الغلاظ على منضدته نقرات تنم عن نفاد صبره، وقد لاحظت أن أصابعه قد شذبت أظفارها في عناية شديدة.

– «كرافتشنكو، حذارِ من هذا الهذر، فأنت تعلم أن هذه المعلومات التي ترويها ليست هي ما أريد؟»

– «لكنها هي كل ما أعلم.»

– «أظن أننا مستطيعون إعانتك على تذكر كثير مما قد نسيت قبل أن تلجئنا الضرورة إلى «ترويضك»، فقد مر بنا زبائن كثيرون كان لهم مثل عنادك، والآن قل لي: ماذا تعرف عن علائق «إيفانتشنكو» ﺑ «كابالوف»؟»

– «كان «كابالوف» حتى يوم القبض عليه أمين الحزب في الأورال، وكان عضوًا في لجنة الحزب المركزية العليا، وبالطبع كان لا بد ﻟ «إيفانتشنكو» أن يقابله كثيرًا، لكنني لا أعلم شيئًا يستوقف النظر لشذوذه عن المألوف.»

– «معنى هذا أنك لا تريد أن تصرح لنا بشيء.»

– «كان يسرني أن أفعل، لكني لا إخالك مطالبي بتلفيق معلومات من خيالي.»

كانت تباشير النهار الجديد قد تبدت من النافذة، لكن «جرشجورن» لم يزد إلا صياحًا وسبابًا كلما ازداد تعبًا، وجعل يدقني بمطرقته دقًّا.

ثم قال فجأة في وسط سؤال آخر كان يلقيه: «قل لي يا «كرافتشنكو»: لماذا تخشى أن يقبض عليك إلى هذا الحد؟ لماذا تتصيَّد المعونة من كل مكان حتى من الرفيق «يارسلافسكي»؟ ألا يكون ذلك لأنك تشعر في أعماق نفسك أنك على خطأ؟»

– «أرجوك العفو، فالساعة الآن الخامسة صباحًا، وعليَّ أن أكون في عملي الساعة الثامنة، فإذا لم أكن الآن في أيدي القبض، فالساعة لا تسمح بالبدء في مناقشات فلسفية.»

– «هذا صحيح، هذا صحيح … إن بيننا معًا لأمسية كثيرة نجول خلالها في نواحي الموضوع لنستكشف نواحيه، فأنا رجل درس النفس الإنسانية، لكني درستها على طريقتي الخاصة، فأنت باعتبارك مهندسًا تقيس مقاومة المعادن ودرجة مرونتها وما لها من خصائص تميزها، أليس كذلك؟ وأنا باعتباري شرطيًّا ماهرًا، أخبر مقاومة بني الإنسان ودرجة مرونتهم السياسية وما إلى ذلك، إذن فاذهب مع السلامة حتى اللقاء الثاني.»

فنهضت واقفًا، لكني كنت من الإعياء بحيث ترنحت في مشيتي، وأمسكت بحافة المكتب من شدة التعب، وخاطبته قائلًا: «استمع إليَّ يا «جرشجورن»، لقد عرفتك أعوامًا طوالًا وعرفتني، فهل تعتقد حقًّا وصدقًا أنني متلاف؟ أرجوك أن تجيبني.»

– «طبعًا، ها أنا ذا أجيبك، نحن رجال الشرطة نبدأ بالعقيدة في صدق الاتهامات وإلا لما انتهينا إلى غاية أبدًا، فبالنسبة إليَّ: كل إنسان مذنب حتى تثبت براءته، حسبنا هذا الليلة، لك أن تذهب الآن.»

وفي ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم كنت لا أزال جالسًا إلى مكتبي في مكاني الجديد الذي لم أكن قد ألفته بعدُ، وعبثًا حاولت أن أركز انتباهي في التقارير الفنية التي أمامي لما أصابني من خدر بسبب السهاد، وما ألمَّ بي من ألم في عضلاتي كلها، ومن لذع محرق في عيني، وهنا دق التليفون وكان المتحدث «براتشكو» لكن صوته كان من الانكسار بحيث لم أتبينه.

– «لقد جاء دوري يا فكتور أندريفتش، فها هي ذي لجنة المصنع قد فرغت لتوها من اجتماعها، وانتهت إلى قرار طردي من الحزب! طردوني بعد مدة تربى على عشرين عامًا.»

– «يستحيل ذلك يا بيوتر بتروفتش …»

– «نعم هذا صحيح، وستجتمع هيئة الحزب في المصنع هذا المساء اجتماعًا سريًّا لتتم الأمر إلى نهايته، وأريد أن أطلب إليك — ماذا أقول؟ — لكني على يقين من أنك تفهم ما أريد، أريد أن أطلب إليك ألا تتحدث دفاعًا عني؛ لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى تسويء الأمور.»

وذهبت إلى الاجتماع بعد بضع ساعات قضيتها في نعاس قلق، وكان الأمين الجديد للجنة المحلية هو «كندراشين» الذي كان مهندسًا في القسم الذي كنت فيه، وقد عرفت فيه رجلًا ماكرًا حذرًا، فكانت له تلك الموهبة التي لا حد لنفاستها في ظل النظام السوفيتي، ألا وهي اجتناب التبعة، ولقد ترك للرفيق «لوس» — ذلك الشاب الظامئ للسلطان — ترك له الإشراف على القضية المرفوعة ضد «براتشكو».

فأخذ «لوس» في خطاب طويل مشتعل بالعاطفة، بلغ الغاية من الخلط والتهويش، يلقي على «براتشكو» كل ما أثبته التطهير الأعظم في قائمته من خطايا، فاتهمه بسوء المساكن وارتفاع نسبة التلف، وانخفاض الأجور، والعدد الضخم الذي أُلْقِيَ عليه القبض من رجال المصنع في كل أقسامه، كل هذا في منطق «لوس» الذي أشعله بعاطفته تقع تبعته على «براتشكو»، كل هذا برهان على إتلاف شيطاني مقصود!

فصاح صائح بالعبارة الآتية، وردَّد الصيحة آخرون: «اطردوه! لقد حان الحين لطرده، ليسقط المتلفون!» ولقد لحظت أن بين أكثر الصائحين صياحًا فريق من العمال الذين يسكنون الثكنات، فيستحيل عليهم بطبيعة الحال أن يعلموا شيئًا عن عمل المدير أو شخصيته، وهو مدير جماعة صناعية كبرى، إن هم إلا تروس ضئيلة فيها، فلم يكونوا إلا معبرين عن سخطهم الشخصي، ملقين غضاضتهم على أكبر موظف ممن كانت بيدهم الأمور، ففي ذلك راحة لنفوسهم، ولم يقفوا لحظة ليذكروا أن الأجور والأسعار وإعداد مساكن العمال إنما يقرر أمرها أولو الأمر في موسكو.

وسأل «لوس» قائلًا: «هل يريد أحد الكلام؟»

فنهض يطالب بطرده عضو من الحزب في إثر عضو، وكلما نهض منهم واحد أضاف تهمًا جديدة إلى جبل الاتهامات الفارغة التي تكدَّست بالفعل، ثم وقفت للكلام عاملة لم يشك أحد في إخلاصها.

قالت: «أيها الرفاق، إني أشتغل في الجماعة الصناعية التي تقوم على صهر المعادن في نيقوبول، وها أنا ذا قد تبينت آخر الأمر لماذا نعيش في هذه المسغبة التي نعيش فيها، لماذا لا نجد نحن العمال بيوتًا لسكنانا، ولماذا نسير لا تسترنا ثياب تليق بنا؛ ذلك لأن هؤلاء الناس الذين هم من طراز «براتشكو» يتقلبون في النعيم، فلا يصيبهم شيء من المحن التي يقاسيها سواد الناس، فاطردوا هؤلاء المتلفين، وكفانا ما لقينا منهم من استهتار الساخرين!»

فاستثار كلامها المركز عاصفة من التصفيق والهتاف.

وأخيرًا وقف «براتشكو» يلقي كلمته، وكان يعلم أن قضيته خاسرة، وأن كلماته لن تفيد شيئًا في هذا الاجتماع الهائج، فهؤلاء الناس جياع مما يشبعهم من انتقام، وهم يريدون متنفسًا يصبون خلاله ما تضطرب به نفوسهم من أسباب السخط، بدأ «براتشكو» كلمته بأن ذكر لهم عشرين عامًا قضاها شيوعيًّا مخلصًا، وأنبأهم كيف استطاع قبل الثورة، أيام أن كان ضابطًا يحارب في الصفوف الأمامية، وبلشفيًّا يعمل للبلشفية من وراء ستار، كيف استمال الجند إذ ذاك إلى جانب قضية العمال، لكنهم قاطعوه بكلمات ساخرة وعبارات قذرة: «لا تلعب بعواطف الناس! كفانا ما سمعناه من هذه القذارات! اطردوه!»

فانحدرت العَبَرَات على وجنتي «براتشكو» الغائرتين، لكن أمثال هذه العبارات التي قيلت له، أثارت فيه روح القتال، فرفع صوته فوق أصوات المقاطعين، وما هو إلا أن ساد القاعة الفسيحة صمت الحائرين، صمت من أحسوا بما اقترفوه من ذنب، ورفع «براتشكو» قبضتيه فوق رأسه وقال: «أنا «براتشكو» حطمت بهاتين اليدين «قصر الشتاء» الذي كان مقرًّا لقياصرة الروس! لقد حاربت البيض كما حاربت كل من حاول الوقوف في سبيلنا! وها أنا ذا أحمل على جسدي اثني عشر جرحًا تلقيتها إبان الثورة! ثم أنفقت بعد ذلك خمسة عشر عامًا واصلت فيها العمل ليلًا ونهارًا، أنشئ ثم أنشئ ثم أنشئ رغم ما كان يعترض سبيلنا من عقبات كأداء.

وها أنا ذا الآن أقف بين أيديكم فأراكم تتحفزون لتمزيقي إربًا إربًا، لماذا؟ إنكم تلومونني على سيئات هي نفسها التي جاهدت في محوها جهادًا لم أدخر فيه جهدًا، إني لا أطلب إليكم شيئًا ولا أتوقع منكم شيئًا، فامضوا في سبيلكم وافرغوا من فعلتكم القذرة التي أنتم في سبيل إنجازها، إنني أعلم علم اليقين أنني قد انتهيت مهما يكن ما تقررونه في أمري ها هنا، لكنني أحب لكم أن تفكروا فيما أنتم صانعون، إني أترك أمري لضمائركم، فلن يغير شيء مما قلتموه، ومما قذفتموني به من سباب، لن يغير شيء من هذا حقيقة الواقع وهي أني من كل ذنب براء.

صدقوني أو لا تصدقوني يا رفاق، إنني أحب أهل هذه البلاد وإنها لوطني، لقد خاطرت بحياتي من أجلهم ألف مرة، فإذا ما أرادوا الآن أن يكافئوني بالقضاء على هذه الحياة بأيديهم، فسأتلقى جزاءهم بقلب الجندي الباسل، وهذا كل ما أردت أن أقول.»

وأُخِذَت الأصوات فكادت تُجْمِع على طرده، فتركت الاجتماع وسقت سيارتي إلى منزل «براتشكو»، حيث أدخلتني خادمته، وما هو إلا أن جاء كأنه الشبح تهتز كتفاه اهتزاز من ينهنه بالبكاء بغير دموع.

قال لي: «لقد أحسست أني سأجدك في انتظاري يا فكتور أندريفتش، وإني لأشكرك من أعماق قلبي، ولا تنسَ إذا ما سنحت لك الفرصة يومًا، وإذا ما كُتِبَ لهذا الجنون أن تهدأ ثورته، لا تنسَ أن تنبئ كل من يعيرك أذنًا مصغية أن ما رموني به لم يكن إلا أكاذيب رعناء.»

ولم يَدَعني أمكث في داره إلا بضع دقائق؛ لأنه لو رآنا رجال الشرطة السياسية معًا؛ لساء حالنا معًا، ولم يكن لديه شك في أنه سيقبض عليه، وكأن رجال القسم السياسي قد دبروا موافقة «شعبية» في هذه القضية قبل أن يبدءُوها؛ لأن ذلك مما يسهل عليهم مهمتهم في نيقوبول.

ولم يحضر «براتشكو» لمزاولة عمله في الصباح التالي، وسمعت أنه قرر السفر إلى «دنيبروبتروفسك»؛ ليستأنف الحكم لدى اللجنة الإقليمية، لكنه لم يجاوز في رحلته مدينة «زاباروزهي»، إذ أخرجوه هناك من القطار، ولم أرَه قط منذ ذلك الحين، ولا أعلم حتى اليوم ما مصيره، وحدث بعد ذلك بيومين أن قبض على زوجته وأختها أمين سره، ولم ينجُ من القبض إلا أمه العجوز ومعها بنت أخته وهي طفلة في عامها السادس كانت تعيش معهم، لكنهما أُخرجتا من الدار، وكان لهذه المأساة وقع شديد على نفس الأم العجوز، فراحت المسكينة تجوس خلال الطرقات في نيقوبول شهورًا عدة، تسأل الناس: هل رأيتم «عزيزي بيوتر» الذي «ضاع»؟ ثم ما هي إلا أن اختفت هي الأخرى عن الأنظار.

وفي الأسبوع نفسه استأنفت اللجنة المحلية نظرها في «قضية كرافتشنكو» من جديد، وكان الرأي السائد عني أني وشيك الوقوع، لكن نجمي السعيد لم يزل له سحره، وإني لأذكر أن «براتشكو» هو أول من ذكر لي هذا النجم الأسطوري حين وجدت ما كنت أفتقده من وثائق، فقد حدث ذلك اليوم نفسه أن نُشِرَت مقالة طويلة في الصفحة الأولى من جرائد نيقوبول، تتهم فريقًا من المهندسين في مصنعنا بتهم سياسية مختلفة، وخصوصًا بتهمة الإساءة إلى العمال، وكان على رأس المجرمين — بناءً على ما ذُكِرَ في المقالة — «ماكاروف» و«شايكفتش» وهما في طليعة من رماني بالاتهام!

وهكذا أرادت المعجزات أن تنحرف عني الضربة التي سُدِّدت إلى نحري، ولا شك أن «لوس» قد أحس بأنه من غير اللائق أن يعود إلى اتهامي الذي طال عليه الزمن، بعد أن وجه الاتهام إلى أكبر من كان يعتمد عليهم من شهود، ونسيت اللجنة قضيتي بعد أن أدخلتها في برنامج عملها، وتوجهت بعنايتها إلى هذا المثير الجديد، وطُرِدَ من الحزب «ماكاروف» و«شايكفتش» كلاهما، ولقد نُمي إليَّ فيما بعد أن نشر المقالة في ذلك اليوم بعينه لم يكن مصادفة، بل جاء تدبيرًا أحكمه «سلنين» الكهل وغيره من أصدقائي.

كان القبض على «براتشكو» مبعث تيارات جديدة من الخوف في أرجاء المصنع؛ إذ لا مندوحة لهؤلاء الذين كانوا على صلة وثيقة به، هؤلاء الذين اتخذهم له أصدقاء، لا مندوحة لهؤلاء عن الوقوع في أيدي الشرطة، خذ لذلك مثلًا رئيس المهندسين «فشنف» الذي أخذته حالة نفسية متشائمة سوداء، فلما أن قابلته ذات يوم في شأن مشكلة تخص العمل في القسم الذي كنت أشرف عليه، لم أكد أحادثه قليلًا حتى تبين لي أن عقله لم يكن في حالة سوية، فقد جلس إذ ذاك إلى مكتبه مرتديًا خير ما لديه من ثياب، ومرصعًا صدر سترته بوسام «لينين»، وأخذ يبكي بكاءً متصلًا كما يبكي الصغار.

قال لي: «ألست ترى يا فكتور أندريفتش أنهم إذا ما جاءوا ليقبضوا عليَّ، فسيقبضون بالتالي على «لينين»؟ لقد أمسك الناس عن التحدث إليَّ ولم يعد أحد يعترف بأني رئيس المهندسين، لم يعد يحدثني سوى لينين.»

وسمعت بعد ذلك بعامين من أحد أصدقائي أن عقل «فشنف» الذي اكتنفته سحائب الاضطراب، تفككت عراه تفككًا لم يُبْقِ له على شيء من صوابه لما لقيه من ألوان التعذيب، وظن رجال الشرطة السرية أن جنونه «حيلة» احتالها ليجتنب «الاعتراف»؛ ولذلك واصلوا تعذيبه حتى آمنوا بأن جنونه حقيقي لا تصنُّع فيه.

وذات مساء بعد ذلك الحين ببضعة أسابيع، أيقظوني من نعاسي لأرد على التليفون في بهو الفندق وهو في طابقه الأسفل، فارتديت ثيابي ونزلت، وإذا المتحدث هو «جرشجورن» يأمرني بالذهاب إلى القسم السياسي على عجل.

فعاودت الجلوس في مكتبه الذي أشبه عيادة الجراح، وحسدته على ما بدا في وجهه من لمعة تدل على الصحة والراحة، فيا ليت حيويتي الجسدية التي كانت لي فيما مضى تعود … فانقطاع النوم الذي بلغ حدته والهم والفوضى الموئسة التي ضربت أطنابها في المصنع، كل ذلك امتص قوتي وتركني في حالة من امتعاض النفس وضعف الجسد.

قال «جرشجورن» وكأنه يُزْهَى أمامي بصحته ونشاطه: «لنبدأ في حديثنا القصير، وآمل أن تكون أكثر من المرات السابقة سداد رأي، وأكثر تعاونًا.»

– «ماذا تريد مني؟»

فضرب بيده على المنضدة ولوَّح بيده في وجهي وصاح قائلًا: «نحن هنا نسأل الأسئلة، وليس لك إلا أن تجيب عنها، أتفهم ما أقول؟»

– «أفهم … ولكني أحب أن أذكرك أني لم يُلْقَ القبض عليَّ بعدُ، وأني ما زلت عضوًا من أعضاء الحزب، لي ما للعضو من مكانة …»

– «هذا لا يعنينا هنا، فأنت في نظرنا متلاف، وها أنا ذا أعيد السؤال عليك: ماذا تعرف عن مناشط «إيفانتشنكو» في سبيل الإتلاف؟ لقد أمهلتك وقتًا يكفي للتفكير في الجواب.»

– «لا علم لي بشيء.»

– «اسمع يا «كرافتشنكو» إنه لخير لك، وأهون عليَّ إذا ما استطردت معي في الحديث، إن لدينا لطرائق وأساليب تحمل الناس على الكلام بحيث تحيلهم إلى طراوة الحرير وليونة الزبد، أتفهم ما أقول؟» وهنا كان صوته يرن رنين الشهوة، وكدت أقول رنين الغزل.

«لو أنك عرفت قيمة وجهك المليح — فلست بقبيح المحيَّا — لكنت لنا أكبر عونًا من موقفك هذا …»

– «أنا أقول الصدق، ولا أستطيع أن أحدثك بأشياء لا أعرفها، أو بأشياء أفتريها عليك كذبًا.»

– «إذن فلست تريد الكلام؟»

هنا دق التليفون، وكان طالبه هو «دوروجان» — كما قال لي جرشجورن — ولذلك طلب إليَّ أن أتفضل بانتظاره في البهو، وخرجنا معًا من غرفته، وسُلِّمت إلى شرطي في حلته الرسمية.

قال جرشجورن: «خلِّ هذا المواطن في انتظاري.»

وكان في البهو إذ ذاك أربعة رجال أو خمسة، أداروا وجوههم إلى الحائط وشبكوا أيديهم وراء ظهورهم.

فدفعني الشرطي دفعًا تجاه أولئك الرجال وقال: «أيها المواطن، اذهب معهم وقف مثل وقفتهم.»

– «لكنني لست سجينًا، فأنا هنا بطلب من الرفيق جرشجورن.»

– «اخرس، اصنع ما آمرك به، واجه الحائط وشبك يديك وراء ظهرك، وإياك أن تدور برأسك إلى خلفك، كلا، ولا تسند رأسك إلى الحائط.»

فوقفت بالقرب من هؤلاء الرجال، ولم يكن في مقدورنا أن يرى بعضنا بعضًا في نور البهو الخافت، ولا كان في مستطاعنا أن نعلم شيئًا عما يدور وراء ظهورنا، ووقفت هناك أربع ساعات، جاء خلالها ناس آخرون ووقفوا في الصف، وكنت قد سمعت بهذا الضرب من التعذيب، وهو من أهون ألوان التعذيب التي يحتويها قاموس القسم السياسي، وها أنا ذا أعانيه في جسدي عذابًا.

ويستحيل على إنسان لم يرغم على مثل هذه الوقفة التي يواجه فيها عدمًا ساعة بعد ساعة، أن يتصور ما عساه شاعر به إذا ما وقفها، فيداك وذراعاك وقدماك تزداد ثقلًا، وتزداد تصلبًا كلما مرت عليك دقيقة وتحس كأن كل جزء من جسمك، كل إصبع فيه، كل مفصل من كل إصبع، كأنه شيء منفصل له ثقله عليك … فتحس من الهموم التي تسحقك سحقًا أحمالًا فوق أحمال، وتشعر أنك لا تستطيع احتمال هذا العبء، ومع ذلك تظل حاملًا إياه …

وجاءت من الغرف التي تُفْتَح على البهو صرخات تحطم القلب تحطيمًا، جاءت من تلك الغرف صرخات ولعنات، وصوت ضربات ووقْع أجساد على الأرض، ففي تلك الغرف أشخاص يُسألون ويُضربون ويتهددونهم بالويل، ولست أدري كم وقفت وقفتي تلك حين سمعت وقع أقدام وأصواتًا آتية من طرف البهو، وأخذ رجل يغني:

لقد أينعت في بستاننا شجرة التفاح
فامتلأت قوة وشذى ورقة.

فصاح شرطي: «سد حلقك هذا، تالله لأجعلن جسمك أنت يانعًا إذا لم تسد هذا الحلق.»

– «لا فائدة من صياحك له، فهو مجنون جنونًا مطبقًا.»

هكذا قال قائل للشرطي، إذ كانت تلك الجماعة من الناس تبعد عنا إلى حيث لا أدري.

تندى جسدي بعرق بارد، وسالت من عيني دموع الإذلال دون أن أشعر بها، وأحسست في جسدي كله إحساس مَن يريد لجلده حكًّا، حتى لم أعد أحتمل ما أحس به، فلما فككت يدي لأحك جلدي، أمرني الحارس أن أعيد يديَّ كما كانتا وإلا هشَّم لي رأسي تهشيمًا، وكأنما أراد أن يوضح لي ما أراد بتهديده ذلك، فسمعت عواءً لا يشبه ما تسمعه على هذه الأرض من عواء، عواء يكاد يستحيل أن يكون مصدره إنسانًا من البشر، وسمعت هذا العواء آتيًا من خلفي من مكان لا أدري أين كان … وأخذ ضوء النهار يتسلل إلى البهو فقد رأيته منعكسًا على الحائط الرمادي.

– «تعالَ يا كرافتشنكو، وإني لآسف على إطالة أمد انتظارك، فلدينا من الأعمال أكداس، لدينا منها أكداس.»

وكان المتكلم هو «جرشجورن»، كان يتكلم في صوت عذب مرح، فأدرت له وجهي ثم تبعته وكأني في غشية لا أعي، وجلست في مكتبه، لكني لم أحس في جلستي بالراحة تعود، بل كنت كأنني لا أزال واقفًا، كأنني لا أزال مسمرًّا إلى الأرض بأحمال فوق أحمال من التعب، وأخذ «جرشجورن» يسألني أسئلة، فلم أسمع منها إلا كلمات متفرقة، لم تحمل إليَّ معنًى مفهومًا.

– «حسن، اذهب الآن إلى دارك ونم قليلًا فأنت في حاجة إلى النوم، وسأعود إلى طلبك من جديد … بعد فترة وجيزة، ولا تنسَ أن هذه الأحاديث القصار ليست من شأن أحد غيرك وغيري، إنها سر مكتوم بيننا، فإذا ما أفلت منك شيء عنها لأحد؛ فستندم ولات ساعة مندم.»

فلما عدت إلى الفندق، غسلت جسدي بماء في برودة الثلج واستلقيت في غير نعاس على سرير لم يجد من ينظم فراشه حتى جاءت ساعة العمل، وهناك وجدت رسالة من القسم السياسي في انتظاري، تأمرني بالذهاب إليهم في منتصف الليل.

وكان «جرشجورن» في تلك الليلة مؤدَّبًا على نحو لم أعهده، بل كاد في أول الأمر أن يكون إزائي كما يكون الصديق الصدوق إزاء صديقه، وذهب في ذلك إلى حد أن قدم إليَّ شايًا وفطائر، لكني أبيت قبولها، فقال لي: إني أعامله في غير رأفة أو لياقة، وأضطره اضطرارًا أن يسلك نحوي سلوك الوحش الكاسر، مثال ذلك: حين أطال أمد انتظاري في البهو، مع أنه في حقيقة أمره لم يكن أبدًا هذا الوحش الكاسر، وسألني هل تظن منصبي هذا مما يبعث في النفس متعة؟ هل تظنني أستمتع بأداء مهمتي؟ ولكن ماذا يفعل إنسان خلقه الله ذا شعور قوي بواجبه؟

ثم قال: «إنك الليلة تستطيع أن تعاوننا بعض العون يا كرافتشنكو، وسيقدر لك القسم السياسي ما تقدمه له من صنيع، كما سيقدر لك الحزب هذا الصنيع، ولن نطلب إليك فنسرف في الطلب.»

– «وأي عون تريدون؟»

– «لا شيء سوى توقيعك، توقيعك الذي تكتبه مخلصًا حرًّا بوصفك مهندسًا، ومديرًا من رجال السوفيت، وعضوًا في الحزب، وسترى أن الأمر خطير لأنه يتعلق بأمر الدفاع، فلقد أرسل مصنعكم أنابيب إلى مشروعات الدفاع الكيميائية في صناعتها شوائب، وليس الخطأ في ذلك خطأك أنت بالطبع، إذ لم تكن أنت الذي صنع المعدن، والأمر غاية في الوضوح، فهو تآمر منظم على الإتلاف بدأ في موسكو وأخذ يهبط حتى وصل إلى خاركوف ثم إلى «زابوروزستال» حيث مدير المصنع «روجوشفسكي» كان عدوًّا للشعب وهو الآن مقبوض عليه، وهنالك صهر المعدن الذي أرسل إليكم لصناعة الأنابيب.»

فلم ألبث أن أتبين أن الفكرة كلها وهم شنيع خلقه خيال الشرطة، فالمعدن الذي كان يُرْسَل إلينا كثيرًا ما كان معدنًا من طبيعة رديئة، ولطالما بعثت في ذلك التقارير والاحتجاجات، وكان «براتشكو» و«فشنف» يشعران أحيانًا بشيء من اليأس في إصلاح هذا الخطأ، لكن كان في الأمر أخطاء فنية بسيطة يعرفها كل المعرفة «أورزنكدز» و«بياتاكوف» و«إيفانتشنكو»، وهي أخطاء مبعثها قلة الخبرة عند العمال القائمين على صهر المعادن، لا سوء النية.

فقلت: «أولًا يا رفيقي جرشجورن لست أبدًا على يقين من أن شوائب المعدن ورداءة صنفه يرجعان إلى إتلاف مقصود، وثانيًا أود أن أقرأ هذه الوثيقة التي تريدني أن أوقعها.»

– «ها هي ذي اقرأها كما تشاء.» وناولني حزمة من أوراق تقرب من عشرين ورقة كبيرة ضُرِبَت على الآلة الكاتبة في أسطر متلاصقة.

فأخذت أقرؤها على مهل ساعة أو نحوها، وكلما مضيت في القراءة تعاورتني موجات من حرارة وبرودة، إذ وجدتها مزيجًا عجيبًا من أنصاف الحقائق والأكاذيب الصريحة، تألف بعضها مع بعض على نحو يدل على حرص وذكاء، بحيث كان منها في النهاية نموذج طيب «لمأساة مضحكة» حبكت خيوطها حبكًا محكمًا، ولكي تتخذ الوثيقة صبغة الصدق، ذُكِرَت فيها أسماء هنا وهناك، عرفت منها كثيرًا، إذ كان بينها أسماء لأعلام المهندسين في صناعتَي الكيمياء والصلب في بلادنا، وأخرى لمديري مصانع ورؤساء عمال؛ وكان بينها كذلك اسم «إيفانتشنكو» وأسماء موظفين يعملون في إدارات مختلفة، واسم «بياتاكوف»، وبالجملة كان فيها «مزيج» عجيب من قوم مشهورين وآخرين مغمورين.

كانت القصة المؤلفة في تلك الوثيقة تجري مع سياق منطقي خاص، إذ كانت أطرافها تتسق بعضها مع بعض، على شرط أن تسلم تسليمًا أعمى بصحة المقدمة التي بُنِيَت عليها القصة، ألا وهي أن هؤلاء الناس الذين تمسهم حوادث القصة، من المشهورين الأعلام في الهيئات العليا في موسكو، إلى عمال الصهر في «زابارزهي» ورؤساء العمال في نيقوبول، كانوا جميعًا يؤلفون مؤامرة واحدة، كل أعضائها تناولهم التدريب المتقن، وتميز أعضاؤها جميعًا بالجرأة ومهارة الشياطين.

فلما فرغت من قراءتها قلت: «لا أستطيع توقيع مثل هذه الوثيقة، لقد صنعت أنابيب من الصلب الذي أُرْسِلَ إليَّ، وكان الصلب أحيانًا مشوبًا بشوائب، هذا كل ما أعرفه وهذا كل ما يمكنني أن أوقعه.»

– «جد جميل، لماذا إذن وقَّعها رجال هم من خيرة الأساتذة في البلاد أو في الطليعة بين مديري المصانع، هل تضع نفسك في منزلة فوق منزلة هؤلاء في الخبرة والتخصص؟»

والحق أن الوثيقة كانت تحتوي على توقيعات لطائفة من علماء السوفيت البارزين والمهندسين النابهين، وكان الحكم الذي أجمع عليه رأيهم هو «الإتلاف المقصود»، لكني لم أجد عسرًا في أن أصوِّر لنفسي كيف حصلوا من هؤلاء الناس على توقيعاتهم، غير أني في هذا الصدد لم يكن في وسعي سوى أن أكرر أنني لن أشهد على شيء ليس لي به دراية شخصية.

فقلت: «لا مانع عندي من الشهادة بأن المعدن كان مشوبًا، إذا أردت مني مثل هذه الشهادة!»

– «هل تهاذرني بنكاتك الآن يا «كرافتشنكو»؟ أنسيت أين أنت الآن؟ شوائب! لسنا نريد منك شهادة على ذلك، وإنما نريد منك إثباتًا لتهمة الإتلاف؛ لأن إنتاج الأنابيب كان تحت إشرافك.»

فلبثت صامتًا، وأخذ «جرشجورن» يحاج ويصرخ في وجهي حتى مطلع الفجر، وأخذ يقرأ لي فقرات ويبين لي كيف أن الأمر من «البداهة» بمكان، وهو أن المتهمين كانت عندهم نية الإتلاف، لكني لم أرَ إلا شيئًا واحدًا رؤية البداهة — على الرغم مما كان يغشاني من تعب — وهو أن القسم السياسي في نيقوبول قد أُمر أن يحصل مني على توقيع هو في حقيقة الأمر بمثابة اعتراف مني غير مباشر، إذ كانت شهادتي تلك حلقة مفقودة في سلسلة الحلقات التي فرضها لهم خيالهم الجامح، فإذا ما وافقتُ على سد هذه الثغرة الشاغرة بحيث تتم للسلسلة حلقاتها، فقد أوقعت نفسي في شباكها، وإذن فلم أصدر عن بطولة حين رفضت التوقيع، لكني رأيت في جلاء أن توقيعي معناه إمضاء تصريح بموتي.

وأخيرًا طلب إليَّ الخروج وشيَّعني بالشتائم التي أخذ يلحق بعضها بعضًا، وتوعَّدني الويل إذا لم أفكر في الأمر مليًّا.

وعلى هذا النحو مضت شهور طوال، فأُسْتدعى إلى رياسة القسم السياسي ليلة بعد ليلة، حيث يعاودون استجوابي وتوعدي ووعدي بأساليب الإغراء، ولقد دبروا لي هذه المحنة — محنة انقطاع النوم عني — ليحطموا كياني، فكنت أعمل طيلة النهار فلا أسمح لنفسي بالتراخي في منصبي الجديد؛ لأن أي خطأ أو فشل سيفسرونه بأنه «دليل» جديد على تهمة الإتلاف التي رموني بها، ثم كنت أنفق معظم الليل في مثل ذلك التعذيب.

وأخذ دولاب العدالة في الحزب يدور بعجلاته إبان ذلك الوقت، إذ رفعت لجنة تحقيق جديدة تقريرها وهي كارهة بأن التهم الموجهة إليَّ تدحضها الأسانيد، وأيَّد رئيس اللجنة «كوندراشين» ما كان «فيلين» قد حكم به في قضيتي، وعلى الرغم من أن هذا الأمين الجديد كان وصوليًّا جبانًا، فإنه لم يأسف لهذه النتيجة التي انتهت إليها لجنة التحقيق، فانتظر حتى خلا المكان من الناظرين وضغط على ذراعي مهنئًا، وكنت حينئذٍ لا أزال معدودًا من أعضاء الحزب، بل كنت من الوجهة النظرية معدودًا من «خيرة الخيرة» ومن الصفوة الممتازة بين حكام البلاد.

لكن هذا التعذيب الليلي البغيض لم ينقطع عني، وأخذوا يقذفونني بتهم جديدة كل مساء، فمثلًا: ما صلاتي بهؤلاء «الكلاب الوحوش»: مارجولين وبراتشكو وفشنف وإيفانتشنكو وفيلين وروزنجولتز؟ ألم يحدث أني وقفت إلى جانب دوبنسكي «الجاسوس المنشفي»؟ ألم أهيئ أسباب المعونة والراحة ﻟ «الجاسوس الفاشي» زلمان؟ وكان كل اسم جديد من هذه الأسماء وكل موضوع جديد من هذه الموضوعات يتيح لجرشجورن مادة جديدة يظل فيها ساعات مستجوبًا ومهددًا، حتى لقد دار رأسي دوارًا وأصاب حواسي الخدر وأحسست بالألم في كل أعصابي وعضلاتي.

إن من حارب في حومات القتال من الجنود ليعلم كيف يكون أثر اليقظة التي لا يتخللها النعاس، فقد شعرت بما يشعر به السابح على الماء وقد أبعده الجزر عن الشاطئ مسافة طويلة، فأخذ يحرك أطرافه في تهافت، ولبث سابحًا على سطح الماء، لكنه كلما لطمه الموج لطمة آلمته، تدفقت من جسده آخر قطرة من قطرات قوته.

وحدث ذات مساء أن تركوني واقفًا في البهو أربع ساعات أو خمسًا أواجه الحائط، وبعدئذٍ أذن لي جرشجورن بالعودة إلى منزلي بغير استجواب، قائلًا: إنه يأسف إذ لم يجد في وقته فسحة للمضي في «محادثتي»، ثم رماني في الليلة التالية بتهمة جديدة لم تُذْكَر قط من قبل.

– «ألم يسكن معك يا كرافتشنكو رجلان أمريكيان؟»

– «نعم، كانا يعاوناننا في تشغيل بعض الآلات الأمريكية.»

– «ولماذا أسكنهما الخائن «براتشكو» معك أنت بالذات، ولم يختر سواك؟»

– «ربما كان ذلك لأني أعزب وكنت أسكن وحدي في منزل كبير.»

– «قل لي: ألم يحدث قط أن شكوتَ لهذين الأجنبيين من نظام الحكم السوفيتي؟»

– «كلا بالطبع لم أشْكُ لهما شيئًا، وهما لا يزالان في الروسيا وتستطيع أن تحقق ذلك.»

– «لا تقل لي ماذا أستطيع أن أصنعه، فقد سئمت وقاحتك، ماذا كان يربطك بهذين الأمريكيين من صلات سياسية؟»

– «لم يكن بيني وبينهما أية صلة سياسية، ولقد عاملتهما معاملة رقيقة كما كان يحتم عليَّ واجبي أن أفعل.»

– «لكن إيفانتشنكو هو الذي أمر بتوريد تلك الآلات من الولايات المتحدة.»

– «نعم.»

– «وإذن فمن الجائز أن يكون إيفانتشنكو والمصنع الأمريكي قد دبرا معًا خطط الإتلاف.»

– «لا علم لي بشيء من ذلك.»

– «لا علم لك؟ فأنت في براءة الحمل وسذاجته، ولكن …»

وهنا أخذ يتكلم في هدوء وفي نغمة المنذر بالويل كأنه على وشك أن يفصح عن حقيقة تحطم بنياني تحطيمًا، «لكنك زرت هذين الأمريكيين في خاركوف، أليس كذلك؟»

– «نعم، لاقيت أحدهما مصادفة في الطريق فألح في أن أذهب معه إلى فندق كرازنايا، ولم أستطع رفض دعوته دون أن أخرج على حدود اللياقة.»

– «ثم قابلتهما مرة أخرى في فندق بموسكو؟»

– «كلا، فقد كنت آكل في فندق متروبول وحدي، وكان الأمريكيان على منضدة أخرى في الجانب الآخر يشربان مع فتاتين، فناديا باسمي في قاعة الأكل، ولم يكن أمامي سبيل سوى أن أذهب إليهما وأقبل ما قدماه لي من شراب، فجلست معهما خمس دقائق أو نحو ذلك ثم انصرفت.»

– «ولماذا طار أحد صاحبيك الأمريكيين في رحلة مفاجئة إلى استوكهلم؟ ولماذا أحضر لك هدية؟»

– «كل ما أعلمه هو أنه ذهب هناك لشئون خاصة، ولم يكن ثمة ما يبرر أن ينبئني بأسباب سفره، وأما عن الهدية فقد كانت قطعة من الصلب الخاص ومواد أخرى خاصة بقياس الحرارة مما لم يكن في وسعنا صناعته في بلادنا، فكان ذلك منه فضل أسداه إليَّ وإلى مصنعنا.»

– «لكنه إلى جانب ذلك أحضر إلى «إيفانتشنكو» تعليمات في مناهضة السوفيت، أحضرها من دوائر تقاوم تعاليم الثورة في استوكهلم، أليس كذلك؟»

– «لا علم لي بشيء من ذلك.»

استغرق استجوابي عن الأمريكيين بضع ساعات، وإذا الباب يفتح فجأة ويدخل «دوروجان» بجسمه القبيح وهو في سورة الغضب، وكانت شفتاه الغليظتان منحرفتين في هيئة بغيضة، ووقف له «جرشجورن» احترامًا.

– «جرشجورن، كم من الوقت تبغي أن تنفقه في تركك لهذا المتلاف فرصة أن يلُفَّك حول خنصره؟ أأنت شرطي من القسم السياسي أم خرقة بالية قذرة؟ لقد أخطأنا كل الخطأ في عدم القبض عليه منذ عام مضى، بدل التهاون مع اللجنة المحلية بحيث تركناها تخبط في قضيته.»

فبدت علامات الفزع على «جرشجورن» ولم يكن خافيًا أنه يرتعش في حضرة رئيسه.

– «يا رفيقي الرئيس، لقد بذلت كل وسعي، وجعلته مادة عملي كل ليلة مدى شهر كامل، فإذا أردت أن نستخدم معه أساليب أشد صرامة …»

فأهمله «دوروجان» وجعل ينظر إليَّ من عليائه.

– «حذار يا كرافتشنكو وإلا نزلت بك الإصابة في الصميم!»

قال ذلك وخرج وهو يضرب الباب من خلفه ضربة قوية، فلما أطلق «جرشجورن» سراحي بعد ذلك بساعة أو نحوها، قررت بيني وبين نفسي أن أتحدث إلى «دوروجان» إذ أردت لهذه المحنة أن تنتهي على أي وجه من الوجوه، فأعطيت اسمي للحارس الواقف عند بابه، وجاءني الإذن بالدخول.

فصاح بي دوروجان: «هيه، ماذا تريد من لعنات الجحيم؟»

– «أردت أن أسألك ماذا تريدون مني، لقد قاسيت العذاب أمدًا طويلًا … وفي كل ليلة يطلعون عليَّ باتهام جديد من نسج خيالهم، إنك يا رفيقي «دوروجان» عضو في مكتب اللجنة المحلية، وتعلم أني بُرِّئت مرتين، وإني لألتمس منك باعتبارك شيوعيًّا …»

– «باعتباري شيوعيًّا!» صاح بهذه العبارة وهجم عليَّ كأنه الثور الهائج، ولطمني بكفه على خدي لطمتين، وجذبني من حلقي وجعل يضغط بأصابعه حتى أختنق، وجعل في الوقت نفسه يهزني هزًّا عنيفًا ذات اليمين وذات اليسار، وكان رجلًا قويًّا فكانت يداه مقابض من حديد زرَّت على حلقي شيئًا فشيئًا واشتد زرُّها، حتى أخذ كل شيء يسود في عيني …

– «اخرج قبل أن أفتك بك!» سمعته يقول هذه العبارة قبل أن يدفعني من باب غرفته دفعًا.

فترنحت حذاء الحائط وظللت هناك بضع دقائق حتى تراخت عن عنقي قبضة الحديد، ولا أكاد أدري كيف استطعت الرجوع إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه، وصعدت السلم في ألم ثم ارتميت على السرير واستغرقت في نُعاس عميق.

وذات يوم حول الساعة الواحدة بعد الظهر، انفتح باب مكتبي ودخل «جرشجورن» وهو ينفض الثلج عن معطفه، فقلت لنفسي: «لقد جاء ليمسك بك!»

– «أهلًا يا كرافتشنكو.» هكذا قال فجاءت كلمة «أهلًا» باعثًا على الاطمئنان «أين المهندس فالنتين بتشكوف رئيس معملكم الكيميائي؟»

– «هو الآن في قسم الصب إذ يشتغلون الآن في الصاهر الكهربائي.»

– «ابعث في طلبه حالًا، حالًا، ولا تقل له السبب.»

فطلبت «بتشكوف» على المسرة واستدعيته للقائي، فقال: إنه لا يستطيع أن يترك عملية الصهر، وتوسل أن أمهله حتى يفرغ من مهمته.

– «أنا آسف، فاترك كل شيء لأن الأمر هام.» قلت ذلك وأنزلت السماعة.

وسألت جرشجورن: «هل لي أن أعرف لماذا جئت تطلب بتشكوف؟ لأنه على كل حال ممن يقعون تحت رياستي.»

– «اسمع يا كرافتشنكو، ألم يكن ما أنزله بك دوروجان تلك الليلة درسًا كافيًا لك؟ إنك عسير الترويض، تعالَ إلى مكتبي الليلة في الساعة الحادية عشرة.»

– «ألا يمكن أن أستريح ليلة واحدة فأنام؟»

– «وقِّع ما نريدك أن توقعه، وتعاون معنا قليلًا، تنم ملء جفنيك.»

وجاء «بتشكوف» وهو لا يتوقع لنفسه شرًّا، وكان مرتديًا ملابس العمل، يتصبب عرقه ويلوث وجهه الرماد.

– «نهار سعيد يا فكتور أندريفتش.» قال لي ذلك محييًا ثم لحظ زائري ولم يكن بعدُ يتوقَّع لنفسه شرًّا، فأضاف إلى تحيته تحية أخرى: «نهار سعيد يا رفيقي جرشجورن.» ومد بده ليصافح جرشجورن، لكن جرشجورن أغضى عن يده.

– «لا تخاطبني بكلمة «الرفيق» أيها المتلاف!»

– «ما الخطب يا رفيقي جرشجورن؟ ألست تعرفني؟»

– «أعرفك جيدًا، ما اسمك؟»

– «بتشكوف.»

– «وما أسماؤك الأولى؟»

– «فالنتين إيفانوفتش.»

– «أنت مقبوض عليك بتهمة التخريب، تعالَ معي!»

– «لكن ماذا جرى؟ لست أفهم شيئًا.»

فأخرج جرشجورن مسدسه وصوبه نحو سجينه وقال: «اعتدالًا! إلى الأمام سر.»

فسار المهندس الشاب وهو في حيرة من أمره، يتبعه موظف القسم السياسي.

فأقفلت باب مكتبي إذ لم تعد لديَّ ذرة من قوة، أليس من الخير أن أوقع على أي شيء وكل ما يريدونني أن أوقعه؟ ما فائدة العصيان؟ أي فرصة أرجو إزاء هؤلاء الغلاظ الذين أسكرتهم القوة؟

ولم تمضِ بعد ذلك ساعة حتى جاءت زوجة بتشكوف الشابة تريد لقائي مستصحبة معها طفلتهما التي كانت في عامها الثاني من عمرها؟ جاءت زوجة بتشكوف — وإنها لذات جمال — جاءت تبكي بكاءَ مَنْ مسها جنون، وكانت ابنتها تبكي كذلك، فأردت أن أسكتهما وأن أنزل الطمأنينة عليهما … فلما كان الليل، كنت مزدوج التعب لما شهدته من حوادث اليوم فضلًا عما كنت أعانيه من متاعبي الخاصة، ومع ذلك قضيت جلسة استجوابية طويلة كانت شديدة الوقع على أعصابي فزادتها توترًا على توتر.

وجاءتني زوجة بتشكوف مرة أخرى بعد ذلك بثلاثة أيام أو أربعة، فيظهر أن قد ضاع من مكتب زوجها آلة تصوير وساعة توقيت وغير ذلك من أدوات المصنع مما كان زوجها يحتفظ به في مكتبه، فأبى القسم المالي أن يدفع لها استحقاق زوجها السجين حتى تردَّ الأدوات الضائعة، فناديت مساعد بتشكوف، وسألته فأقسم إنه لا يعلم من أمرها شيئًا، لكني شككت شكًّا قويًّا في أنه سرقها، واضطررت أن أتصل بجرشجورن مدفوعًا إلى ذلك بحالة المرأة وطفلتها.

– «أرجوك أن تسأل بتشكوف أين وضع آلة التصوير والساعة وغيرهما من أدوات.» هكذا قلت لجرشجورن متوسلًا.

فأجابني جرشجورن قائلًا: «سله أنت، تعالَ من فورك وسآذن لك بالحديث معه.»

ولم أدرِ لماذا أراد أن يدبر هذا اللقاء بيني وبين المهندس الكيميائي السجين، ولم تمضِ ساعة حتى كنت في القسم السياسي، فدق جرشجورن الجرس للحارس وأمره أن يحضر السجين «من الزنزانة»، وما هو إلا أن عاد شرطيان وبينهما «بتشكوف» لا تكاد تعرفه من هيئته، فاهتز جسمي لرؤيته، كان وجهه متورمًا مليئًا بالكدمات، وإحدى عينيه مقفلة، وكانت حلة شغله — وهي الحلة التي قبض عليه وهو مرتديها — ممزقة ملوثة بالدماء، ويداه كانتا مضرجتين بالدم، وفاحت منه رائحة كريهة، هي رائحة السجن والمرض، فلم أصدق أن هذا المخلوق المحطم هو بعينه ذلك المهندس الشاب الوسيم الذي جاء إلى مكتبي منذ أيام قلائل.

وعرفت لماذا طلب إليَّ جرشجورن الحضور، فقد أراد أن يطلعني على لمحة مما يحدث لأولئك الذين يرفضون «التعاون» معه.

فقلت وأنا أميل بنظراتي عن هذا المنظر الموئس: «أين تركت آلة التصوير وساعة التوقيت وغيرهما من أدوات المصنع يا فالنتين إيفانوفتش؟»

فأجاب في صوت متهدج، صوت الرجل وهو يعاني من ألم: «كل هذه الأشياء يا فكتور أندريفتش تركتها عند مساعدي، فقد كان يستخدمها في العمل.»

– «شكرًا، فذلك كل ما أردت أن أسألك عنه.»

– «فكتور أندريفتش … زوجتي وابنتي … حبيبتي المسكينة ماريوزا …» قال ذلك وأخذ يبكي بصوت مسموع.

فضرب جرشجورن على سطح مكتبه بقبضة يده التي يغطيها الشعر وقال: «حسبنا هذا يا بتشكوف، لسنا نريد هذه الحركات المسرحية وإلا بدأنا ترويضك من جديد، فما أظنك قد بكيت حين سمَّمت العمال الذين يشتغلون في قسمك، اخرج من هذا المكان.»

وإذن فتلك كانت التهمة التي وُجِّهَت إلى «بتشكوف»، فقد كنا منذ عهد قريب نشتغل في صناعة أنابيب من صلب ساذج وكان لا بد من نقشه بحامض النيتروس في أحواض من الخشب لم تُعَدَّ لذلك، فبين بتشكوف للعمال ما يجب أداؤه وفقًا للتعليمات التي تتبعها كل المصانع، فحدث لأربعة من العمال أن خالفوا تعليماته فأصابهم تسمم ونُقِلُوا إلى المستشفى، وها هم أولاء — فيما يظهر — يتهمون بتشكوف «بتسميم» العمال عن عمد! فكانت هذه أحدث التهم ابتكارًا، والغاية المقصودة منها هي حشد العمال لمناهضة المهندسين، ولم تكن التهمة غير معقولة فحسب، بل كانت ضربًا من الجنون.

ولما عدت إلى المصنع استدعيت مساعد «بتشكوف» الذي كان رجلًا من رجال الحزب، في حين لم يكن «بتشكوف» من رجاله، فأنذرته بإرساله إلى القسم السياسي بتهمة السرقة إذا لم يرد الأشياء المفقودة إلى مكتبي في عشر دقائق، فما مضت دقيقتان حتى كانت تلك الأدوات على مكتبي، ولما جاءت زوجة بتشكوف لتأخذها فتسلمها إلى مكتب الإدارة أنبأتها أني رأيت زوجها.

وكذبت قائلًا: «فالنتين بخير وتبدو عليه علامات الراحة، وبالطبع قد استوحش لغيابك عنه، لكنه طلب إليَّ أن أطمئنك فلا تأخذنك الهموم، وهو يرسل لك ولابنتك حبه وقبلاته.»

وماذا أقول غير ذلك لتلك المرأة المنكودة؟ فشكرتني وانصرفت، ولم أرها قط بعدئذٍ، ولست أدري ماذا أصاب زوجها.

ظللت معظم أيام الخريف لا يؤرقني القسم السياسي أثناء الليل إلا في فترات متقطعة، فلما اقترب عام ١٩٣٧م من ختامه، استأنفوا محاكمتي على نحو موصول غير مقطوع، ولم يتعذر عليهم قط أن يجدوا موضوعات جديدة ﻟ «التحدث» معي فيها، فكلما قُضِيَ بالفصل على طائفة جديدة من رجال الصناعة استتبعت مضاعفات كان لا مندوحة لهم عن طلب شهادتي فيها، وعندئذٍ فقط خطوت الخطوة التي طالما اجتنبتها خشية الإساءة إلى رجال التحقيق.

كتبت لهيئة المراقبة من اللجنة المركزية العليا في مقر فرعها الكائن بمدينة دنيبروبتروفسك، أشكو لها ما يصيبني من مطاردة بتهمة الإتلاف التي لا يؤيدها دليل، ولم أذكر في شكواي القسم السياسي؛ لأنهم أنذروني مائة مرة أن أحفظ هذه المحاكمات الليلية سرًّا مكتومًا حتى عن الحزب، فهيئة المراقبة — من الوجهة النظرية على الأقل — من واجبها أن ترعى حقوق أعضاء الحزب وتحافظ لهم على كرامتهم، وبنيت طلبي من الوجهة الشكلية على التأنيب الذي وجهوه إليَّ وأثبتوه في صحيفتي، فطلبت إلى الهيئة أن تمحو عني هذه الوصمة.

فجاء محقق بعد أيام قلائل، فقال لي: إن اللجنة المحلية قد برأتك فلماذا تشكو؟

فقلت له: «لا يزال ثمة تأنيب مثبت ضدي وينبغي أن يزول، وأحب أن تراجع هيئة المراقبة ما يوجَّه إليَّ من تهم.» ولخصت له التهم الرئيسية التي يقذفونني بها ليلة بعد ليلة.

فأنفق المحقق عدة أيام يتنقل فيها من هنا إلى هناك ويقابل هذا وذاك في إدارة الحزب وفي المصنع، ثم سافر، لكن استجوابي الليلي مضى في طريقه لا ينقطع إلا نادرًا، فنحل جسدي والتهبت عيناي التهابًا دائمًا، ولم يكد أصدقائي الذين غابوا عني مدة طويلة يعرفونني إلا في مشقة.

وكانت نيقوبول في ذلك العهد غاصة باللافتات عن «الانتخابات الديمقراطية» الأولى في الروسيا في ظل الدستور السوفيتي، فكان المفروض أن يباشر أهل الروسيا في الثاني عشر من ديسمبر عام ١٩٣٧م حقهم الذي يفاخرون به، وهو انتخاب أعضاء الهيئة السوفيتية العليا بطريقة الاقتراع السري، وكانت الإعلانات المعلقة على الجدران والصحف ومكبرات اللاسلكي في شوارع نيقوبول وفي مصانع التعدين ومناجم المنجنيز تنشر هذه الأخبار السارة نشرًا يهتز له الفضاء.

«اجتمعوا حول الحزب وأيدوه! صوِّتوا في جانب الحياة الاشتراكية السعيدة! لا ينبغي لأحد أن يتهاون في استعمال حقه في الاقتراع السري! أمعن الدساتير في روحه الديمقراطية! فليحي رائدنا وزعيمنا المحبوب الرفيق ستالين!»

فكان كل هذا يلوح لي مهزلة ساخرة من آلامي وآلام ملايين الناس غيري، وبالطبع لم ينظر أحد إلى هذه «الانتخابات» نظرة الجد، فشأنها شأن الاجتماعات الشعبية وما يتخذ فيها من قرارات، هي عبارة عن شعائر شكلية ينفذها الناس كما رُسِمَت لهم، مدفوعين إلى ذلك بالخوف، فتراهم يذهبون وعليهم علامات الملل ظاهرة لا يحاولون إخفاءها، بينما ترى القائمين على الحركة وتسمع أبواق اللاسلكي مدوية بالعبارات الجوفاء، وفي ذلك الوقت نفسه كان يُلْقَى القبض على آخرين من جماعتنا الصناعية، فقُبِضَ على رئيس قسمنا المالي «ب» وعلى كبير الكهربائيين «رومانتشنكو» وغيرهما.

وفي اليوم الثاني عشر من ديسمبر وقفت في صف طويل في المدينة حتى تسلمت آخر الأمر «بطاقة الاقتراع السري»، فوجدتها تحتوي على قائمة واحدة من أسماء كتبها الحزب، ولم يكن على البطاقة من الفراغ ما يسمح حتى بكتابة «نعم» أو «لا»، ولا كان فيها فراغ لكتابة أسماء أخرى، وقالوا لنا: إننا إذا كنا لا نوافق على اسم من هذه الأسماء المكتوبة فلنا الحق في حذفه، فدخلت الحجيرة المقفلة وثنيت قطعة الورق ورميتها في صندوق الاقتراع، وأظن أن أحدًا من الخمسة الآلاف الذين ذهبوا من مصنعنا لإعطاء أصواتهم، لم يجرؤ على حذف اسم واحد، وراحت الصحف تزهى بهذه الموافقة الإجماعية على «الحياة السعيدة».

جعلوا يوم الانتخابات عطلة عامة، فكان يومًا يجتمع فيه الناس وينعشون أنفسهم بما شاءوا، أما «جرشجورن» فقد جعل احتفاله بذلك اليوم أن يتركني واقفًا في البهو عدة ساعات، وأن يشتط في وحشيته وهو يستجوبني، وفهمت من أسئلته أن «إيفانتشنكو» متهم بالإتلاف في صناعة خراطة الأنابيب، فلكي يتمموا صورة الاتهام التي رسمها القسم السياسي كان لا بد من «اعترافي» بالتعاون معه على اقتراف ذلك الجرم.

فما فتئت أكرر له قولي: «بصراحة لا أستطيع أن أنبئك أكثر مما أعلم.»

– «إلى الجحيم بهذه الصراحة، إن ما أريده منك هو الحقائق ولست أريد هذه الصراحة الملتوية، يا لها من خسارة، إننا لم نوقعك في الفخ في الوقت الملائم، إذن لكنت الآن لينًا مرنًا بما نشتهي.»

كانت مقاومتي في طريقها إلى التراخي؛ لأنني كنت أتحرق شوقًا لنهاية هذا العذاب الطويل، وأوشكت أن أقبل لهذه النهاية ما شاءوا من شروط، وكنت أحيانًا أحلم في يقظتي حتى يجرفني الحلم في تياره فأرى نفسي وقد وقعت اسمي بأحرف كبيرة عريضة … وأسمع صوت النشيد الشيوعي العالمي يُعْزَف لي … وأرى نفسي وقد أخذوا بيدي في مجد الظافر إلى سرير وثير حيث تلفني بالغطاء أمي وجدتي «ناتاشا» … وسواء أدرك ذلك مني من كانوا قائمين على تعذيبي أو لم يدركوه، فقد عرفت في نفسي أنني في حالة نفسية تميل إلى التسليم، فأسبوع أو أسبوعان آخران من هذا التعذيب الأليم، وعلقة أو علقتان مما أعانيه، ثم أسلم ولتكن نتائج التسليم ما تكون، فوا أسفاه لم يخلقني الله من صلب صليب.

وبينما أنا في ذلك الموقف، جاءني «سلنين» الكهل ليزورني في فندقي، ترى هل دله حدسه على أنني أدنو من نهاية احتمالي وأنني ربما أسلمت لأعدائي؟ ترى هل كان يرقبني من بعيد فرجح بظنه ما كان يحدث لي، وعرف أني بحاجة إلى من يشد من أزري؟

بدأ الشيخ حديثه معي قائلًا: «لماذا أرى العلة بادية عليك؟ قل لي حقيقة أمرك وكن صريحًا، وعلى كل حال فأنا أقدر الأمر على أسوأ احتمالاته، وتستطيع أن تثق بأمانتي.»

ولم أكن في حاجة إلى إلحاف منه في الرجاء، فقد كان شوقي لحكاية أمري إلى إنسان بحيث أنفض ما يعتلج في قلبي الجريح، كأنه ظمأ الصادي إلى الماء، فقصصت عليه كل شيء، قصصت عليه قصة هذه الأشهر الكثيرة كيف قضيتها بغير نوم، وكيف قُدِّمَت لي أوراق مختلفة تحتوي على اتهام أشخاص لكي أوقعها لهم.

فقال سلنين: «أرجوك يا رفيقي ألا توقع لهم شيئًا، لقد صمدت طويلًا فاصمد إلى النهاية، إن إمضاءك لن ينجيك من الأذى، بل سيكون بمثابة الفخ الذي تقع فيه فتضيع إلى الأبد.»

– «لكن إلى متي؟! إلى متى يستطيع الجسم البشري وتستطيع أعصاب الإنسان أن تتلقى هذا العذاب؟»

– «نعم، نعم يا عزيزي، فما أكثر ما شهدته في حياتي الطويلة، وما قاسيت من ألم، لكني أرى حركة التطهير تهون شدتها، إذ لم يعد أمامهم كثيرون ممن يريدون تطهيرهم، فلقد تناولت الحركة ما يقرب من أربعين في كل مائة من مجموع الشيوعيين في منطقة نيقوبول، تناولتهم طردًا وقبضًا، وكان يقابل كل عضو من أعضاء الحزب يصيبه التطهير ثمانية على الأقل من غير رجال الحزب يُلْقَى عليهم القبض، لكني علمت من شخص يشتغل في اللجنة المحلية — ولو أنني لا أملك ما أحقق به الخبر — أن قد جاءتهم تعليمات جديدة مؤداها ألا يُقْبَضَ بعد الآن على شيوعيين دون موافقة الحزب، فنشدتك الرحمة أن تصمد قليلًا، فلقد اقترح «دوروجان» موضوع القبض عليك خمس مرات على الأقل أمام اللجنة المحلية، وهو يغلي نقمة، فإذا استسلمت لهؤلاء الأوغاد الآن، خيبت رجاءنا جميعًا.»

فوعدته ألا أفعل، وإنما ردني عن الاستسلام وقد كنت على وشك الوقوع فيه إيمانه بي، لا نصحه الذي أسداه إليَّ ولا تفاؤله بانفراج الضيق.

قال سلنين: «والآن فلنشرب نخب العام الجديد.»

ولم أكن تبينت حتى تلك اللحظة أننا كنا في ليلة اليوم الأول من العام الجديد، فقد لبثت في القسم السياسي ذلك المساء من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثالثة صباحًا واقفًا في البهو المعتم، أواجه الحائط الذي كلح لونه، وأستمع إلى صيحات الضحايا وما يوجهه إليهم معذبوهم من سباب، ولم يأتِني لا جرشجورن ولا دوروجان، فهما لا شك كانا يحتفلان ببداية عام ١٩٣٨م مع أسرتَيهما وأصحابهما.

وفي الأيام القليلة التالية نشطت حركة القبض على رجال المصنع من جديد، ففي كل مرة يبدو لنا أن المذبحة آخذة في الزوال، يتبين لنا بعد قليل أن فتور نشاطها لم يكن سوى استعداد لهجمة جديدة، فكأن موت «أورزنكدز» كان بمثابة ترك الحبل على الغارب، فلا كابح ولا ضابط، إذ لم يكن لخلفه «كاجونوفتش» شيء مما كان لأورزنكدز من دقة ومحاسبة للضمير، ولم يمانع في «التعاون»، ولهذا أخذ القبض على رجال الصناعة والهندسة يزداد زيادة سريعة، وكان بين مَنْ أُبْعِدوا عن مصنعنا «ميرون راجوزا» المدير التجاري لجماعتنا الصناعية، وأُخْرِجت زوجته وابنته المتبناة من مسكنهما.

وحدث في الأسبوع الأول من يناير أن قدم لي جرشجورن وثيقة جديدة، وكانت هذه الوثيقة هي إقراري الذي تطوعت بكتابته، والذي هو بمثابة اعتراف مني، ولقد كان إقرارًا طويلًا مليئًا بالاستطراد وبه كثير من الغموض والإبهام، سُجِّلَت فيه جرائم أصدقائي ورؤسائي ومرءوسي بجرأة، ولم يُمس نصيبي من التبعة إلا مسًّا رفيقًا وبصفة عابرة، إذ ذُكِرَ متضمنًا ولم يُذْكَر في عبارة صريحة، فظنوا أن هذه الوثيقة ستهون استسلامي لهم وتزيد من إغرائي بالإذعان.

قال لي جرشجوون وأنا أقرأ صفحة في إثر صفحة من هذه الحكاية الخيالية الفنية: «أرجوك أن تفهم أن هذا هو الحد الأدنى الذي يتوقعه منك القسم السياسي، ولم يعد بعد ذلك مجال للمساومة، فإذا لم توافق على هذه الوثيقة كان ذلك منك بمثابة إعلان الحرب على القسم السياسي ولن تنجو من براثنه، واعلم أن هذا التحقيق الذي استطال على هذا النحو قد أتعبني كما أتعبك، فكن معقولًا هذه المرة، هل توقع بقلم الرصاص أو قلم الحبر؟»

– «لا بهذا ولا بذاك، إن الأشياء التي أعرفها مما ورد في هذه الوثيقة لم تُذْكَر على وجهها الصواب … وبقية ما ورد فيها لا أعرف عنه شيئًا، أنا لم أعترف بشيء مما أجريته على لساني هنا.»

– «وأنا أقول: إنك ستوقع أيها المتلاف، ستوقع كما وقع بتشكوف وكما وقَّع إيفانتشنكو.»

– «افعل ما بدا لك، لن أعترف بجرائم أنا منها بريء.»

فوقف جرشجورن في غضبة مفاجئة وهجم عليَّ صارخًا: «أيها المتلاف المخرب، أيها الوغد! خذ هذه اللطمة وهذه.»

وأخذت قبضتاه الكبيرتان تطيحان بوجهي كأنهما ذراعا آلة حُلَّت ضوابطها، وانبثق الدم من أنفي وملأ فمي سائلًا دفيئًا تقززت له نفسي، «والآن هل لك أن توقِّع؟» ومن جديد، عاد فأمطرني لطمات ورفسات، فسال الدم في عينيَّ حتى غشيتا.

وسمعت — أكثر مما رأيت — «دوروجان» يذرع أرض الغرفة داخلًا، فقد مرنت أعصابي على إدراك خطوته القوية، فما بلغني حتى جعل هو كذلك يدقني دقًّا بقبضتيه، فسقطت على الأرض وتدحرجت إلى البهو كأنني كنت أنكمش حابيًا داخل إهابي، وعندئذٍ أخذت أربع أقدام لبست أحذية ثقيلة قاسية ترفسني وتركلني.

أنَنْتُ من وقع الألم، وأحسست بالحراس يحملوني، فلا بد أن قد دقَّ جرشجورن لهم جرسه ليحضروا.

وزعق بهم دوروجان: «أبعدوا هذا الوغد! اقذفوه في الخارج.»

وبينا كانوا يجذبونني جذبًا خلال الباب، شعرت بقبضته تضرب قفاي، وساقني الحراس إلى حجيرة حيث تركوني أضمد جراحي، وهناك لبثت جالسًا نحو ساعة أو ساعتين، فكان الزمن يمضي كأنه ألم بغير أبعاد، ولم أستطع أن أتبين في رأسي أفكارًا معينة، بل لم أتبين في نفسي شيئًا من الغضب.

ثم دخل جرشجورن: «والآن هل فكرت في الأمر مليًّا أو لا تزال في حاجة إلى إقناع جديد؟ فلدينا من وسائل المحاجة ما هو أشد إقناعًا من هذا الذي ذقت مرارته هذا المساء.»

– «كلا لن أوقِّع، اقتلوني إذا شئتم لكني لن أوقع.»

– «سأمهلك ثلاثة أيام تفكر فيها، أما الآن فاخرج.»

وخرجت على هذه الحال، وكانت تذكرتي الحزبية ما زالت في جيبي …

وألفيت نفسي في الطريق أتعثر في عاصفة ثلجية قاسية، وأخذت العاصفة تضرب وجهي الممزق بألف سوط، فحبوت داخل الفندق، حتى إذا ما كنت في بهوه، وقعت عيناي بطريقة آلية على كلمات فوق لافتة كبيرة كانت من بقايا الانتخابات: «آزروا ستالين في سبيل الحياة الاشتراكية السعيدة.»

رقدت على سريري دون أن أنضو ثيابي، وكنت أينما قلبت جسدي على السرير وقعت عيناي على صورة ستالين فوق ورق الجدران المقشور، فما فكرت في الألم الجثماني بل حصرت ذهني في هذا الإذلال، ووجهت الخطاب إلى صورة ستالين قائلًا: «والآن يا رفيق ستالين، لقد تم التعارف بيني وبينك، ولم يعد بيني وبينك سر تكتمه أو أكتمه، إذ وضح بيننا كل شيء، فتحياتي إليك يا رفيقي ستالين.»

وملأني حزن عميق، حزن لم يكن منصبًّا على شخصي، بل هو حزن من أجل الإنسانية كلها، فقد شعرت بإذلال في سبيل البشر جميعًا: «إنني أتألم في سبيل وطني وشعبي … في سبيل وطني المسكين روسيا الاشتراكية.»

وأحسست بالألم كأنه يتناقص، فالإشفاق كان لجراحي بلسمًا، الإشفاق الذي فاض على روحي، والذي لم يكن إشفاقًا على نفسي، بل رحمة بالعالم كله.

إنك يا جرشجورن، وأنت كذلك يا دوروجان، وزعيمكما القائم في الكرملن، ليس في وسعكم الآن إيذائي، إنكم لا تفهمون أني لن أوقع؛ لأني ما دمت صامدًا لكم فثمة شعاع من أمل، إنكم لا تفهمون أن مصير بلادنا، بل ربما كان مصير العالم كله، موقوفًا على مقاومتي هذه … لست رخوًا مطواعًا، بل إني كقطعة الصلب تلين ولا تنكسر، وفي وسعي أن أبادلكم ضربة بضربة، وسأبادلكم ضربة بضربة …

وأخذتني حينًا سِنَة من النوم حملتني فيها الأحلام بعيدًا على ظهر سحابة كبيرة لينة، ثم صحوت لأجد الألم قد تدفَّق تياره ثانية في جسدي الممزق، ونظرت إلى عيني ستالين الباردتين وهما عالقتان هناك على الجدار فكرهته وكرهت نظامه بدرجة لم أكره بها أحدًا أو شيئًا من قبل، وها هنا عاودني الخيال القديم الذي ما انفك يعاودني، ذلك الخيال الذي امتزجت فيه الحلاوة بالمرارة، وأعني به فكرة الانتحار التي تسلطت عندئذٍ على عقلي وجسدي، لكن جسدي أبي عليَّ الحركة، وكنت من الإعياء بحيث لا أستطيعها إلى حيث كانت حقيبة ملابسي فأفتحها وأستل منها مسدسًا فأحرك زناده، فعلت كل هذا بعقلي، أما جسدي فقد ظل راقدًا لا يتحرك فوق سرير لُطِّخَ بالدماء.

وغرقت في نعاس تظللني عينا ستالين وهما ترقباني، لكن جانبًا من عقلي لم يزل يقظان يستمع إلى وقع خطوات في البهو، سيحضرون الليلة ليأخذوني، ها هي ذي تلك! إني أعرف وقعها، ورنَّت الخطوات بوقعها في نومي، وسمعت طَرْقًا على بابي، وفتحت عيني، ونهضت متألمًا وتعثرت في طريقي إلى الباب، وأمسكت بمقبض الباب بضع لحظات، لعلها آخر لحظات أكون فيها طليقًا … ثم فتحت الباب.

وإذا أمامي امرأة واقفة بشعرها الأشيب ومعطفها الشتوي غطاه الثلج، تبينتها في الضوء الخافت، ورأيت في يدها حقيبة ملابس، ولم أفهم بادئ ذي بدء من كل ذلك شيئًا، حتى لقد ظننت أني في حلم من أحلام اليقظة، لكني تبينت موقفي.

«أماه! أماه يا عزيزتي!» صِحْت بهذه الكلمات وارتميت بين ذراعيها.

غسلت أمي جراحي وضمدتها، وأمسكت عينيها عن البكاء، بل أمسكت لسانها عن السؤال، وأخذت بدل ذلك تحكي عن نفسها، فقد عرفت بغريزتها كيف تصرف إشفاقي عن نفسي وهمومها بحيث توجهه إلى ما كانت تصادفه هي من هموم، حقًّا لقد كانت امرأة ذات إرادة بلغت من القوة حدًّا بعيدًا.

قالت لي: «معذرة يا «فيتيا» أن جئت إليك على هذا النحو دون تبليغ سابق بقدومي، فقد أحسست أن في الأمر شيئًا، ولعله قلب الأم يهدي، ومشيت على قدمي أربعة أميال من المحطة خلال هذه العاصفة الفظيعة؛ لأني لم أجد عربة للركوب، بل لم أجد عربة فلاح أركبها، ومرت بي سيارات كثيرة، لكنها لم ترنى حين صحت بها أن تقف، وأربعة أميال في هذه العاصفة مسافة طويلة إذا مشيتها وأنت تجر حقيبة ملابسك في يدك، فما أظنك يا «يافتينكا» كنت تحسب أمك العجوز بقادرة على مثل هذا المجهود، لكننا نحن النساء الصغيرات الأجسام، أشد الأمهات أجسادًا.»

وكانت قد جاءتني بجوارب من الصوف و«بطانية» وقمصان صوفية … وهي الأشياء التي قد يحتاج إليها المرء في السجن أو معسكر الاعتقال، فعلى الرغم من أني لم أنبئ أسرتي بشيء من محنتي، فإن أمي قد أدركت ما هنالك، ولم يكن بها حاجة إلى أسئلة توجهها لتعلم … وسرعان ما تسلل في الغرفة ضوء النهار الجديد منعكسًا على الثلج المكوم فوق عتبة النافذة.

تنهدت أمي وهي تفرغ الحقيبة وقالت: «نعم يا فيتيا، فقد علمتني التجارب؛ إذ كنت أُعد هذه الأشياء عينها لأبيك لما اعتقلوه سجينًا … إن الأعوام لتمضي، أما السجون فباقية، هاك هذا القفاز من الفراء، وكان الله في عوننا.»

وأخيرًا سالت من عينيها الدموع على خديها.

ونسيت ستالين لما أخذتني نشوة اللقاء بأمي، لكنه لم يزل هناك ينظر إليَّ من علٍ، وما هو إلا أن طفح قلبي بغضبة اختنقت لها، حتى إذا ما غادرت أمي الغرفة حينًا، نزعت صورة ستالين عن جدارها، نزعتها على مهل وفي ثبات المتعمد، كأنني كنت أؤدي شعيرة دينية صعبة الأداء ورهيبة الأداء في آنٍ معًا، وأخذت في جد المتعبد، أخذت أمزقها قطعة قطعة، ولم يكن بي فرح لما أصنع بل كان بي أسف وغم، ثم أخذت أمزق القطع الصغيرة قطعًا أصغر، ثم حملت هذه القطع الصغيرة من الورق في عناية كأنها كانت ذخرًا نفيسًا ثمينًا، حملتها إلى دورة المياه في البهو، وقذفت بها في جوف المرحاض وجذبت السلسلة.

ووقفت أسمع غرغرة الماء، وأيقنت عندئذٍ أنني لن أشعر إلى أبد الآبدين بما كنت أشعر به إزاء الحزب وإزاء الزعيم وإزاء قضية البلاد، فقد قُطِعَ إلى الأبد ذلك الحبل السُّري الذي كان يربطني بتلك الأفكار والرموز رغم كل شيء، فلن أرفض ما أكلَّف به من عمل للحكومة، وسأقبل ما يناط بي من مهمات الحزب، وسأخطب إذا طُلِبَ إليَّ أن أفعل، لكني سأفعل ذلك كله فعل الممثل على المسرح، أو فعل الجندي يضع لنفسه خطة للقتال، مرتقبًا في صبر فرصة تسنح للفرار: الفرار! لقد فكرت في الفرار لا ليكون خاتمة جهادي، بل ليكون فرصة أبدأ فيها الجهاد جادًّا.

حاولت في المصنع أن أرد عني سيل الأسئلة الودية التي كانت توجَّه إليَّ استفسارًا عن عيني المتورمتين وجسدي المكدوم، بحكاية لفقتها عن حادثة وقعت لي، لكني رأيت في أعين القوم أنهم لم يؤمنوا بصدق ما زعمت لهم من سبب، ولقد وجدت في انتظاري إعلانًا جاءني من دنيبروبتروفسك بأن هيئة المراقبة هناك ستنظر في قضيتي بعد باكر، وأنها لذلك ترجوني الحضور؛ لكن الرفيق «شالاكوف» — مدير المصنع الجديد — رفض أن يأذن لي بالغياب، فقررت بيني وبين نفسي أن أذهب بغير إذنه.

ودَّعت أمي على المحطة ذلك المساء، وطمأنتها ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وأنبأتها بأني سأذهب إلى زيارتهم بعد يومين.

وسافرت إلى دنيبروبتروفسك دون أن أنبئ أحدًا بشيء عن نظر قضيتي أمام هيئة المراقبة، وكانت تلك الليلة التي سافرت فيها هي ختام الأيام الثلاثة التي أمهلنيها جرشجورن فظل ينتظرني عبثًا، لقد استمتعت بالنوم ليلتين كاملتين متعاقبتين، فاسترددت بذلك شيئًا من قوتي، واسترجعت مع قوتي المردودة أملًا جديدًا.

رأيت شرطيًّا يقوم بالحراسة في غرفة الاستقبال التي كانت لهيئة المراقبة في مكتب الرياسة للحزب في ذلك الإقليم؛ ووثب إلى ذهني خاطر أفزعني، وهو أن وراء ذلك الباب العريض ذي المصراعين ستقرر مصيري جماعة لا تعرف من أمري شيئًا، وكان في غرفة الاستقبال سواي ثمانية رجال أو عشرة، جلسوا على دكة عليها حشية، امتدت ما امتد الجدار، ومن نظراتهم الحزينة أدركت أن لكل منهم مشكلة لا تختلف عما أنا فيه، وعندئذٍ خرج من قاعة الجلسة محقق الحزب الذي كان قد جاء إلى نيقوبول، فعرفني.

فقال وهو يبتسم ابتسامة هدَّأت من روعي قليلًا: «آه، يسرني أنك ها هنا يا رفيقي كرافتشنكو.» ثم خرج عضو آخر من القاعة وصاح باسمٍ، فقام مضطربًا رجل طويل ملتحٍ وسيم المحيَّا في نحو عامه الأربعين، ذو شعر خشن على رأسه، فأدخله العضو إلى القاعة الداخلية، ومضت خمسون دقيقة أو نحوها، عاد بعدها مصفرًّا اصفرار الموت، يمسح عرقه ويضطرب اضطرابًا ظاهرًا، واستأنف جلسته بين المنتظرين على الدكة ذات الحشية.

وفجأة دخل غرفة الانتظار رجلان من رجال القسم السياسي بحلتيهما الرسميتين، وفي بديهما مسدسان مشهوران، ونادى أحدهما الاسم نفسه الذي كنا سمعناه قبل، فوقف الرجل الملتحي مبهوتًا.

فأعلن رجل الشرطة السياسية قائلًا: «أنت مقبوض عليك، تعالَ معنا.»

– «لكن ذلك مستحيل … لا بد أن يكون في الأمر خطأ … إن هيئة المراقبة تنظر في قضيتي …»

– «تعالَ معنا وتعالَ بسرعة، وإلا حملناك حملًا.» وخرج الشرطيان ومهما السجين، ولبث الباقون في الغرفة صامتين، لا يجرؤ أحد منهم أن ينظر إلى أحد.

وأخيرًا نوديت للدخول إلى حيث هيئة المحاكمة، فوجدت نفسي في غرفة فسيحة يسطع ضوءُها، ورأيت خمسة رجال جالسين خلف منضدة طويلة فُرِشَ سطحها بغطاء أحمر، وكنت من اضطراب الأعصاب بحيث لم أستطع أن أدرك كل ما حولي دفعة واحدة، غير أن أول ما أدركته هو أنه لم يكن بين الحضور أحد على وجهه ابتسامة، فكل ما حولي عبوس لا مرح فيه.

قال لي من يظهر أن قد كانت له الرياسة: «نهارك سعيد يا رفيقي كرافتشنكو، اجلس، أجب عن الأسئلة إجابة مختصرة وواضحة ولا يأخذنك الهم.»

فلما جلست نقَّلت عيني في الوجوه الخمسة، وفجأة لحظت بينها رجلًا يبتسم ويومئ برأسه إيماءة من يعرفني «الحمد لله، إنه جريجوريف.» وكان جريجوريف بلشفيًّا من القدامى من صنف ما قبل الثورة، وقد عرفني منذ الطفولة، واشتغل مع أبي في مصنع «بتروفسكى-لينين» (وهو الآن ما يُعْرَف بمصنع «لينين» فقط، أما «بتروفسكي» فقد حُذِفَت)، فانزاح عن صدري كابوس لأن ثمت رجلًا واحدًا على الأقل سيفهم موقفي؛ لأنه يعرف أنني لم أكن من قبيل الرجال الذين يدبرون الإتلاف، ويعرف أن كرافتشنكو الكبير (أبي) لم يكن قط منشفيًّا، فذلك كان لي بمثابة الدعامة التي يستند عليها عقلي وقلبي ليثبتا ما فيهما من راجف، فكانت لي بعدئذٍ شجاعة الكلام في صراحة أكثر ووضوح أجْلَى.

وأخذت أجيب عن أسئلة مدة أَرْبَت على ساعة، وكان بين السائلين رجل أسمر اللون من جورجيا، له وجه الرجل الممعود وصوته رفيع حاد، هذا الرجل كان فيما يبدو يقف مني موقفًا معاديًا، أما الرئيس وأما العامل «جريجوريف» فقد كانا فيما يظهر في جانبي، وكان بين ما أجبت عنه أسئلة عن أبي، وعن الآلات «المخزونة» وعن صلاتي بقائمة طويلة من «أعداء الشعب»، ولما كنت لا أريد أن أخفي شيئًا، فقد كنت أجيب بغير تردد، وفي الموضوع الذي يسأل عنه.

وفي موقف من المواقف، نزع «جريجوريف» عن نفسه مسوح المحققين الرسمية وقال بغتة: «رفيقي كرافتشنكو، لقد عرفتك وعرفت أسرتك زمنًا طويلًا، قل لنا في صراحة ما شعورك إزاء الحالة في جملتها؟»

فقلت: «إني أقول لكم في صراحة أيها الرفقاء، إني أشعر شعور الناقم، فأنا أعاني ألوان العذاب لمدة زادت الآن على حول كامل، أنا أعاني العذاب ألوانًا، أتفهمون ذلك أيها الرفقاء؟» وهنا ارتفعت يدي لا شعوريًّا إلى وجهي المكدوم، «ويجب أن تعلموا أني جئت إلى هنا بغير إذن، ولست أدري ماذا ينتظرني حين أعود.»

فسألني الرجل من جورجيا في صوته الحاد: «ومن ذا الذي ينزل بك العذاب؟»

– «لا أستطيع الجواب …»

فتدخل الرئيس بسرعة وقال: «لا عليكم، لا عليكم، فلنمضِ في تحقيقنا.»

وسرعان ما عدت إلى غرفة الاستقبال، فجلست حيث جلس الرجل الذي كان أُلْقِيَ عليه القبض، وأشعلت لفافة وبدأت أدخن، وكلما انفتح الباب الخارجي أيقنت أن رجال القسم السياسي جاءوا ليقبضوا عليَّ، لكن لما مضت خمس عشرة دقيقة أو نحو ذلك، عانيت فيها ما عانيت، دُعِيت أمام هيئة المحاكمة من جديد.

فأعلن الرئيس وهو يبتسم ابتسامة عريضة: «أيها الرفيق كرافتشنكو، قررت المحكمة تأييد ما قررته اللجنة المحلية في نيقوبول، وفضلًا عن ذلك، قررت أن تلغي ما وُجِّهَ إليك من لوم، فتستطيع أن تعود إلى عملك، ولن يتدخل بعد ذلك أحد في أمرك، لكني أقترح أن تغير مكان عملك، فتبدأ بداية جديدة في مكان آخر، ولتكن قويَّ الإيمان بحزبنا وبزعيمنا، مع السلامة أيها الرفيق، وأتمنى لك حظًّا سعيدًا.»

وبالطبع لم يكن يدري إذ ذاك أنه سيُقْبَض عليه هو و«جريجوريف» بعد شهرين على اعتبار أنهما «من أعداء الشعب»!

وصافحني الرجال الخمسة وخرجت، لكني لم أشعر بمثل ما شعرت به أيام التطهير الأول وأنا طالب في المعهد من فرح شديد ببراءتي، نعم كنت عندئذٍ حرًّا آمنًا، لكني فقدت ما كان في قلبي من إيمان، وحل محله مقت وكراهية.

وقضيت تلك الليلة في منزل أسرتي حيث نمت نومًا عميقًا ليس فيه أحلام، فلما أن كان الصباح تلفنت لأحد رؤسائي في مركز صناعة الأنابيب موسكو، وشرحت له كيف برأتني هيئة المراقبة براءة تامة، وأفهمته أنني بناءً على اقتراح تلك الهيئة أود الانتقال إلى مدينة أخرى، فوافق على وجهة النظر وأبرق إلى مدير نيقوبول بأني مطلوب فورًا إلى اجتماع استشاري في العاصمة.

ولم يعد جرشجورن يطلبني إذ كنت في نيقوبول، وتجاهل «شاكالوف» مدير المصنع خروجي على النظام في سفري بغير استئذانه، إذ أرعبته الرسالة التي جاءت عني من موسكو، وبعد أن نظرت في بعض الأمور المعطلة في قسمي، سافرت إلى العاصمة.

كان الذي خلف «أورزنكدز» في منصبه «لازار كاجانوفتش» عضو الهيئة السياسية العليا، الذي عُرِفَ عنه أنه بين أصحاب ستالين أكثرهم نصيبًا من ثقته، وكان الطريق إلى مكتبه مفتوحًا أمامي، وذات مساء في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن قضيت بضع ساعات منتظرًا كما هي العادة، أدخلوني في حضرة الرئيس الرهيبة.

كنت قد رأيت «كاجانوفتش» مرات عدة قبل ذلك في سيرة حياته، فكان يرخي لحية سوداء قصيرة وكاد يكون نموذج الرجل المثقف في هيئته، أما الرجل الذي التقيت به إذ ذاك فقد تغير عن عهدي به تغيرًا شديدًا، فاللحية ليس لها وجود، وحلَّ محلها شارب من طراز شارب ستالين، وازداد وجهه ثقلًا وغلظًا ووحشية، ولم يكن التغير كله في البدن، بل إن الرجل الكامن في إهابه قد اختلف عما كان، وتحول الرجل المثقف فيه إلى رجل يحب مظاهر النفوذ، وأخذ أثناء حديثي معه ينفس عن حركة أصابعه العصبية بلعبه في خيط من الكهرمان، وكان ذلك بدعًا فاشيًا بين الموظفين إذ ذاك، كأن ذلك الخيط الكهرماني بمثابة المسبحة للبلاشفة.

ورويت له رواية موجزة عن متاعبي في نيقوبول التي بلغت عندئذٍ ختامها فيما يبدو.

قال كاجانوفتش في نغمة يظهر بها أهميته: «إن الحزب والشعب معًا ينظفان جسديهما من الأعداء، ولا مناص من وقوع الضربات أحيانًا في المواقع الخطأ، فإذا ما اقتلعت أشجار الغاية لم يكن لك مندوحة عن تطاير الشظايا من الخشب.»

– «لكن ذلك لا ييسر لي الصعب يا لازار مويسفتش.»

– «إن البلشفي يجب أن يكون قويًّا شجاعًا صليب العود، مستعدًّا للتضحية بنفسه في سبيل الحزب، نعم يجب أن يكون مستعدًّا لا للتضحية بحياته فحسب، بل كذلك للتضحية بكرامته وحساسية شعوره، فلا تنسَ أننا محاطون بسباع الرأسمالية، ولا بد لنا من آن إلى آن أن نفحص عن صفوفنا لنستبعد منها أنصار الرأسمالية، نستبعدهم بالنار والسيف إذا دعت الضرورة إلى ذلك.»

لم أناقشه فيما قال، فلو كان ذلك «أورزنكدز» لقدر ما أعانيه من ألم، ولقال لي كلمة اعتذار ومواساة، أما هذا الرجل «كاجانوفتش» بعينيه الباردتين اللتين كانتا كأنهما خُلِقَتا من الصلب، وبكلامه ذلك الممجوج، فأين هو من ذاك؟ ألا ما أشد سأمي بأمثال هذا التهريج في القول، هذا الاستحثاث الورع، هذا اللغو السقيم الذي يغطون به آلام البشر.

واقترح الرئيس بادئ ذي بدء أن أكون كبير المهندسين للجماعة الصناعية في نيقوبول، لكنني استطعت آخر الأمر أن أقنعه بأنني لا يمكنني بذل وسعي كله في ذلك المكان الذي يثير في نفسي أسوأ الذكريات، فقال: إنه سيترك الأمر إلى رياسة صناعة الأنابيب، ولما خرجت من عنده تذكرت العبارة التي أشاعها هو في العامين الماضيين، وهي قوله: «إننا سنهشم رءوسهم.» قالها في كلامه عن أعداء الشعب والمتلفين.

وقبل مغادرتي لموسكو، نيطت بي رياسة مصنع «أندربيف» للتعدين في تاجانرُج.

ولما عدت إلى نيقوبول ذهبت إلى مكاتب اللجنة المحلية لأنقل تبعيتي للحزب من فرع نيقوبول إلى فرع «تاجانرُج»، فكان مما رأيته أن تودد إليَّ كاتم السر «كندراشين» توددًا سمجًا، فأنبأني بهمسة في الأذن أنه قاوم مقاومة الأبطال ما كان يتلقاه من ضغط «دوروجان» في شأن القبض عليَّ، وأراد بذلك أن يحمِّلني هذا الفضل منه، فمن يدري؟ فربما جاء يوم لهذا الرجل المحطم «كرافتشنكو» بحيث يكون فيه ذا منصب ينجيه من خطر ليرد جميلًا بجميل، ففي الروسيا الحديثة لا بد للإنسان من ادخار أفضال يقدمها للناس لعلها تفيده في يوم أغبر من أيام السياسة المتقلبة.

ولما خرجت من مكتب رئاسة اللجنة المحلية قابلت «دوروجان» وجهًا لوجه.

فقال ساخرًا: «وهكذا لذت بالفرار إلى «تاجانرُج»؛ لا تزأط فرحًا فلن تبعد عن متناول أيدينا أنَّى ذهبت، فليس على وجه الأرض مكان تستطيع فيه أن تنجو من قبضتنا إذا أردنا ذلك.»

فقلت له: «هذا شأنك ولا دخل لي فيه.»

– «لشد ما آسف أني لم أقذف بك في السجن فورًا بدل أن أسمح للحمقى باتخاذ إجراءات فصلك على صورة علنية …»

– «لكن قل لي يا «دوروجان» لماذا تمقتني كل هذا المقت ولم يصبك مني سوء أبدًا؟»

فقال مستنكرًا ومضى غاضبًا: «هذا شأني ولا دخل لك فيه.»

وذهبت إلى المصنع حيث ودعت عمالي، ولقد تأثرت أبلغ الأثر لما أبدوه من سذاجة وإخلاص، فهم وإن لم يعلموا شيئًا من تفصيلات ما حدث لي، كانوا يحسون عمق ما أعانيه من عذاب، وكانوا يشاركونني بعطفهم، وأما «سلنين» فقد ضمني ضمة عبر بها عن شعور حقيقي، وكذلك فعل «جوشين»، ثم لمحت «كيريوشكين» ينشف يديه في غطاء ثيابه، فذهبت إليه وأمسكت بيده وصافحته ضاغطًا عليها لأدله على شعوري الصادق، ولم يكن بيننا ما يستلزم أن نتبادل الألفاظ في تبادل المشاعر.

قال لي: «مع السلامة يا فكتور أندريفتش، ولحظتك رعاية الله، ومهما يكن من أمر، فاذكر أن ملايين الناس من أمثالي هم مؤيدوك، مؤيدوك دائمًا … ولو أننا بغير حول أو قوة.»

كنت قد جئت إلى نيقوبول في أوائل عام ١٩٣٥م يحدوني الرجاء ويحفزني التحمس أن أبدي البراعة في أعمالي باعتباري مهندسًا وموظفًا من هيئة التنفيذ الصناعية، وذلك خدمة لبلادي وشعبها، وها أنا ذا أتركها بعد ثلاثة أعوام تقريبًا، مجردًا من الأمل خاليًا من الطموح، جريح القلب مما لقيته من إهانة، ولم أكن لأتردد لحظة في أن أستبدل براتبي الكبير وما يسمونه بمزايا، لم أكن لأتردد في أن أستبدل بهذه المزايا وذلك الراتب حياة مغمورة في صفوف العمال.

وإذا سألت: ما أهم عمل عملته في هذه الأعوام الثلاثة، إذا ما وزنت الأمر بنتيجته الختامية، أجبت بأن أهم عمل هو أني بقيت طليقًا حيًّا بينما الملايين من الناس الذين كانوا في مثل براءتي قد وردوا الموت أو حُكِمَ عليهم بالعمل الشاق في سبيل دولة لا ترحم، أو طُرِدُوا من مناصبهم.

لقد مضى يوم على بلادي كانت فيه حركة التحول الصناعي بمثابة المحرك لنفوس الشباب، ولقد أحببت الهندسة واهتزت نفسي لحركة الإنتاج الصناعي في نغماتها وشدتها ونظامها وجرأتها، اهتزت نفسي للمادة الخامة يُلْقى بها في طرف، فتخرج مصنوعات في الطرف الآخر، أما الآن فقد استل من نفسي هذا الحافز نحو الخلق والإبداع، وحل محل الرأي الفني الجريء خوف وحذر وارتياب، فلقد بات تدريبي الفني ومواهبي فخًّا أتعثر في شباكه، ووقعت في ذلك الفخ إلى الأبد، وكُتِبَ عليَّ أن أتحمل التبعات التي تعرضني للخطر لكنها لا تعود عليَّ بغبطة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١