الطرز الإيرانية في الفن الإسلامي

انتشر الفن الإسلامي في الأندلس والمغرب الأقصى (مراكش) والمغرب الأدنى (الجزائر) وإفريقية (تونس)، وصقلية وطرابلس ومصر والشام وبلاد العرب، وآسيا الصغرى والبلقان وجنوبي الروسيا وبلاد الجزيرة والعراق، وإيران وبلاد ما وراء النهر وأفغانستان والهند وثمة شعوب أخرى اعتنقت الإسلام ولم ينشأ فيها فن إسلامي صحيح كشعوب الملايو وجزر الهند الشرقية والصحراء الإفريقية الكبرى والسودان.١

وكان الأمراء المسلمون ينقلون الفنانين من بعض أنحاء الإمبراطورية الإسلامية إلى الأنحاء الأخرى، ويستدعون إلى مقر حكمهم بعض من تمتد شهرتهم من الفنانين الناشئين في سائر الأقاليم الإسلامية. وكان لهذا أكبر الأثر في تكييف الطرز المختلفة في الفنون الإسلامية والتقريب بينها وتأثير بعضها على بعض.

وكان للفروق الإقليمية والجنسية، ولنشاط الأسرات الحاكمة أثر في طبيعة الفنون الإسلامية عامة؛ فأصبح ذوو الخبرة بها يقسمونها إلى طرز أو مدارس فنية: هي الطراز الأموي في الشرق، والطراز الأموي في الغرب (الأندلس) والطراز العباسي والطراز الفاطمي والطراز السلجوقي والطراز الإيراني التتري، والطراز المملوكي والطراز الأسباني المغربي، والطراز الصفوي والطراز المغولي الهندي والطراز التركي.

وليس معنى هذا أن الفرق عظيم بين هذه الطرز أو المدارس الفنية، فهو في بعض الحالات صعب إدراكه على غير الأخصائيين، ولا سيما الفرق بين الطرز الفنية في الإقليم الواحد؛ فقد يمكن معرفة بدء الأسرات الحاكمة وتاريخ انتهائها؛ ولكن الطرز الفنية يتطور بعضها عن بعض؛ فالفصل بينها أمر وضعي واصطلاحي إلى حد كبير، وهي تتعاون وَيُؤَثِّر بعضها في بعض.

وقد كانت إيران ميدانًا لأربعة من الطرز الإسلامية التي ذكرناها، وهي الطراز العباسي والطراز السلجوقي والطراز الإيراني المغولي أو التتري والطراز الصفوي.

(١) الطراز العباسي

أما الطراز العباسي فهو الذي ساد في الأقاليم الإسلامية بعد أن انتقل مقر الحكم إلى بغداد على يد العباسيين. وكان أهم مظاهر هذا الطراز استخدام الآجُرِّ والجِصِّ في العمائر، عِوَضًا عن الحجَر الذي كانت تُشَيَّد به العمائر في الشام، وأثَّرت النظم المعمارية القديمة في عمارة المساجد في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)؛ فكانت الجوامع الكبيرة ذات أعمدة أو دعائم تحمل السقف مباشرة بدون عقود في بعض الأحيان، وكانت هناك مساجد ذات أعمدة خشبية.

ولعل أقدم العمائر الإسلامية التي لا تزال قائمة في إيران مسجد (نايين)، وقد شُيِّد في القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي)، وهو مسجد ذو صحن وبواكٍ وزخارف جِصِّيَّة جميلة تشبه الزخارف الجِصية في سامرَّا وفي الطراز الطولوني،٢ وسقف هذا الجامع ليس خشبيًّا مسطحًا، بل مكوَّن من قباب من الآجُرِّ.

ويمتاز الطراز العباسي في الفنون التطبيقية أو الفرعية باستخدام الموضوعات الزخرفية الساسانية، مع تهذيب بسيط يجردها في بعض الأحيان من العنف والقوة. وأكثر ما يظهر هذا في التحف المعدِنية وفي المنسوجات التي كانت تُصنع في العراق وإيران في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة (الثامن والتاسع بعد الميلاد). كما امتاز هذا الطراز بالخزف ذي البريق المعدِني الذي كان يُصنع في إيران والعراق ومصر وإفريقية، وسوف نفصل الكلام عن ذلك في الفصول القادمة من هذا الكتاب.

(٢) الطراز السلجوقي

أما الطراز السلجوقي فَيُنْسَبُ إلى السلاجقة، وهم قبائل من التركمان الرُّحَّل، قَدِمُوا من إقليم القرغيز في آسيا الوسطى واستقروا في الهضبة الإيرانية. وكان السلاجقة من أتباع المذهب السُّنِّيِّ، وأُتيح لهم منذ القرن الخامس الهجري (منتصف القرن الحادي عشر الميلادي) الاستيلاء على السلطان في الشرق الأدنى، ولكن إمبراطوريتهم الواسعة لم تلبث أن تمزقت، وآل حكمُها إلى أسرات صغيرة أسسها بعض أفراد أسرتهم أو كبار قوادهم (الأتابكة)، ثم قَضَى عليها المغول في القرن السابع الهجري (بداية القرن الثالث عشر بعد الميلاد). وقد كان الأمراء السلاجقة يشملون الفنون برعايتهم في آسيا الصغرى والعراق وإيران، ولكن العنصر التركي الذي ينتمون إليه لم يظهر تأثيره في العمائر والتحف الفنية في عصرهم؛ لأنهم كانوا يستخدمون أبناء البلاد أنفسهم في الأقاليم الإسلامية المختلفة، ويشجعونهم بما يكلفونهم به من عمل أو يشترونه من تحف فنية. ومع ذلك كله فقد نشأ تحت رعايتهم طراز قائم بذاته امتاز بضخامة العمائر واتساعها ومظهرها القوي، كما امتاز أيضًا باستخدام رسوم الكائنات الحية محوَّرَة عن الطبيعة، على النحو الذي امتازت به الفنون الإسلامية عامة. ومن مميزات الطراز السلجوقي عدا ذلك كثرة استخدام الزخارف المجسمة ولا سيما في وجهات العمائر.

ولكن الواقع أن أهم الآثار الفنية التي خلفها هذا الطراز السلجوقي تُنْسَب إلى آسيا الصغرى وأرمينية وبلاد الجزيرة والشام. ومما يُلاحَظ في العمائر الدينية السلجوقية؛ أنها لم تكن مقصورة في أغلب الأحيان على المساجد فحسب، بل كثر بناء الأضرحة على شكل أبراج أسطوانية أو ذات أضلاع وأوجه عِدَّة،٣ أو على شكل عمائر ذات قباب، كما أدخل السلاجقة بناء المدارس لتعليم المذهب السني. والواقع أن المذهب الشافعي كان له أتباع كثيرون متفرقون في بعض بقاع إيران، ولكن هذا المذهب السني لم تكن له صفة رسمية إلا على يد السلاجقة، ولا سيما الوزير نِظَام الْمُلْك الذي شَيَّدَ له المدارس الفخمة، والذي عُرِفَ برعايته للشاعر والفيلسوف الإيراني عمر الخيام. على أن ما شُيِّدَ في إيران من تلك المدارس لم يَبْقَ منه شيء، وقد كان كله لتدريس المذهب الشافعي، بينما غلب مذهب ابن حنبل على المدارس التي أُسست في العراق، ومذهب أبي حنيفة على ما شُيد منها في الموصل وسورية. وقد حدث بعد ذلك أن الخليفة العباسي المستنصر بالله (٦٢٣–٦٤٠ﻫ؛ أي ١٢٢٦–١٢٤٢م) شَيَّدَ المدرسة التي تنسب إليه في بغداد وجعلها لتدريس المذاهب السنية الأربعة.
وقد كان لبناء المدارس أثر كبير في تصميم المساجد بعد ذلك؛ فقد استطاعت إيران أن تجمع بين تصميم المدارس ذات الصحن المستطيل، واستخدام القباب في المساجد، وانتقل هذا النظام الجديد في تشييد المساجد إلى كثير من الأقطار الإسلامية، وصار٤ الصحن في المساجد الجديدة لا يختلف كثيرًا عن فناء المدرسة. ولسنا نملك في هذا المجال أن نتطرق إلى شرح التفاصيل المعمارية في أنواع المساجد المختلفة، مما لا يمت لعبقرية الشعب الإيراني وفنونه بصلة كبيرة.

ومما يُلاحَظ في العمائر السلجوقية على وجه الإطلاق ما للمدخل من الضخامة وخطورة الشأن، كما تمتاز العمائر السلجوقية المختلفة بتنوع الزخارف في أبوابها تنوعًا تزيده الثروة الزخرفية ظهورًا ويكسب البناء طابعًا خاصًّا.

وقد شهد العصر السلجوقي في إيران تقدمًا عظيمًا في بناء العمائر ذات القباب والأقبية، كما نرى في الجزء الذي بُني على يد السلطان ملكشاه من مسجد الجمعة بمدينة أصفهان (انظر شكل ٤).
على أن أعظم تجديد أصابته العمائر الإيرانية في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد) هو تَزْيِين الجدران بالزخارف القاشانية من اللوحات أو الفسيفساء. وعرفت إيران في المساجد محاريب مسطحة لا تجويف فيها، ولكن عليها رسومًا تمثل محرابًا يحف به عمودان بارزان. وكانت هذه المحاريب تُصنع من الجص أو من القاشاني ذي البريق المعدِني. وفي القسم الإسلامي من متاحف برلين محراب من القاشاني (انظر شكل ٢٨) مؤرخ من سنة ٦٢٣ﻫ/١٢٢٦ ميلادية، ويُظَن أنه كان في مسجد الميدان بمدينة قاشان.
وقد شهد العصر السلجوقي في ميدان الكتابة تجديدًا خطير الشأن؛ إذ استُخدمت الكتابة النسخية المستديرة، فضلًا عن الكتابة الكوفية التي كانت تُجمَّل بالفروع النباتية وتوصل حروفها بعضها ببعض؛ فوصلت إلى حدٍّ كبير من الجمال والثروة الزخرفية. ويختلف تاريخ استخدام الخط النسخي باختلاف الأقطار الإسلامية، ولكننا نستطيع بوجه عام أن نعتبر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) عصر الانتقال إلى هذا النوع من الكتابة.٥
كما ذاع استخدام الورق في العصر السلجوقي، ولم يعد الورق يُستعمل إلا في المناسبات النادرة. وقد أخذ المسلمون صناعة الورق عن الصينيين، وكان بدء إنتاجه في سمرقند، ثم انتشرت صناعته في سائر الأقاليم الإسلامية.٦
وتُنسب إلى العصر السلجوقي أولى مدارس التصوير في الإسلام، وتُسَمَّى في معظم الأحيان مدرسة بغداد أو العراق، ولكنها في الواقع عربية أكثر منها إيرانية، وسوف نشير إلى ذلك في الكلام عن التصوير الإيراني عامة، وحسبنا الآن أن نذكر أن صور تلك المدرسة كانت لا تقل عن الصور الغربية المعاصرة لها في دقة الألوان ونضارتها وقوة الرسم واتزانه، وأنها كانت متأثرة بأساليب الرسم والتصوير عند أصحاب مذهب ماني في معابد بلاد التركستان الشرقية وأديرتها. وقد كان ماني — كما نعرف — من كبار المصلحين الاجتماعيين في إيران عاش في القرن الثالث الميلادي وبَشَّرَ بمذهب ديني جديد هو مزيج من الزرادشتية — دين الإيرانيين القديم — والمسيحية. وكان ماني مصورًا قديرًا، ولَعَّلَ تلاميذه كانوا كذلك أيضًا؛ فقد سار هو وأتباعه على توضيح كتبهم الدينية بالرسوم والصور، كما نعرف من المصادر التاريخية والأدبية، ومن الصور التي عثر عليها العالمان الألمانيان فون لوكوك Von Le Coq وجرينفيدل Grünwedel في مدينة طرفان من أعمال التركستان الصينية. وقد كانت هذه المدينة بين عامي ١٤٣ و٢٢٥ بعد الهجرة (٧٦٠–٨٤٠م) عاصمة لدولة الأويغور التركية الجنس والمانوية المذهب. والمعروف أن أمراء السلاجقة وقوادهم كانوا يستخدمون في بطانتهم كُتَّابًا من أصل أويغوري. وأكبر الظن أن أثرهم في قيام مدرسة العراق كان أعظم من أثر أتباع الكنيسة المسيحية في بلاد الشام والجزيرة.

وكذلك كانت صناعة التحف المعدِنية زاهرة في العصر السلوجوقي، وكانت مقاطعة خراسان في طليعة الأقاليم السلجوقية التي امتازت في هذا الميدان؛ ولا غَرْو فإنها كانت في عصر الدولة السامانية (٢٦١–٣٨٩ﻫ؛ أي ٨٧٤–٩٩٩م) مركزًا عظيمًا لإنتاج التحف والأواني من البرونز وتزيينها بالزخارف الإيرانية القديمة ذات الطراز الساساني. ونحن نعرف في بعض المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة عددًا كبيرًا من التحف المعدِنية لا تزال عليها زخارف من الطراز التي سبقت العصر الإسلامي، ولكن فيها بعض تفاصيل دقيقة تَظهر لذوي الخبرة، وتدل على أن هذه التحف مصنوعة في صدر الإسلام، واحتفظ الفنانون في صناعتها بالأساليب الفنية الساسانية، بل احتفظوا عَدا ذلك بأشكال التحف والأواني القديمة. أما في عصر السلاجقة فقد ذاعت شهرة خُراسان بصناعة التحف من النُّحاس والفضة وتطبيقها (تكفيتها) بالفضة في القرنين الخامس والسادس بعد الهجرة (الحادي عشر والثاني عشر بعد الميلاد). وكانت هذه التحف تُزين في أغلب الأحيان بأشرطة أفقية من الزخارف فيها كتابات نسخية تنتهي بعض قوائم الحروف فيها برسوم رءوس آدمية، وفيها رسوم راقصات وفرسان ومناظر طرَب وموسيقى وبهلوان، وما إلى ذلك مما سيأتي الكلام عليه حين نفصل الحديث عن صناعة التحف المعدِنية في الفن الإيراني.

على أن المدينة التي قُدِّرَ لها أن تصبح أعظم مركز لصناعة التحف المعدِنية المُنزلة بالفضة والذهب هي مدينة الموصل في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد). وامتازت منتجاتها بدقة الزخارف المطبقة؛ أي المطعمة، وباستخدام الذهب في التطبيق أو التكفيت؛ مما أكسب تلك التحف جمالًا وإبداعًا عظيمين؛ ولا عجب فقد كانت كراهية اتخاذ الأواني من المعادن النفيسة سببًا في العمل على تطبيق النُّحاس والبرونز بزخارف الفضة والذهب.

وقد كان لمدرسة الموصل أكبر الأثر في تطور صناعة المعادن في سائر الأقطار الإسلامية؛ فقد رحل منها صناع كثيرون إلى القاهرة وحلب وبغداد ودمشق، وأسسوا مدارس جديدة لصناعة التحف المعدِنية وتطبيقها بالفضة والذهب في أسلوب فني يظهر فيه التأثر بأساليب مدرسة الموصل في هذا الميدان.

وازدهرت صناعة الخزف في العصر السلجوقي، وظهرت المهارة التي وَرِثَها صُنَّاع الخزف الإيرانيون والعراقيون عن العصور القديمة. وأقبل القوم على استخدام القاشاني لتزيين الجدران، والخزف لصناعة الأواني الجميلة، وذاعت شهرة مدينتي الرَّقَّة والموصل، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هو مركز ثالث من مراكز إنتاج الخزف في العصر السلجوقي، بل هو أعظمها على الإطلاق. ونقصد مدينة الري جنوبي طهران؛ فقد ظلت هذه المدينة حتى القرن السابع الهجري (النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي) مقر صناعة زاهرة جدًّا، وموطنًا لإنتاج أنواع دقيقة وبديعة من الخزف الذي أكسب إيران في هذا الميدان شهرة لا تُدانيها شهرة الصين في ذلك العصر، والذي امتاز بتنوع أشكاله وجمالها وإِبداع زخارفه واتزانها. والواقع أن أكبر مركز لصناعة الخزف ذي البريق المعدِني كان في مصر إبَّان العصر الفاطمي، ثم أصبحت القيادة في هذا الميدان لمدينة الري منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي).

وتوصل الخزفيون فيها إلى التجديد في صناعتهم إبَّان القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) فلم تعُدْ منتجاتهم مقصورة على النوع الذي يُعرف باسم «جبرى»٧ ويُنسب معظمه إلى ما بين القرنين الرابع والسادس (العاشر والثاني عشر بعد الميلاد)، وهو شعبي يمتاز بزخارفه المحفورة حفرًا عميقًا على أرضية من الفروع النباتية، والتي تُذكِّر بعض الشيء بالزخارف الساسانية في رسومها المكونة من حيوان أو طائر يُكسبه الحفر العميق شيئًا من البروز. أجل، وُفِّقَ الخزفيون بمدينة الري في القرن السادس (منتصف القرن الثاني عشر الميلادي) إلى صناعة الخزف ذي البريق المعدِني ويسمونه «مينائي»، وهو في أغلب الأحيان آنية — وفي بعض الأحيان لوحات — مدهونة بطلاء أبيض فوقه رسوم متعددة الألوان من صور آدمية وفرسان وأمراء على عروشهم وحيوانات وطيور، وصور توضح قصصًا من الأدب أو التاريخ الإيراني كقصة بهرام جور وخسرو وشيرين، وما إلى ذلك من الرسوم الدقيقة التي تشبه رسوم المخطوطات في المدرسة السلجوقية، والتي كان بعض أجزائها مذهَّبًا. ومن المحتمل أن يكون مصَوِّرو المخطوطات قد اشتركوا في رسم الزخارف على بعض تلك الأواني الخزفية. بَيْدَ أن عددًا منها كانت رسومه من الفروع النباتية وليس فيها رسوم آدمية، كما أن بعضها كان طلاؤه أزرق أو أخضر. وثمة نوع كانت زخارفه بارزة ومجسمة، كما سنرى في الفصل الذي سنعقده للكلام على الخزف الإيراني عامة.

أما صناعة الزجاج وتمويهه بالمينا، فقد كان مركزها في العصر السلجوقي منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) في إقليم سورية، وكانت زخارفه الدقيقة تشبه زخارف الخزف المصنوع في الري والتحف المعدِنية المصنوعة في الموصل.

وقد ازدهرت في عصر السلاجقة صناعة السَّجَّاد التي كانت قبل ذلك في يد القبائل الرُّحَّل بآسيا الوسطى، ومما يؤسف له أننا لا نعرف اليوم نماذج من هذه الصناعة بإيران في العصر المذكور؛ فإن ما بقي من منتجات تلك الصناعة لا يتجاوز بعض قطعٍ تُنسب إلى آسيا الصغرى، وقد كانت في مسجد علاء الدين بقونية، وهي اليوم محفوظة بالمتحف الإسلامي في إستانبول. وأول هذه القطع من مختلف درجات الأحمر والأزرق، وكانت الأرضية في ذلك السَّجَّاد مزينة بزخارف هندسية مكرَّرة أو برسوم أشكال صغيرة كثيرة الأضلاع، ويحف بالأرضية من الجهات الأربع إطار من رسوم حروف كوفية لا تُقرأ.

ولم يكن عصر السلاجقة من العصور الذهبية في تاريخ الفنون فحسب؛ بل ازدهرت فيه الثقافة الإيرانية الإسلامية في ميادينها المختلفة، ولا سيما في عصر ملكشاه ووزيره نِظَام الْمُلْك، الذي ألَّف كتاب «سياسة نامه»، وأنشأ المدرسة النظامية في بغداد، وشمل برعايته أعلام المفكرين في عصره مثل الغزالي وعمر الخيام.٨

على أن السلاجقة في آسيا الصغرى أُتيح لهم القيام بعمل حازم جليل؛ فقد قضَوْا على الصِّبْغَة البيزنطية التي كانت سائدة في تلك البلاد منذ العصور القديمة وجعلوها «مِنطقة نفوذ» إيرانية؛ فصارت الثقافة الإيرانية والأساليب الفنية الإيرانية صاحبة السيادة في بلاطهم بمدينة قونية، وظل تأثير الطُّرُز الفنية الإيرانية عظيمًا في العمائر والتحف الفنية التي أنتجتها تركيا منذ عصر السلاجقة حتى عصر الأتراك العثمانيين.

(٣) الطراز الإيراني التتري

كان المغول أو التتر قبائلَ رُحَّل من صحراء غوبي، وأفلحوا في القبض على زمام السلطان في الصين، ثم انطلقوا بقيادة جنكيز خان يفتحون الإقليم بعد الآخر، حتى أقاموا لأنفسهم عاهلية آسيوية عظمى، وامتدَّ سلطانهم إلى بعض الأقاليم الأوروبية حينًا من الدهر. وقد شَنُّوا الغارة على بلاد ما وراء النهر وشرق إيران سنة ٦١٨ﻫ فخرَّبوا كثيرًا من المدن التي مرت جيوشهم بها.٩ واستطاع هولاكو حفيد جنكيز خان أن يفتح بغداد سنة ٦٥٦ﻫ/١٢٥٨م وأن يقتل المستعصم آخر خلفاء بني العباس؛ فيقضي على الخلافة العباسية في العراق قضاءً مُبْرَمًا، بعد أن كان السلاجقة قد جَرَّدوها من كل سلطان دنيوي.

وجدير بنا أن نذكر أن المغول حين قضَوْا على دولة مُلوك خوارزم في النصف الأول من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، كانوا غرباء عن المدنية الإيرانية، ولم يكونوا قد أخذوا من الحضارة بنصيب وافر، ولكنهم لم يلبثوا أن تأثروا بالثقافة الصينية في الشرق والثقافة الإيرانية في الغرب، فعملوا بعد ذلك على رعاية الفنون والآداب.

وأسس هولاكو في إيران أسرة حكمتها حتى سنة ٧٣٦ﻫ/١٣٣٦م وهي الأسرة الإيلخانية التي تهذَّب أفرادها وأتباعهم بالحضارة الإيرانية، ثم اعتنقوا الإسلام، ولكنهم لم يقطعوا أسباب العلاقة بينهم وبين أقربائهم من المغول في الشرق الأقصى؛ ولذا امتاز عصرهم في إيران بتأثير الأساليب الفنية الصينية في فنون إيران.

على أن خلفاء هولاكو لم يَفْطِنوا في بداية الأمر إلى ما في نمو النظام الإقطاعي في إيران من خطر على دولتهم؛ فدَبَّ إليها الانحلال وانقسمت إيران بعد سقوط هذه الأسرة إلى دويلات محلية، كالدولة المظفَّرية في إقليمي فارس وكرمان ودولة الكرت في هراة، ودولة الجلائريين في العراق، وغيرها من الدويلات التي ظلت قائمة حتى قضى عليها تيمورلنك في نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) حين استقر له الأمر في بلاد ما وراء النهر، وبدأ سلسلة فتوحات أخضع فيها إيران وجزءًا من جنوبي الروسيا والهند وهزم جيش بايزيد سلطان الأتراك العثمانيين عند أنقرة سنة ٨٠٤ﻫ/١٤٠٢م.

وبعد وفاة تيمورلنك سنة ٨٠٧ﻫ/١٤٠٥م أفلح ابنه شاه رخ في الاستيلاء على عرش إيران وبلاد ما وراء النهر، واتخذ مدينة هراة عاصمة له؛ فازدهرت فيها الفنون والآداب على يده وفي عهد خلفائه، حتى قامت الأسرة الصَّفَوِيَّة سنة ٩٠٧ﻫ/١٥٠٢م وتطور الفن برعايتها تطورًا أدَّى إلى قيام طراز فني جديد.

ومهما يكن من الأمر فقد دمر المغول في فتوحاتهم كثيرًا من المدن، وهرب من طريقهم، إلى مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية، كثيرٌ من الصناع والفنانين، ولكن كل هذه الأحداث كانت عارضة؛ فإن هولاكو وخلفاءه كانوا يشملون رجال الفن بعنايتهم، بل كانوا حين يخربون المدن يُعْنَوْنَ بإنقاذ الفنانين وأرباب الصناعات. والواقع أنهم أصابوا قسطًا وافرًا من التوفيق في النهضة بالفنون والصناعات والآداب. أما تيمورلنك فقد كان الخراب يتبع جيوشه أينما حلَّت، وكانت قسوته مَضْرِب الأمثال، ولا سيما أن ضحاياها في إيران والهند وآسيا الصغرى كانوا مسلمين مثله، ولكنه إن كان قد خَرَّب دهلي وشيراز وبغداد ودمشق، فقد فعل ذلك لتجميل عاصمته سمرقند، التي كان يعمل على أن تصبح عروس الشرق في المدنية والفنون، بل إنه ذهب إلى حد اعتبار الاشتراك في بناء عمائره فرضًا على مَهَرة البنائين في الأقاليم المختلفة من دولته؛ فكان يستقدمهم، وكانوا يأخذون على عاتقهم تحقيق مشروعاته، كما كان الأمر في نظام «الليتورجيا» Leiturgia أو «العمل للشعب» عند الإغريق القدماء، حين كان الأغنياء أو القادرون على عمل من الأعمال يُكَلَّفون بعمله أو بالإنفاق عليه فترة من الزمن؛ مساهمةً منهم في الخدمة الاجتماعية.
والواقع أن التخريب الذي يُنسب إلى غارات المغول بُولِغ في نتائجه بعض المبالغة؛ فقد حدث حقيقةً أن كَسَدت صناعة البناء، وتهدمت عمائرُ كثيرة وهاجر الصناع والفنانون إلى آسيا الصغرى وإلى مصر كما ذَكَرنا، وكما يظهر من قول المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي: «فلما خُرِّب المشرق والعراق بهجوم عساكر التتري منذ كان جنكيز خان في أعوام بضع عشرة وستمِائة إلى قتل الخليفة المستعصم ببغداد في صفر سنة ٦٥٦ كثر قدوم المشارقة إلى مصر وعَظُمَتْ عمارة الحسينية.»١٠

ولكن ما فعله المغول وتيمور وخلفاؤه في سبيل الفن وتشجيع الفنانين، يجعلنا نغض الطَّرْف عما حدث في حروبهم الأولى من تدمير واضطهاد.

وبَعْدُ فإن الطراز الإيراني التتري يمتاز بأنه مشبَّع بالأساليب الفنية الصينية التي غمرت إيران نفسها وما جاورها من البلدان التي تأثرت بفنونها، ولا سيما في العصر الفاطمي.١١
أما في العمارة فإن بناء الأضرحة المشيدة على شكل الأبراج ظل شائعًا في عصر المغول كما كان في عصر السلاجقة، ويظهر ذلك جليًّا في الضريح المُشَّيد في مدينة مراغة والذي ينسب لإحدى بنات هولاكو، وهو مكوَّن من برج مزين بفسيفساء من الفَخَّار المطلي وفوقَه هرم ذو قاعدة مُثَمَّنَة، ولكن الأضرحة ذات القباب زادت عظمةً وفخامة؛ بازدياد مساحتها وارتفاعها وبكثرة استخدام العقود فيها، كما نرى في ضريح السلطان الجايتو خدابنده في مدينة سلطانية؛ حيث نلاحظ أن المهندس قد توصل إلى زيادة تأثير العلو والارتفاع بأعمدةٍ بناها حول قاعدة القبة كأنها المآذن الممشوقة.١٢
على أن أشهر الأضرحة التي تُنسب إلى الطراز الإيراني التتري موجودة في قرافة بسمرقند دُفن فيها كثيرون من أفراد الأسر التيمورية. وأبدعُ هذه الأضرحة على الإطلاق هو ضريح تيمورلنك نفسه «جورامير»، بُني سنة ٨٠٨ﻫ/١٤٠٥م، ويتكون من قاعة صليبية الشكل في مُثَمَّن تقوم فوقَه أسطوانة عليها قبة مضلَّعة، والأسطوانة مزينة بشريط من الكتابة الكوفية بقوالب الطوب المطلي بالمينا كالطوب الذي يغطي أضلاع القبة نفسها. ولا ريب في أن مظهر هذا الضريح من الخارج ومن الداخل بما فيه من حنايا ومقرنصات، يبعث في النفس الرهبة والإعجاب، ويجعله من أروع العمائر الإسلامية على الإطلاق (انظر شكل ١٢).

أما المساجد في الطراز الإيراني المغولي فقد زادت أناقة واتزانًا كما يظهر في مسجد فرامين وفي جامع جوهر شاد بمدينة مشهد. ويمتاز هذا الجامع الأخير بتناسب أجزائه المختلفة. وشاع في عصر التيموريين بناء المساجد التي تعلوها قبة ضخمة، ويؤدي إليها مدخل عالٍ يَلْفِت النظر بعظمته وفخامته. ومن أبدع العمائر التي تُنْسَب إلى القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) الجامع الأزرق الذي شُيِّدَ بمدينة تبريز في منتصف هذا القرن، وكانت في وسطه قاعة كبرى عليها قبة وحولَها قاعات أخرى وفي أحد جوانبها مقبرة مقنطرة أو مقبية. وقد زُيِّنَ هذا المسجد بفسيفساء من الخزف غاية في الإبداع والجمال، وفيها اللون الأزرق الفاتح والأزرق الغامق والأسمر والأخضر الغامق، كما أن فيها بعض الفروع النباتية المذهبة.

وقد عظم شأن المدارس في العصر التيموري، ولكن لم يطرأ على بنائها في هذا الطراز تغيير كبير. ومن الأمثلة التي لا تزال باقية في حالة جيدة مدرسة خرجرد على مقربة من الحدود الأفغانية، وقد شيدت سنة ٨٤٩ﻫ/١٤٤٥م على يد مهندسين معماريين من شيراز، وتتكون من صحن مربع تحيط به أربعة إيوانات ذات طابقين وأقبية أسطوانية الشكل وعقود إيرانية مدببة. ومما يلاحظ في كثير من تلك المدارس وجود منارة أسطوانية مرتفعة تحف بجانبي المدخل المستطيل الشكل أو المربع، ويتوسط المدخل عقد إيراني كبير.

واستخدم البناءون الجِصَّ بكثرةٍ في زخارف العمائر الإيرانية التترية ولا سيما في المحاريب، ولكن التجديد الحقيقي في زخارف العمائر التي تُنسب إلى هذا الطراز إنما هو استخدام الخزف والقاشاني المختلف الأنواع. والواقع أن أولئك الفنانين أُتِيحَ لهم أن يصلوا في الزخرفة بقوالب الآجُرِّ وبفسيفساء القرميد والخزف إلى غاية الإبداع والإتقان، ولا سيما في العصر التيموري الذي يُنسب إليه المسجد الأزرق في تبريز، وقد غلبت هذه التسمية على المسجد المذكور للون القاشاني الذي يغطي جدرانه. ولا ريب في أن الفسيفساء الخزفية في هذا المسجد تبدو كأنها رُسمت بدقة توازي دقة الفنانين الذين كانوا يشتغلون بزخرفة صفحات الكتب وتذهيبها، فضلًا عن أن هذه الفسيفساء الخزفية المتعددة الألوان تُذَكِّر بما أُولعَ به القوم في بلاد ما وراء النهر من تعدد الألوان في سجاجيدهم.

وعُنِيَ الفنانون في ذلك العصر باستخدام المقرنصات أو الدلايات في تزيين العمائر عناية تُذَكِّر بما اتجه إليه زملاؤهم في الطراز الأندلسي المغربي، كما نرى في قصر الحمراء؛ حيث أسرف الفنانون في استخدام المقرنصات إسرافًا كاد يؤدي إلى الملل وفقد البساطة الفنية، بينما أفلح الإيرانيون في استعمال هذه الزخارف بدون مبالغةٍ تُفْقِد عمائرَهم الاتزانَ والاحتشام.

على أن الفنانين الإيرانيين في عصر المغول كانت لهم مهارة عظيمة في كسوة العمائر بنجوم من القاشاني يملئون ما بينها من الفراغ بلوحات أخرى صليبية الشكل، كما استُخدمت المحاريب المصنوعة من القاشاني اللامع ذي البريق المعدِني (انظر شكلي ٢٨ و٣٠). والظاهر أن مركز صناعة هذا القاشاني كان قد انتقل في ذلك العصر من مدينة قاشان إلى فرامين، أما في العصر التيموري فقد انقضى عهد القاشاني ذي البريق المعدِني، واستُخدمت لكسوة الجدران تربيعات مختلفة الألوان.

ويظهر تأثير الشرق الأقصى واضحًا في العناصر الزخرفية التي استُخدمت في الطراز الإيراني المغولي، كالحيوانات الخرافية والصور الآدمية ذات السِّحْنة الصينية. واحتفظت بغداد بشهرتها في كتابة المصاحف بالخط الجميل وتذهيبها، وأصاب الخطاطون فيها توفيقًا عظيمًا في الخط النسخي الكبير، وكانوا يحددون الحروف بالذهب ويزينون الأرضية بالفروع النباتية الجميلة. وفي نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) انتقلت الزعامة في هذا الفن إلى مدينتي تبريز وسمرقند.

والواقع أن فنون الكتب ازدهرت في عصر المغول ازدهارًا سوف نعرض له في الصفحات القادمة، وحسبنا أن نذكر الآن أن المصورين كانوا يشتركون أحيانًا في رسم زخارف القاشاني والخزف، وأن الأساليب الفنية الصينية كانت غالبة في بداية عصر المغول، ثم هضمها الإيرانيون وحوروها تحويرًا جعلها توافق روحهم الإيرانية والإسلامية. وثمة مخطوطات نَرَى في بعض صورها تأثير الأساليب الفنية الصينية، كما نرى في البعض الآخر بقاء الأصول الموروثة عن المدرسة السلجوقية. وخير مثال على هذا مخطوط من كتاب جامع التواريخ للوزير رشيد الدين يرجع إلى سنة ٧١٤ﻫ/١٣١٤م، لا يزال جزء منه محفوظًا الآن في الجمعية الآسيوية الملكية بلندن، والجزء الآخر في مكتبة جامعة أدنبرا.

وشهد الطراز الإيراني المغولي تجديدًا في فن الخط الجميل فابتدع مير علي خط «نستعليق»، وبلغ هذا الخط غاية الجمال والإبداع على يد السلطان علي المشهدي الذي سُمِّيَ «سلطان الخطاطين»، وقد تُوفِّيَ سنة ٩١٩ﻫ/١٥١٣م.١٣

أما صناعة السَّجَّاد فليس لدينا ما يشهد بازدهارها في ذلك العصر اللهم إلا في بلاد القوقاز التي كانت تُنْتِجُ أنواعًا من السَّجَّاد، قوام زخارفه حيوانات خرافية وحقيقية مرسومة بطريقة اصطلاحية ظاهرة، بينما بدأت الأقاليم الإيرانية نفسها في صناعة السَّجَّاد ذي الجامة؛ أي الصرة، ولكن هذه الصناعة لم تبلغ عصرَها الذهبي إلا في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).

وطبيعي أن انتشر الحرير الصيني في إيران على يد المغول، وقلد الإيرانيون زخارفه أكثر مما كانوا يفعلون قبل ذلك؛ فأنتجوا أنواعًا جيدة من الديباج كانوا يصدِّرونها إلى البلاد الأجنبية، وقد عُثِرَ على نماذج منها في بعض المقابر بمدينة فيرونا Verona الإيطالية، وكانت زخارفها من الحيوانات الخرافية والزهور الصينية والكتابات العربية.

على أن هذا الطراز لم يُصِبْ نجاحًا كبيرًا في صناعة المعادن، بل إن الدقة التي عرفناها في الطراز السلجوقي عند الفنانين الذين اشتغلوا بتطبيق البرونز والنُّحاس بالمعادن النفيسة، هذه الدقة اختفت أو كادت اللهم إلا على السيوف والخناجر والخوذات. وقد ظهرت في ذلك العصر الخوذة الناقوسية الشكل التي كانت تُلبس فوق العمامة، وكان يتصل بها جزء لوقاية القسم الأعلى من الوجه وفيه فتحتان للعينين. أما السيف المستخدم في هذا العصر فكان مستقيمًا ذا نصل عريض قد طُبقت فيه غالبًا زخرفة تمثل رسم العراك بين التنين والعنقاء.

وعلى كل حال فإننا نتبين في العمائر والتحف التي تنسب إلى عصر المغول وعصر تيمور وخلفائه ما امتازت به إيران في الفنون الإسلامية من محافظة على قسط وافر جدًّا من أساليبها الفنية القديمة، ومن مَيْلٍ إلى رسوم الكائنات الحية وإلى الزخارف النباتية الرشيقة.

وصفوة القول أن عصر المغول، ولا سيما عصر خلفاء تيمور، كان عصر نهضة عظيمة في الفنون والآداب، ولعله من الناحية الفنية أقوى العصور في إيران على الإطلاق.

(٤) الطراز الصفوي

أفلح الشاه إسماعيل في أن يستوليَ على عرش إيران سنة ٩٠٧ﻫ/١٥٠٢م، وأن يؤسس الأسرة الصَّفَوِيَّة، نسبة إلى الشيخ صفي الدين أحد الأولياء في مدينة أردبيل. وهي أولى الأسرات التي أصبح المذهب الشيعي في عهدها المذهب الرسمي لبلاد إيران. وكان طبيعيًّا ألا يتركها العثمانيون — وهم أبطال الجنس التركي والمذهب السني — آمنة في أملاكها المترامية الأطراف؛ فقامت بين العثمانيين والإيرانيين حروب انتهت باستيلاء الترك على الجزء الغربي من أملاك الدولة الصَّفَوِيَّة؛ واضْطُرَّ الإيرانيون إلى أن يقيموا داخلَ حدودهم الطبيعية وأن يلتفتوا إلى تقاليدهم الوطنية القديمة؛ فيبعثوا في البلاد نهضة إيرانية حقة، وصلت بها في الميدان الثقافي إلى الذروة العليا، ولا سيما في عصر الشاه عباس الأكبر.

ويمتاز الطراز الفني الذي ازدهر في إيران على يد الأسرة الصَّفَوِيَّة بأن كل الأساليب الفنية التي كانت إيران أخذَتْها عن الشرق الأقصى في عصر المغول والعصر التيموري تطورت وهضمها الذوق الإيراني؛ فَبَعُدَتِ الشُّقَّة بينها وبين أصولها الصينية. كما يمتاز أيضًا بزيادة الميل إلى قصص الأبطال الإيرانيين القدماء، وبالإقبال على تصوير هذه القصص في المخطوطات وفي غيرها من التحف الفنية. وعُنِيَ الفنانون فضلًا عن ذلك بدراسة بعض نواحي الطبيعة والحياة اليومية، وتجلَّى ذلك في صورهم وفي الزخارف التي استعملوها.

وقد زاد عدد المراكز الفنية في إيران، وكانت تبريز عاصمة الأسرة في البداية؛ فعمل فيها أعلام الخطاطين والْمُذَهِّبِين والمصوِّرين والمجلِّدين، وأثَّر نشاطهم في ميادين فنية أخرى؛ فامتد نفوذهم إلى تصميم الفسيفساء الخزفية التي كانت تزين جدران العمائر وقبابها، كما ظهر أيضًا في زخارف المنسوجات بأنواعها المختلفة. ثم نقل الشاه عباس مقر الحكم إلى أصفهان في نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وعُنِيَ بتجميلها، وبنى فيها المساجد والقصور وأقام الطرق المعبَّدة؛ فأصبحت هذه المدينة من أزهر مدن الشرق، وصارت في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) المحور الذي تدور حوله الحياة الفنية الإيرانية، وطغى فيها أسلوب رضا عباسي، الذي سيأتي الحديث عنه في الصفحات القادمة.

وإذا أردنا أن نفهم طبيعة هذا الطراز الصفوي وجب علينا أن نذكر أمرين: الأول نمو العلاقات بين إيران ودول الغرب واتصال الأمراء الصفويين بالأسرات الحاكمة في أوروبا، والثاني بقاء ما كان بين إيران والشرق الأقصى من علاقات فنية قديمة.

على أن خلفاء الشاه عباس لم يلبثوا أن انصرفوا إلى الاستبداد والخلاعة؛ فاستطاعت الدولة العثمانية أن تحتل إقليم العراق، الذي كان من أملاك الصفويين إلى سنة ١٠٤٨ﻫ/١٦٣٨م، حين استولى السلطان مراد الرابع على بغداد وضم بلاد العراق إلى الدولة العثمانية، بعد أن قامت فيه على يد الإيرانيين أضرحة فخمة لكبار رجال الشيعة.

وأخذت عوامل الضعف تدب في الدولة الصَّفَوِيَّة، وقلَّت عناية أمرائها بالفن ورجاله؛ فساء نوع المنتجات الفنية وكثر الإنتاج بالجملة للأسواق وأصحاب الذوق العادي، ولا سيما الغربيين الذين كانوا يقعون من تحف الشرق بكل عجيب خارج عن المألوف.

وقد كان الأفغان خاضعين للدولة الصَّفَوِيَّة، ثم ثاروا عليها في عهد الشاه حسين وهزموه سنة ١١٣٥ﻫ/١٧٢٢م وسقطت أصفهان في يدهم؛ فكان هذا الحادث إيذانًا بسقوط الصفويين، وإن كان بعض أمرائهم ظلوا بعد ذلك يحكمون نحو عشر سنين في إقليم مازندران جنوبي بحر قزوين.

ومن أبدع العمائر التي تُنْسَب إلى الطراز الصفوي ضريح وجامع الشيخ صفي الدين بأردبيل. وقد بُدِئ تشييده في نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وتم في منتصف القرن التالي. ويتكون هذا الضريح من مدخل ضخم تليه حديقة مستطيلة توصل إلى المباني التي تحيط بفناء داخلي يقع إلى يساره الجامع القديم، وهو عجيب ومُثَمَّن الشكل فيه ستة عشر عمودًا من الخشب وفيه حنيات للنوافذ، ولا محراب له، وإنما تقع القبلة في اتجاه مدخله. وإلى يمين الفناء ضريح الشيخ صفي الدين، وبجواره بهو من الآجُرِّ، في جانبه الأيسر عقد كبير مدبب تعلوه حلية من المقرنصات، وفي البهو عدد من النوافذ فوقَها وتحتَها زخارفُ من الفسيفساء الخزفية.

ومن أفخم المساجد الصَّفَوِيَّة مسجد الشاه في أصفهان؛ فهو يمتاز بامتداده وضخامته وجمال تخطيطه على الرغم من أن إيواناته الثلاثة غير متصلة؛ مما يُفقد البناء شيئًا من الارتباط والتماسك.

أما المدارس فأبدعها مدرسة مادرشاه، وقد شيدت في بداية القرن الثاني عشر الهجري (نحو سنة ١٧٠٠م)، وتمتاز بإيواناتها العظيمة في طابقين، وبالقاعة ذات القبة الكبرى في إيوان القبلة (انظر شكل ٢٣).

وقد أقيمت أضرحة عظيمة لأئمة الشيعة وكبار رجالاتهم في العراق ولا سيما في كربلاء وسامرا والنجف، وكانت تمتاز بقبابها البصلية الشكل ومناراتها الأسطوانية المرتفعة.

وكانت العمائر الدينية في العصر الصفوي تُحلى بالفسيفساء الخزفية ذات الألوان الجميلة ورسوم الزهور والفروع النباتية البديعة؛ مما أكسبها طابعًا خاصًّا تَجلَّى فيه ما للإيرانيين من ذوق جميل، وغرام بالفن، ودراية بما للألوان الهادئة المنسجمة من سِحْرٍ وجاذبية.

على أن الطراز الصفوي عُنِيَ على الخصوص بالقصور وبتخطيط المدن وتشييد المرافق العامة، كما يتجلى في أصفهان التي عمل الشاه عباس الأكبر وخلفاؤه على تجميلها بالعمائر الجميلة التي تحيط بميدانها المتوسط «ميدان شاه»، فضلًا عن الحدائق والأشجار المغروسة في الطرقات الطويلة المعبدة؛ مما جعل تلك المدينة آية في الحسن والنظام، كما يظهر من وصف الرحالة الفرنسي جان شاردان Jean Chardin (١٦٤٣–١٧١٣)، الذي زارها في عصرها الذهبي وأُعجب بقصورها الأنيقة المشيدة في الحدائق الغنَّاء ذات الفسقيات الجميلة، وما إلى ذلك مما امتازت به إيران، وكان الشعر الإيراني خير مرآة له.

ولم يُعْنَ الصفويون بتشييد القصور فحسب — كقصر جهل ستون وهشت بهشت وآينه خانه — بل عُنوا أيضًا بتشييد الأسواق والخانات في المدن الكبيرة والطرقات التِّجارية الرئيسية. والواقع أن معظم العمائر الإيرانية في العصر الصفوي من مساجد وأضرحة ومدارس وخانات وأسواق وقصور، تشترك في طابعها الفني العام وتمتاز بما فيها من الاتزان وجمال النِّسَب.

أما جدران القصور الصَّفَوِيَّة فكانت تُكسى بتربيعات القاشاني المحلاة بأجزاء من موضوعات زخرفية، تُكَوِّن في مجموعها صورًا وثيقة الصلة بالصور التي كان ينتجها أعلام المصورين في ذلك العصر، كما كانت الأسقف والجدران تُزَيَّنُ بالتطعيم أو النقوش على «اللاكيه».

وسوف نرى عند الكلام عن فنون الكتاب أنها وصلت إلى أوج عزها في بداية العصر الصفوي؛ فأصبحت إيرانية لحمًا ودمًا، وذاع صِيت تبريز في إنتاج المصاحف الفنية الفاخرة وتذهيب صفحاتها الأولى والأخيرة فضلًا عن رءوس السور وعلامات الأجزاء والأحزاب، وزاد إنتاج المخطوطات الجميلة من الشاهنامه ودواوين الشعراء ولا سيما نظامي وجامي وسعدي. وكان المذَهِّبون يصيبون أبعد حدود التوفيق في دقة مزج الألوان وإتقان الرسوم الهندسية والفروع النباتية إتقانًا يبدو فيه التوازن والتماثل، ولا يترك زيادة لمستزيد. ولا يظهر إتقان هذه الرسوم في المخطوطات فحسب، بل إننا نراه في تربيعات القاشاني على الجدران والقباب. أما المجلِّدون فقد أتقنوا إنتاج الجلود المذهبة ذات الطبقات والمناطق المختلفة البروز.

وكان المصور العظيم «بهزاد» حلقة الانتقال من الأسلوب التيموري في النقش والتصوير إلى الأسلوب الإيراني البحت في عصر الدولة الصَّفَوِيَّة، ونبغ كثير من تلاميذه. وبدأت عادة تأليف المرقَّعات لجمع الصور المستقلة ونماذج الخطوط المنسوبة إلى أعلام الخطاطين والمصورين. ثم ظهر المصور رضا عباسي وتبعه كثيرون من الفنانين بأصفهان وغيرها من البلدان الإيرانية في رسم السيدات والغلمان ذوي القدود الممشوقة.

والواقع أن ازدهار فن النقش والتصوير كان له صداه في سائر ميادين الطراز الصفوي؛ فامتد نفوذ المصورين إلى رسوم السَّجَّاد والمنسوجات والخزف في القرنين العاشر والحادي عشر بعد الهجرة (السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد).

وسوف يأتي الكلام عن هذه الآثار الفنية النفيسة التي تُعد من بدائع الفن الإيراني في عصوره المختلفة، فنرى السجاجيد الثمينة ذات الألوان الغنية والرسوم المختلفة الوثيقة الصلة بزخارف جلود الكتب، كما نرى المنسوجات ذات الزخارف التي تشبه رسوم المخطوطات، وتعبر عن غرام الإيرانيين بالحدائق وبالقصص المستمدة من تاريخهم الوطني.

ومما يمتاز به الطراز الصفوي في ميدان الأسلحة استخدام السيوف المقوسة عوضًا عن السيوف المستقيمة العريضة التي استُخدمت في عصر التيموريين، فضلًا عن الخناجر الصَّفَوِيَّة التي ذاع صِيتها في أنحاء العالم الإسلامي بجمال زخارفها النباتية والحيوانية.

•••

على أننا نود أن نتحدث عن بعض ميادين الطرز الإيرانية كوحدة قائمة بذاتها؛ ليتسنَّى لغير الأخصائيين من القراء أن يقفوا على بدائع ما أنتجه الإيرانيون في العمارة وفنون الكتاب والخزف والسَّجَّاد وغير ذلك، وليمكنهم أن يَرَوُا الطابع العام الذي يميز هذه الآثار الفنية عن غيرها في سائر الأقطار الإسلامية.

وسوف يتاح لنا في الصفحات التالية أن نعرض بشيء يسير من التفصيل، بعض ما أجملناه في هذه المقدمة عن الطرز الفنية المختلفة التي ازدهرت في الهضبة الإيرانية، وفي بعض الأقاليم التي خضعت للإيرانيين من الوجهة السياسية أو الثقافية.

١  انظر T. W. Arnold: The Preaching of Islam Annuaire du Monde Musulman. وL. Massignon:.
٢  انظر كتابنا «الفن الإسلامي في مصر»، ج١ ص٦٨–٧٨.
٣  انظر اللوحات ٦ و٧ و٨ (شكل ٦ و٧ و٨).
٤  راجع الكلام على المدرسة في مادة «مسجد» بدائرة المعارف الإسلامية (ص٤٠٢ وما بعدها في الجزء الثالث من النسخة الفرنسية).
٥  أصدر المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو كتابًا فيه بيانات عظيمة الشأن عن تطور الخط العربي، فضلًا عن قائمة المصادر التي كتبت في هذا الموضوع، وعنوان هذا الكتاب:
Nabia Abbott: The Rise of the North Arabic Script and its Kuranic Development, with a Full Description of the Kuran Manuscripts in the Oriental Institute (University of Chicago 1939).
٦  راجع R. H. Clapperton: Paper, Historical Account of its Making by Hand from the Earliest Times down to the Present Day (Oxford 1934) ص٥٨–٧٠.
٧  في اللغة الفارسية حرف بعد الكاف اسمه «جاف»، ويكتب كافًا تزيد خطًّا أفقيًّا فوق جزئها العلوي، وينطق جيمًا بغير تعطيش، كما ينطق المصريون الجيم، وكما يُنطق حرف g في الإنجليزية go وgive؛ ولذا آثرنا أن نرسمه جيمًا. والحق أن كلمة «جبرى» تُكتب في الفارسية «كبرى» مع خط أفقي فوق الكاف. وسوف نتبع تلك القاعدة في كتابة الكلمات الفارسية في هذا الكتاب، على الرغم من أن «الجاف» تُكتب في العربية كافًا في معظم الأحيان.
٨  راجع مادة «نظام الملك» في دائرة المعارف الإسلامية.
٩  راجع H. H., C. D.’ Ohsson: Histoire des Mongols Browne: Literary History of Persia, Howorth: History of the Mongols.
١٠  راجع خُطط المقريزي ج١ ص٣٦٤-٣٦٥.
١١  انظر في كتابنا «كنوز الفاطميين» (ص١٦٥–١٧٢) ما كتبناه عن تأثير الصين في الفنون الإسلامية، وما أشرنا إليه من مصادر ومراجع.
وراجع ما كتبه الأستاذ فييت من الهوامش في ترجمة كتاب البلدان لليعقوبي، ولاسيما ص٤١.
١٢  راجع E. Diez: Die Kunst der islamichen Völker ص٨٢ وما بعدها.
١٣  انظر Huart: Calligraphes et Miniaturistes ص٣٢١–٣٢٣.
وراجع كتاب «بيدايش خط وخطاطان» (بالإيرانية) تأليف حاجي ميرزا عبد المحمد خان إيراني، ص١٥٨–٢٦٠ (طبع مصر سنة ١٣٤٥ﻫ).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤