التصوير

(١) كراهيته في الإسلام

لا بد لنا قبل الكلام عن التصوير الإيراني من أن نعرض لحكم الإسلام في الصور والتماثيل. ولنبدأ بأن نقرر أننا لا نعرف شيئًا يمكننا أن نستنبط منه أن عرب الجاهلية كانوا يكرهون الصور، أو كان لهم فيها حكم خاص. ثم نذكر بعد ذلك أن القرآن الكريم لا يحرِّم تصوير المخلوقات الحية أو عمل التماثيل لها، والآية التي كان يُفهم منها خطأً أن التصوير محرَّم في الإسلام، هي قوله تعالى في سورة المائدة (آية: ٩٢): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، ولكن الواقع أن المقصود بكلمة «أنصاب» في رأي المفسرين هي الأحجار الكبيرة أو الأصنام التي كان العرب يعبدونها، ويقدمون لها القربان، فليس في هذه الآية إذن أي تحريم للتصوير أو عمل التماثيل.

على أن المحدِّثين ينسبون إلى النبي أحاديث تحرِّم تصوير المخلوقات الحية أو عمل التماثيل لها، ولكن بعض العلماء في العصر الحديث يذهبون إلى أن النبي لم يفكر في النهي عن التصوير، وأن التصوير كان مباحًا في فجر الإسلام، وأن الأحاديث المنسوبة إليه في هذا الشأن غير صحيحة،١ وأنها في الحق لا تمثل إلا الرأي الذي كان سائدًا بين رجال الدين في بداية القرن الثالث الهجري، وهو العصر الذي كتب فيه صفوة العلماء الذين اشتغلوا بجمع الحديث.٢

على أننا لا نميل إلى أن نصدق أن التصوير كان غير مكروه في عهد النبي وعصر الخلفاء الراشدين، بل أكبر الظن أن النبي والخلفاء الراشدين من بعده، ثم المتمسكين بالدين من بني أمية نَهَوْا عنه؛ ليحموا المسلمين من الأصنام والتماثيل والصور التي قد تقود البسطاء إلى نسيان الخالق، أو اتخاذها وساطة له أو عبادتها لِذاتها، فضلًا عن أن رجال الدين كانوا يعتبرون عمل الصور أو التماثيل محاولة فاشلة في تقليد الخالق عز وجل.

ومهما يكن من الأمر فإن الأحاديث المنسوبة إلى النبي في تحريم التصوير كان لها أثر لا سبيل إلى نكرانه، سواء أكانت صحيحة أم غير صحيحة.

وقد كانت كراهية التصوير عامة بين رجال الدين من سنيين وشيعة، وليس صحيحًا ما يزعمه البعض من أن المذهب الشيعي لا يعترف بهذا التحريم؛ فالواقع أن في كتب الحديث الشيعية أحاديث تحريم التصوير، وأن حكم رجال الدين من الشيعة هو عينه حكم أهل السنة في كراهية الصور والتماثيل.٣ وفضلًا عن ذلك كله فإن مذهب الشيعة لم يصبح المذهب الرسمي في إيران قبل قيام الأسرة الصَّفَوِيَّة في بداية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).

ولكن تحريم التصوير في الإسلام لم يقضِ على هذا الفن قضاءً تامًّا. ونظرة إلى تاريخ الفنون الإسلامية تقنعنا بأن القوم كانوا في كثير من الأحيان لا يكترثون بهذا التحريم، وأن هذا التهاون كان يحدث في شتى أقاليم الإمبراطورية الإسلامية؛ فازدهر فن التصوير في بعضها، ولا سيما في الأقاليم التي كانت لها تقاليد فنية عظيمة في النحت والتصوير، كإيران، وفي البلاد التي تأثرت بإيران في هذا الصدد وخضعت في بعض حقبات التاريخ لنفوذها الثقافي، كالهند وتركية، ومصر في عصر الدولة الفاطمية.

وقد قيل إن العرب وَرِثوا عن اليهود كراهية التصوير، وإن أقل الشعوب الإسلامية اكتراثًا بتحريم التصوير في الإسلام إنما هي الشعوب غير السامية الأصل؛ فالأيوبيون مثلًا كانوا من أبطال المذهب السني، ولم يمنعهم ذلك من الإقبال على اقتناء التحف المعدِنية النفيسة ذات الموضوعات الزخرفية الآدمية، ولعل السر في ذلك أنهم لم يكونوا عربًا ساميين بل كانوا كردًا.

ولا ريب في أن الإسلام، كشريعة موسى، لم يتخذ الفن عنصرًا من عناصر الحياة الدينية ولم يشمله برعايته؛ فإن تحريم الصور الآدمية إن لم يكن لوحظ واتُّبِعَ في كل العصور والأقطار الإسلامية، فقد حال دون استخدام التصوير في المصاحف وفي العمائر الدينية كالمساجد والأضرحة — اللهم إلا في حالات نادرة جدًّا — فأصبحت المساجد والكتب خالية من صور يُستعان بها على شرح العقيدة وتقريبها إلى المؤمنين، أو على توضيح تاريخ العقائد الدينية وسيرة أبطال الملة، كما في المسيحية والبوذية والمانوية.

•••

على أننا نعرف أمثلة كثيرة في البلاد السنية والشيعية على السواء، يمكننا أن نرى فيها عدم الاكتراث بتحريم التصوير، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هو أن إيران كانت في طليعة الأمم الإسلامية التي لم يؤثر فيها هذا التحريم تأثيرًا يستحق الذكر.

أجل، إن رجال الدين في إيران كانوا يكرهون التصوير والمصورين، وربما كان تحريم التصوير في الإسلام من الأسباب التي نستطيع أن ننسب إليها قسطًا من جمود هذا الفن في إيران، ووقوفه عن التطور في حرية واستقلال، ولكننا نستطيع أن نقول — على وجه عام — إن تأثير التحريم لم يكن ظاهرًا في إيران ظهوره في سائر الأقاليم الإسلامية.

والواقع أننا لا نجد الصور في المخطوطات وعلى الخزف والقاشاني والسَّجَّاد وسائر التحف الإيرانية فحسب، بل إننا نجدها أحيانًا في المساجد والأضرحة، كجامع هارون «وليعهد» بأصفهان؛ حيث يُرَى فوق المدخل لوح من الخشب المزين بالزخارف المحفورة على شكل مَلَكَيْنِ يطيران، كما في نقش طاق بستان الذي يرجع إلى العصر الساساني، وكضريح فتح علي شاه بمدينة قم؛ حيث ترى ستائر قد طُرزت فيها صورة صاحب الضريح، وكذلك توجد صورة بالحجم الطبيعي للإمام رضا في ضريحه بمشهد، كما أن في كثير من المساجد والأضرحة تحفًا أو قطعًا من الأثاث ذات زخارف آدمية أو حيوانية، الأمر الذي تجنبه المسلمون في سائر الأقطار الإسلامية.٤
وقد ظهر في عالم التحف الإيرانية مصحف فيه بعض صور توضح مناظر في قصص الأنبياء، ولكنه كتب سنة ١٢١٩ﻫ/١٨٠٤م، وأكبر الظن أن مصوره تأثر بفكرة التصوير الديني في الغرب، ومن المحتمل أن الصور المرسومة في هذا المصحف أحدث عهدًا منه؛ لأن الخطاط لم يترك لها مكانًا فعمد المصور إلى حذف بعض الآيات وتغطية مكانها بالصور، وقد يكون هذا كله من عمل أحد تجار العاديات أو المشتغلين بها؛ أراد أن يجعل لهذا المصحف شأنًا فنيًّا عظيمًا فأضاف إليه بعض الصور.٥

وصفوة القول أن الإيرانيين لم يقبلوا عن طِيب خاطر تعاليم رجال الدين في النهي عن تصوير الكائنات الحية، وأنهم كانوا أكثر الشعوب الإسلامية مخالفة لتلك التعاليم.

ولعل موقفهم هذا يرجع إلى الأسباب الآتية:
  • أولًا: أنهم شعب ميال للفن بفطرته وله إحساس بالجمال أعمق وأقوى من أن يستطيع إطفاء جذوته أي عامل خارجي.
  • ثانيًا: أن أكثر المسلمين من ذوي المحيط العقلي الواسع والأفكار الحرة والتسامح الديني يذهبون إلى أن تحريم التصوير في فجر الإسلام، كان يُقْصَد به محاربة عبادة الأوثان التي كان المسلمون لا يزالون حديثي العهد بها.
  • ثالثًا: أن رجال الدين كانوا يفسرون تحريم التصوير بأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى؛ ومن ثم نشأ قول بعضهم إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل. والظاهر أن هذه الرهبة من تقليد الخالق لا يفهمها الإيرانيون تمامًا؛ فهم يبجِّلون الله عز وجل ويعظمونه في كل شيء، ولا يخشَوْنَ تقليده؛ ولا غَرْوَ فإن الزرادشتية — وهي دينهم الوطني قبل الإسلام — كانت تُشعرهم باشتراكهم مع «أهورا مزدا» إله النور والخير في محاربة «أَهْرِمَنْ» إله الظلمة والشر.٦
  • رابعًا: أن الإيرانيين قوم من الجنس الآري، ولم يكونوا كالساميين يحسون شعورًا نفسانيًّا يبعدهم عن التصوير، أو ينسبون إلى الصور قوًى سحرية وشرورًا جَمَّة.٧
  • خامسًا: أنهم ورثوا أساليب فنية في النقش والتصوير عن أسلافهم من الكيانيين والساسانيين، وأن ماني — مؤسس المذهب الذي يُنسب إليه — ظهر بينهم، وكان مصورًا ماهرًا اتخذ التصوير أداة لنشر تعاليمه، واستخدمه في توضيح كتبه، وكان الإيرانيون يُعجبون بمهارته في التصوير، على الرغم من أن أكثرهم كان ينكر تعاليمه ومعتقداته.
  • سادسًا: أنهم كانوا مغرمين بالشعر إلى حد كبير، ولا سيما ما كان يمت بصلة كبيرة إلى تاريخهم المجيد وشعورهم الوطني وطبيعة بلادهم. وكان توضيح المخطوطات الشعرية بالصور يحقق الغرض منها ويلائم مزاجهم الفني.٨

بقي علينا أن نعرف السبب الذي يُمْكِنُنَا أن ننسب إليه جمود التصوير الإيراني وبُعده عن الطبيعة، بعد أن رأينا أنهما لا يرجعان فقط إلى تعاليم الدين الإسلامي في تحريم التصوير، تلك التعاليم التي لم يكن لها في إيران تأثير قوي.

ونحن نذهب إلى أن المسئول عن طبيعة التصوير الإيراني، هي البيئة التي كان يعيش فيها الفنانون، والأساليب الفنية التي ورثوها عن أسلافهم من سكان الهضبة الإيرانية وبلاد العراق والجزيرة والشرق الأدنى عامة، فإن هؤلاء لم يكن لديهم من الحفلات والألعاب الرياضية والمناظر الطبيعية والعناية بالتربية البدنية وتقوية الأجسام، ما يمكن أن يدفعهم — كالإغريق مثلًا — إلى دراسة الجسم الإنساني دراسة متقنة، والعمل على تصويره أو صناعة التماثيل له بدقة يُراعى فيها صدق تمثيل الطبيعة. وحَسْبُنَا أن نوازن بين تمثال إغريقي وتمثال قديم من إيران أو العراق لندرك الفرق بين المدرستين في الفن: مدرسة الإغريق والفنون الغربية التي انحدرت منها ونسجت على منوالها، ومدرسة الشرق الأدنى والفنون الإسلامية — ولا سيما الإيرانية — التي ورثتها واقتفت آثارها. والواقع أن الفن الإيراني من خير الأمثلة لتوضيح نظرية «تين» Taine في تأثير البيئة على طبيعة الفنون.٩
وهكذا نرى أن تحريم التصوير في الإسلام لم يعطل ازدهار هذا الفن على يد الإيرانيين وتلاميذهم من الهنود والترك، بل إن الإيرانيين لم يحجموا عن تصوير بعض الموضوعات الدينية، ولا سيما في سير الأنبياء، كصورة مولد النبي ومقابلته الراهب بحيرا في الشام، ورفعه الحجر الأسود ليضعه على جدار الكعبة، وشق صدره وهو يقيم في البيداء عند مرضعته حليمة السعدية، وجلوسه في غار حراء يتلقى الوحي، وقصة المعراج، واختفائه مع أبي بكر في الغار يوم الهجرة، وموت أبي جهل في غزوة بدر، وتحطيم النبي الأصنام في البيت الحرام بعد فتح مكة، وحادث غدير خم الذي يقول الشيعة إن النبي — عليه السلام — أوصى فيه بأسرته بعد حجة الوداع، وأعلن أن سيدنا عليًّا سيكون خليفة له. وصور الإيرانيون غير هذا من الأحداث في سيرة النبي عليه السلام، أو في سيرة بعض الأنبياء الآخرين.١٠

ولكن علينا ألا ننسى أن المصورين الإيرانيين لم يتخذوا التصوير وسيلة لشرح عقائد الدين الإسلامي، ولم يظنوا كالمصورين المسيحيين أنهم دعامة من دعائم الدين، وأن آثارهم الفنية تشرح العقائد وتبعث في قلوب المؤمنين روح التدين والتقوى والتضحية. ولا عجب فقد كان المصورون المسلمون منبوذين من رجال الدين، بينما كانت الكنيسة المسيحية تُظِل الفنانين بحمايتها ورعايتها حتى غلب على لوحاتهم الفنية طابع ديني لم يستطيعوا التحرر منه إلا منذ القرن الثامن عشر الميلادي.

على أننا لا نستطيع أن ننكر أن التصوير الإيراني كان محدود المجال، وأنه لم ينتشر انتشار التصوير في المدارس الغربية، ولم يكن للجمهور نصيب وافر فيه، بل كان يقوم على أكتاف الملوك والأمراء.

وجدير بنا أن نشير إلى مذهب «الأيكونو كلاسم» أو كاسري الصور (من اليونانية eikôn بمعنى صورة وklaô بمعنى يكسر) وهو مذهب أحدثه ليون الثالث إمبراطور بيزنطة في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وحرَّم فيه عبادة صور القديسين وتماثيلهم التي كانت شائعة بين بسطاء القوم من المسيحيين؛ ولما لم تنفذ تعاليمه بدقة أمر بكسر التحف الفنية الدينية. ثم جاء مجمع نيقية سنة ٧٨٧م فقضى على مذهب كاسري الصور في الكنيسة المسيحية الشرقية. أما في الغرب فقد حارب البروتستانت الصور والتماثيل في القرن السادس عشر الميلادي، ويُرجح أن القائمين بحركة كاسري الصور عند المسيحيين في القرن الثامن الميلادي كانوا متأثرين بتعاليم المسلمين في هذا الصدد.١١

وفضلًا عن ذلك فإننا نلاحظ أن المسيحية كانت منذ البداية تفضل التصوير على النحت، فكأنها كانت لا تثق كل الثقة بفن النحت، الذي خلدت آثاره آلهة العصور الوثنية في تماثيل غاية في الجمال والإبداع، واعتبرت الكنيسة التصوير فنًّا أكثر قدسية؛ فَفَقَدَ النحت قسطًا كبيرًا من جلال شأنه.

(٢) نشأة التصوير الإسلامي في إيران

أما نشأة فن التصوير في المخطوطات الإيرانية فلسنا نستطيع أن نعرف صاحب الفضل فيها على وجه التحقيق. أجل، إن الصور الحائطية كانت معروفة في إيران منذ الأزمنة القديمة، ولا سيما في العصر الساساني، وكانت تزين بها جدران القصور على النحو المعروف في الهند. وقد عثر الأستاذ هرتزفلد Herzfeld على نماذج منها بإقليم سجستان في شرقي الهضبة الإيرانية، ولكننا لا نعرف تمامًا هل كان هذا التصوير الحائطي والتصوير عند أتباع المذهب المانوي الأساس الذي قام عليه التصوير في إيران، أو أن علينا ألا ننسى أساليب التصوير عند أتباع الكنيسة المسيحية الشرقية في العراق والجزيرة،١٢ وأن ننسب إليها قسطًا وافرًا من الأساليب الفنية التي اتخذها الإيرانيون في فن التصوير.

ولعل الأفضل أن ننسب قيام فن التصوير في المخطوطات عند الإيرانيين إلى تلك المصادر مجتمعة، مضافًا إليها بعض الأساليب التي نقلتها إيران عن الصين والهند. أما الصور الحائطية فقد أصبح استعمالها في العصر الإسلامي يكاد يكون مقصورًا على جدران الحمامات والقاعات الخاصة.

ومهما يكن من الأمر فقد ازدهرت صناعة التصوير في إيران، وكان ميدانها في البداية توضيح كتب التاريخ ودواوين الشعر والقصص بالصور الصغيرة ذات الألوان الزاهية الجميلة. وعلى الرغم من أن هذه الصور لا تختلف الواحدة منها عن الأخرى اختلافًا ملحوظًا؛ فإن الأخصائيين في الفنون الإسلامية وذوي الثقافة الفنية يستطيعون تمييز بعضها من بعض ويقسمونها إلى طرز أو مدارس لكل منها مميزاتها. وقد امتازت العصور الثلاثة الكبرى في تاريخ إيران بثلاث مدارس كبرى في التصوير؛ فقامت المدرسة المغولية أو التترية في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد)، وقامت المدارس التيمورية — ولا سيما مدرسة هراة — في القرنين الثامن والتاسع (الرابع عشر والخامس عشر بعد الميلاد)، وقامت المدرسة الصَّفَوِيَّة في القرنين العاشر والحادي عشر بعد الهجرة (السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد). وأما بعد ذلك فقد كان الفنانون يقلدون الصور القديمة تقليدًا ينم في معظم الأحيان عن بعض العجز والتأخر. كما تأثر كثيرون منهم ببعض الأساليب الفنية الغربية في التصوير، ولا سيما بعد أن أرسل الشاه عباس الثاني ١٥٠٢–١٠٧٧ﻫ/١٦٤٢–١٦٦٧م بعض البعثات العلمية لتلقي الفن في إيطاليا وبعض البلدان الأوروبية الأخرى.

(٣) مدرسة العراق أو المدرسة السلجوقية

وقد عرفنا في التصوير الإسلامي مدرسة أخرى تُنسب إلى العراق أو بغداد في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، ولكنها كانت عربية أكثر منها إيرانية؛ فالأشخاص فيها عليهم مسحة سامِيَّة ظاهرة، والأسلوب الفني مأخوذ — إلى حد كبير — عن الصور في مخطوطات المسيحيين من أتباع الكنيسة الشرقية.

ولا شك في أن إيران كانت فيها مدرسة فنية معاصرة لمدرسة بغداد، وتشبهها أيضًا في رسم الأشخاص بالألوان الزاهية والملابس المزركشة والسِّحْنة الهادئة رسمًا تبدو فيه البساطة مع قوة التعبير. وكانت الصور في هذا العصر تُرسم على الصفحة نفسها في معظم الأحيان، بينما أصبح الشائع في العصور التالية أن ترسم الصورة على حِدَةٍ، ثم تُلصق في الفراغ المُعَدِّ لها بين صفحات الكتاب.

وربما كان الأفضل أن نطلق اسم «المدرسة السلجوقية» على هذه الصور التي ننسبها إلى العراق أو بغداد؛ فالواقع أن مركز إنتاجها لم يكن في بغداد أو العراق فحسب، ولكنه كان — على كل حال — في أملاك السلاجقة المترامية الأطراف، وكان المصورون — سواء أكانوا عربًا أم إيرانيين — يشتغلون للطبقة الحاكمة والأمراء السلاجقة.

ولعل أكبر دليل على العلاقة الوثيقة بين هذه الصور السلجوقية وإيران أن رسومها تشبه الرسوم الموجودة على الخزف الإيراني المعروف باسم «مينائي» والذي كانت مدينة الري أعظم مراكز صناعته.

وفضلًا عن ذلك فإن ثمة بعض مخطوطات من هذه المدرسة السلجوقية، لا يمكن التردد في نسبتها إلى إيران؛ فإن لغتها إيرانية ورسومها تمتاز عن سائر الصور السلجوقية، ولا سيما أن الصور في هذه المخطوطات الإيرانية ليست مرسومة على الصفحات وبدون أي «أرضية»، وإنما تفصلها عن المتن أرضية ذات لون واحد يغلب أن يكون الأحمر.١٣ ومعظم هذه المخطوطات ترجع إلى النصف الأول من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
وطبيعي أن نجد مخطوطات إيرانية من نهاية القرن السابع الهجري، يمكن اعتبارها حلقة الاتصال بين الأساليب الفنية في المدرسة السلجوقية وفي المدرسة الإيرانية المغولية التي خلفتها. ومن أعظم هذه المخطوطات شأنًا كتاب «منافع الحيوان» لابن بَخْتَيْشُوع في مكتبة بيربنت مورجان Pierpont Morgan، وقد كُتب في مراغة للسلطان غازان خان سنة ٦٩٩ﻫ/١٢٩٩م.

(٤) المدرسة الإيرانية المغولية

أما أُولى مدارس التصوير الإيرانية الحقة فهي المدرسة الإيرانية المغولية، وقد كانت أعظم المراكز الفنية التي ازدهرت فيها هذه المدرسة تبريز وسلطانية وبغداد؛ فتبريز — في إقليم آذربيجان جنوب غربي بحر قزوين — كانت مقر الأمراء المغول في الصيف، بينما كانت بغداد مقرهم في الشتاء بعد أن استولَوْا عليها سنة ٦٥٦ﻫ/١٢٥٨م، أما سلطانية فمدينة في العراق العجمي، سَكَنها كثيرون من أمراء المغول. وكانت هناك مراكز فنية أخرى كبُخارَى وسمرقند، ولكن مجد هاتين المدينتين في التصوير إنما يرجع إلى عصر تيمور وخلفائه.

وطبيعي أن نذكر حين ندرس أية ظاهرة من الظواهر الفنية في عصر المغول أن العلاقة كانت وثيقة في عصرهم بين إيران والشرق الأقصى؛ فإن الأسرتين اللتين كانتا تحكمان في الصين وفي إيران طوال القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد)، هما أسرتان مغوليتان تجمعهما روابط الجنس والقرابة. وفضلًا عن ذلك فإن المغول عندما استوطنوا إيران استصحبوا معهم فنانين وصناعًا وتراجمة من الصينيين؛ ولذا فإننا نشاهد أن أساليب الشرق الأقصى واضحة في الفنون الإيرانية منذ عصر المغول، ونرى على الخصوص أن الإيرانيين حين عرفوا منتجات الصين في الرسم والتصوير، استحسنوا الانصراف عن أساليب المدرسة السلجوقية، وساروا في طريق خاص، تطور تطورًا طبيعيًّا حتى وصل إلى شكله النهائي في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) وبلغ أوج عظمته على يد الأسرة الصَّفَوِيَّة في القرن العاشر (السادس عشر الميلادي).

امتازت المدرسة المغولية إذن بظهور الأساليب الفنية الصينية التي تتجلى في سِحْنة الأشخاص، وفي صدق تمثيل الطبيعة، ورسم النبات بدقة تبعد عن الاصطلاحات التي عرفناها في المدرسة العراقية السلجوقية، وفي مراعاة النِّسَب ودقة رسم الأعضاء في صور الحيوان. وفضلًا عن ذلك فقد استعار الفنانون الإيرانيون من فنون الاشرق الأقصى بعض الموضوعات الزخرفية، ولا سيما رسوم السحب (تشي) ورسوم بعض الحيوانات الخرافية التي امتاز الفن الصيني بها.

وكان عصر المغول قصيرًا ومملوءًا بالحروب، فلم تكن صوره كثيرة أو لم يصل إلينا منها إلا شيء يسير، ولم تكن من صفاتها الرقة أو الأناقة التي نراها في صور العصر التيموري أو العصر الصفوي، وإنما كان أكثرها مناظر قتال تناسب الفاتحين، وتوضح كتب التاريخ والقصص الحربي، أو مناظر تمثل أمراء المغول بين أفراد أسراتهم وحاشيتهم.

ومما يلفت النظر في صور المدرسة المغولية تنوع غطاء الرأس؛ فللمحاربين أكثر من نوع واحد من الخوذات، وللسيدات قَلَنْسُوَات مختلفة، بعضها يزينه ريش طويل، وللرجال ضروب شتى من القلنسوات والعمائم.

وأكثر صور هذه المدرسة موجودة في مخطوطات «الشاهنامه» وكتاب «جامع التواريخ» للوزير رشيد الدين ( ٧١٨ﻫ/١٣١٨م) الذي تروي المصادر التاريخية أنه أسس ضاحية لمدينة تبريز، سماها باسمه، واستخدم فيها خطاطين وفنانين لنسخ مؤلفاته وتوضيحها بالصور.

•••

ومن أشهر المخطوطات التي تُنسب إلى هذه المدرسة نسخة من «جامع التواريخ» للوزير رشيد الدين، مؤرخة بين عامي ٧٠٧ و٧١٤ بعد الهجرة (١٣٠٧–١٣١٤م)، ولكنها مفرَّقة الآن، فجزء منها محفوظ في مكتبة جامعة أدنبره والآخر في الجمعية الآسيوية الملكية بلندن، وفي صورها موضوعات كثيرة من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والإنجيل وتاريخ الهند والديانة البوذية، ويمكننا أن نرى في بعضها بقاء الأساليب الفنية الموروثة من المدرسة السلجوقية، ولا سيما في سِحَن الأشخاص ورسم الخيول، كما نرى في صور أخرى بدء تأثير الشرق الأقصى في رسم الزهور والأشجار.

ومن المخطوطات التي يظهر في صورها تحول هذه المدرسة تحولًا تامًّا إلى الأساليب الإيرانية نسخة كبيرة من الشاهنامه؛ كان منها نحو ثلاثين صفحة في مجموعة ديموت Demotte وتفرقت اليوم بين اللوفر والمجموعات الأثرية في أوروبا وأمريكا.١٤ وأكبر الظن أن عددًا من الفنانين اشترك في توضيح هذا المخطوط بما فيه من صور كبيرة الحجم؛ ومع ذلك فإن الذي نعرفه منها يمكن نسبته إلى مصور واحد. ويظهر في تلك الصور التأثر بالأساليب الصينية في رسم الجبال والأشجار، كما أن الفنان وُفِّق في رسم الأشخاص إلى شيء من قوة التعبير وإلى تمييز السِّحَن بعضها عن بعض، ومن مميزات الصور في هذا المخطوط الأرضية الذهبية التي يندر وجودها في الصور الإيرانية القديمة، وأكبر الظن أنه كُتِبَ ورقمت صوره في تبريز حوالي سنة ٧٣٥ﻫ/١٣٣٥م.١٥
وثمة مخطوط آخر من الشاهنامه محفوظ الآن في متحف طوبقابو سراي بإستانبول ومؤرخ من سنة ٧٣١ﻫ/١٣٣١م، ولكن صوره وسط بين الصور السلجوقية وصور مخطوطي الشاهنامه وجامع التواريخ اللذين تحدثنا عنهما في السطور السابقة؛ فهي تمتاز بالعودة إلى اتخاذ الأرضية الحمراء، وبأن رسوم الأشخاص فيها تغلب عليها مسحة من البساطة والسذاجة. أما التأثير المغولي فظاهر في زخارف الملابس وفي رسم المناظر الجبلية والزهور.١٦
ومن أبدع الصور التي تُنسب إلى المدرسة الإيرانية المغولية في منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) مجموعة صنعت لنسخة من كتاب كليلة ودمنة، ثم جمعت في مرقَّعة (ألبوم) للشاه طهماسب وكانت محفوظة في مكتبة يلديز، ولكنها الآن في مكتبة الجامعة بإستانبول. وقد كان الأستاذ ساكسيان أول من كشف هذه الصور وكتب عنها؛ فذهب إلى أنها من صناعة مدرسة فنية ازدهرت في خُراسان في النصف الثاني من القرن السادس الهجري١٧ (النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي)، وتأثرت بالأساليب الفنية الصينية قبل أن يقبض المغول على زمام الحكم في إيران، ولكن نظرية ساكسيان لم تَلْقَ أذنًا صاغية؛ فاعترض عليها سائر مؤرخي الفنون الإسلامية؛ لأن الدقة في رسم الأشخاص في تلك الصور لا يمكن وجودها في القرن السادس الهجري مع ما نعرفه في الصور المصنوعة في القرن السابع من بساطة ومسحة أولية، فضلًا عن أننا نشاهد في الصور التي نحن بصددها الآن أن الفنان قد هضم ما اقتبسه من العناصر الصينية في رسم المناظر الطبيعية، وأنه قد أصاب حظًّا كبيرًا من التوفيق في ملاحظة الطبيعة، وفي إكساب صوره شيئًا من الحركة، وفي إتقان الرسوم الآدمية والحيوانية إتقانًا لم يوَفَّق إليه الفنانون الذين كانوا يعملون في تبريز؛ مما يحملنا على أن ننسبه إلى هراة التي ازدهرت في منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر)، وكانت عاصمة لأسرة الكرت، وهي — كما نعرف — أسرة ترجع نسبها إلى الغوريين الذين كانوا يحكمون أفغانستان والهند بين عامي ٥٤٣ و٦١٢ﻫ/١١٤٨–١٢١٥م؛ مما يفسر بعض ما نجده من روح هندية في تلك الصور.

ولما سقطت الأسرة الإيلخانية سنة ٧٣٦ﻫ/١٣٣٦م، استولى بنو جلائر على جزء كبير من أملاكها ولا سيما العراق وغربي إيران؛ فقامت في عاصمتهم، بغداد، حركةٌ فنية مباركة، ولم تلبث أن امتدت إلى تبريز حين خضعت لهم منذ سنة ٧٦٠ﻫ/١٣٥٩م. وكان السلطان غياث الدين أحمد بهادر الجلائري (٧٨٤–٨١٣ﻫ؛ أي ١٣٨٢–١٤١٠م) من أكبر هواة المخطوطات الثمينة؛ فشمل برعايته فنون الكتاب.

وفي المكتبة الأهلية بباريس نسخة إيرانية من كتاب عجائب المخلوقات للقزويني، كُتبت لمكتبة هذا السلطان سنة ٧٩٠ﻫ/١٣٨٨م بخط «نستعليق»، الذي ظهر في مدينة تبريز قبل تاريخ هذا المخطوط بوقت قصير، فلعل هذه النسخة من «عجائب المخلوقات» قد صُنعت في تلك المدينة.

كما يمكننا أن ننسب إلى تبريز أيضًا مخطوط شهير من «جامع التواريخ» لرشيد الدين — محفوظ الآن في المكتبة الأهلية بباريس — ولعله يرجع إلى نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).١٨ ونرى في صور هذا المخطوط بعض المميزات الفنية التي تزداد ظهورًا في القرن التالي، ولا سيما تزيين الأرضية بشجيرات مزهرة وتجميل الملابس برسوم مذهَّبة.

وصفوة القول أن المدرسة التي ازدهرت في العراق وغربي إيران على يد بني جلائر، هي حلقة الاتصال بين المدرسة الإيرانية المغولية والمدارس التيمورية.

ومن أبدع الآثار الفنية التي خلفتها المدرسة الجلائرية في بغداد، مخطوط جميل من قصائد خواجو كرماني في شرح غرام الأمير الإيراني هماي بهمايون ابنة عاهل الصين، وهو محفوظ الآن بالمتحف البريطاني، وقد كتبه الخطاط المشهور مير علي التبريزي في بغداد سنة ٧٩٩ﻫ/١٣٩٦م، وعلى إحدى صوره اسم المصور «جنيد نقاش» السلطاني نسبة إلى السلطان أحمد الجلائري، الذي اشتغل هذا الفنان في بلاطه. وتبدو في هذا المخطوط كل الظواهر الفنية التي امتازت بها المدرسة التيمورية في التصوير؛ فرسوم الأشجار والزهور غاية في الإبداع، وصور الأشخاص رُوعي فيها جمال النِّسبة والارتباط بالوسط الذي تقوم فيه؛١٩ فكانت الخطوة الأولى للصور التي رُسمت بعد ذلك في شيراز، وغلبت عليها الرسوم الطبيعية الخالية من الصور الآدمية والحيوانية.
وفي مكتبة طوب قابو سراي بإستانبول مخطوط من الشاهنامه، كُتب في شيراز سنة ٧٧٢ﻫ/١٣٧٠م حين عاش في هذه المدينة الشاعر الكبير حافظ الشيرازي (٧٩١ﻫ؛ أي ١٣٩٨م)، على أن الأشخاص في صور هذا المخطوط لهم وجوه بيضاوية، ولا تزال الصور محتفظة بقسط وافر من المسحة الاصطلاحية الأولية التي عرفناها في القرن السابع وبداية القرن الثامن بعد الهجرة.٢٠

(٥) مدارس العصر التيموري

أما المدارس التيمورية ومدرسة هراة، فقد ازدهرت في القرنين الثامن والتاسع بعد الهجرة (نهاية القرن الرابع عشر وفي القرن الخامس عشر بعد الميلاد)، وكان من أعظم مراكز التصوير شأنًا في عصر تيمور مدينة سمرقند التي اتخذها هذا العاهل مقرًّا لحُكمه منذ سنة ٧٧١ﻫ/١٣٧٠م، وجمع فيها أشهر الفنانين وأرباب الصناعات الدقيقة، ولكن تبريز وبغداد وشيراز ظلت أيضًا من مراكز هذا الفن، وازدهرت فيها مدارس فنية عظيمة.

على أن الصور التي تُنسب إلى مدينة سمرقند — على وجه التحقيق — نادرة جدًّا، ولعلنا لا نستطيع أن ننسب إليها شيئًا كثيرًا، عدا الرسوم المستقلة المنقولة عن نماذج صينية والمرسومة في معظم الأحيان بالحبر الصيني،٢١ ثم بعض رسوم متأثرة إلى حد كبير بالأساليب الفنية الصينية، وتشتمل على رسوم حيوانات وطيور حقيقية وخرافية، وأخيرًا بعض مخطوطات في موضوعات فلكية.٢٢
أما مدينة تبريز فربما لا نستطيع أن نعتبرها تمامًا مركزًا فنيًّا تيموريًّا؛ لأنها خضعت لقبائل التركمان بين عامي ٨٠٩ و٨٧٢ بعد الهجرة (١٤٠٦ و١٤٦٧م)، وتأثرت بمدرسة بني جلائر، ولم تلحق بشيراز وهراة في الأساليب الفنية الجديدة التي وُفِّقتا إليها في عصر تيمور وخلفائه. ومن الآثار الفنية التي يمكن نسبتها إلى تبريز في هذا العصر: صورة في صفحتين محفوظة في مجموعة كيفوركيان بنيويورك، ولعلها كانت في صدر مخطوط من شاهنامه، وهي تمثل وليمة في حديقةٍ اجتمع فيها تيمور وبعض رجال بلاطه وخَدَمِه.٢٣

وفي عهد شاه رخ أصبحت هراة مَحَطَّ رجال الفنانين وميدان نشاطهم. وقد كان تيمور محبًّا للفن والأدب على الرغم من شذوذه وفظاظته، بينما كان ابنه شاه رخ من أشد ملوك الفرس عطفًا على الفن ورجاله؛ ولذا اجتاز الفن في عصره مراحل الاقتباس والاختيار من الفنون الأجنبية والتأثر بها، ووصل إلى عنفوان شبابه، وأصبح ما نقله عن غيره من الفنون جزءًا لا يتجزأ منه.

والصور التي رُسمت في نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) تحمل أهم الزخارف والأساليب الفنية التي صارت في القرن التالي من أخص مميزات التصوير الإيراني في مدرسة هراة. وأهم هذه الأساليب الفنية مناظر الزهور والحدائق وآثار فصل الربيع، ثم الألوان الساطعة التي لا يكسر من حِدَّتِها أي تدرج، والمناظر الطبيعية ذات الجبال والتلال المرسومة على شكل الإسفنج. وفضلًا عن ذلك فقد استطاع الفنانون الوصول إلى إيجاد نِسَب معقولة بين الأشخاص في الصورة وما يحيط بهم من عمائر ومناظر.

وجدير بنا أن نشير هنا إلى أن الفرق بين منتجات المدرستين التيموريتين الرئيسيتين، مدرسة هراة ومدرسة شيراز، لا يزال غير واضح، ولكننا نستطيع أن نقول — على وجه عام — إن مدرسة شيراز أكثر اتصالًا بالعصر السابق من مدرسة هراة، وإن التطور في هذه المدرسة الأخيرة أعظم وأَبْيَن.

ومن أشهر المخطوطات التي تُنسب إلى مدرسة شيراز شاهنامه في إستانبول مؤرخة من سنة ٧٧٢ﻫ/١٣٧٠م، وأخرى في دار الكتب المصرية كُتبت سنة ٧٦٩ﻫ/١٣٩٣م. ونرى في صور هذين المخطوطين بعض التنويع في رسم المناظر الطبيعية، ولكن الألوان فاتحة وبرَّاقة وغير منسجمة.

ومن أعظم هذه المخطوطات شأنًا مجموعة من الشعر محفوظة في متحف الفن التركي والإسلامي بإستانبول ومؤرخة سنة ٨٠١ﻫ/١٣٩٨،٢٤ وفيها اثنتا عشرة صورة تمثل مناظر طبيعية من أشجار وزهور وأنهار وتلال وطيور بدون أي رسم آدمي؛ مما دعا إلى القول بأن هذا الفنان إنما صَوَّرَ المُثُل العليا في نظرية الخليقة عند المزدكية، وأنه ربما كان من أتباع هذا المذهب. ولسنا في حاجة إلى القول بأن رسم مثل هذه المناظر الطبيعية لا يتعارض مع الإسلام في شيء.
وفي مجموعة جلينكيان مخطوط من مجموعة شعرية كُتبت سنة ٨١٣ﻫ/١٨١٠م لإسكندر سلطان حاكم شيراز وابن شاه رخ،٢٥ ويمتاز هذا المخطوط بأن فيه — عدا المتن — حاشية ذات أركان زخرفية جميلة، أما كاتبه فهو محمود مرتضى الحسيني الذي كتب مخطوطًا آخر من مجموعة شعرية، محفوظًا الآن في القسم الإسلامي من متاحف الدولة في برلين، ومؤرخًا من سنة ٨٢٣ﻫ/١٤٢٠م، وقد صُنع لمكتبة الأمير بايسنقر،٢٦ ويمتاز بحرص المصور على رسم أقل عدد ممكن من الأشخاص في صوره، وبالألوان الهادئة الخفيفة والأساليب الاصطلاحية في رسم التلال.

ولكن الحق أن التمييز بين المدارس المختلفة في العصر التيموري أمر عسير؛ بسبب تنقل الفنانين بين المراكز الفنية المختلفة، ولأننا لا نعرف المركز الذي يُنسب إليه عدد كافٍ من المخطوطات ليمكننا بالموازنة والقياس أن نحدد المميزات الفنية لكل مدرسة.

ومهما يكن من الأمر فإن العصر الذهبي للتصوير الإيراني إنما يبدأ في عهد خلفاء تيمور: ابنه شاه رخ، وحَفَدَته بايسنقر وإبراهيم سلطان وإسكندر بن عمر شيخ؛ إذ أصبحت للصور الإيرانية في عصرهم ذاتية قوية تمثل روح الفن الإيراني بعد أن هضم كل ما استعاره من أساليب الفنون في الشرق الأقصى.

ومما ساعد في كثرة الانتاج وإتقان الصور في عصر خلفاء تيمور أن إيران كانت مقسمة إلى مقاطعات مختلفة، يحكمها أمراء لهم نصيب وافر من الاستقلال ولهم حاشية وبلاط، كما للعاهل الأكبر الذي كان يشرف على إدارة الإمبراطورية كلها؛ ولذا فقد نشأت مراكز فنية عديدة كانت تتنافس في سبيل النهضة بالفنون ولا سيما التصوير.

وقد أسس شاه رخ في مدينة هراة مكتبة ومجمعًا لفنون الكتاب، ثم جاء ابنه بايسنقر فأنشأ مكتبة أخرى ومجمعًا للفنون، استقدم إليه أعلام الخطاطين والمذهبين والمصورين والمجلدين؛ فانتقلت صناعتا التصوير والتذهيب من تبريز وسمرقند وشيراز إلى هراة.

أما العلاقات بين إيران والشرق الأقصى في عصر تيمور وخلفائه فإنها لم تضعف؛ لأن سقوط أسرة المغول في إيران سنة ٧٣٦ﻫ/١٣٣٦م تبعه سقوط أسرة يوان المغولية في الصين، وقيام أسرة منج التي حكمت من سنة ٧٧٠ﻫ/١٣٦٨ إلى سنة ١٠٥٤ﻫ/١٦٤٤م، فكان طبيعيًّا أن ينشأ الود المتبادل بين الأسرتين الجديدتين بعد نجاحهما في تقويض نفوذ المغول. وتُبودلت البعثات بين الصين وإيران في عصر شاه رخ وبايسنقر. وأكبر الظن أن هذه البعثات كانت تعود من الصين بكثير من المنتجات الفنية، كما كانت تحمل إليها بدائع التحف المصنوعة في إيران. والواقع أن الآثار الفنية من مدرسة هراة تشهد بتأثير الفنون الصينية، ولا سيما في جلود الكتب التي كانت الحيوانات الخرافية الصينية من أهم عناصر الزخرفة فيها.

وعلى كل حال فإن أكثر الصور الإيرانية في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر) تُنسب إلى مدينة هراة التي كانت أهم ميدان لفن التصوير في ذلك العصر.

وتمتاز مدرسة هراة بطموح الفنانين فيها إلى التطور والتجديد، وبظهور بعض المصورين من ذوي الذاتية الفنية والعبقرية الخاصة، وبالميل إلى دقة تصوير التفاصيل في الرسم، وبِغِنَى الألوان وانسجامها واتزانها وكثرة استعمال اللون الذهبي، وبتغطية الأرضية بالحشائش والزهور والشجيرات.

ومن أقدم المخطوطات التي تُنسب إلى هذه المدرسة مخطوط من كليلة ودمنة محفوظ الآن في مكتبة قصر جلستان بطهران،٢٧ ويمتاز بإتقان تصوير الطبيعة وهضم العناصر الصينية التي اقتبسها الفن الإيراني في هذا السبيل. ولا شك في أن هذا المخطوط يشبه إلى حد كبير مخطوط كليلة ودمنة المحفوظ في مكتبة الجامعة بإستانبول، والذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة، ولكنهما يختلفان في الصور الآدمية؛ فهي في المخطوط الأخير أكثر نضارة وأقرب إلى الطبيعة منها في مخطوط طهران.
وفي مجموعة المستر شستر بيتي Chester Beatty مخطوط من «جلستان» سعدي، كُتب سنة ٨٣٠ﻫ/١٤٢٦م للأمير بايسنقر بيد الخطاط جعفر البايسنقري الذي استقدمه الأمير من تبريز ليعمل في مجمع فنون الكتاب بمدينة هراة،٢٨ وفيه ثماني صور بديعة يبدو فيها الإتقان والمميزات الفنية التي نعرفها في مدرسة هراة.
وقد كتب هذا الخطاط نسخة من الشاهنامه سنة ٨٣٣ﻫ/١٤٣٠م تمتلكها الآن الحكومة الإمبراطورية الإيرانية، وتكاد تكون أبدع ما نعرفه من مخطوطات الشاهنامه المصورة؛ وذلك لإتقان صورها، وإبداع زخارفها والمهارة في تصوير الحوادث تصويرًا تظهر فيه الحياة والحركة والتماسك ووحدة التأليف، وللتنويع الذي يبعد الملل الذي تسببه المناظر المكررة في مخطوطات مدرسة تبريز ومدرسة شيراز، ولمراعاة الدقة في رسم الخيل، والشجيرات والزهور والطيور وزخارف الملابس، فضلًا عن العناية التامة برسم التفاصيل وبعض أنواع التحف كالسجاجيد والأواني وما إلى ذلك.٢٩
ومن أبدع الصور التي تُنسب إلى مدرسة هراة صورة مستقلة ومحفوظة الآن في متحف الفنون الزخرفية بباريس، وهي تمثل لقاء هماي وهمايون في حدائق القصر الملكي بمدينة بكين (انظر شكل ٤١). ويتجلى فيها حب الطبيعة وإبداع تصويرها مع التوفيق في التعبير عن أرستقراطية الأشخاص المرسومين، فضلًا عن أن ألوانها وأزهارها تكسبها سحرًا عجيبًا.
وثمة عدد من الصور المستقلة المنقوشة على الحرير على النحو المتبع في الشرق الأقصى، ويمكن نسبتها إلى مدرسة هراة في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وتمتاز بوضوح التأثير الصيني فيها حتى يُظَن أنها من رسم المصور غياث الدين الذي سافر بين عامي ٨٢٣ و٨٢٧ﻫ/١٤٢٠ و١٤٢٤م مع بعثة أرسلها شاه رخ إلى الصين،٣٠ وإحدى هذه الصور محفوظة في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن Boston، وتمثل حبيبين جالسين على سَجَّادة نفيسة وتظلهما شجرة مزهرة. والثانية في المتحف المتروبوليتان بنيويورك، وفيها أشخاص بجوار شجيرات مزهرة.٣١ أما الثالثة ففي مجموعة الكونتس دي بهاج Comtesse de Béhague وتمثل لقاء هماي وهمايون، وقد أصاب فيها الفنان توفيقًا عظيمًا في الجمع بين الأساليب الفنية الصينية والإيرانية.٣٢

وقد بدأت مدرسة هراة منذ منتصف القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) في أن تتميز عن سائر المدارس التيمورية وتفقد صلتها بها؛ فأصبحت لها ذاتية قوية في تأليف الصور ورسمها وتلوينها. وطبيعي أن بعض الفنانين لم يستطع أن ينفصل تمامًا عن التقاليد الفنية الموروثة، بينما سار آخرون في ميدان التطور شوطًا بعيدًا.

ومن المخطوطات التي تتجلى فيها المميزات الفنية التي عرفناها في مدرسة هراة، شاهنامه في الجمعية الآسيوية الملكية بلندن، كُتبت للأمير محمد جوكي ابن شاه رخ. وقد تُوفِّيَ هذا الأمير سنة ٨٤٨ﻫ/١٤٤٥؛ فأكبر الظن أن المخطوط يرجع إلى ما قبل وفاته ببضع سنوات.٣٣

وفي المكتبة الأهلية بباريس مخطوط من ديوان السلطان حسين ميرزا مؤرخ من سنة ٨٩٠ﻫ/١٤٨٥م. ويدل ما في صوره من المناظر الطبيعية، ورسوم العمائر، والسِّحنات المغولية، وانسجام الألوان على سمو الأساليب الفنية التي وُفِّقَ إليها الفنانون من مدرسة هراة.

وفي المتحف المتروبوليتان بمدينة نيويورك مخطوط من كتاب «هفت بيكر» للشاعر نظامي يحتوي على صورة بديعة جدًّا تمثل بهرام جور يثبت لحبيبته فروسيته ومهارته في الرماية؛٣٤ وذلك بأن يلصق بسهم واحد حافر حمار الوحش بأذنه. وتمتاز هذه الصورة بحسن توزيع الأشخاص بين الصخور والتلال، وعليها اسم المصور العظيم بهزاد، ولكنها نسبة لا نظن أنها صحيحة؛ لأن الصورة — على الرغم من إتقانها — لا يتجلى فيها ما نعرفه عن أسلوب بهزاد مما سيأتي شرحه في الصفحات التالية. والواقع أننا نعرف أسماء بعض المصورين في مدرسة هراة، ولكنا لا نستطيع أن ننسب إلى أحدهم أي صورة في مخطوط معين. ولعل أعظم هؤلاء المصورين هو روح الله ميرك نقاش الذي يقال إنه كان أستاذًا لبهزاد، والذي تُنسب إليه صورتان في مخطوط من المنظومات الخمسة للشاعر نظامي مؤرخ من سنة ٩٠٠ﻫ/١٤٩٤م.٣٥

وصفوة القول أن التصوير الإيراني في عصر تيمور وخلفائه خطا الخطوة الأخيرة في سبيل الكمال الذي بلغه على يد بهزاد وتلاميذه الذين حملوا لواء هذا الفن في صدر الدولة الصَّفَوِيَّة، وذلك على الرغم من أن العاهلية التيمورية دب فيها الانحلال بعد وفاة شاه رخ وبدء النزاع بين خلفائه، حتى استولت قبائل التركمان على غربي إيران، وقامت دولة الأوزبك في بلاد ما وراء النهر، بل استطاعت أن تقضيَ على نفوذ خلفاء تيمور في شرقي إيران، ولكن هراة ظلت عاصمة التيموريين الذين تقلص نفوذهم بغير أن يؤثرَ ذلك في ازدهار صناعة التصوير؛ فكان حكم السلطان حسين ميرزا بيقرا بين عامي ٨٧٣ و٩١١ بعد الهجرة/١٤٦٨–١٥٠٦م من العصور الذهبية لتلك المدينة في الأدب والفن؛ فعمت شهرة بلاطه أنحاء القارَّة الآسيوية، واتصل به كثير من الشعراء والأدباء والموسيقيين، وكان هو ووزيره مير علي شير من أكبر رعاة التصوير في التاريخ الإيراني، حتى ظهر في خدمتهم بهزاد صاحب الآثار الفنية البديعة في التصوير الإسلامي.

(٦) بهزاد

ولد بهزاد في مدينة هراة سنة ٨٥٤ﻫ/١٤٥٠م، وذاع صيته فيها، ونعم برعاية السلطان حسين بيقرا ووزيره مير علي شير، وظل يعمل في هراة حتى سقطت في يد الشاه إسماعيل الصفوي سنة ٩١٦ﻫ/١٥١٠م؛ فانتقل معه إلى تبريز؛ حيث زاد نَجْمه تألقًا، ونال من الشرف والفخار في خدمة الشاه إسماعيل، ثم ابنه طهماسب ما لم ينلْه مصور آخَر في التاريخ الإسلامي.

وقد حفظ لنا أحد المؤرخين الإيرانيين نص البراءة التي تسلمها بهزاد حين عينه الشاه إسماعيل سنة ٩٢٨ﻫ/١٥٢٢م مديرًا لمكتبته الملكية ومَجْمع فُنون الكتاب، فجعله رئيسًا لكافة أمناء المكتبة ومن فيها من خطاطين ومصورين ومذهِّبين وغيرهم.٣٦

وذاع صِيت بهزاد في إيران وفي غيرها من البلاد التي كانت لها بالإيرانيين صلات فنية، وفاق في الشهرة من سبقه من المصورين ومن عاصره أو خلفه منهم؛ فأثنى عليه المؤرخون الثناء الْجَمَّ، وقرنوه بماني الذي يُضرب به المثل عند الإيرانيين في إتقان التصوير، وقالوا: إن مهارته محت ذكرى سائر المصورين، وإن شعره من فرشاته قد أكسبت الجماد حياة … إلخ، كما أُعْجِبَ به الملوك والأمراء فتسابقوا إلى جمع آثاره الفنية وكتب عنه «بابر» القيصر الهندي المغولي أنه أعظم المصورين قاطبةً.

وعندما أقبل بعض مؤرخي الفنون من الغربيين على دراسة التصوير الإسلامي عَرفوا لبهزاد منزلته الجليلة، ولكن بعض المحدثين منهم يَرَوْنَ أنه نال أكثر مما يستحق٣٧ — وفي رأينا أن هذا الزعم الأخير مبالغ فيه إلى حد كبير.

على أن هذه الشهرة الواسعة التي أصابها بهزاد جعلت من الصعب أن نعرف على وجه التحقيق كل آثاره الفنية؛ لأن المصورين أقبلوا على تقليده بل كانوا يكتبون اسمه على الصور التي يرسمونها إعلاءً لشأنها، كما أن تجار العاديات وبعض الهواة كانوا ينسبون إليه صورًا ليست من عمله رغبة منهم في الكسب الوافر. والحق أن هذا جعل دراسة أسلوبه الفني أمرًا عسيرًا؛ فإننا لا نستطيع أن نطمئن إلى حكمٍ نُصدره بعد بحث الصور القليلة التي يَثبت قطعيًّا نِسْبتها إليه.

وثَمَّةَ صورٌ أخرى ليست بعيدة كلَّ البعد عن أسلوبه في الرسم، ولكن ليس عليها إمضاءه، ولعل الخير كل الخير في مواصلة الدرس والموازنة؛ حتى يمكن أن نعرف عن حقيقة آثاره الفنية أكثر مما نعرف الآن.٣٨

وكان بهزاد من أوائل المصورين المسلمين الذين عُنوا بوضع إمضائهم على آثارهم الفنية، وقد استطاع بفضل عُلو مكانته أن ينتصرَ على الخطاطين انتصارًا مبينًا؛ فقد ذكرنا أنهم كانوا أعلى منزلة من المصورين، وكانوا يتحكمون في حجم الصور، وفي انتقاء الموضوعات، وفي تحديد الفراغ الذي يتركونه في صفحات المخطوطات ليرسم فيه المصورون، ولكن بهزاد قضى على ذلك كله واختار الموضوعات التي أرادها، ورسمها بالحجم الذي كان يبتغيه في صفحة أو صفحتين متجاورتين.

وامتاز بهزاد ببراعته العظيمة في مزج الألوان وتفهم أسرارها، وفي التعبير في صوره عن الحالات النفسية المختلفة، وفي رسم العمائر والمناظر الطبيعية، وأنك لتحس أمام آثاره الفنية أن بين يديك صورًا أرستقراطية، بهدوئها، وحسن ذوقها، وإبداع التركيب فيها، ودقة الزخرفة وانسجامها؛ مما يشهد بأن بهزاد كان المصور الكامل الذي انتهى على يديه تطور التصوير الإيراني في عهد المدرستين الإيرانية المغولية ثم التيمورية.

وقد عاش بهزاد طويلًا، وتنسب إليه صور عديدة من القرنين التاسع والعاشر بعد الهجرة (الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد) وكثير من هذه الصور تمثل دراويش من العراق وإيران. ومما كتبه أحد المؤلفين الهنود عن بهزاد أنه لم يحرز هذه الشهرة الواسعة؛ لأنه سار بأساليب التصوير الإيراني إلى الكمال الطبيعي الذي كان مقدرًا له أن يصل إليه في تطوره فحسب، بل لأنه سار به أبعد من ذلك؛ فأدخل فيه عنصرًا من الحب الإلهي؛ لتأثره بمذهب الصوفية الذي بلغ أَوْج عظمته في إيران قبيل أن يولد بهزاد وحين كان صبيًّا.

ومن أبدع الآثار الفنية التي يطمئن مؤرخو الفنون الإسلامية إلى نسبتها لبهزاد ست صور في مخطوط من كتاب «بستان» للشاعر الإيراني سعدي محفوظ في دار الكتب المصرية، وعلى أربع صور منها إمضاء بهزاد (انظر شكل ٤٢).

وقد كتب هذا المخطوط «سلطان علي الكاتب» أعظم الخطاطين في عصره، كتبه سنة ٨٩٣ﻫ/١٤٨٨م للسلطان حسين ميرزا الذي نشأ بهزاد في بلاطه بمدينة هراة؛ فلا عجب أنْ تولى بهزاد بنفسه تحلية هذا المخطوط بصور تتجلى فيها براعته في مزج الألوان، وتوفيقه في توزيع الأشخاص ودقته في رسم الزخارف النباتية والهندسية الدقيقة. وقد كُتب على ثلاث صور منها بخط دقيق وفي مكان يصعب الاهتداء إليه «عمل العبد بهزاد». أما الإمضاء الرابع ففي صورة تمثل فقهاء يتجادلون في مسجد، وفيها عِقْد جميل تجري في إطاره عبارات إيرانية في ١٣ مِنْطقة، وتنتهي في المنطقة الأخيرة بالنص الآتي: «عمل العبد بهزاد سنة أربع وتسعين وثمانمِائة»؛ مما يدل على أن رسم الصورة كان بعد إتمام المخطوط بسنة كاملة. وليس هذا بمستغرب في التصوير الإيراني؛ فقد كان الخطاطون يُتِمُّونَ عملهم ويتركون الصفحات التي يُراد أن يزينَها المصورون بالرسم. وحدث كثيرًا أن المخطوطات لم تُزَيَّنْ بالصور إلا بعد إتمام كتابتها بزمن غير قصير.

وعلى كل حال فإن ثلاثًا من الصور الممضاة تمثل مناظر في عمائر، أما الرابعة فتمثل الملك دارا وراعي الخيل، وتثبت تفوق بهزاد في رسم الخيل وتصوير الطبيعة الريفية تصويرًا فيه انسجام وحياة. وفي أول المخطوط صورة في صفحتين تمثل السلطان حسين ميرزا في مأدبة، ولا بد من أن تكون من تصوير بهزاد أيضًا؛ فإن موازنتها بالصور الممضاة لا يكاد يترك سبيلًا للشك في صحة ذلك.٣٩

وفي المتحف البريطاني مخطوط من منظومات الشاعر نظامي تاريخه سنة ٨٤٦ﻫ/١٤٤٢م، وفيه عدة صور صغيرة، على ثلاث منها: «صورة العبد بهزاد» مكتوبة في مكان غير ظاهر. ويكاد النقاد يُجمعون على صحة نسبة هذه الصور الثلاث إلى بهزاد، ولكن معرفة تاريخها أمر غير سهل. وقد لوحظ أن على إحدى الصور الأخرى في هذا المخطوط تاريخ سنة ٨٩٨ﻫ/١٤٩٣م مما يرجح أن تكون الصور المنسوبة إلى بهزاد من رسمه في نهاية القرن التاسع الهجري أيضًا.

وفي مجموعة كيفوركيان Kevorkian بنيويورك صفحات عليها نماذج خطية، وفي إحداها صورة دائرية تمثل شابًّا وعجوزًا على مقربة من نهر صغير وحولَهما منظر جبلي،٤٠ وعليها: «صورة العبد بهزاد».
وثمة بعض صور شخصية حقيقية تُنسب لبهزاد ويبدو فيها نجاحه في بيان سِحْنة الأشخاص وصفاتهم الجسمية. ومن هذه الصور واحدة تمثل الشاه طهماسب فوق شجرة، وهي محفوظة الآن في متحف اللوفر وعليها «بير غلام بهزاد» أي «العبد العجوز بهزاد».٤١ وفي مجموعة المسيو كارتييه Cartier صورة للسلطان حسين بيقرا تُنسب إلى بهزاد، وتشبه رسم السلطان حسين بيقرا في مخطوط «بستان» المحفوظ في دار الكتب المصرية.٤٢
على أن المقام لا يتسع هنا لاستعراض سائر ما يُنسب إلى بهزاد من الصور،٤٣ فحسْبنا أن نذكر أنه كان جَمَّ النشاط، وأنه، إن لم يبتدع مدرسة أو طرازًا جديدًا، فقد عرف كيف يسمو بالأساليب الفنية التي ازدهرت في مدرسة هراة إلى الإتقان والدقة في مزج الألوان، والتماسك في التأليف التصويري، والبراعة في تمثيل العمائر من الخارج والداخل، والتوفيق في تصوير الطبيعة الريفية، والقدرة على رسم الصور الشخصية والتعبير عن الحالات النفسية، وما إلى ذلك مما نراه في صوره أو في الصور التي تُنسب إليه، والتي نرجح أن معظمها من عمل تلاميذه أو مرءوسيه في مَجْمع الكتب في تبريز، أو المعجبين بفنه من سائر المصورين.

(٧) قاسم علي

ومن الفنانين الذين نبغوا في هراة في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) قاسم علي الذي كان مؤرخو الفن يخلطون أحيانًا آثاره الفنية بآثار زميله بهزاد.

والواقع أن ما نعرفه من صور هذا الفنان في مخطوط المنظومات «الخمسة» لنظامي، المؤرَّخ من سنة ٩٠٠ﻫ/١٤٩٤م، والمحفوظ الآن بالمتحف البريطاني برقم Or. 6810 يدل على أنه كان مصورًا ماهرًا، ولكنه تأثر بأساليب أستاذه وزميله بهزاد حتى لم يُبْقِ لنفسه أي قسط من الذاتية الفنية؛ فهو يقلد بهزاد في الموضوعات التي يصورها، وفي الأسلوب الذي يستعمله في تصويرها، وفي الزخارف التي يزينها بها، ولكنه لم يصل إلى مقام أستاذه في إبداع الألوان وتمييز سِحنات الأشخاص وإكسابها شيئًا من التعبير.
وتُنسب إلى قاسم علي بعض صور في مخطوط بالمكتبة البودليية في أكسفورد، مؤرَّخ سنة ٨٩٠ﻫ/١٤٨٥م. وأجمل هذه الصور واحدة تمثل بعض الصوفية في حديقة غَنَّاء،٤٤ ولكن بعض الأشخاص فيها منقولون عن صور بهزاد في مخطوط دار الكتب المصرية.
وأكبر الظن أن هذا الفنان أتقن رسم الصور الشخصية، وأنه رسم صورة «بهزاد» المحفوظة في مكتبة الجامعة بإستانبول.٤٥ وتدل ملابس بهزاد في هذه الصورة على أنها رُسمت في العصر الصَّفَوِيِّ؛ أي بعد انتقاله إلى تبريز.

(٨) مدرسة بُخارَى

وقد ازدهرت في إقليم بُخارَى مدرسة فنية في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) يمكننا أن نعتبرها ذيلًا لمدرسة بهزاد.

والواقع أن الأحداث السياسية التي وقعت في خراسان وبلاد ما وراء النهر في بداية القرن العاشر هي التي أدت إلى قيام هذه المدرسة؛ فإن مدينة هراة سقطت في يد شيباني خان زعيم الأوزبك سنة ٩١٣ﻫ/١٥٠٧م، ولكن الشاه إسماعيل الصفوي انتزعها من يد الشيبانيين بعد ثلاث سنوات، وتقلص حكمهم إلى بلاد ما وراء النهر وصاروا يحكمون من سمرقند وبُخارَى. وهاجر إلى هاتين المدينتين كثير من المصورين في هراة، ولا سيما أن قيام دولة الصَّفَوِيَّة في هذا الإقليم كان معناه فرض المذهب الشيعي عليه بعد أن كان يتبع المذهب السني في عصر تيمور وخلفائه وفي عصر الشيبانيين. ثم استولى الأوزبك مرة ثانية على هراة ونهبوها سنة ٩٤١ﻫ/١٥٣٥م؛ فهاجر منها إلى بُخارَى جمهرة الباقين فيها من رجال الفن، وقامت على أكتاف هؤلاء الفنانين في مهجرهم مدرسة بُخارَى التي كان أشهر رجالها المصور محمود مذهب.

وقد كان محمود مذهب يعمل في بلاط السلطان حسين بيقرا، ويَظهر في آثاره الفنية الأولى أنه متأثر بأساليب بهزاد إلى حد كبير، ولا سيما في تأليف الصور وتغطية أرضيتها بالعمائر وفي رسم الأشخاص وتوزيعهم في الصورة، والظاهر أن هذا الفنان هاجر إلى بُخارَى وترك هراة بعد أن بارحَها بهزاد إلى تبريز بفترة قصيرة.

ومن أشهر آثاره الفنية صور في مخطوط من «تحفة الأحرار» للشاعر جامي، كُتب في بُخارَى٤٦ وكان في مجموعة هومبرج Homberg، كما تنسب إليه صور في مخطوط آخر من تحفة الأحرار محفوظ الآن في المكتبة الأهلية بباريس، وعلى بعض صوره «صورة العبد محمود المذهب».٤٧ على أن أبدع ما نعرفه لهذا الفنان صورة في صفحتين بمخطوط من المنظومات الخمسة لنظامي، كُتب للأمير عبد العزيز الشيباني (٩٥٢ﻫ/١٥٤٥م)، ومحفوظ في المكتبة الأهلية أيضًا، وتمثل الصورة عجوزًا تقدم شكواها إلى السلطان سنجر،٤٨ وعلى هذه الصورة إمضاء محمود مذهب، وتمتاز باتزانها وتباين ألوانها.٤٩
وثمة صور أخرى تنسب إلى هذا المصور، ولكن المقام لا يتسع هنا لاستعراضها وبيان مميزاتها.٥٠
ومن المصورين الذين هاجروا من هراة إلى بُخارَى بعد أن تأثروا بمدرسة بهزاد عبد الله المذَهِّب والمصور، ولكن الصور التي عليها إمضاؤه نادرة، ولعل أشهرها رسم شاب يعزف على العود تحت شجرة مزهرة، وهي محفوظة الآن في متحف الفنون الصناعية بمدينة ليبزج.٥١

ومما نلاحظه في الصور المنسوبة إلى هذه المدرسة أن الرجال المرسومين فيها يلبسون غطاء رأس مكون من قَلَنْسُوَة مرتفعة ومضلَّعة وتحيط العِمامة بجزئها الأسفل. كما امتازت هذه المدرسة بالميل إلى الصور المستقلة التي تجمع في «مُرَقَّعات» خاصة، وبنقش هوامش المخطوطات بشتى الزخارف، باللونين الذهبيِّ والْفِضِّيِّ على أرضية مختلفة الألوان.

(٩) المدرسة الصَّفَوِيَّة الأولى

أما المدرسة الصَّفَوِيَّة فقد قامت على أكتاف بهزاد وتلاميذه وأعوانه، وكان أعظم من شملها برعايته هو الشاه طهماسب، الذي ظل يحكم إيران بين عامي ٩٣٠ و٩٨٤ بعد الهجرة (١٥٢٤–١٥٧٦م) بعد أن قضى أبوه الشاه إسماعيل حكمه في حروب وطد بها دعائم الحكم للأسرة الصَّفَوِيَّة، ولم تترك له الفراغ الكافي لتعهد المجمع الذي أنشأه لفنون الكتاب وعقد إدارته لبهزاد.

وارتفعت مكانة الفنانين في عصر الدولة الصَّفَوِيَّة، واتخذ السلطان من بين المصورين أصدقاءه ونُدَماءه؛ بل كان الشاه طهماسب نفسه يطمع في أن يصبح مصورًا ماهرًا، تعلم الفن عن المصور المشهور سلطان محمد، وكان كذلك صديقًا لبهزاد وتلميذه أقا ميرك.

ولا غرابة في أن يرتفع شأن رجال الفن في حكم الدولة الصَّفَوِيَّة؛ فإنها أول دولة إيرانية وطنية منذ العصر الساساني؛ فطبيعي أنها فكَّرت في أن تُعيد إلى إيران مجدها الفني القديم، وبدأت برجال الفن؛ فكان نصيبهم وافرًا من تشجيعها وإكرامها؛ ومن ثم فإن بين مخطوطات العصر الصفوي عددًا كبيرًا محلى بالصور التي يمثل أكثرها أُبَّهَة هذا العصر وحياة البلاط والأمراء فيه، وما يتبع ذلك من حدائق غَنَّاء وعمائر ضخمة جميلة وملابس فاخرة ومجالس طرَب وشراب. كل ذلك في رسم دقيق وألوان زاهية في هدوء ومتنوعة في انسجام، يتوج ذلك مهارة في تأليف الصورة، وتوزيع الأشخاص فيها، ومراعاة النِّسَب بين أجزائها المختلفة.

•••

ومهما يكن من الأمر — فإن بهزاد — حين عُيِّنَ سنة ٩٢٨ﻫ/١٥٢٢م مديرًا لمعهد فنون الكتاب في تبريز، كان قد بلغ ذروة مجده، ولم يتطور أسلوبه الفني بعد ذلك؛ فالفرق بسيط بين آثاره الفنية في هراة وآثاره الفنية في تبريز. أما تلاميذه الذين قدموا معه من هراة، فقد تأثروا بالبيئة الصَّفَوِيَّة الجديدة في تبريز، وأصبحوا دعامة المدرسة الصَّفَوِيَّة التي قامت فيها؛ وهي المدرسة الصَّفَوِيَّة الأولى.

وتمتاز الصور في هذه المدرسة بلباس الرأس المكون من عِمامة ترتفع باستدارة، وتبرز من أعلاها عصًا صغيرة حمراء، ولكن هذه الميزة ليست عامة؛ لأن وجود تلك العِمامة في صورة من الصور يدل على أنها ترجع إلى عصر الأسرة الصَّفَوِيَّة الأولى؛ أي قبل وفاة الشاه طهماسب، بينما وجود غيرها أو عدم وجودها لا يفيد مطلقًا أن الصورة لا يمكن نسبتها إلى هذا العصر. ويِلُوح لنا أن هذه العِمامة كانت في أول الأمر شِعار أفراد الأسرة الصَّفَوِيَّة وأتباعهم، وكان المصورون يرسمون العصا الصغيرة باللون الأحمر، ثم ضعف شأن هذه العِمامة وبدأ القوم يغيرون لون العصا، ثم أصبح وجودها نادرًا في الصور الصَّفَوِيَّة التي صُنعت بعد وفاة الشاه طهماسب سنة ٩٨٤ﻫ/١٥٧٦م.

وقد كان لقيام الدولة الصَّفَوِيَّة أثر كبير في توحيد الأساليب الفنية، بعد أن حققت هذه الدولة الوحدة السياسية في البلاد الإيرانية؛ فلا غَرْوَ أن أصبحت منتجات مصوري البلاط في تبريز وقزوين أنموذجًا ينسج على منواله النابهون من المصورين في سائر العاهلية الصَّفَوِيَّة.

ومن أعلام المصورين في هذه المدرسة شيخ زاده وخواجة عبد العزيز وأقا ميرك وسلطان محمد ومظفر علي ومير سيد علي ومحمدي وسيد مير نقاش وشاه محمد ودوست محمد.

أما شيخ زاده فقد كان خراساني الأصل، وكان تلميذًا لبهزاد، وانتقل معه إلى تبريز كما يظهر من صورة عليها إمضاؤه، وهي في مخطوطٍ من أشعار حافظ، كُتب لسام ميرزا، الأخ الأصغر للشاه طهماسب، ومحفوظ الآن في مجموعة كارتييه Cartier وتمثل هذه الصورة مجلس وعظ،٥٢ ويبدو في رسم الأشخاص وتصوير ما أحدثه بعض المستمعين من شغب، إما لفرط التأثر والإعجاب بما قاله الواعظ وإما لسبب آخر، نقول، يبدو من ذلك — ومن رسم العمائر والجدران والأبواب ذات الزخارف الدقيقة — أن الفنان مشبع جدًّا بالأساليب الفنية التي نعرفها في بهزاد وتلاميذه.
ويميل الأستاذ الدكتور كونل Kuhnel إلى أن يُنسب إلى شيخ زاده نحو أربع عشرة صورة من خمس عشرة موجودة في مخطوط جميل من المنظومات الخمسة لنظامي، كتبه سنة ٩٣١ﻫ/١٥٢٥م الخطاط الكبير سلطان محمد نور، ومحفوظ الآن في المتحف المتروبوليتان بنيويورك. وهذه الصور آية في الجمال بألوانها البديعة وزخارفها الدقيقة ورسومها الغنية. وقد نسبها مارتن Martin إلى أقا ميرك، ونسبها ساكسيان Sakisian إلى محمود مذهب.٥٣
ومن تلاميذ بهزاد المصور خواجه عبد العزيز، والمعروف أنه قدم من أصفهان وأن الشاه طهماسب درس عليه فن التصوير،٥٤ ومن الآثار الفنية التي خلفها هذا المصور صورة أمير صفوي، محفوظة الآن في إحدى المرقَّعات بمكتبة طوب قابوسراي بإستانبول وعليها إمضاؤه، وقد أضاف إلى اسمه أنه تلميذ الأستاذ بهزاد.
ونبغ من تلاميذ بهزاد المصور العظيم آقاميرك. وقد نشأ في أصفهان، ثم هاجر منها واتصل ببهزاد. وأُتيح له أن يحظى بصداقة الشاه طهماسب. وقيل: إنه ظل يعمل في بلاطه حتى سنة ٩٥٧ﻫ/١٥٥٠م. وثمة خمس صور عليها إمضاؤه، وهي في مخطوط من المنظومات «الخمسة» للشاعر نظامي، كُتب في تبريز بين عامي ٩٤٦ و٩٤٩ﻫ/١٥٣٩–١٥٤٣م للشاه طهماسب بيد الخطاط المشهور شاه محمود النيسابوري، ويفخر اليوم بحيازته المتحف البريطاني بلندن، وتمثل إحدى هذه الصور تتويج خسرو٥٥ ونرى في صورة أخرى خسرو وشيرين على العرش، وفي ثالثة مجنون ليلى بين الوحوش في الصحراء، أما الرابعة فتمثل قصة كسرى أنوشروان يصغي للبومتين اللتين تتحدثان على أنقاض قصر حل به الخراب؛ لأن صاحبه كان ظالمًا (انظر شكل ٤٧)، وتمثل الخامسة رجوع شابور إلى فسطاط خسرو. وتدل هذه الصور — بما فيها من عمائر وزهور وأشجار — على تأثر آقاميرك بأستاذه بهزاد، ولكننا نلاحظ فيها — فضلًا عن ذلك — تفوق ميرك في تزيين الملابس بالزخارف المختلفة، وقصوره عما وصل إليه أستاذه في تنويع السِّحْنة في الأشخاص، وإكسابها بعض الحياة والتعبير والحركة.

ومن أعلام المصورين في العصر الصفوي سلطان محمد، وقد قيل: إنه كان أستاذًا للشاه طهماسب في فن التصوير، ولعله خلف بهزاد في إدارة مجمع الفنون الملكي، وأكبر الظن أن نشاط هذا المجمع لم يَعُدْ مقصورًا على فنون الكتاب، بل امتد أيضًا إلى صناعة الخزف ونسج الحرير والسَّجَّاد.

ومهما يكن من الأمر فإننا نجد إمضاء سلطان محمد على صورتين في مخطوط نظامي سالف الذكر، إحداها تمثل بهرام جور يصيد الأسد، والثانية تمثل خسرو يفجأ شيرين تستحم،٥٦ وتمتازان بدقة الزخارف على الملابس وبإبداع الألوان وإتقان رسوم الحيوان، وبالأشخاص ذوي الوجوه الجميلة التي تخلو من أي تعبير قوي. وصفوة القول أن أسلوب سلطان محمد يشبه أسلوب آقاميرك إلى درجة لا يمكن تفسيرها بأن كليهما كان تلميذًا لبهزاد فحسب؛ بل قد تَحْمِلُنا على القول بأنهما تعاونا في العمل تعاونًا وثيقًا، ولم تكن لكل منهما ذاتية فنية مستقلة عن الآخر إلى حدٍّ كبير.
ولا يفوتنا أن مخطوط نظامي الذي اشترك في تصويره أعلام المدرسة الصَّفَوِيَّة صورة غير ممضاة، ولسنا ندري لأي الفنانين يمكننا نسبتها، تلك هي صورة السلطان سنجر والعجوز التي تقدمت إليه تشكو من أن أحدًا من جنوده سرق مالًا لها.٥٧ وهذه قصة مشهورة صورها كثير من المصورين الإيرانيين، وقد كان سنجر آخر ملوك دولة السلاجقة في أيام مجدها وقبل أن تقوم على أنقاضها دويلات سلجوقية صغيرة الشأن في القرن السادس الهجري (منتصف الثاني عشر الميلادي). ويُحكى عنه أن عجوزًا اعترضت موكبه شاكية أحد جنوده؛ فغضب وقال لها ما معناه: كيف حدثتك نفسك بمضايقتي بشكواك التافهة؟! ألا تَرَيْنَ أني خارج لأفتح بلادًا وأعاقب أممًا بأجمعها؟! فأجابته قائلة: «وأي فائدة تجني من الانطلاق لقهر الأمم الأجنبية إذا كنتَ غير قادر على حفظ النظام بين جنودك؟!»
وفي اعتقادنا أن هذه الصورة ذات الثروة الزخرفية العظيمة، من الآثار الفنية التي يمكن نسبتها إلى سلطان محمد أو إلى آقاميرك في آخر حياته.٥٨
ومن أبدع الصور التي رسمها سلطان محمد اثنتان في مخطوط من أشعار حافظ في مجموعة كارتييه Cartier إحداهما تمثل أميرًا صفويًّا بين أتباعه وغلمانه في «كشك» في حديقة، وقد جلسوا حوله حلقة يزيدها بهاء الألوان نضارة. أما الصورة الثانية فتمثل منظر شراب، وتبدو فيها مهارة الفنان ودعابته وتوفيقه في تصوير الحركة؛ فإن المنظر كله يكاد يكون كاريكاتوريًّا: تُدار كئوس الخمر؛ فيتناولها فريقٌ، بينما نرى آخرين يَتَرَنَّحُونَ من السُّكْر، ويتدحرج بعضهم على الأرض، وفي الطابق العلوي شيخ ينظر في مرآة في يده، ويشترك الملائكة في الشراب من شرفة تطل على الباقين، بينما يُطْرِب الجميعَ موسيقيون، بينهم شيخ وغلامان وثلاثة أشخاص آخرين في هيئة كاريكاتورية تجعلهم أقرب إلى الْقِرَدَة منهم إلى الآدميين. وفي طرَف الصورة حديقة ذات سِياج خشبي، وقف بجواره رجل يقبض على إبريق من الخمر يتدلى في حبل طويل، أمسك به رجل في شرفة تطل على الحديقة.٥٩
وثمة صورة أخرى يُرَجَّح أنها من رسم سلطان محمد، ولا عجب فإنها تكاد تكون أبدع ما صوره الفنانون في عصر الأسرة الصَّفَوِيَّة. وهي من الصور التي لا إمضاء عليها في مخطوط نظامي الذي كتب للشاه طهماسب، والمحفوظ في المتحف البريطاني. وتمثل هذه الصورة قصة المعراج،٦٠ وقد كانت أحب قصص السيرة النبوية إلى الإيرانيين؛ فرسموها في عدد كبير من الصور والمخطوطات. ولكننا لا نعرف صورة لهذه القصة أصاب فيها الفنان حظًّا من التوفيق والسمو أوفر من صورة المعراج في مخطوط نظامي (انظر شكل ٤٦)، فإن المرء يُؤْخَذُ لأول وهلة بإبداع ألوانها وجلال مظهرها، ويرى فيها السماء بسحبها البيضاء، والنبي — عليه السلام — راكبًا فرسه «البراق» ذات الوجه الآدمي، وفي يمين الصورة بالجزء السفلي نرى الأرض التي تركها النبي وحولَها غِلاف أبيض كُروي، وأمام النبي سيدنا جبريل يقود الرَّكْب في السموات، وبين الرسول وسيدنا جبريل مَلَك مُجَنَّح يحمل مِبْخَرة معلَّقة في عصاة ويخرج منها لهب ذهبي، وعلى يسار النبي مَلَك آخر يحمل صحنًا فيه بخور يحترق، وفي الصورة ملائكة آخرون يحمل بعضهم أطباقًا من الجواهر والفواكه وفي يد أحدهم تاج ثمين. وصفوة القول أن في الصورة خيالًا واسعًا وحركة وحياة تجعلها من أبدع آيات التصوير الإيراني. كما أننا نلاحظ في رسم النبي عليه السلام ما اتبعه الفنانون الإيرانيون في معظم الأحيان من إخفاء سِحْنة الرسل.

وفي مجموعة البارون موريس دي روتشيلد مخطوط من شاهنامه تاريخه سنة ٩٤٤ﻫ/١٥٣٧م، وفيه ٢٥٦ صورة كبيرة يظهر في رسمها أسلوب أعلام المصورين في المدرسة الصَّفَوِيَّة، ولا سيما سلطان محمد. وأكبر الظن أنها من عمل تلاميذهم، ولكنها عظيمة الشأن؛ لأنها كثيرة العدد، وتجمع المميزات الفنية في المدرسة الصَّفَوِيَّة مع شتى الموضوعات التي عرض لها المصورون من قصص الشاهنامه.

ومن المصورين الذين نسجوا على منوال سلطان محمد مصوران آخران هما شاه محمد الأصفهاني ومير نقاش. وأكبر الظن أن الأخير خَلَفَه في إدارة مجمع الفنون. وقد امتاز هذا المصوران برسم شبان الطبقة الأرستقراطية في أوضاع أنيقة وأساليب متكلفة؛ كما يظهر في صورة محفوظة في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن، وتمثل أميرًا صفويًّا في يده زهرة٦١ وعليها إمضاء شاه محمد، وكما يظهر في صورة أخرى من النوع نفسه محفوظة الآن في المتحف البريطاني، وتُنسب إلى المصور مير نقاش.
أما مظفر علي فقد كان من تلاميذ بهزاد، واشترك في تصوير مخطوط نظامي الذي كُتب للشاه طهماسب والمحفوظ في المتحف البريطاني، كما اشترك فيه أيضًا المصوران ميرزا علي التبريزي ومير سيد علي. وامتاز الأخير بجمعه عدة مناظر، بعضها فوق بعض، في الصورة الواحدة، وبعنايته بتسجيل حياة المدن والريف في صوره. ويبدو ذلك في الصورة التي رسمها في المخطوط سالف الذكر، وهي تمثل عجوزًا تقود «المجنون» أسيرًا إلى خيمة ليلى،٦٢ وقد خرج المصور على التقاليد الموروثة؛ فصور رَبْع ليلى وما يجري فيه من الأعمال اليومية، وما أثاره قدوم «المجنون» من العداء والفضول؛ فليلى جالسة في خيمتها والعجوز على مقربة منها، ومعها المحب المتيم يرسف في قيوده، والصبية يقذفونه بالأحجار. وفي الصورة خيام أخرى انصرف من فيها من النساء إلى أعمالهن المنزلية، وثمة سيدة تجلب ماءً من القناة، وأخرى تحلب شاة، وبجوارها راعيان يحرسان قطيعًا من الغنم، وفي يد أحدهما مِغْزَل بينما الثاني يعزف في مزمار.
ولم يكن نشاط هذا الفنان مقصورًا على إيران فحسب، بل لقد ذهب إلى الهند وكان له فيها شأن عظيم؛ وذلك أن الإمبراطور الهندي المغولي همايون فقد عرشه سنة ٩٥١ﻫ/١٥٤٤م وفرَّ إلى بلاد الشاه طهماسب؛ حيث أُتيح له أن يَلْقَى مير سيد علي؛ فأعجب به إعجابًا شديدًا وأَلَحَّ عليه في مرافقته إلى كابل، ثم إلى دهلي؛ حيث عُهد إليه بإدارة العمل لإنتاج ٢٤٠٠ صورة كبيرة لقصة الأمير حمزة. وقد اشتغل في هذا العمل عشرات المصورين، وظلوا يعملون عدة سنين،٦٣ ولكن إدارته انتقلت منذ سنة ٩٥٦ﻫ/١٥٤٩م إلى مصور إيراني آخر: هو عبد الصمد الشيرازي. وأكبر الظن أن هذا الفنان الأخير لم يُصِبْ ما ناله من الشهرة إلا بفضل عمله الفني في الهند؛ فقد رحل إليها شابًّا، وارتقى فيها درجات المجد حتى اختاره الإمبراطور «أكبر» أستاذًا له. وكان تأثيره الفني في تصوير قصة الأمير حمزة أعظم من تأثير سلفه مير سيد علي، بل إنه لم يلبث أن تأثر بالبيئة الهندية، وأصبحت صوره هندية إلى حد كبير. والواقع أن لدينا نماذج من آثاره الفنية نستطيع بوساطتها أن نتبع تطوره الفني، وأن نشهد انفصاله التدريجي عن الأساليب الفنية في المدرسة الصَّفَوِيَّة بتبريز؛ حيث نشأ وبدأ حياته الفنية.

وممن أنجبتهم هذه المدرسة مصورون أُتِيَح لهم أن يرحلوا إلى تركيا، وعلى رأسهم كمال التبريزي الذي كان تلميذًا لميرزا علي، وشاه قولي الذي كانت له حظوة كبيرة في بلاط السلطان سليمان القانوني، وولي جان الذي عُرف بميله إلى تصوير الدراويش والشبان والشابات بالملابس التركية.

وتألق نجم فنان كبير في نهاية المدرسة الصَّفَوِيَّة الأولى، وهو المصور محمدي الذي درس التصوير على والده سلطان محمد، وامتاز بالتفوق في رسم المناظر الريفية، والعناية بتسجيل الحياة اليومية. وكانت حياته الفنية طويلة؛ فإننا نرى إمضاءه على صورة أمير صفوي مؤرخة في تبريز سنة ٩٣٤ﻫ/١٥٢٨م، ومحفوظة الآن في مرقَّعة (ألبوم) بهرام ميرزا في إستانبول، كما نرى صورة أخرى في المرقَّعة نفسها عليها إمضاؤه في هراة سنة ٩٢٢ﻫ/١٥٨٤م.

ولعل أبدع آثاره الفنية رسم محفوظ في متحف اللوفر (انظر شكل ٤٨) يرجع إلى سنة ٩٨٦ﻫ/١٥٧٨م، وفيه بعض مناظر خلابة من حياة الريف ومضارب القبائل الرُّحَّل؛ فثَمَّةَ فلاحٌ يحرث الأرض وآخَرُ جالسٌ تحت شجرة عليها طيور، وعلى مقربة منها راعٍ يحرس قطيعًا من الغنم ويعزف على مزمار في يده وإلى يمينه كلبه، كما نرى خيمتين فيهما نساء يغزلن وينسجن، وخلف الخيمتين رجل يجلب ماءً في قِدْر.٦٤
وفي المكتبة الأهلية بباريس رسم بريشة محمدي يمثل بعض الأساتذة والطلاب في رحلة إلى مِنطقة جبلية. وفي مجموعة فيليب هوفر Philip Hofer رسم يشبه هذا الرسم كل الشَّبَه.٦٥
وقد رسم محمدي صورته، وهي محفوظة الآن في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن،٦٦ وهي تمثله وهو حوالي الخمسين من عمره، وعليها «عمل محمدي صورت محمدي». وفي نفس المتحف صورة بريشته تمثل حبيبين لهما قَدٌّ رشيق يُنْبِئ بما سنعرفه من رسوم المدرسة الصَّفَوِيَّة الثانية. وقد أصاب الفنان في هذا الرسم أبعد حدود التوفيق في التعبير عن دلال الحبيبة ومقاومتها المصطنعة.٦٧

وثمة رسوم أخرى محفوظة أيضًا في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن، وفي مكتبة المجمع بمدينة لينينجراد، وفي المتحف الأهلي بطهران، ويمكن نسبتها إلى هذا المصور.

ولا يفوتنا أن نذكر أن معظم رسوم محمدي لم تكن ملونة كلها، بل كان فيها قليل من اللون الأحمر أو الأخضر في الصخور والحيوانات.

(١٠) المدرسة الصَّفَوِيَّة الثانية

وكانت هناك مدرسة صفوية ثانية في عصر الشاه عباس وخلفائه، وهي مدرسة رضا عباسي، وكان مقرها أصفهان. وقد ظل الشاه عباس الأكبر يحكم إيران زُهاء اثنين وأربعين عامًا (٩٨٥–١٠٣٨ﻫ؛ أي ١٥٨٧–١٦٢٩م). وكان حاكمًا عظيمًا؛ فبقي اسمه في تاريخ إيران رمزًا للمجد والعظمة؛ ولكن الحقيقة أن لعصره شهرة في الفنون لا يستحقها كلها؛ فقد كان عصر تأخر بطيء سقط بفن التصوير إلى الهاوية.

وامتازت الآثار الفنية في ذلك العصر بتنوعها؛ إذ كان انتقال العاصمة إلى أصفهان سببًا في قربها من المحيط، ونمو علاقات إيران مع الهند والبلاد الغربية؛ فوفدت البعثات والسفارات، وأقبل السائحون والتجار إلى إيران، وعُنِيَ الفنانون بالنقش على الجدران نفسها، وبرسم الصور المستقلة الكبيرة لتزيين الجدران بها. وفي مجموعة الدكتور علي باشا إبراهيم نخبة طيبة من هذه الصور الكبيرة يظهر فيها تأثر المصورين بأساليب الفنون الغربية من قوانين المنظور وهدوء الألوان وتدرجها (انظر الأشكال ٥٢ و٥٣ و٥٤).

ومما شاع في ذلك العصر أيضًا رسم الصور بدون ألوان أو بألوان بسيطة جدًّا. والظاهر أن الأمراء ورجال البلاط انصرفوا عن المخطوطات المصورة بعض الانصراف؛ فلم يجد المصورون مَنْ يعوضهم عن العمل فيها؛ ولذا فقد ندرت المخطوطات المصورة الثمينة في هذه المدرسة، بينما زاد عدد الصور غير المتقَنة التي كانت تُصنع لعامَّة الهواة — أي للسوق — والتي لم يكن إخراجها يتطلب نفقة باهظة.

على أن بعض الصور غير الملونة كان آية في الدقة وإتقان الخطوط، وكانت تُرسم في ثقة وبراعة، رسمًا لم يكن يخلو أحيانًا من قوة التعبير أو روح التهكم والسخرية.

والواقع أن الشاه عباس كان يُعْنَى بتشديد العمائر وتزيين جدرانها بالصور الكبيرة من الطراز الإيراني أو بصور أوروبية مما كان يحمله التجار والمبشرون إلى إيران. أما في تصوير المخطوطات فقد جمد المصورون ووقفوا عند تقليد الصور المرسومة في المخطوطات القديمة تقليدًا لم يصيبوا فيه حظًّا كبيرًا من التوفيق.

وطرأ على تصوير الأشخاص تطور كبير في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)؛ فقَلَّ عدد المرسومين ولم تَعُدِ الصورة تجمع عددًا كبيرًا منهم؛ بل أصبح المصور يكتفي في رسمه بشخص أو شخصين بقَدٍّ أهيف، وفي وضع متكلَّف، وأنوثة تجعل من الصعب التفريق بين صور الفتيان والفتيات. ويُنسب هذا الطراز في التصوير إلى زعيم المصورين في ذلك العصر، وهو رضا عباسي، الذي قامت حول اسمه مناظرات ومساجلات بين علماء الآثار،٦٨ وأصبح جلهم يعتقدون بوجود مصورين اثنين بين اسميهما شبه كبير وهما آقا رضا ورضا عباسي. والواقع أن اسم «رضا» كان كثيرَ الذيوع في ذلك العصر.
وأكبر الظن أن الأول أقدم عهدًا من الثاني وأقل شهرة منه، ولعله بدأ إنتاجه في بلاط الشاه طهماسب، وظل يعمل حتى نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر) فكان بذلك معاصرًا للشاه عباس الأكبر، ولكن الأرجح أنه هروي الأصل وأنه اتصل بالإمبراطور الهندي المغولي جهانجير. ومن آثاره الفنية المعروفة صورة منظر في البلاط محفوظة في متحف قصر جلستان بطهران، وصور أخرى في مخطوط من «أنوار سهيلي» كُتب في الهند سنة ١٠١٩ﻫ/١٦١٠م ومحفوظ الآن في المتحف البريطاني.٦٩

ومهما يكن من الأمر فإن أسلوبه في الرسم إيراني يذكر بالمدرسة الصَّفَوِيَّة الأولى، ولكن ألوانه عليها مسحة هندية ظاهرة.

أما رضا عباسي فإن إمضاءه على كثير من الرسوم المؤرخة تحملنا على الاعتقاد بأن مدة إنتاجه الخصب كانت بين سنتي ١٠٢٨ و١٠٤٩ بعد الهجرة (١٦١٨ و١٦٣٩م).

والواقع أن رسومًا كثيرة عليها إمضاؤه ولسنا نَجْزِم بصحة نسبتها كلها. وقد كتب الدكتور كونل Kühnel بيانًا بنحو سبع عشرة صورة يثق بأنها من عمل هذا الفنان،٧٠ ويتراوح تاريخها بين عامي ١٠٢٨ﻫ (١٧١٨م) و١٠٤٤ﻫ (١٦٣٤م)، وأعظمها شأنًا صورة في متحف قصر جلستان تمثل مجنون ليلى في الصحراء،٧١ وأخرى في المكتبة الأهلية بباريس، وتمثل درويشًا يستريح،٧٢ وثالثة فيها رسم حبيبين، ومحفوظة الآن في مجموعة الدكتور زره Sarre في برلين.٧٣ ورابعة تمثل الدرويش عبد المطلب، وهي الآن في مكتبة المجمع في مدينة لينينجراد،٧٤ وخامسة تمثل الشاه صفي الدين والطبيب محمد شمسة ومعهما فرس الشاه وغلامان، وهي محفوظة الآن بمكتبة الدولة في لينينجراد.٧٥
وثمة رسوم أخرى غير مؤرخة، ولكن عليها إمضاؤه: «رقم كمينه رضاي عباسي» أي «رسمه الحقير رضا عباسي». ومن المرجح أن معظمها من رسمه أيضًا بالرغم من أن نص عبارة الإمضاء في بعضها يختلف عنه في البعض الآخر. ومن أبدع هذه الصور واحدة في مجموعة كارتييه تمثل منظرًا طبيعيًّا وثلاثة صيادين، ويتجلى فيها الإبداع في التأليف التصويري، وفي إتقان تصوير الطبيعة على النحو الذي نعرفه عند المصورين في الشرق الأقصى (انظر شكل ٤٩).

وقد كان رضا عباسي قليل الإنتاج في شبابه، يقبل على الرسوم التخطيطية والتوضيحية ولا يُعْنَى بالصور في المخطوطات، ثم دخل في خدمة البلاط في بداية القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) فأضاف إلى اسمه «رضا» نسبة إلى الشاه؛ فأصبح «رضا عباسي»، وزاد إنتاجه وحسنت سيرته، وأصبح له تأثير عظيم في الحياة الفنية بأصفهان، ودرس عليه تلاميذ كثيرون تألفت منهم المدرسة الصَّفَوِيَّة الثانية.

ومن المصورين الذين ذاع صِيتهم في هذه المدرسة الفنية معين المصور وحيدر نقاش ومحمد قاسم التبريزي ومحمد يوسف ومحمد علي التبريزي. ويُنسب إلى رضا عباسي وإلى هؤلاء المصورين عدد كبير من الصور بعضها أقل من المتوسط في الجودة والإتقان، ويمتاز أكثرها بما أشرنا إليه من قدود ممشوقة وأوضاع متكلَّفة. وكان معين المصور أقربهم إلى قلب رضا عباسي، وقد رسم صورتين لأستاذه٧٦ وهما — فيما نعلم — اثنتان من ست صور وصلتنا لأربعة من رجال الفن. أما الصورة الثالثة فترجع إلى عصر المدرسة الصَّفَوِيَّة الأولى، وتمثل الأستاذ بهزاد، وهي محفوظة الآن في مكتبة يلدز بإستانبول. والرابعة صورة محمدي من عمل المصور نفسه، وهي الآن في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن. والخامسة صورة معين نفسه، وقد رسمها سنة ١٠٨٣ﻫ/١٦٧٢م، وهي محفوظة الآن في المكتبة الأهلية بباريس. وفضلًا عن ذلك فإن المصور محمد شفيع رسم صورة محفوظة الآن في مجموعة الدكتور زرة Sarre ويُرَجَّح أنها صورة والده رضا عباسي.
ومهما يكن من شيء فإن معينًا المصور نسج على منوال أستاذه رضا، ولكنه لم يلحقْه في دقة الرسم وإتقانه. وقد خلف عددًا من الرسوم والصور، ولعل أطرفها ست صور كبيرة في مخطوط من الشاهنامه في مجموعة شستر بيتي Chester Beatty٧٧ (انظر شكل ٥١).
وقد نبغ من تلاميذ رضا عباسي ومعين مصورون آخرون؛ مثل مير أفضل توني وحبيب الله المشهدي وملك حسين الأصفهاني ومحمد يوسف الحسيني وشاه قاسم ومحمد قاسم٧٨ ومحمد علي.
أما الشاه عباس الثاني الذي حكم إيران بين عامي ١٠٥٢ و١٠٧٧ بعد الهجرة (١٦٤٢–١٦٦٧م) فقد كان شديد الإعجاب بالغرب وفنونه؛ فأرسل المصور محمد زمان ليدرس التصوير في روما. وقيل إن هذا المصور اعتنق المسيحية، ثم سافر إلى الهند ولم يرجع إلى إيران إلا سنة ١٠٨٧ﻫ/١٦٧٦م. ومهما يكن شيء، فقد تأثر هذا الفنان بالأساليب الفنية الأوروبية، ولا سيما في مراعاة قواعد المنظور، وفي الصور الدينية؛ كرسم الأسرة المقدسة والملائكة والقديسين وما إلى ذلك من المناظر الدينية المسيحية.٧٩ على أنه لم يفقد روحه الإيرانية تمامًا. وقد رسم هذا الفنان سنة ١٠٨٦ﻫ/١٦٧٥م ثلاث صور في مخطوط نظامي الذي كُتب للشاه طهماسب، والذي اشترك في تصويره أولًا أعلام المصورين في المدرسة الصَّفَوِيَّة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل زاد تأثر المصورين الإيرانيين عامة بأساليب الفنون الغربية، وتخلَّوْا عن كثير من الأساليب الإيرانية في التصوير؛ فكان هذا فاتحة اضمحلال التصوير الإيراني؛ كما تدل على ذلك الصور الزيتية الكبيرة التي ذاع رسمها في عصر فتح علي شاه بين عامي ١٢١١ و١٢٥٠ بعد الهجرة وفي القرن الماضي؛ فإن صناعتها أوروبية أكثر منها إيرانية.

(١١) مميزات الصور الإيرانية

بقي علينا بعد ما سردناه من تاريخ مدارس التصوير في إيران أن نستنبط من الصور الإيرانية عامة بعض الملاحظات التي تلفت نظر الأخصائيين من مؤرخي الفنون الجميلة وغيرهم من رجال الفن.

ولعل أبين ما نلاحظه في الصور الإيرانية أن قوانين المنظور غير محترمة، وأن الصورة مكونة في مستوًى واحد، وأن الفنان لا يُعْنَى برسم أجزاء الجسم رسمًا يحترم فيه الطبيعة وعلم التشريح، ولا يكترث بتوزيع الضوء وبيان الظل، وإنما يُفرط في توزيع الألوان التي تكسب الصورة حياة أخرى وبريقًا بديعًا وألوانًا سحرية عجيبة.

ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نعتبر هذه الصفات عيوبًا؛ فالواقع أنها جزء لا يتجزأ من الصور الإيرانية، وهي التي تميزها عن غيرها، وتجعل لها سحرها الخاص؛ ولذا فإننا — إذا أردنا أن نفهم الصور الإيرانية وأن نتذوقَها — وجب علينا أن نعرف هذه الأصول والصفات، وأن نبتعد عن موازنة الصور الإيرانية بالصور الغربية. ولسنا نجهل أن ما عُنيت به الفنون الكلاسيكية من الدقة في تصوير الطبيعة وأجزاء الجسم الإنساني ليس كل شيء في الفن، وإلا لأصبح التصوير الشمسي «الفتوغرافيا» أرقى الفنون وأدقها، وغَدَت جُلُّ نزعات الفنون الحديثة انحطاطًا لا شك فيه.

بل إننا نستطيع أن نقرر في هدوء واطمئنان أن هذا العالم المجرَّد الذي تخلقه الصور الإيرانية ليس خرقًا لحرمة الطبيعة كما يبدو لأول وهله، بل هو طبيعة ثانية، فيها ما فيها من ظرف وخيال ونضارة.

أجل إن إهمال قوانين المنظور وجهل الأساليب الغربية في توزيع الضوء والظل يجعلان الصور لا تبدو مجسمة كما نعرف في الفنون الكلاسيكية، والفنان الإيراني لا يُعنى بتأثير الضوء ولكنه مأخوذ بعظمته؛ فنرى الضوء يسطع على كل شيء في الصورة الإيرانية بدون اختلاف أو تدرج أو توزيع، كما أن جل المناظر في الصور الإيرانية هادئة بل جامدة ولا حركة فيها؛ مما يُكسبها شيئًا من البساطة والسذاجة لا يتعارض مع ما نحسُّه فيها من الأرستقراطية والامتياز، ولكن علينا ألا ننسى أن تلك الصور زخرفية قبل كل شيء، وتوضيحية على الرغم من أننا قد نجد بها في بعض الأحيان شيئًا من روح المزاح والتهكم.

وكان المصور الإيراني لا يكترث بظواهر الأشياء، وخير دليل على هذا مثال ضربه الأستاذ بنيون Laurence Binyon، وهو منظر رجل ينتشلونه ليلًا من جُبٍّ عميق كان مسجونًا فيه؛٨٠ فالمصور الإيراني الذي يرسم هذا المنظر لا يفوته رسم النجوم لبيان جمال الليل، ولكنه يرسم كل ما عداها في وضح النهار، ولا يفوته أن يُزيلَ جزءًا من الأرض حتى نرى الرجل في الجُبِّ كما نرى الذين ينقذونه،٨١ وهو في ذلك كله لا يتقيد بما يعرفه الغرب من أصول الرسم وقواعده.
ولعل تلك الطبيعة الزخرفية هي التي حببت إلى الفنانين الإيرانيين رسم الأشخاص ذوي الوجوه الاصطلاحية التي لا يتأثر بها المشاهد فلا يشغله عن الجانب الزخرفي في الصورة شاغل، ومع ذلك فإن الإيرانيين لم يعجِزوا — حين أرادوا — عن رسم الصور الشخصية لأفراد معينين، كما لم يَفُتْهُمْ في بعض الأحيان التعبير عن الحالات النفسية المختلفة، بل إنهم استطاعوا رسم المناظر الطبيعية لذاتها؛ كما يظهر من صور عَثَرَ عليها الأستاذ أقا أوغلو Aga Oglu في إستانبول وليس فيها صور أشخاص أو حيوانات قَطُّ، بل تمثل كلها مناظر طبيعية جميلة.٨٢
أجل، إن تصوير المناظر الطبيعية لم يكن عندهم فرعًا مستقلًا من فروع التصوير، ولم تكن له المكانة التي وصل إليها عند الغربيين والصينيين، ولكنهم عرفوه ولم ينصرفوا عنه لعجز؛ وإنما لأنه لم يوافق طبيعتهم الفنية واعتقادهم أن الإنسان هو المحور الذي تدور حوله هذه الحياة؛ فالفنان الإيراني يأخذ من الطبيعة ما يريد، ولكنه لا يتقيد بها، وهو لا يتبع أسلوب الفنانين التأثريين impressionists فيرسم «الأثر» الذي تجمعه العين والعقل من الأصل الذي يُراد تصويره، ويرسم المنظر كما يتذكره؛ فيصور ما يَلْفِت النظرَ ويسترعي الانتباه فيه، ولا يُعْنَى بالتفاصيل عناية خاصة، وإنما يقربه إلى العين فلا يعبأ بالبعد، وله بعد ذلك أساليبه الخاصة في إظهار دقة الشكل وجماله.

أما الألوان في الصور الإيرانية فلا تتدرج ولا تختلط ولا تتجمع حول مركز مشترك، ولكن فيها من التباين والتنافر والشذوذ ما لا يحتمله التصوير في الفنون الأخرى. والواقع أن الصور الإيرانية لم تبلغ غايتها في دقة الألوان ونضارتها إلا على يد المدرسة التيمورية والمدرسة الصَّفَوِيَّة في القرنين التاسع والعاشر بعد الهجرة (الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد). وقد وُفق المصورون حينئذ إلى التخفيف من الشذوذ والتنافر بتصغير المساحات الملونة وتكرارها؛ مما يجعلنا نجد الألوان غير المتقاربة تتجاور في هدوء وبهاء، ولا يخفف من حِدَّتِها إلا وضعها في أشكال هندسية صغيرة أو وحدات موزعة في أسطح كبيرة ذات ألوان أخرى.

وحسبك أن تُمْعِنَ النظر في إحدى الصور الإيرانية الجميلة من مدرسة هراة أو المدرسة الصَّفَوِيَّة؛ لتعجب بلون الزهور البيضاء والصحاري السمراء والسماء الذهبية والملابس المختلفة الألوان مما يؤلف مجموعة من الألحان الموسيقية العذبة.

ولا يفوتنا أن نلاحظ أن الصور الإيرانية قبل مدرسة هراة كانت غير شخصية، وأن الفنانين لم يكتبوا إمضاءاتهم عليها إلا نادرًا جدًّا، وأن أول الفنانين الذين ظهرت شخصيتهم ظهورًا بَيِّنًا هو المصور بهزاد، الذي رفع مكانة المصورين، وجعلهم يفخرون بآثارهم الفنية.

وصفوة القول أن الصور الإيرانية لها تقاليد فنية اصطلاحية تشبه في بعض الوجوه الصور الهندية والصينية واليابانية، ولكن لها فضلًا عن ذلك ذاتية قوية وسحرًا خاصًّا؛ فرسم الصخور كأنها الْمَرْجان، والتعبير باللون الذهبي عن الصحاري تحفُّ بها خضرة الأشجار وألوان الزهور والعمائر، كل هذا عنصر هام في الصور الإيرانية يُكسبها ما لها من طابع خاص.

وقد يُعاب على المصور الإيراني ما سنعرض له في نهاية هذا الكتاب حين نذكر أن الفنانين المسلمين عامة يتبعون تقاليد فنية موروثة، ولا يَحِيدون عنها إلا بقدر ما يختلف أحدهم عن الآخر في إتقانها؛ فالمصور الإيراني فنان يعمل — في معظم الأحيان — بيده أكثر مما يعمل بعقله، وأكثر الفنانين المسلمين لا يختلفون عنه في هذا الشأن؛ ولذلك قيل عنهم في بعض الأحيان إنهم صُنَّاع فحَسْب.

ومعظم الصور الإيرانية توضيحية، ولكنها لا تختلف في ذلك عن كثير من الصور الغربية في العصور السابقة؛ فتلك توضح قصص الشاهنامه وكليلة ودمنة ودواوين الشعر والقصص المنظومة، وهذه توضح قصص الميثولوجيا (علم الأساطير القديمة) أو الكتاب المقدس. ولكن المصور الإيراني لم يستطع في أغلب الأحيان أن يصل إلى التعبير عن الحالة النفسية بوساطة وجوه الأشخاص في الصورة كما نعرف في الفنون الغربية.

١  انظر K. A. C. Creswell: Early Muslim Architecture ج١ ص٢٦٩ وما بعدها، وHautecœur et Wiet; Les Mosquées du Caire ص١٦٥ وما بعدها.
٢  راجع في هذه المناسبة ما كتبه الدكتور محمد حسين هيكل باشا من صفحة ٤٧ إلى صفحة ٥١ في تقديم الطبعة الثانية لكتابه «حياة محمد» عن «عدم الأخذ جزافًا بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث»، وانظر ما كتبه الأستاذ أحمد أمين في فجر الإسلام ج١ ص٢٤٩–٢٦٨.
٣  انظر Th. Arnold: Painting in Islam ص١١ وما بعدها، وA Survey of Persian Art ج٣ ص١٩٠٨–١٩١٠، وانظر كتابنا «التصوير في الإسلام» ص١٨-١٩.
٤  راجع A Survey of Persian Art ج٣ ص١٩٠٧-١٩٠٨، الحاشية رقم ٢.
٥  انظر R. Gottheil: An Illustrated Copy of the Koran في مجلة Revue des Etude Islamiques ص٢٢–٢٤ من عدد ١٩٣١.
٦  كتب أستاذنا أحمد أمين: «ورأَوْا (الإيرانيون) أن آلهة الخير في نزاع دائم مع آلهة الشر، وأعمال الإنسان من صلاة ونحوها «تعين آلهة الخير» في منازلتها آلهة الشر. واتخذوا النار رمزًا للضوء، وبعبارة أخرى رمزًا لآلهة الخير، يشعلونها في معابدهم، وينفحونها بإمدادهم؛ حتى تقوَى على آلهة الشر وتنتصر عليها» (فجر الإسلام ج١ ص١١٨).
٧  راجع L. Hautecœur et G. Wiet: Les Mosquées du Caire. ص١٧٠ وما بعدها.
٨  ومن أقدم ما نعرفه في هذا الصدد أن الأمير الساماني نصر بن أحمد (٣٠١–٣٣١ﻫ أي ٩١٣–٩٤٢م) أمر الشاعر رودكي بنظم كليلة ودمنة، ثم طلب إلى فنانين صينيين أن يوضحوا الترجمة المنظومة بالصور. ولم يكن هذا أول العهد بتصوير مخطوطات هذا الكتاب؛ فقد كتب ابن المقفع في «باب عرض الكتاب» من الترجمة العربية التي قام بها: «وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراض: أحدها … والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ.» كما كتب أيضًا: «وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألَّا يجعلَ غايته التصفح لتزاويقه بل ليشرف على ما تضمن من الأمثال …» وفي هذا دليلان على أن كتاب كليلة ودمنة كان يُزَيَّن بالنقوش والتصاوير منذ القرن الثاني بعد الهجرة (الثامن الميلادي).
ولما أتم الفردوسي نظم الشاهنامه سنة ٤٠١ﻫ/١٠١٠م أقبل الفنانون على توضيحها بالصور إقبالهم على تزيين دواوين الشعر، ولا سيما منظومات الشاعرين نظامي وسعدي.
٩  انظر مقالنا عن «تين وفلسفة الفن» في العدد الأول من مجلة الثقافة (٣ يناير سنة ١٩٣٩).
١٠  راجع Th. Arnold: Painting in Islam ص٩١–١٢٢.
١١  انظر ص٣ و٤ من المقدمة التاريخية التي كتبها الأستاذ فييت في كتاب، E. Pauty; Bois Seulptés d’Eglises Coptes.
١٢  انظر A Survey of Persian Art ج٣ ص١٨٢٠–١٨٢٨.
١٣  انظر A Survey of Persian Art ج٣ ص١٨٣٠–١٨٣٢.
١٤  انظر كتابنا «التصوير في الإسلام» ص٣٥ و٣٦، واللوحتين رقم ٦ و٧.
١٥  انظر اللوحات من رقم ٢٠ إلى ٢٩ في Schulz: Die Persiseh-islamisehe Miniaturmalerei.
١٦  انظر اللوحات من رقم ٢٥ إلى ٢٧ في Binyon, Wilkinson & Gray Persian Miniature Painting.
١٧  راجع Sakisian: La Miniature Persane. ص٤ وما بعدها، وانظر كتابنا «التصوير في الإسلام» ص٢٩ واللوحة رقم ٩.
١٨  انظر Blochet: Musulman Painting من اللوحة ٥٩ إلى ٦٥.
١٩  انظر كتابنا «التصوير في الإسلام» ص٣٩ واللوحات رقم ١٠ و٢١ و١٢، وراجع Martin: Miniature Painting، اللوحة ٤٥–٥٠ وSakisian: La Miniature Persane ص٣٢ وشكل ٣٤ و٣٥.
٢٠  راجع Aga-Oglu: Preliminary Notes on some Persian Manuseripts في مجلة Islamica Arts ج١ (سنة ١٩٣٤) ص١٩٧.
٢١  انظر كتابنا «التصوير في الإسلام» اللوحة رقم ١٧.
٢٢  انظر A Survey of Persian Art ج٣ ص١٨٤٢.
٢٣  المصدر السابق ص١٨٤٣ و١٨٤٤.
٢٤  انظر Sakisian: La Miniature Persane ص٣٢، ومقال الأستاذ Aga-Oglu في مجلة Arts Islamica ص٧٧–٩٨ من السنة الثالثة (١٩٣٦).
٢٥  انظر المصدر السابق لساكسيان شكل ٤٤–٤٧.
٢٦  راجع E. Kühnel: Die Baysonghur-Handsehrift der Islamisehen Kunstabteilang في العدد ٥٢ (سنة ١٩٣١) من الكتاب السنوي للمجموعات الفنية البروسية Jahrbuch der Preussisehen Kunstsammlungen ص١٣٢–١٥٢.
٢٧  انظر Binyon, Wilkinson & Gray: Persian Miniature Painting. اللوحات ٢٨ و٣٤ و٣٦.
٢٨  انظر اللوحة ٤٢ب من المصدر السابق.
٢٩  راجع A Survey of Persian Art. ج٣ ص١٨٥١-١٨٥٢.
٣٠  انظر A. U. Pope: A XV th century Persian painting on silk في مجلة Apollo السنة العشرين (١٩٣٤) ص٢٧٦–٢٠٧، وكتابنا «التصوير في الإسلام» ص٤٣.
٣١  انظر مقال الأستاذ ديماند Dimand في Bulletin of the Metropolitan Museum السنة ٢٨ (١٩٣٣) ص٢١٣.
٣٢  انظر A Survey of Persian Art ج٥، اللوحة ٨٧٨.
٣٣  انظر المصدر السابق، لوحة رقم ٨٧٥ و٨٧٦.
٣٤  انظر العدد الأول من مجلة «الثقافة» في ٣ يناير سنة ١٩٣٩، ص٢٤ واللوحة الفنية التي تواجهها.
٣٥  انظر Martin-Arnold: The Nizami MS. Illuminated. Sakisian: La Miniature Persane, by Bihzad, Mirak & Qasim Ali ص٧٤-٧٥.
٣٦  راجع Th. Arnold: Painting in Islam. ص١٥٠-١٥١.
٣٧  انظر Blochet: Musulman Painting ص٦٩؛ Sakisian: La Miniature Persane ص٦٩ و٧١ وكتابنا «التصوير في الإسلام» ص٥٢.
٣٨  راجع مادة «بهزاد» في الجزء الخامس (الملحق) من دائرة المعارف الإسلامية؛ فقد جمع فيها الأستاذ إيتنجهاوزن Ettinghausen بيانات وافرة عن حياة بهزاد وما يُنسب إليه من الآثار الفنية.
٣٩  انظر كتابنا «التصوير في الإسلام» ص٤٨ وما بعدها، واللوحات ٢١–٢٥، Wiet: L’Exposition Persane de 1931 ص٧٤ وما بعدها.
٤٠  انظر A Survey of Persian Art ج٥، لوحة ١٨٨أ.
٤١  انظر Sakisian: La Miniature Persane اللوحة رقم ٧٥، شكل ١٣٣.
٤٢  المصدر السابق، اللوحة رقم ٣٧.
٤٣  راجع A Survey of Persian Art ج٣ ص١٨٥٨–١٨٦٦.
٤٤  انظر اللوحة رقم ٢٠ من كتابنا «التصوير في الإسلام».
٤٥  راجع Sakisian: La Miniature Persane اللوحة ٧٤.
٤٦  انظر Galerie Georges Petit, Vente O. Homberg, Paris 1931, No 88.
٤٧  انظر Blochet: Musulman Painting اللوحة ١٠٨، Sakisian: La Miniature Persane شكل ١٢٨.
٤٨  سيأتي حديث هذه القصة في صفحة ١١٥.
٤٩  Blochet: Musulman Painting اللوحتان ١١٤ و١١٥.
٥٠  راجع A Survey of Persian Art ج٣ ص١٨٦٩–١٨٧١.
٥١  انظر Kühnel: Miniaturmalerei im islamisehen Orient اللوحة ٧٠.
٥٢  انظر اللوحة ٢٦ من كتابنا «التصوير في الإسلام».
٥٣  انظر المصدر السابق ص٥٩ و٦٠، وراجع Binyon وWilkinson & Gray: Persian Miniature Painting ص١٠٨، وA survey of Persian Art ج٣ ص١٨٧٣.
٥٤  انظر المصدر السابق للأستاذ ساكسيان ص١١٢ و١٢٠.
٥٥  انظر اللوحة رقم ٣١ من كتابنا «التصوير في الإسلام».
٥٦  المصدر السابق اللوحة رقم ٣٥.
٥٧  اللوحة رقم ٣٧ من المصدر السابق.
٥٨  انظر مقالنا عن هذه الصورة في العدد الخاص الذي أصدرته مجلة «الثقافة» عن إيران في ١٤ مارس سنة ١٩٣٩.
٥٩  انظر اللوحة رقم ٣٨ من كتابنا «التصوير في الإسلام».
٦٠  قصة الإسراء والمعراج ورد ذكرها في القرآن الكريم في الآية الأولى من سورة الإسراء سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ والعلماء غير متفقين في هذا الشأن؛ فبعضهم يرى أن الإسراء والمعراج كانا بالروح، ويرى آخرون أنهما كانا بالجسد، كما يرى فريق ثالث أن الإسراء من مكة إلى بيت المقدس كان بالجسد وأن المعراج إلى السماء كان بالروح.
٦١  انظر اللوحة ٧٧ من Sakisian: La Miniature Persane.
٦٢  انظر اللوحة ٣٣ من كتابنا «التصوير في الإسلام».
٦٣  انظر Perey Brown: Indian Painting under the Mughals ص٤١، ٥٣، ٥٤ Sakisian: Le Miniature Persane ص١١٦-١١٧.
٦٤  انظر Stchoukine: Les Miniatures Persanes au Musée National du Louvre ص٥١-٥٢.
٦٥  انظر A Survey of Persian Art ج٥، اللوحة ٩١٦.
٦٦  انظر Sakisian: La Miniature Persane شكل ١٣١.
٦٧  المصدر السابق شكل ١٦٠.
٦٨  انظر مقال رضا Riza للدكتور إيتنجهاوزن Ettinghausen في Allgemeines Künstle—Lexikon (٣٤٩١).
٦٩  انظر A Survey of Persian Art ج٣ ص١٨٨٥-١٨٨٦.
٧٠  المصدر السابق ص١٨٨٦ وما بعدها.
٧١  انظر: Schulz: Die Persisch-islamische Miniaturmalerei ج١ اللوحة R.
٧٢  انظر كتابنا «التصوير في الإسلام» اللوحة رقم ٤٧.
٧٣  انظر: Kühnel: Miniaturmalerei im islamischen Orient اللوحة ٨٠.
٧٤  انظر: Martin: Miniature Painting اللوحة ١٥٩.
٧٥  المصدر السابق، اللوحة ١٦٠.
٧٦  الأولى تاريخها سنة ١٠٨٤ﻫ/١٦٧٣م، وهي الآن في مجموعة كوارتش Quaritch والثانية في مجموعة باريش وطسن Parish-Watson وتاريخها سنة ١٠٨٧ﻫ/١٦٧٦م، انظر اللوحة رقم ٥١ من كتابنا «التصوير في الإسلام».
٧٧  انظر اللوحتين ٩٢٢ و٩٢٣ من A Survey of Persian Art ج٥.
٧٨  انظر شكل ٥٠.
٧٩  انظر كتاب «نواحٍ مجيدة من الثقافة الإسلامية» (هدية المقتطف سنة ١٩٣٨) شكل ١٢ من مقالنا عن «التصوير وأعلام المصورين في الإسلام».
٨٠  في قصة بيرن ومنيره من الشاهنامه، انظر الطبعة العربية التي أخرجها أستاذنا الدكتور عبد الوهاب عزام (لجنة التأليف والترجمة والنشر) ج١ ص٢٣٨–٢٥٠.
٨١  انظر Blochet: Musulman Painting، اللوحة ٧٥.
٨٢  انظر A. U. Pope: An Introduction to Persian Art ص١٠٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١