أمر بالستر وليس بالتستر

في الحقيقة أُصبت بما يُشبه الذعر وأنا أستمع — ضمن نشرة الأخبار — إلى آخر أنباء الفضيحة الأخلاقية أو بالأصح الجريمة الجنسية، التي كان يذيعها التليفزيون الأمريكي بالصوت والصورة والتعليق، وحسبت أنها أول مرة تُذاع، ولكني حين ناقشت الأمر مع كثيرين اتضح أن ما أُذيع كان أحدث جريمة اكتشفت أو بالأصح الجريمة الخامسة؛ إذ منذ بضعة شهور اكتشفت السلطات في ولاية كاليفورنيا أن عددًا من مدارس الأطفال العامة والخاصة تُرتكب فيها جرائمُ جنسية تقشعر لها الأبدان؛ إذ يقوم المدرسون والمدرسات، وأحيانًا مديرات المدارس والنظار، بالاعتداء الجنسي على الأطفال من الثامنة إلى الثانية عشرة، بنين وبنات، ويقومون بتصوير أفلام لهذا الاعتداء يهددون بها الأطفال إذا هم أخبروا أحدًا من أهلهم بما يحدث، بل الأدهى كانوا يجعلون الأطفال يعتدون بعضهم على البعض، ويصوِّرون هذا في أفلام فيديو، بعضها كان يُباع في السوق بأسعارٍ خيالية.

الخبر الذي سمعته — أول ما سمعت — كانوا يقولون إن الأطفال المعتدَى عليهم قد ذكروا أن المدرسات والمدرسين كانوا يقومون بذبح حيوانات وطيور أمامهم، وتهديدهم بأنهم إذا أبلغوا عنهم سيذبحونهم هم أيضًا كما تُذبح الحيوانات … ودارت كاميرات التليفزيون تبحث في أرض ملاعب وحدائق المدارس، عن عظام الطيور والحيوانات المدفونة في أرضها لتُقدَّم كأدلة اتهام.

أما المؤلم حقًّا فهو مشهد بعض الأطفال الذين يؤخذون للشهادة في المحكمة، وكيف يوضعون في مقاعد تحملهم إلى قاعات العدالة، أطفال في عمر الزهور يحاولون عبثًا إخفاء وجوههم عن كاميرات التليفزيون، وينتقل الخبر التليفزيوني بعد هذا إلى محامي المعتدين (٢٩ مدرسًا ومدرسة ومديرًا ومديرة في خمس مدارس على مدى ستة أشهر) الذين يُشكِّكون فيما يذكره الأطفال ويقولون إن الخيال عند الأطفال يختلط في كثير من الأحيان بالحقيقة، ويستشهدون بالاستجواب المثبوت في أشرطة الفيديو، والتي تخبط الأطفال في أقوالهم، ثم ينتقل الخبر إلى مواطنين عاديين يسألهم عن رأيهم في تعريض الأطفال «لهول» المحاكمة وأثرها على شخصياتهم بعد هذا ومستقبلهم، ويأخذون آراء أطباء نفسيين وعلماء تربية … إلى آخره.

أقول أُصبت بما يُشبه الذعر؛ لأن خيالي قد انتقل بسرعة إلى بلادنا وتصوَّرت ماذا قد يكون رد الفعل لو عرض تليفزيوننا المصري أو العربي شيئًا كهذا، بفرض إمكان حدوثه على مستوى الواقع، أو إمكان حدوثه على مستوى العرض الإخباري في التليفزيون والإذاعة والصحف.

وقادني هذا التفكير إلى مسألةٍ خاصة من خواص المجتمع الرأسمالي، لا بد أن نضعها في الحسبان. ذلك أن حرية الصحافة وحرية الرأي، وحرية نشر الأخبار — كافة أنواع الأخبار مهما كان شخص بطلها أو مرتكبها، حتى ولو كان مثل نيكسون رئيسًا للجمهورية — هي القاعدة والأساس. فالرأسمالية باعتبارها قائمة على المنافسة الحرة التي لا رحمة فيها ولا هوادة، خاصة في مجتمعٍ أمريكي غير متجانس العناصر تكوَّن من مهاجرين من مختلف أنحاء العالم وإن كان معظمهم أوربيو الأصل؛ هذه المنافسة المسعورة التي لا يحكمها إلا قانون «أنا الأغنى؛ فأنا الأقوى» ممكن أن تفكك المجتمع تمامًا حتى يصبح مجرد أفراد حتى داخل العائلة الواحدة، مجرد أفراد متطاحنين لو استطاع الآخر أن يذبح منافسه لذبحه، ولو استطاع أن يدبر له جريمةً لدبرها، مجتمع كهذا كان ممكنًا أن يصبح غابة من المتوحشين لو لم يعامل التوحش الإجرامي، الذي تطلقه المنافسة، بقواعدَ حاسمةٍ باترة، وقانونٍ جنائي لا يرحم، وحرية لا حدود لها في كشف كل مستور أو مخبوء، ومعارضة كل ما قد يسود، وآراءَ حرةٍ من كل قيد أو مصلحة تُعيد للمجتمع اتزانه وضميره، وتُعادل التنافس الوحشي بتذكير المتنافس أنه يحيا في مجتمعٍ بشري، وأنه أبدًا ليس في غابة يستطيع أن يفترس فيها من يشاء وما يشاء.

ولهذا بعد الذعر الأول أخذتُ أفكر في الموضوع من زاويةٍ أخرى، فلو كان شيء كهذا قد حدث في مجتمعنا — لا قدر الله — لاستنكر الكثيرون إثارة هذا الموضوع بتلك الطريقة العلنية البشعة، باعتبار أن «ربنا أمر بالستر» و«إذا بُليتم فاستتروا» ومع أن المقصود من المعنى هنا أن الإنسان إذا أراد أن يخطئ أو يفسق فعليه ألَّا يفعل هذا علنًا حتى لا يُقلِّده الآخرون، فإننا — شعبيًّا نستعمله لكي «نكفي على الخبر ماجور» حتى لا تفوح رائحته. وتلك الأمثلة والأعراف والتقاليد هي من خصائص المجتمع الزراعي أو الإقطاعي، باعتبار ما كنا، وباعتبار ما نحن لا نزال عليه. وتلك الخواص نفسها التي ارتكزت عليها السلطات في الماضي «لكَفْي الماجور» على كل فضيحة، سواء في الحكم أو في استغلال النفوذ، أو في السرقات والثراء الفاحش، أو في الأخطاء والجرائم الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي حاقت بنا. أما وقد بدأنا العصر الانفتاحي الذي لا أوافق أبدًا على تسميته بهذا الاسم، وإنما أفضِّل أن أسميه باسمه الحقيقي الذي نتدارى خجلًا منه، وهو العصر الرأسمالي، الذي لا تحلُّه قوانين الرأسمالية نفسها؛ فغلاة الدول الرأسمالية لا تسمح بتحويل ودائع ومدخرات مواطنيها، ولو كانت بالعملة الصعبة إلى البنوك الأجنبية، دون قيد أو شرط، وبأي كميات؛ فهذا ليس فقط استنزافًا للثروة القومية، ولكنه سرقةٌ واضحة لجهود وعرق المصريين؛ إذ المصري الثري لم يأتِ ثراؤه من فراغ، وإنما من كد وكدح جموع المصريين والعاملين معه وعنده، وهو مجرد مثلٍ واحد للرأسمالية، التي نهلل لها، ونفرح الآن برفع أي قيود أو قوانين تربط حلقة الاقتصاد المصري المفكوكة.

إذ نحن في مجتمع رأسمالي قد فُتح على آخره، ولكنها «ضلفةٌ» واحدة هي التي فتحت فيه، ضلفة الحرية الكاملة للرأسمالية، أو بالأصح الحرية الكاملة لتهريب رأس المال أو استيراد ما نشاء من كماليات ومخدرات، أما «الضلفة» الأخرى فنحن حريصون على إبقائها مغلقة تمامًا؛ لأنها «ضلفة» تفتح إلى الداخل، وتقيد الداخل؛ تلك التي تكمل اللعنة الرأسمالية، فما دمتم تريدون أن تلعبوا رأسمالية فلنلعبها وبقواعدها الكاملة المستوردة تمامًا من أمريكا؛ النموذج الأمثل للرأسمالية في نظركم.

•••

ما علاقة هذا كله بالفضيحة الأخلاقية أو الجنسية التي بدأتُ بها هذا الحديث؟ العلاقة جِدُّ وثيقة؛ فلا يمكن إقامة مجتمعٍ رأسمالي إلا بقوانينَ صارمة، أولها قانون معرفة الحقائق، كافة الحقائق أو المعلومات عن الثروات. فاللص في المجتمع الرأسمالي لا يفعل كل هذا — في رأيي — بضميرٍ كامل الراحة، ثمة شيء في نفسه يجعله دائمًا يحسُّ أنه خارج عن الناموس الطبيعي للحياة وكسب العيش، بعضهم يموت لديهم هذا الشعور، وبعضهم يقول لنفسه: حين تصل ثروتي إلى كذا سأذهب وأحج وأتوب إلى الله. وبعضهم تتولَّاه العناية الإلهية ويرتد من تلقاء نفسه ويقظة ضميره، ويبدأ ينفق كثيرًا مما جمعه، في أوجه الخير.

لكن المجتمع الذي يترك المجرم لضميره فقط ولتوبته أو عدم توبته، مجتمعٌ مقصر لا يقوم بواجبه، مجتمع لا بد من محاكمته هو على أخطاء أو جرائم أفراده، وثمة آيةٌ كريمة في قرآننا تقول: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ … بمعنى أننا حين نقتصُّ من قاتل إنما نمنع أن يَقتل آخرون ومن ثم يُقتَلون، ولكن القصاص يقوم به المجتمع نفسه — وليس الفرد أو العائلة، كما في صعيدنا الساخن — يقوم به بقوانينه الرادعة وبأجهزة أمنه وقضائه وعلنية محاكماته، وحق المجتمع في معرفتها والاطلاع على أدقِّ تفاصيلها، بل إن بعض المجتمعات الأوروبية والأمريكية تدخل المواطنين العاديين «محلِّفين» أي قضاة يمثلون ويصدرون هم الحكم بالإدانة أو البراءة، وعلى القاضي أن يكيِّف تنفيذ الحكم الذي أصدره المجتمع؛ فالمجتمع هو القاضي الأول.

كم تألمتُ للأطفال وهم يساقون أمام عدسات التليفزيون للشهادة، وسماع أقوالهم كمعتدًى عليهم! وكم اعتصرتُ عقلي لأتصور ما سوف تؤدي إليه تلك المحاكمات (التي من المنتظر أن تستمر عدة سنوات لضخامة عدد المتهمين والشهود)! والجانب الشرقي فيَّ يستنكر بشدة هذا الذي يتعرض له هؤلاء الأبرياء في مجتمع لا يعاني — مثل مجتمعاتنا — من مشاكلَ جنسيةٍ حادة أو من كبت — وإنما الزواج والطلاق والصداقة والعلاقات بين الرجال والنساء وبين الشبان والفتيات لا تحدها قيود إلا حرية الاختيار والانتقاء؛ حرية كان المفروض فيها أن تقضي على كل أنواع الشذوذ والانحرافات، ولكن يبدو أن المسألة أعقد من هذا بكثير، وأن لكل مجتمع — كما لكل فرد — أمراضه. فالمجتمعات الفقيرة المتخلِّفة لها أمراضها، والمجتمعات المتطوِّرة تكنولوجيًّا وصناعيًّا لها أمراضها مثلما للفقير أمراضه وللغني أمراضه. كل ما في الأمر أن الفقير أمراضه أنيميا وناتجة عن نقص الغذاء والدواء، والغني أمراضه ناتجة عن كثرة الغذاء والدواء.

كم تألمتُ! ولكن ما خفف ألمي هي تلك الفكرة التي طرأت لي: ماذا لو كانت وسائل الإعلام والسلطات قد «كفت على الخبر ماجور» مثلما فعلت بعض أجهزتنا في قضيةٍ جنسيةٍ أخيرة حدثت عندنا؟ ألن تكون النتيجة أن يستشري المرض؟! وبدلًا من المدارس الخمس، تصبح بالكتمان خمسين ومائة وما لا يُعدُّ، وبدلًا من عشرات الأطفال آلاف، وعشرات المدرسين والمدرسات والمديرات مئات؟

وهو بالضبط نفس الموقف الذي يجد فيه الطبيب نفسه حين يدرك أن المريض يعاني من «غرغرينا» في القدم، أيسكت الطبيب؟ أم يعرِّف المريض بحالته ويواجهه بضرورة بتر القدم حتى يبقى الجسد، ويبقى الإنسان نفسه سليمًا معافًى؟

إن حرية النشر والتحقيق والمحاكمة وإبداء الرأي هي الوسيلة التي وجدها المجتمع الرأسمالي ليظل مجتمعًا صحيحًا أو شبه صحيح، يعالج نفسه بنفسه، ويُخرِج صديده حتى لا يُصاب جسمه كله بالتسمم، ولا توجد وسيلة غيرها.

حتى لو عدنا بالمجتمع إلى بدائيته الأولى، إلى حيث كان المجتمع البشري شقيقَين قتل قبيلهما هابيلهما …

وإذا كانت الصيحات في مجتمعنا ترتفع بتطبيق الشريعة الإسلامية، فأنا آخذها على محملٍ آخر، فإذا كانت الشريعة هي العدل المطلق، فهي في أساسها دعوة لتطبيق العدل والعدالة، دعوة لأن يسود العدل والعدالة، دعوة لكشف كل انحراف، وفضح كل جريمة، ومعاقبة كل مسيء أو زائغ أو مجرم، دعوة لفتح «الضلفة» العادلة من الباب المفتوح، وقد نتفق أو نختلف حول الصيغ التي تلائم حياتنا المعاصرة، فلا يعقل أن نقطع يد سارق القروش الخمسة، ولا نستطيع أن نقيم الحد على سارق الخمسين مليونًا.

ولكن تلك قضية أخرى.

كل ما في الأمر أننا لا بد أن نناقش على أوسع نطاق، وأن يسكت هذا الإرهاب الفكري السائد، والذي يحكم على كل مجتهد في التفكير بالخروج عن زمرة الإسلام والمسلمين.

فالإرهاب وبالذات الإرهاب الفكري السائد عندنا باسم الدين، إرهاب أناس يتوهمون أنهم يحتكرون وحدهم حق التحدث عن الإسلام والمسلمين، وما لا يجب وما يجب، وهذا الإرهاب نفسه هو عدو العدالة الأول وبالتالي عدو الإسلام.

فالله — سبحانه — هو العدل.

ومن العدل، أبسط مبادئ العدل، أن تقول إذا سمعت، وأن تسمع حين يقال …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠