الدرس الخامس

مضى المفتش «سامي» في حديثه دون أن يقاطعه أحدٌ بالأسئلة … فقد كان من الأفضل لهم أن يستمعوا إلى القصة كاملة مسلسلة قبل أن يبدءوا أسئلتهم.

قال المفتش: كانت الشقق أربعًا كما قلنا … واحدة منها يسكن بها تاجر معروف … والثانية مقر لإحدى النقابات … أما الثالثة والرابعة معًا فتخصان شركة «صحاري» للبحث عن البترول.

واضطر «خالد» لإيقاظ التاجر وسؤاله عن الرجلَيْن … ولكنه نفى أنه رآهما مطلقًا … فاعتذر له «خالد» عن إيقاظه في تلك الساعة … ثم اختبر أبواب الشقق الثلاث الباقية فوجدها مغلقة وليس بها أحد.

واتَّصل «خالد» في الخامسة صباحًا بقسم الشرطة، وحضر مأمور القسم وضابط المباحث وعدد من المخبرين وبدءوا تحرياتهم … فاتصلوا بالمسئول عن شقة النقابة … وبرئيس مجلس إدارة شركة «صحاري» الذي حضر ومعه بعض موظفيه ومنهم أمين خزينة الشركة … وقد اتَّضح أن الشقة الخاصة بالنقابة لم ينقص منها شيء … وعلى كل حالٍ لم يكن بها شيءٌ يستحق السرقة … أما شقة شركة «صحاري» التي بها الخزينة فكانت بها المفاجأة … فقد كانت الخزينة مفتوحةً وقد سُرِق منها مبلغ ٥٠ ألف جنيه هي قيمة مرتبات العاملين بالشركة وثمن معداتٍ كانت الشركة تنوي شراءها.

وتوقَّف المفتش لحظات ثم أكمل قائلًا: وفي السابعة اتَّصل بي رئيس قسم مكافحة السرقات، فذهبت إلى مكان السرقة، وكان عدد من خبراء المعمل الجنائي وبعض الضباط قد سبقوني إلى هناك، وقاموا بعمل المعاينات اللازمة … وأؤكد لكم أن العصابة التي قامت بهذه السرقة عصابةٌ ذكية … بل غاية في الذكاء … فلم تترك وراءها أثرًا واحدًا يدل عليها … لم يتركوا بصمةً واحدة … وهم إمَّا أزالوا آثار بصماتهم قبل أن يغادروا المكان … وإمَّا أنهم استعملوا قفازاتٍ في أثناء العمل … كذلك ثبت لخبراء المعمل الجنائي أن بابَي الشقة والخزينة قد فُتحا بمفاتيحهما الأصلية أو بمفاتيح مصطنعةٍ غاية في الإتقان … فلم يكن هناك أثرٌ لاستعمال العنف في الأبواب …

قال «تختخ»: وهل يمكن للبواب التعرُّف على الرجلَيْن؟

المفتش: من الممكن طبعًا … ولكن المهم أن نقبض عليهما أوَّلًا حتى يمكن التعرف عليهما … أليس كذلك؟

ابتسم المفتش بعد هذه الملاحظة … وأحس «تختخ» بالخجل ولكنه عاد يقول: أقصد ربما كان أحد الرجلَيْن أو كلاهما من المتردِّدين على الشركة مثلًا؟

المفتش: لقد سألته هذا السؤال فأجاب بالنفي.

محب: والسيارة؟

المفتش: انتهت مطاردة السيارة كما قلت لكم في المعادي … قريبًا منكم هنا … وهي تقف في مكانها حتى الآن وقد اتضح أن الشارع الذي وقفت فيه شارع مسدود …

لوزة: مسدود؟!

المفتش: نعم … هذا ما يبدو في البداية … ولكن اتَّضح لنا بعد ذلك أن المنزل الذي في صدر الشارع … أي الذي يمثِّل ضلعه الثالث يمكن النفاذ منه إلى الشارع التالي، وبمعنًى آخر … فإن الشارع ليس مسدودًا تمامًا … ومن الواضح أن خطة العصابة هي أن يركِّز رجال الشرطة بحثهم في الشارع المسدود على حين تكون العصابة قد تجاوزَتْه إلى الشارع الآخر.

عاطف: ألَا يمكن أن تكون السيارة قد توقَّفت بسبب آخر … كأن يكون قد فرغ منها البنزين … أو انفجر أحد إطاراتها … أو شيء من هذا القبيل؟

المفتش: هذا سؤالٌ معقول جدًّا … ولكن بالكشف على السيارة اتَّضح أنها صالحةٌ للسير كما أن خزَّان البنزين كان فيه ما يكفي لمائة كيلومتر أخرى أو أكثر. وقد اكتشف رجال الشرطة ذلك، ونفذوا من الشارع المسدود إلى الجانب الآخر.

نوسة: ومن هو صاحب السيارة؟

المفتش: هذا سؤال آخر هام … ورجالي يبحثون الآن في سجلات المرور عن صاحب السيارة؛ فقد نتمكن عن طريقه من وضع يدنا على بدايةٍ معقولةٍ لمطاردة العصابة.

تختخ: وما هو نوع النقود التي سرقت؟

المفتش: من مختلف الفئات … عشرات … وخمسات … وجنيهات وأنصاف وأرباع جنيهات … فقد كانت، كما قلت لكم، مرتبات موظفي الشركة. وهي موضوعةٌ في مظاريف، وعلى كل مظروفٍ اسم صاحب المرتب كالمعتاد في أكثر الشركات، حيث يقوم أمين الخزينة في اليوم السَّابق لصرف المرتبات بوضع المرتبات في مظاريف تحمل أسماء أصحاب المرتبات تسهيلًا للصرف.

تختخ: وهل سألتم أمين الخزينة عن مفاتيحها؟

المفتش: إن رجالي يقومون حاليًّا بسؤال كل من له علاقة بالحادث … وسوف تكون جميع التحقيقات الخاصة بالموضوع معدة هذا المساء.

وفي هذه اللحظة جاءت الشَّغَّالة تُخبر المفتش أن هناك مكالمةً تليفونية له … وأحضرت له التليفون.

وتحدَّث المفتش في التليفون، وعندما وضع السماعة قال للأصدقاء: يبدو أن المعادي هي مركز العصابة … فقد اتضح أن السيارة التي تمت بها السرقة سيارةٌ مسروقةٌ من المعادي … وقد أبلغ صاحبها عن سرقتها صباح أمس، وهناك مفاجأة ظريفة في الموضوع … إن صاحب السيارة المسروقة يسكن في الشارع المسدود في المنزل رقم ۱۸ واسمه «كرم»!

كانت مفاجأة حقيقية للأصدقاء فقال «محب»: غير معقول!

قال المفتش مبتسمًا: ولكنها حقيقة … وصاحب السيارة رجل مريض ولا يغادر منزله إلا نادرًا … وقد كان سائقه في إجازة في ذلك اليوم، وترك السيارة أمام المنزل كالمعتاد فسُرقت. وأبلغ عن سرقتها في العاشرة من صباح اليوم السَّابق لوقوع الحادث.

عاطف: إنها عصابةٌ منظمةٌ حقًّا، وقد قامَت بسرقةٍ نموذجية؛ فالسيارة التي يمكن أن تكون بداية للسير في حل المشكلة مسروقة … والمفاتيح مصطنعة … وليس هناك آثار بصمات … ولولا أن البواب شك في الرجلَيْن لتمَّ كل شيءٍ في هدوء، وعادَت السيارة إلى صاحبها دون أن يكون هناك دليلٌ واحدٌ على السرقة … إلا ضياع النقود طبعًا.

وقام المفتش واقفًا وقال: هذه هي الحقائق أيها المغامرون الخمسة، وبقي أن تحاولوا حل هذا اللغز … إنها سرقة عادية حقًّا … ولكنها مدبَّرة بطريقة ممتازة تجعل مهمة رجال الشرطة صعبة، خاصة وأن هذه النقود مستعملة، فليس من الممكن متابعتها عن طريق الأرقام كالمعتاد … فماذا سيفعل المغامرون الخمسة؟

سكت الأصدقاء فلم يرد أحد … ثم قال «تختخ»: سنحاول …

المفتش: إنها داخل حدود اختصاصكم؛ فقد وقعت في المعادي … وأكثر من هذا أنها قريبةٌ منكم.

وانصرف المفتش، وكان «تختخ» قد أخرج دفتر مذكراته وأخذ يسجِّل المعلومات التي سمعها، فلما انتهى من تسجيلها التفت إلى الأصدقاء قائلًا: إن هناك تفاصيل كثيرة في هذه السرقة … ونحن نريد أن نركِّز على أهم المعلومات التي استمعنا إليها … فما هي أهم التفصيلات في رأيكم؟

أخذ الأصدقاء يفكِّرون لحظاتٍ ثم قال «محب»: أعتقد أن أهم التفصيلات هي الخاصة بمفاتيح الأبواب ومفاتيح الخزينة … فكيف استطاعت العصابة الحصول على المفاتيح الأصلية … لتفتح بها الخزينة أو لتقوم بعمل مفاتيح مصطنعة مطابقة لها؟ في رأيي أن تتبع هذه المفاتيح سيؤدي إلى أول خيطٍ لمعرفة العصابة.

تختخ: هذه وجهة نظر معقولة!

لوزة: إنني أفكِّر في السيارة … لماذا تنتهي المطاردة في المعادي أمام منزل الرجل الذي سُرقت منه؟ ذلك غير معقول … إلا إذا كانت العصابة قد أحسَّت بالشفقة على صاحب السيارة لأنه رجلٌ مريض فقرَّرت إعادة السيارة إليه!

كان واضحًا أن «لوزة» تسخر طبعًا من حكاية إعادة السيارة إلى صاحبها … فقالت «نوسة»: لعل العصابة أرادت الاستفادة من الشارع المسدود لإرباك رجال الشرطة … حتى يبحثوا عن العصابة في الشارع المسدود على حين ينفذ أفراد العصابة من المنزل الذي يسد الشارع، ويهربون إلى حيث لا يجدهم أحد.

عاطف: في رأيي أن البواب هو مفتاح اللغز … فهو الوحيد الذي شاهد اللصَّيْن عندما دخلا العمارة متسلِّلَيْن إلى المصعد … ويمكن عن طريق وصفهما أن نصل إلى أحدهما أو كلَيْهما … خاصة وأنني أتصور أن اللصَّيْن أو أحدهما على علاقةٍ بأحد العاملين بالشركة وأخذ منه المعلومات الخاصة بالمرتبات والخزينة ومكانها وغيرها من المعلومات الهامة.

تختخ: إن كل هذه الاستنتاجات معقولة … وعلينا أن نناقشها خطوة خطوة … ولنبدأ بما قاله «محب» عن المفاتيح … فمن الثَّابت — كما قال خبراء المعمل الجنائي — أن باب الشقة وباب الخزينة لم يستخدم في فتحهما العنف … وعندنا هنا احتمالان … الأول: أن تكون الخزينة قد فُتحت بمفاتيحها الأصلية … وفي هذه الحالة سيكون استجواب أمين الخزينة هامًّا جدًّا … والثَّانية: أن تكون العصابة قد استطاعَت تقليد المفاتيح، وهذا يعني أن المفاتيح الأصلية ظلَّت معها فترةً من الوقت لتقليدها.

محب: أعتقد أنهم صنعوا قوالب من الشمع للمفتاح، وهذا لا يحتاج إلا إلى ثوانٍ قليلة، ثم عملوا مفتاحًا مقلدًا بعد ذلك.

تختخ: هذا ممكن أيضًا … على كل حالٍ سنعرف من المفتش «سامي» ما تمَّ في استجواب أمين الخزينة … هذا بالنسبة للمفاتيح … ثم ننتقل إلى نقطة السيارة … إن وقوف السيارة عند قمة الشارع المسدود له أكثر من تفسير … الأول: أن تكون العصابة قد أعدَّت مكانًا للاختفاء في هذه المنطقة. ولم يمكنها تغييره خاصَّةً أن مطاردة الشرطة لسيارة العصابة لم تسمح لها بالتوقُّف في مكانٍ آخر … والتفسير الثاني: أن العصابة خشيَتْ أن تلحق بها سيارة النجدة خاصَّةً وقد بدأ الضوء ينتشر وقد يشترك أحدٌ في مطاردتها، فتوقَّفت في هذا المكان … والتفسير الثالث: أن يكون الشارع المسدود يعني شيئًا بالنسبة للعصابة.

نوسة: من المؤكد هذا … فالعصابة قصدَت أن ينشغل رجال الشرطة بالبحث في الشارع المسدود في حين يكون أفرادها قد غادروه عن طريق المنزل الذي في صدر الشارع. وقد قلت هذا الكلام منذ دقائق.

تختخ: نأتي إلى البواب … وهو في رأي «عاطف» مفتاح اللغز … لقد شاهد اللصَّيْن … وهو الوحيد الذي شاهدهما، ومن المؤكد أن رجال الشرطة سوف يعرضون عليه صور جميع من لهم سوابق في السرقات … فقد يتعرَّف على أحدهم وهذا ما سيكشف عنه التحقيق.

لوزة: وما هي خطتنا الآن؟

تختخ: علينا أن نبدأ بما هو قريبٌ منَّا … أقصد السيارة، والشارع المسدود. وعلينا أن نفتِّش السيارة جيدًا؛ فقد يكون فيها شيء يدلُّنا على شخصية ركاب السيارة الثلاثة أو أحدهم. أمَّا الشارع المسدود فعندي نظريةٌ صغيرة أريد أن أتأكَّد منها.

محب: ما هي؟

تختخ: هيا بنا إلى هناك وسأشرح لكم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١