أجد الشباب يلوح منتعشًا

ضَيَّعْتُ فِي هِضَبِ الْهَوَى رُشْدِي
وَفَقَدْتُ مَا أَبْقَى الْحِجَى عِنْدِي
وَسَعَيْتُ نَحْوَ الْمَجْدِ مُجْتَهِدًا
فَهَوَيْتُ دُونَ مَدَارِكِ الْمَجْدِ
أَجِدُ الشَّبَابَ يَلُوحُ مُنْتَعِشًا
وَأَنَا نَحِيلٌ أَصْفَرُ الْخَدِّ
فِي كُلِّ لَيْلٍ جَارَ أَسْوَدُهُ
يَبْنِي الرَّدَى حَجَرَيْنِ مِنْ لَحْدِي
بَعُدَ الْكَرَى عَنْ مُقْلَتَيَّ كَمَا
بَعُدَ الْفَتَى الصَّادِي عَنِ الْوِرْدِ
فَكَأَنَّ أَهْدَابِي ظُبًى بَرَزَتْ
لِتَحُولَ دُونَ النَّوْمِ بِالسُّهْدِ
لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ يَا أَبِي وَأَنَا
طِفْلٌ مَصِيرِي الْعَادِمَ السَّعْدِ
لَبَكَيْتَ عِنْدَ وِلَادَتِي نَدَمًا
وَخَنَقْتَنِي وَأَنَا عَلَى مَهْدِي
يَتَهَامَسُونَ عَلَيَّ مِنْ أَسَفٍ
هُوَ سَيْفُ عَقْلٍ مُرْهَفُ الْحَدِّ
إِنْ كُنْتَ سَيْفًا لِلْحِجَى فَأَنَا
لَمْ يَمْتَشِقْنِي الدَّهْرُ مِنْ غِمْدِي
أَرْدَتْنِيَ الْأَيَّامُ طَاعِنَةً
صَدْرِي بِأَسْيَافٍ لَهَا تُرْدِي
وأَنَا فَتًى مَا زِلْتُ أَجْمَعُ مِنْ
رَوْضِ الصَّبَابَةِ وَالْهَوَى عِقْدِي
عَاثَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ فِي جَسَدِي
بِمَخَالِبٍ كَمَخَالِبِ الْأُسْدِ
وَيْلَاهُ! أَشْبَاحُ الرَّدَى قَرُبَتْ
مَاذَا سُعَادُ تَصِيرُ مِنْ بَعْدِي؟
أُمَّاهُ! أَيْنَ أَبِي فَإِنَّ لَهُ
عِنْدِي شُئُونًا ضَيَّعَتْ رُشْدِي؟
أَأَبِي رَعَاكَ اللهُ كَيْفَ تَرَى
خَلَّفْتَنِي وَتَرَكْتَنِي وَحْدِي
هَلْ كُنْتَ مِثْلِي يَائِسًا تَعِبًا
فَعَثَيْتَ فِي الدُّنْيَا عَلَى جَدِّي؟
لَا بَأَسَ نَمْ وَالرُّوحُ طَاهِرَةٌ
فَإِلَيْكَ وَجْدِي لَمْ يَزَلْ وَجْدِي
في ١٥ تشرين١ سنة ١٩٢٢

خاطرة

هَذِهِ الْكَائِنَاتُ بَادَتْ سِرَاعًا
قَصَفَتْهَا الْمَنُونُ قَصْفَ الْغُصُونِ
سَائِلِ الْكُتْبَ وَالتَّوَارِيخَ عَنْهَا
وَاقْرَأِ الْخَبْرَ فِي سِجِلِّ الْقُرُونِ
لَيْسَ عُمْرُ الْإِنْسَانِ غَيْرَ مَنَامٍ
تَتَمَشَّى أَشْبَاحُهُ فِي الْعُيُونِ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤