الجديد

هاتفَتِ ابنَ أختها، وكان شابًّا أريبًا، كي ينزل معها، ويشتري لها تليفزيونًا. أوصته أن يحسن الاختيار، فقد باعت تليفزيونها القديم لزوجة صاحب محل الخردوات في الشارع المجاور لها، وهي لا تطيق العيش يومًا دون جهاز العجائب الملون. وبعد بحث طويل، استدعى آلام كعبيها الغليظين من الراحة، وفتح ملفات هشاشة العظام المنسية، أشارت للفتى أن يشتريَ لها تليفزيونًا ظهر أمامها فجأةً. أحست الحاجَّة أن هذا الجهاز يناديها، ويبتسم لها. شعرت أنه ابن حلال مصفًّى، وسيخدمها بعينيه. أخبرها الفتى أن هذا التليفزيون ليس من عائلة عريقة، وأن ضمانه ليس بالثري. لكنها أصرَّت، منهيةً أي مناقشة بوجه خشبي مُعرِض. دخل الجهاز إلى البيت بزغرودة أطاحت بأشباح فكَّرت في الاستقرار مكان الجهاز الأقدم. وبخَّرته الحاجَّة، كأنه عريس على وشك الفرحة الكبرى. طالعت صورته الصافية، وألوانه البرَّاقة، فَعَلا صوتها مبتهجًا: «يا ما شاء الله!» لم يكن مثل تليفزيونها القديم، أو أي تليفزيون شاهدته من قبل، سواء في بيت ابنتها، أو بيت ابنة خالتها؛ تلك التي تتفاخر بأموال زوجها تاجر العطارة، والتي تشك أن حقيقته ستنكشف كتاجر للمخدرات في نهاية المسلسل!

وبعد ثلاثة أيام بالضبط، اتصلت الحاجَّة بابن أختها. ألسنة لهب غضبها خرجت من هاتفه لتحرق جانبًا من فَوده. حاول تهدئة الموقف، لكن عصبيةً هائلةً — لم يشهدها في خالته سابقًا — تحكَّمت وحكمت. زارها مسرعًا، وحاول الفهم. إنها تزعق، وتتهم، وأحيانًا تكبت الدموع، بخصوص خدعة البائع لهما. أي خدعة؟ خدعة أن هذا التليفزيون قديم. فكَّر الشاب بعض الشيء، متذكرًا أن الجهاز كان في صندوقه، وعليه اللصق الخاص به. والمحل له اسم، وسمعة، لن يطيح بهما. ومع ذلك، فحص الجهاز، مستغلًّا خبرته في مجال البيع والشراء، قبل الوظيفة الحكومية، فلم يجد أي اتساخ قديم في الخطوط الرفيعة المحفورة على الجوانب، أو تآكل في الأطراف، أو حتى غبار في الدواخل. هذا تليفزيون جديد، ولا يدَّعي أنه جديد. فعلى أي أساس تقول الخالة ما تقول؟!

أجابته أنها وجدت في هذا الجهاز نفس مسلسلات الجهاز السابق، ونفس برامجه، ونفس كلامه، حتى الفيلم الذي تذيعه القناة الحكومية كل أسبوع، لا يزال يُذاع في نفس القناة بهذا التليفزيون أيضًا! المذيع ذو السحنة المقرفة، والصوت المخنث، والشتائم الأبيحة، مستمر على كرسيه، بشكله، وصوته، وسبابه! ثم كيف تجد الأفلام كما هي؟! في التليفزيون القديم، اعتادت مشاهدة ذلك الفيلم الذي ينتهي بنور الشريف عاجزًا عن إنقاذ ورشة أبيه عماد حمدي، حتى يموت الأخير. لماذا تشاهد الفيلم في هذا الجهاز، وتجد نور الشريف يفشل مجددًا، وأباه يموت ثانيةً؟ صاحت في الشاب حاسمة، كمايسترو يختم مقطوعةً أوركستراليةً هائجة، أنه لا بد من إرجاع هذا التليفزيون فورًا!

بعد خناقات متنوعة مع صاحب المحل وصبيانه، حاول الشاب عبرها إيجاد أي قطط فطسانة في الجهاز، نجح في استبداله بآخر أغلى، مع دفع الفرق. وبعد ليلة واحدة، عادت ألسنة اللهب لتنطلق من موبايله. لم تجد أمه بدًّا من زيارة أختها المتذمرة، حيث نصحتها بعدة نصائح. فكل التليفزيونات واحدة، تحب الاهتمام والمدادية؛ لذلك لا بد أن تضعه في غرفة دافئة، بعيدًا عن هذه الصالة الباردة. وتبعده عن الشبابيك، فالعيون تفلق الحجر، وما لا يؤذيك، سيعكنن عليك. وتهديه مفرش كروشيه ظريفًا يكلِّل رأسه. ولا مانع من كلمة طيبة، ولمسة حنان، وكل شيء ح يبقى تمام!

نفَّذت الحاجَّة تعليمات أختها، لكن بقي الحال على ما هو عليه، راصدة أن ذلك الضيف الذي يتكلَّم في برامج المساء بحديث غير مفهوم، لا يزال يخرِّف بلا أدنى تغيير. وأن الحكومة، الله … يصلح حالها، كما هي من التليفزيون السابق، ترفع أسعار السلع، حتى بقي أن ترفع سعر الهواء، وركعة الصلاة، وساعة النوم.

لم تتصل بأختها، أو ابن أختها، وإنما لجأت لحلول والدتها؛ رشَّت حول الجهاز الماء المخلوط بالخل، فهو لا يخرب ولا يخل، ووضعت إبرة الخياطة في المقشة، حتى يرحل الضيوف الثقال بلا رجعة. وذرَّت الملح على التليفزيون، لعل عين الحسود لا تقربه، ويبرأ من نظرات جارتها التي رمقتها حين الدخول به من باب العمارة، وابتسمت بعيون الجاموس التي تملأ وجهها!

اشتكت لابنها المسافر خارج البلاد، فعرض عليها أن تترك هذا التليفزيون، وتأتيَ للعيش معه. هي تتوق لذلك، وتحلم به، لكن الولد مع زوجته وأولاده، وهي لا تريد تنغيص حياة أحد. كما أنها تكره الغربة، ولا تريد مفارقة روح زوجها، ذلك الذي لا يزورها إلا على فراشهما الدمياطي ذي خشب الزان الفاتح المزدان بالأويمة، والسيقان المنحوتة على شكل ذيل حصان.

بعد أشهر من الضيق، لم تتأقلم الحاجَّة مع تليفزيونها. فقط اختارت أَلَّا تزيد من الجلوس أمامه. وباقي الوقت تقسِّمه بين الحديث في الهاتف مع قريبات في سنها، وتنظيف البيت دون أسباب داعية، والجلوس في الشباك لمتابعة سلوك بنات الجيران، والاستمتاع بصوت طفل جارها أثناء تدربه على ترتيل القرآن، والدعاء على جارتها ذات العيون الواسعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١