السعيد

طيلة عملي في ذلك الحي، لم أسأله عن اسمه الحقيقي. الكل كان يعرفه ﺑ «سعيد» أو «السعيد». وجهه مفرط البشاشة، وفي عينيه ابتسامة طيبة دائمة. أشعر أحيانًا أنه نال بعد كفاح آلامٍ كبرى إيمانًا مطلقًا حقَّق له الرضا الكامل. وأشعر أحيانًا أخرى أنه لم، ولا، يفكر أساسًا في أي ألم، متمتعًا منذ صغره بهرمونات رضًا زائدة. كان كائنًا نادرًا في جميع الحالات. لم نكن أصدقاء، لكنه تعوَّد التردد على سايبري الصغير، والدردشة معي أكثر من ممارسة ألعاب على كومبيوتر.

سايبري الصغير هذا فتحته مؤخرًا مطرح دكان ترزي مات منذ سنين، أشبه بمخابئ الحرب؛ لضيق مساحته، وانخفاض سقفه، إلى حدٍّ يكتم الأنفاس، وقبوعه تحت الرصيف بأربع درجات طويلة، ناظرًا إليه كوضع مؤقت، أو سد خانة، انتظارًا لرسالة؛ عبر الإيميل، الهاتف، الحمام الزاجل، أيًّا ما يكون. من شقيقي الذي هاجر لأمريكا منذ سنوات، كي يدعوني للعمل معه، كما طلبت منه … ولا يجيب.

يوم الجمعة في الشتاء له هواء يذكِّرني باللحم السمين. هواء لذيذ الطعم، ثقيل الدسامة، به فتنة تنعشني، تُدِبُّ في نفسي حبًّا للحياة، وتُوهِمني أني صديق للسعادة، رغم حصارنا — جميعًا — داخل قلعة باردة تمتد أسوارها لعمق السماء. بعد العصر، كان طوفان الأولاد عاشقي لعبة «الفيفا» لم يُغرِق المكان بعد، لذلك نعمت بهدوء ناعم، تسلَّى بتحريك الباب الخشبي القديم، جيئةً وذهابًا، في «تزييئة» لها إيقاع أحببته كأغنية حلوة. ثم توقف الباب فجأةً، فانتبهت. كان السبب أمرًا لم يمسَّ مزاجي بسوء، وإنما جهَّز له عرشًا جديدًا. فقد ظهر السعيد من وراء الباب، مُطلًّا بوجهه الأسمر، سائلًا إياي بكل البِشر: «أخبار السيادة إيه؟»

جهَّزت الشاي، ووعدت نفسي أن أستسلم لحواره تمامًا هذه المرة. في كل مرة سابقة، كنت أقطع استرساله؛ إما بدخولي في موضوعات تهمني أنا، أو بقيامي لأصفع رأس طفل لا يريد ترك الكومبيوتر بعد نهاية مدته، أو بحديث شخصي يتداعى داخل رأسي، شاغلًا إياي عن متابعة ما يقول بدقة. هذه المرة، أريد أن أستمتع بهذا الكائن الفريد، وأتعلَّم منه كيف أبتسم، أو — على الأقل — أرتوي من نبع هذه الابتسامة.

رشفة من الشاي، ويبدأ. جدته مريضة، ولا علاج لها في بلدنا. وهو لا يملك أي مال بالطبع. لكن وما المشكلة؟ السيدة تريد اللحاق بزوجها الذي سبقها إلى الآخرة منذ سنين. تجهِّز كفنها كمن تفصِّل ثوب زفافها. زوج أخته العصبي، رمى اليمين على الأخت، لسبب تافه، يتعلق بعلو صوت التليفزيون في أثناء عشائه. بكت الأخت أنهارًا، ورفض طليقها دفع النفقة، ثم اختطف أولاده منها، إلخ إلخ إلخ … وهو يرى أن الله — أولًا — حرَّر أخته من هموم زوج جلف، وبيت مُتعِب، وثانيًا، أرجعها — من بعد طول فراق — إلى بيتها الأصلي الذي ترتاح فيه، وأهلها الذين تحبهم ويحبونها، وثالثًا، فتح الباب أمامها كي تختار مجددًا من هو أفضل، أو أقل سوءًا!

رشفة جديدة، ويتحوَّل للحديث عن نفسه؛ العمل، لا يوجد. لقد توقف عن عدِّ الوظائف التي يتقدم لها عقب تخرجه، بعد وصوله للرقم ٢٧. الزواج، انسَ. كيف يحاول الحلمَ ببيت وزوجة وأسرة، وهو لا يملك إلا معاش أبيه الذي يكفي أسرته عيشًا وغموسًا بالعافية؟! لم ينسَ السخرية، بدون ذرَّة مرارة، حول كونه لن يحتاج — وأسرته — أجهزة التنحيف الرياضية التي يعلنون عنها في التليفزيون.

رشفة ثالثة، طويلة وبطيئة، ثم تتسع البؤرة. إلى أين تتجه البلد؟ لا أحد يدري. الطريق غائم، وغير ممهَّد، ويُنذر بكارثة أبشع من الخيال. رجال دولتنا غير مؤهلين إلا للفساد والإفساد. والرجل الكبير نقي، دائمًا وطني نقي، ولكن العيب فيمن حوله. والدولة الكبرى تتآمر علينا، والدولة الصغرى تخطط نهايتنا، وباقي الدول تمص دمنا «جملة وقطاعي». لكنه — والابتسامة ملتصقة بوجهه — يُقلِّد صوت وأسلوب حديث أحد الكتَّاب المنافقين، الذين يزرعون قنوات التليفزيون كذبًا أقرع، في مهارة تدفعني إلى ضحك حميم لم أذقه مع أقرب وأظرف الناس.

مالت الشمس في الأفق، كفاتنة تستلقي على أريكة، لتنشر ضوءها الدافئ من وراء سحب ديسمبر، في أرجاء المخبأ، فيتوهج دهان الأستر الأحمر، ويشع المكان رغم عدم إنارتي للمبات النيون، معتمدًا على الضوء الطبيعي المجاني، ذي الرومانسية المُحبَّبة. في أثناء ذلك، كان الصمت يعبرنا في مارش جنائزي قصير، بينما اقتحمت المكانَ دفقةُ ريح باردة، صفقت الباب بوقاحة، مُحاوِلةً إثبات قوة لا ينكرها أحد.

أنهى شايه، ونهض وَسَط دائرة من الطاقة الإيجابية، وصافحني شاكرًا إياي على الشاي، ثم ناصحًا في تهوين، عليه أو عليَّ: «ما تفكرش كتير؛ تعيش أطول». وضع كفيه في جيبي السويتر البني العجوز الذي يرتديه، واتجه إلى الباب، مادًّا عنقه للأمام، ناظرًا نحو الأرض، مدندنًا لحنًا لم أميِّزه. وبينما أخفضت رأسي، كي أُحكم رباط حذائي، الذي لاحظت أنه محلول، لم أكن أتصور — أبدًا — أن الصوت الذي سمعته كان ارتطامة جسد «السعيد» أرضًا، أمام الباب، ساقطًا جثةً هامدةً.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١