الجالس

ظهر على الناصية مرتديًا جاكيت رماديًّا، أو بنيًّا شاحبًا، أو لعله بلا لون، فوق جلباب فاتح. ثم تقدَّم جالسًا على الكرسي البلاستيكي الأحمر. كان عجوزًا نحيفًا، وكأن الزمن لم يأكل منه شبابه فحسب. شروده عميق. يُطلق بصره في اللا شيء، ثم يهرش رأسه ببطء كالحيران في القصص المصورة. بمرور الوقت، لاحظت أنه لا يعبأ بمسح عرقه المتفصد بغزارة من فرط حرارة الجو، أو ﺑ «تيتو الساحر» الذي يتجوَّل نافخًا النيران من فمه، أو ببوادر مشاجرة كادت أن تتَّقد بين عجوز وشاب على صف الكراسي المقابل للمقهى والتابع لها. وإنما لاحظت إنصاته الوفي لنشرة الأخبار في راديو المقهى، حيث يهز رأسه في حركة آلية، فيها تلقٍّ أكثر منه تفهُّمًا‎، عقب آخر سطر من كل خبر يعلنه المذيع بنبرته التي صِرت أحتقر محايدتها. شككت أنه مختل. جدتي في أيامها الأخيرة تعوَّدت ذلك. نظرة العين الغائبة، وموت الانفعال في الوجه، هما ما أكَّدا لي أن بالأمر خطأ ما. أشار صاحب المقهى — الشبيه بشيخ منسر، وليس فتوةً نبيلًا كما والده — بفتح التليفزيون. وكان التليفزيون على حامل معدني مقابل للرجل. وفي ثانية واحدة، تألقتْ على الشاشة فاتنة لبنانية تتمايل مغنيةً ما لم أهتم بسماعه عمري، غامزةً للمشاهد في إغواء صريح أحببته. ومع الإيقاع الراقص للأغنية، تبدَّد جمود الرجل، وتمايل مع الفتاة، مُحرِّكًا رقبته يمينًا ويسارًا، في رقصة طربت لبهجتها. بينما بين الحين والحين، يلتفت لصوت النشرة الإخبارية، العالي بنفس الدرجة، ويهز رقبته لأعلى وأسفل في جدية. تمكنت البسمة من شفتي، على الرغم من اجتياح موجة ريح ساخنة للمكان، وقلقي من سماء حمراء السحب، تعني — كما علَّمتني أمي ليلةً ما — غدًا لافحًا ندعوا الله بالستر منه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١