الفصل الأول: ماركوس أوريليوس والرُّواقية

(١) حياة ماركوس أوريليوس

وُلد ماركوس أوريليوس أنطونينوس، واسمه الحقيقي ماركوس أنيوس فيروس، في السادس والعشرين من أبريل عام ١٢١م، في عهد الإمبراطور هادريانوس، لأُسرةٍ نبيلة قيل إنها تنحدر من «نوما» Numa الملك الثاني لروما ويُعَد أَكثرَ الملوك الأوائل تقوَى وأَشدَّهم وَرعًا. شغل والد ماركوس، أنيوس فيروس، منصب البرايتور أي الحاكم القضائي، وشغل جَدُّه، واسمه أيضًا أنيوس فيروس، منصب القنصل ثلاث مرات. وقد تُوفِّي الوالد وماركوس بعدُ طفلٌ صغير فكَفَله جَدُّه.
وقد أُعجِب الإمبراطور هادريانوس (حكم من ١١٧–١٣٨م) بشخصية ماركوس وتَوسَّم فيه نبوغًا وتقوى ورأى فيه مَخايِل. وكان يحب أن يدعوه Verissimus (الأصدق) بدلًا من Verus (الصادق). وقد تزوج أنطونينوس بيوس من عمة ماركوس، أنيا جاليريا فاوستينا، وتَبنَّى ماركوس فصار اسمه ماركوس أوريليوس أنطونينوس نسبة إلى أبيه بالتبنِّي أنطونينوس بيوس Antoninus Pius (واسمه الحقيقي أوريليوس أنطونينوس، ولقب «بيوس» يعني «التقِيَّ») الذي تَسنَّم العرش بعد هادريانوس عام ١٣٨م وماركوس إذ ذاك في السابعة عشرة من عمره. وزَوَّجَه ابنتَه فاوستينا Faustina عام ١٤٥م. وحين تُوفِّي أنطونينوس بيوس عام ١٦١م ارتقى ماركوس عرش الإمبراطورية. وحين اعتلى العرش أشرك معه، ضد رغبة مجلس الشيوخ، أخاه بالتبنِّي لوكيوس فيروس Lucius Verus الذي تبنَّاه أيضًا أنطونينوس بيوس، كابنه الأصغر، مع ماركوس؛ ومن ثَمَّ فقد صار للإمبراطورية حاكمان على العرش في وقتٍ واحد.
لم يَكَد ماركوس يرتقي العرش حتى تقاطَرَت عليه المتاعب من كل صَوب؛ في الشرق يتمرد البارثيون١ ويُدمِّرون فيلقًا رومانيًّا كاملًا ويهاجمون سوريا، فيبعث لهم ماركوس بأخيه فيروس على رأس جيشٍ ليقمع هذه الثورة. وينجح فيروس، الذي انغمس في الشراب والفِسق، في مهمته بفضل قادة جيشه.

وما تكاد تضع حروب الشرق أوزارها حتى تتحالف قبائل جرمانية قوية شمال الدانوب، الماركوماني والقادي والصرامطة والقاتي، لِتُهاجِم الحدود الشمالية للإمبراطورية وتُهدِّد إيطاليا وبانونيا واليونان، فيزحف إليها ماركوس وفيروس على رأس فرقٍ رومانيةٍ لتأمين جبهة الدانوب.

وفي روما ذاتها كان الطاعون، الذي انتقل من الشرق مع جيش فيروس، يفتك بالناس. وأَتلَفَت فيضانات التيبر كمياتٍ هائلةً من الحبوب وتسبَّبَت في مجاعةٍ شديدة اضطرَّت ماركوس إلى بيع المجوهرات الملكية لِيُواجه المجاعة ويُدبِّر الاحتياجات المُلحَّة. وفي عام ١٦٩م مات فيروس فجأة، وانفرد ماركوس بإدارة الإمبراطورية، وظل في رباطٍ بقيةَ عمره، وتَمكَّن من تحقيق الاستقرار في الإمبراطورية ومن قَهرِ أعدائه بفضل حِنكته العسكرية وحِكمته في اختيار قادة جيوشه.

وفي عام ١٧٥م فُجع ماركوس بخيانة أفيديوس كاسيوس Avidius Cassius قائد جيوشه في آسيا، والذي حاز مَجدًا في الحروب البارثية؛ إذ أَعلَن نفسَه إمبراطورًا على الرومان ظنًّا منه أن ماركوس، المعتل الصحة في ذلك الوقت، قد مات. وقبل أن يصل ماركوس إلى آسيا لمواجهة هذا الأمر قُتل كاسيوس على يدِ بعضِ ضُبَّاطه. وحين وصل ماركوس إلى آسيا قدِم إليه رأس كاسيوس فأَسِف لمقتله ورفَض مُقابلة قاتلِيه لأنهم حرموه من غِبطة تحويل عَدوِّ إلى صديق، وأبدى رأفةً مذهلة بأُسرة كاسيوس وأنصاره، ولا تزال رسالته إلى مجلس الشيوخ، يُناشدهم فيها الرفق بالجُناة، باقيةً حتى اليوم تشهد بنَبالة هذا الرجل وسَعةِ صدره وصَفاء سريرته.

خلال هذه الرحلة إلى الشرق تُوفِّيَت زوجته فاوستينا فجَزِع لموتها جزَعًا شديدًا، وظل وفيًّا لذكراها حتى آخر يوم من حياته. وما لبث أن استأنف حُروبَه على الجبهة الشمالية مُكلَّلةً بالنصر. غير أنه أُصيب في مُعسكَره بعدوَى قاتلة، قيل إنها الطاعون، وقضى نحبه في السابع عشر من مارس عام ١٨٠ وهو يُوصي جنوده بألَّا يَبكُوه بل يقاوموا الوباء الذي يفتك بالناس؛ فكان يوم وفاته، على حدِّ قول إرنست رينان، «يومًا مشئومًا على الفلسفة وعلى المدنية.» وخلفه ابنه كومودوس، الوحيد من أبنائه الباقي على قَيدِ الحياة آنذاك، وحكم روما اثنتَي عشرة سنة، فكان إمبراطورًا ضعيفًا فاشلًا، وأفسد كثيرًا من حملات أبيه بِعَقد سلامٍ مُتسرِّعٍ غيرِ حصيف، وكان مُستبدًّا عنيفًا على غيرِ طائل؛ حتى لَيُقالُ إن العيب الوحيد الذي ينال من مكانة ماركوس أوريليوس هو أنه أنجب مثل هذا الغلام التافِه الدَّمَوي.

على أن أخطاء ماركوس لا تقتصر على إنجابه كومودوس، فقد كان إشراكه فيروس، أخاه بالتبنِّي، في الحكم خطأً كبيرًا تغمَّده عَفوُ الأَقدار بصلابة ضُباطه وبوفاته المُبكِّرة. غير أن هذه السابقة التي استنَّها ماركوس أَعقَبَت وبالًا على الإمبراطورية في عصر دقلديانوس وشقَّت الإمبراطورية إلى نصفَين. ومن أخطاء ماركوس مَركزيَّته الزائدة في الإدارة المدنية، وكذلك اضطهاده للمسيحيِّين، أو، بالأدق، تَراخِيه عن حمايتهم من الاضطهاد.٢

أمَّا مزايا حكمه فأكثرُ من أن تُحصى؛ فقد كان قائدًا عسكريًّا قديرًا، على تواضُعِ بِنيَته، وإداريًّا حصيفًا ذا ضميرٍ حي. وعلى الرغم من ممارسته للفلسفة وشغَفه بها فإنه لم يَنزلِق إلى محاولة إعادة تشكيل العالم وفقًا لأي مُخطَّطٍ نظري أو تصوُّرٍ مُسبَق، وهو مُنزلَق من السهل أن يقع فيه أي فيلسوف يتسنى له، مثل ماركوس، حُكم العالم، بل اكتفى بالسير على الطريق الذي مهَّده أسلافه، لا يطمح إلا في أن يُؤدِّي واجبَه جهدَ ما يستطيع، ويُقاوم الفساد ما أَمكَنه. يقول ماركوس: «لا تؤمِّل في جمهورية أفلاطون الطوباوية، بل اقنَع بأَصغرِ خطوةٍ إلى الأمام، ولا تستهن بهذا الإنجاز، ما أَتفَه أولئك البؤساء الذين ينخرطون في الأمور السياسية ويظنون أن أعمالهم لها صفةٌ فلسفية. إنهم جميعًا يَهرِفون. ومن ذا يستطيع أن يُغيِّر آراءهم؟ وبدون تغيُّر الرأي ماذا يكون هناك غير العبودية؛ أناس يَئِنُّون وهم يتظاهرون بالطاعة؟ امضِ إذن، وحدِّثني الآن عن الإسكندر وفيليب وديميتريوس الفاليري؛ فقد كنتُ خليقًا أن أتبعهم لو أنهم رأَوا ما تُريده طبيعة العالم وتتلمذوا عليها. أمَّا إذا كانوا ببساطة يُمثِّلون أدوار أبطال الدراما، فأنا بحلٍّ من أن أُقلِّدهم، بسيطةٌ هي ومتواضعةٌ مهمةُ الفلسفة، فلا تَمِل بي إلى الخُيَلاء والغرور» (التأملات: ٩-٢٩).

انصَرفَ ماركوس في إدارته إلى إرساء العدالة وحماية الولايات من الظلم وإعانة المدن المنكوبة، وإيجادِ قوانينَ داخليةٍ لحماية الضُّعفاء والتخفيف عن العبيد، ورعاية الأطفال الضعفاء والأيتام وتعليمهم، جاعلًا من نفسه أبًا لمن فقد أباه وراعيًا لمن فقد الرعاية.

يتفق جيبون مع أغلب كُتاب القرن الثامن عشر في اعتبار فترة حكم الأنطونيِّين كعصرٍ ذهبي، والأنطونيون هم الأباطرة الذين حكموا روما في القرن الثاني الميلادي؛ تريانوس وهادريانوس وأنطونينوس بيوس وماركوس أوريليوس (وكومودوس الذي نستثنيه من هذا الإطراء). يقول جيبون: «إذا سُئل إنسانٌ أن يُحدِّد الحقبة من تاريخ العالم الذي بَلغَت فيها حالة البشرية غايةً في السعادة والازدهار، لَذكَر بلا تَردُّد تلك الفترة التي امتدت من وفاة دوميتيانوس إلى تولي كومودوس.» ذلك أن كلًّا من هؤلاء الأنطونيِّين كان يخلُف سلفه لا من طريق الوراثة بل من طريق التبنِّي القائم على اختيارِ الأفضلِ وتَعهُّدِه وتدريبه.

غير أن برتراند رسِل يرى في ذلك رأيًا آخر، ويقول إن من الصعب القَبول برأي جيبون على عِلَّاته؛ فلقد كانت حِقبة الأنطونيِّين مُثقَلة، كغيرها من الحِقب، بالشرور والآثام؛ فالرِّق يستنزف عافية العالم القديم، وعروض المُبارزة ومُصارَعة الوحوش تُنبِئ بِتحجُّر قلب من يستمتع بمثل هذه المَشاهد، والنظام الاقتصادي سيئٌ للغاية؛ الزراعة مُنحسِرة في إيطاليا وأهلُ روما يعتمدون على مَحاصيلِ الأقاليم، والفَقرُ يطحن مُزارِعي الأقاليم وبروليتاريا المدن، والمركزية الإدارية خانقةٌ مُفرِطة، والظلم ضاربٌ أطنابَه، وعوامل الضعف والهَشَاشة لا تخفى على النظَر الثاقب الذي يتجاوز الظاهرَ الورديَّ إلى الباطن المُتآكِل. «وعندما نُقارِن بين نبرة ماركوس أوريليوس ونبرة بيكون أو لوك أو كوندرسيه نرى الفرق بين عصرٍ مُجهَد وعصرٍ مُبشِّر. من الممكن للناس في العصر المُبشِّر احتمال الشرور الراهنة لأنهم يرونها إلى زوال. أمَّا في العصر المُجهَد فحتى الخيرات الحقيقية تفقد مَذاقها. لقد كانت الأخلاق الرُّواقية ملائمةً لزمن إبكتيتوس وماركوس أوريليوس لأن شِرعتها كانت شِرعة التجلُّد لا شِرعة الأمل.»٣ وما كانت مَظاهِر البؤس والذُّبول لِتَخفى على عينَي ماركوس الثاقبتَين، وإنها لتاركةٌ في نبرته حُزنًا وأسى وانقباضًا يشيع في ثنايا «التأمُّلات»، ويُبرِّر قول القائل إن ماركوس أويليوس يُمثِّل الرُّواقية وقد صبغها أُفول روما بلونٍ قاتمٍ.

لم تكن الديانة الرومانية الوثنية في ذلك العصر لِتُغنِي النفوس الكبيرة كثيرَ غَناء؛ فأكثرُ أساطيرها طُفوليةً ممتنعة، وأكثر تعاليمها لا يمُتُّ إلى الأخلاق بصلةٍ وثيقة؛ فقد كانت الديانة الرومانية، في حقيقة الأمر وصميمه، أقرب إلى «الصفقة» بين الإنسان والآلهة؛ يبذُل الناس للآلهة تضحياتٍ مُعينةً ويُؤدُّون طقوسًا شكلية؛ لكي تُسدِّد لهم الآلهة ثمن ذلك حظوةً وأَنعُمًا، سواءٌ أحسنوا أم أساءوا، وبِغَضِّ النظرِ عن نواياهم واستحقاقِهم. فلم يكن أمام النفوسِ الورعةِ سوى الفلسفة تلوذ بها وتلتمس لديها السكينة الروحية والرضا العقلي، وكانت الفلسفتان السائدتان في ذلك الوقت هما الأبيقورية والرُّواقية.

(٢) الأبيقورية

وُلد أبيقور Epicurus عام ٢٤١ق.م لأبوَين أثينيَّين، وفي سن الثامنة عشرة انتقل من ساموس إلى أثينا، ثم رحل إلى آسيا الصغرى حيث جَذبَته فلسفة ديمقريطس. وفي عام ٣٠٧ق.م وصل إلى أثينا مع جماعة من أتباعه وأسَّس «الحديقة» the Garden إلى الجنوب من أكاديمية أفلاطون. عاش أبيقور واتباعه في «الحديقة» حياةً جمعيةً بعيدةً عن صخب الحياة المدنية ونزاعاتها. وقد وصل إلينا المذهب الأبيقوري في أَوضحِ صورةٍ في قصيدة الشاعر الروماني لوكريتيوس Lucretius (حوالي ٩٩–٥٥ق.م) المُسمَّاة «في طبيعة الأشياء» De Rerum Natura. وفي الوقت الذي كتب فيه لوكريتيوس قصيدته كان المذهب الأبيقوري قد انتشر خلال العالم المُتوسِّطي كله، وحَظِي باحترام صفوة المجتمع الروماني لاتجاهاته التحرُّرية ومُحارَبته للخُرافة، وإن كانت الرُّواقية قد أَخذَت تحلُّ محلَّه بالتدريج.
ينقسم المذهب الأبيقوري إلى ثلاثة أقسام؛ نظرية المعرفة، والطبيعيات، والأخلاق. أمَّا نظرية المعرفة فتقوم على الإدراك الحسي؛ فالحواسُّ هي مَنفَذنا الوحيد إلى العالم، والإحساساتُ هي معيار الحق؛ فالنفس عند أبيقور لا تعدو أن تكون نوعًا من المادة تختلط جزئياته بالذرات المُكوِّنة للجسم. ويُفسر الإحساس بأنه تصادُم انبعاثاتٍ من الأشياء المُدرَكة مع ذرَّات النفس. وقد تخدعنا بعض الانبعاثات فتبدي لنا الشيء على غير ما هو عليه، مثل انثناء العصا في الماء؛ لذا يُفرِّق الأبيقوريون بين الإحساسات sensations والأحكام judgements ويذهبون إلى أن الإحساسات بِحدِّ ذاتها لا تخطئ وإنما يأتي الخطأ من الأحكام؛ ومِن ثَمَّ فهناك أحوالٌ لا نملك فيها البتَّ في أمرِ الأحكامِ المُتضارِبة حين تكون مُدعمةً بنفس الدرجة بأدلةٍ حسيةٍ ومُتوافقةٍ معها.
والنظرية الطبيعية الوحيدة التي تُوافِق إحساساتنا وتُؤيَّد بها هي النظرية الذرِّية atomism ولذلك اقتفى الأبيقوريون أثر ديمقريطس وذهبوا إلى أن العالم مُكوَّن من عددٍ لانهائيٍّ من الذرَّات تتحرك في الخلاء. صحيحٌ أنهم لم يُوافِقوا ديمقريطس في قوله بعشوائية حركات الذرات إلا أنهم أدخلوا مفهوم «الانحراف» swerve لِيُفسِّروا اصطدام الذرَّات واجتماعها وافتراقها، وهو يُؤثِّر في حركة الذرات في مواضعَ زمنيةٍ ومكانية تتعذَّر على التحديد؛ ومن ثَمَّ فهم لا يتركون في نظريتهم مكانًا للغائية الأرسطية والأفلاطونية، بل كلُّ شيءٍ عندهم قابل للتفسير في حدود اجتماع الذرات وافتراقها على نحوٍ عرضيٍّ لا غاية فيه، ويتركون في الوقت نفسه مسحةً من حرية الإرادة في عالمٍ آليٍّ مُحدَّد فيما عدا ذلك تحديدًا تامًّا.٤
والأبيقورية في صميمها نظريةٌ أخلاقية. والهدف من دراسة الطبيعة عند الأبيقوريِّين هو أن تُسهِم بعد كل شيءٍ في سعادة الإنسان وهنائه. غير أنهم، على عكس أرسطو، يُماهون بين السعادة واللذة؛ فاللذة حالةٌ إنسانيةٌ طبيعية، وهي لا تعدو أن تكون غياب الألم. والألم هو، ببساطة، إعاقةُ الحالة الطبيعية؛ ومن ثَمَّ فأن يلتمس المرء اللذة هو أن يلتمس العيش وفقًا للطبيعة. والفضائل الأخلاقية ضروريةٌ من أجل العيش وفقًا للطبيعة ولكنها ليست مُكوِّناتٍ لهذا العيش، إنها وسائلُ لغايةٍ، والغاية هي اللذة. الخير إذن هو اللذة. والأبيقورية هي نظريةٌ «هيدونية» hedonistic غير أنها تختلف عن اللذة الصاخبة التي أُشيعَت عن الأبيقورية بغير حق؛ فأغلب اللذات الجسدية يعقبها الألم (لذة الخمر مثلًا يعقبها الخُمار). أمَّا لذَّات العقل فلنا عليها سيطرةٌ أكبر. والحق أن أبيقور وجماعته كانوا يحيون حياةً مُتقشِّفة، على عكس ما يظنه عنهم أغلب الناس! والقلق النفسي هو أشد أنواع الألم؛ لذا فإن الخُلوَّ من القلق هو أعظم اللذات. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الطبيعة؛ إذ تساعدنا في نيل أعظم اللذات الخالصة؛ فالنظرية الذرية في الطبيعة تفيدنا في التخلُّص من أقسى ضروب القلق وهو الخوف من الموت، فحين يحل الموت تفقد ذرات النفس تماسُكَها مع الجسم وتتبعثر، وتظل باقيةً بوصفها ذراتٍ ولكنها لا تعود قادرةً على الإحساس؛ ومن ثَمَّ فإن الخوف من الموت يتنافى مع العقل لأن الموت ليس شيئًا يمكننا أن نُجرِّبه. ٥ فلا النفسُ ولا الإحساسُ ولا الوعيُ يدوم بعد الموتِ لأن الموت، ببساطةٍ، هو تشتُّت الذرَّات التي نتكوَّن منها.٦

وصَفوةِ القولِ في الأخلاق الأبيقورية أن على المرء أن يسلُك سبيل القصد والاعتدال لكي يبلغ حالةً من التوازن الذي لا يُعكِّر صفوه شيء، هذا التوازُن هو أَرفعُ اللذَّات جميعًا؛ ومن ثَمَّ فهو الخير الأسمى عند الأبيقوريِّين الحقيقيِّين.

(٣) الرُّواقية

قامت الرُّواقية، شأنها شأن أكثر المذاهب الفلسفية التي أَعقَبَت أرسطو، استجابةً لحاجةٍ عملية لا لترفٍ نظري، ولكي تُعين الإنسان في الشدائد والمحن، وتُعلِّمه كيف يَصمُد في الخطوب ويَثبُت في الأزمات العنيفة التي اعتَورَت المجتمع في العصر الهلينستي.

ومن يُوغِل في الفلسفة الرُّواقية فسوف يَتنسَّم عبيرًا لا يمُت إلى أثينا بقَدْر ما يُذكِّره بنَفَحات الشرق وحُكمائه وأنبيائه. وليس بِدعًا أن يصفها البعض بأنها أشبه ﺑ «بوذيةٍ أوروبية»، أو «يوجا غربية»؛ ذلك أن أغلب مؤسِّسيها الأوائل كانوا شرقيِّين سوريِّين.٧
أمَّا شيخ الرُّواقيِّين الأوائل فهو زينون Zeno الفينيقي الذي وُلد في كتيوم Kition بقبرص في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد. وقد جاء إلى أثينا في شأنٍ تجاري لأُسرته فجَذبَته الفلسفة، فأقام في أثينا وجعل يتنقَّل من مدرسةٍ فلسفية إلى أخرى، استزادة من العلم، حوالي عشرين سنة، وحضر دروس كسينوكرانيس الأكاديمي واستلبون الميجاري وتتلمذ بخاصةٍ على أقراطيس (كرايتس) الكلبي، ثم أنشأ مدرسة خاصة به، واتخذ «الرُّواق المزخرف» Stoa Poikile مكانًا لإلقاء دروسه. وهو إيوانٌ عند مدخل الأجورا في أثينا، ذو أعمدةٍ مزدانة بنقوشٍ من ريشة المصوِّر بولجينوط، كان من قبلُ منتدًى للأُدباء والفنَّانين، ومنه جاء اسم «الرُّواقية» Stoicism. كان زينون انتقائيًّا يأخذ من كل مذهبٍ ما يروقه، غير أن آراء المدرسة الكلبية كانت الأقربَ إلى مزاجه، وعنها أخذ ازدراء التقاليد والأوضاع القائمة والآراء السائدة والمال والجاه والموت نفسه، واتباع الفطرة والعودة إلى الطبيعة؛ فالسعادة هي في أن يستكفي المرء بنفسه ويستقل عن غيره، إنها شيءٌ داخليٌّ أمره بيدنا ومَردُّه إلينا وحدنا ولا يملك أحد أن يسلبنا إياه. وأخذ عن الكلبيين أيضًا نزعتهم الاسمية nominalism و«مُواطَنة العالم» cosmopolitanism. وعن هيراقليطس أخذ فكرة العقل الكلي المُتجسِّد في اللوجوس الذي يشمل عقل العالم وعقل الكائنات الإنسانية، وفكرة نهر التغيُّر والصيرورة، وفكرة «الاحتراق الكوني» ekpyrosis/conflagratio والتجدُّد الدوري و«العَود الأبدي».٨

لم يَبقَ لنا من أعمال زينون إلا مقتطفاتٌ ضئيلة، نعرف منها أنه يُعرِّف الإله بأنه العقل الناري للعالم، وأنه جَوهرٌ مادي، وأنه يتخلل العالم كما يتخلل الماء في الرمل أو كما يتخلل الشهد في الخلايا. وكان زينون، وَفقًا لديوخينيس اللائيرتي، يرى أن القانون الكلي، أي العقل الذي يَتخلَّل كل شيء، هو نفسه زيوس الحكم الأعلى للعالم؛ فالإله، والعقل، والقدَر، وزيوس، شيءٌ واحد. القدَر هو القوة التي تحرك المادة، و«العناية» و«الطبيعة» أسماءٌ أخرى للشيء نفسه. ويبدو أن زينون كان يؤمن بالتنجيم والعِرافة، ويعزو إلى النجوم قوةً تنبُّئية. أمَّا المذهب الرُّواقي في الفضيلة فلا يظهر في المُقتطَفات المتبقية من زينون وإن بدا أنه كان يعتقده ويذهب إليه.

أمَّا كليانثيس Cleanthes، خليفة زينون في الرُّواق (وُلد عام ٣٣١ق.م)، فلم يَبقَ من مُصنَّفاته إلا مقتطفاتٌ صغيرةٌ أهمها قصيدته الرائعة «أنشودة إلى زيوس» التي لم يَبقَ منها إلا أربعون بيتًا، والتي تشيع فيها نبرةٌ مسيحيةٌ نُدهَش لصدورها عن فيلسوفٍ وشاعرٍ وثني. وفيها خلاصة للطبيعيات والأخلاقيات الرُّواقية. ونَظَم كليانثيس أيضًا دعاءً صغيرًا في الإذعان للقدَر، بقِيَت منه أبياتٌ ذكرها إبكتيتوس الرُّواقي في دروسه (الموجز، ٥٣) وترجمها سينيكا بِتصرُّف إلى اللاتينية. يقول الدعاء:
قُدني يا زيوس، وأنت أيها القدَر،
إلى حيثما رسمتُما لي الطريق؛
فأنا مُتبعُكما دون تردُّد، وحتى لو أخذني الارتياب،
فتثاقلتُ وتملَّصتُ، فلن أكون مع ذلك أَقلَّ متابعةً لكما.
أمَّا خريسبوس Chrysippus (٢٨٠–٢٠٧ق.م)، الذي خَلَف كليانتس على الرُّواق، فكان أغزرَ الرُّواقيِّين إنتاجًا وأَقدرَهم على الجدل. وُلِد في مدينة صول بقبرص، وتولى إدارة الرُّواق فكان مجتهدًا دءوبًا دقيقًا في مواعيد دروسه. وكان واسع الاطِّلاع دائب التأليف فكتب في المنطق والطبيعيات والأخلاقيات، ويُقال إنه كتب نيِّفًا وسبعمائة كتاب، لم يَبقَ منها إلا شُذورٌ قصيرة. يُعَد خريسبوس أَوَّل من قدَّم عرضًا منهجيًّا مترابطًا للرُّواقية، وبفضله أصبحت الرُّواقية فلسفةً مكتملة الأركان واضحة المعالم، حتى قيل بحق إنه «لولا خريسبوس لما كان الرُّواق.» وهو المؤسس الحقيقي للمنطق الرُّواقي والسيكولوجيا الرُّواقية. ويقول شيشرون إن خريسبوس هو صاحب النظرية التي يُفرِّق فيها بين العِلل الأولى والعِلل الثانية، لِيوفِّق بين نظرية القضاء والقدَر وبين فكرة المسئولية والحرية الأخلاقية.٩ ويُقال إنه ذهب إلى أن الإله لا دخل له في إحداث الشر، وإن كنا لا نعرف كيف أمكنه أن يُوفِّق بين ذلك وبين مذهب الحتمية. وفي موضعٍ آخر يتعامل خريسبوس مع مشكلة الشر على طريقة هيراقليطس قائلًا: إن الأضداد يتضمن أحدها الآخر، وإن الخير بدون الشر مستحيل منطقيًّا؛ فوجود الخير يتطلب بالضرورة وجود الشر. ومما يُؤثَر عن خريسبوس قوله إن الإنسان الصالح سعيدٌ دائمًا والشرير غيرُ سعيد، وتَشدُّده في مسألة «الأشياء الأسواء أو غير الفارقة» indifferentia التي ليست خيرًا ولا شرًّا، كالحياة والموت واللذة والألم والصحة والمرض والغنى والفقر … إلخ، وكذلك فكرته عن الجماعة العقلية الروحية التي تقول بأن الفيلسوف لا وَطنَ له أو أن وطنه هو العالم كله، وتأكيده على أهمية دراسة المنطق باعتبارها ركنًا أساسيًّا للرُّواقية، وعدم تسامُحه في ذلك شأن غيره من الرُّواقيِّين الذين جعلوا للأخلاق الصدارة المُطلَقة على المنطق.
الرُّواقية الوسطى: يمثلها بنايتيوس وبوسيدونيوس. وُلد بنايتيوس في رودس حوالي عام ١٩٨ق.م، وتأثَّر بفكر أفلاطون وأرسطو، فعَمَد إلى تعديل بعض الأفكار الرُّواقية والتخفيف من صرامتها. واتسَمَت كتابته بالطلاوة والفصاحة. تأثَّر به شيشرون الذي يُعَد أهم من عَرَّف الرومان بأصول الرُّواقية. أمَّا بوسيدونيوس فهو مؤرخٌ وفيلسوفٌ سوري الأصل، عاش من سنة ١٥٣ق.م حتى سنة ٥١ق.م، تتلمذ على بنايتيوس الذي تُوفِّي حوالي عام ١١٠ق.م، واشتُهر بسعة مَعارِفه؛ فكان مُؤرخًا كبيرًا واصل أعمال المؤرخ بوليبيوس، وعالمًا طبيعيًّا وفلكيًّا بارزًا١٠ وفيلسوفًا لاهوتيًّا، قام بأسفارٍ كثيرة، بعضها للدراسة المحضة، وصادق الكثيرِين من عظماء الرومان، وتتلمذ عليه شيشرون وتأثر به أكثر مما تأثر بنايتيوس. حاول التوفيق بين الرُّواقية والأفلاطونية. وله إسهاماتٌ في الجغرافيا ونظرياتٌ في الرياضيات. وصل وبوسيدونيوس إلى أدق تقدير، في العالم القديم، لبُعد الشمس عن الأرض، وقدَّر أنه بالإبحار غربًا من قادش يمكن بلوغ الهند بعد ٧٠٫٠٠٠ ستاديون (مقياس طولٍ يوناني قديم)، وقد أخذ كولمبس فيما بعدُ بهذه المُلاحَظة وكانت وراء ثقته فيما أَزمعَ عمله.

مذاهب الرُّواقية القديمة

الفلسفة عند الرُّواقيِّين طريقة حياة قبل أن تكون ترفًا ذهنيًّا أو ثراءً معرفيًّا. إنها ضَربٌ من العمل أو الممارسة يكفُل للمرء حياةً منسجمةً سعيدة، أو هي في عبارةٍ واحدةٍ «فن الحياة» ars vivendi بتعبير شيشرون؛ فالعلوم الجزئية لا تُقدِّم لنا إلا معارفَ جزئيةً تفيدنا في معرفة ما ينبغي علينا أن نصنعه بشيءٍ بعينه أو في مواضعَ بعينها، ولكنها لا تَدلُّنا على الموقف الذي ينبغي لنا أن نتخذه تجاه الحياة في عمومها أو تجاه الأشياء في كليَّتها؛ فذاك أمر يحتاج إلى علمٍ آخرَ فوق العلوم الجزئية، هو «الحكمة» التي لا يبلغها المرء إلا بممارسةٍ شاقةٍ دءوبٍ للفلسفة. والفلسفة عند الرُّواقيِّين هي «علم الأمور الإلهية والأمور البشرية.» كما يقول شيشرون. وحيث إنهم ذهبوا إلى أن العقل عنصرٌ مشتركٌ بين الكائنات الإلهية والبشرية فإن الفلسفة عندهم هي علم الموجودات العاقلة، أو علم الأشياء كلها؛ الأشياء الطبيعية عندهم مندمجةٌ في الأشياء الإلهية. والفلسفة عند الرُّواقيِّين هي الشعور بكمون العقل في الطبيعة؛ ومن ثَمَّ فإن واجب الفيلسوف هو نبذُ كل ما يُخالف العقلَ سواءٌ في طبيعة الكون أم في سلوك الإنسان، والتفطُّن إلى أن ما يبدو أحيانًا مخالفًا للعقل إنما هو في حقيقة الأمر معقول ومقبول حين تُدرِجه النظرة الفلسفية العميقة في سياقه الأَوسعِ وتَسلُكه في إطاره الكلي العريض.
والفلسفة مبحثٌ واحدٌ متصل، وإن اضطُر الرُّواقيون إلى تقسيمه، لدواعي الدرس والتعليم، إلى ثلاثة أقسام كبرى؛ المنطق (ويتضمَّن عندهم الميتافيزيقا واللاهوت والنفس)، والأخلاقيات. تتراتب هذه الأقسام في الأهمية عند أغلب الرُّواقيِّين؛ فالأخلاقيات لها الصدارة لدى عموم الرُّواقيِّين،١١ وإذا كان بعضهم يُقدِّم عليها علم الطبيعة فإنما يعني بذلك أن الأخلاقية الصحيحة تقوم على معرفةِ الطبيعةِ وتنتج عنها مباشرةً؛ فمن المُحال أن يكون للإنسان مذهبٌ في الأخلاق دون أن يستند على أساسٍ من الطبيعة والميتافيزيقا؛ إذ لا يستطيع أن يكون له قواعدُ للسلوك دون فكرةٍ عامةٍ عن الكون الذي يحيا فيه.١٢ وقد شبَّهوا الفلسفة ببستانٍ؛ المنطق سوره، والطبيعيات أشجاره، والأخلاق ثمره. وشبَّهها البعض بالمدينة المُحصَّنة؛ المنطق حصونها، والطبيعة سكانها، والأخلاق دستورها. والبعض شبَّهها بالبيضة؛ المنطق قشرتها، والطبيعة بياضها، والأخلاق مُحُّها (صَفارها). وجملة القول أن التراتُب الذي وضعه الرُّواقيون للفلسفة، سواءٌ في التعليم أو في التصنيف، هو الذي يصعد من الأدنى إلى الأرفع؛ فيبدأ بالمنطق، ويصعد إلى الطبيعة، وينتهي إلى الأخلاق؛ ذروة الفلسفة وثمرتها وغايتها.

المنطق الرُّواقي

أخذ الرُّواقيون بالمذهب الحسي في نظرية المعرفة: «لا شيء في الذهن ما لم يكن قبل ذلك في الحس.»١٣ ويُشبِّهون، مثل أرسطو من قبلُ، الذهن قبل ورود الإحساسات عليه بالصحائف البيضاء التي لم يُنقَش عليها شيء؛ فالإدراك الحسي هو المصدر الأساسي للمعرفة، وخداع الحواس إنما هو في حقيقة الأمر «حُكمٌ» judgement زائف، وبالإمكان تلافِيه بقليلٍ من التحوُّط.
وإلى جانب الإدراك الحسي أخذ الرُّواقيون بما يُعرف ﺑ «المعاني الأوَّليَّة» أو «الأفكار الفِطرية» أو «الأَولِيَّات»؛ ذلك أن المنطق اليوناني الاستنباطي، وكذلك البحث العلمي بعامة، يُثير مُشكلة المُقدِّمات الأولى؛ فالمقدمات الأولى ينبغي أن تكون عامة (على الأقل جزئيًّا)، وليس ثَمَّةَ طريقةٌ لإثباتها. ذهب الرُّواقيون إلى أن ثَمَّةَ مبادئَ معينةً واضحةً بذاتها ويُسلِّم بها البشر جميعًا، يمكن أن تُوضع، شأن الهندسة الإقليدية، كأساسٍ للاستنباط. يمكن للأفكار الفِطرية كذلك أن تُوضع كنقاط بَدءٍ للتعريفات. وقد ظلَّت هذه الوجهة من الرأي سائدةً طوال العصور الوُسطَى، وأخذ بها بعض أصحاب المذهب العقلي من المُحدَثِين؛ فهي تُعَد حَجرَ الأساس، من الوِجهة الميتافيزيقية، في المنهج الديكارتي.١٤
تبدأ المعرفة عند الرُّواقيِّين ﺑ «الانطباع» أو «التصوُّر» أو «التمثيل» representation (phantasia) وهو الأَثَر الذي يطبعه على الذهن شيءٌ خارجي كما ينطبع الخاتَم على الشمع. وهو بمثابة أوَّلِ حكمٍ على الأشياء يَعرِض للنفس فتمنحه «القَبول» أو «التسليم» أو «التصديق» assent، وهذا «التصديق» قد يكون على حقٍّ وقد يكون على غير حق. فإذا كان على حقٍّ تكون النفس قد بَلغَت الفهم أو «الإحاطة» comprehension أي إدراك الأمور على نحوٍ يُطابق تَصوُّرها. وأوَّل مَراتِب اليقين هو «التصوُّر المحيط» أي الانطباع الواضح القاهر phantasia kataleptike الذي له من القوة والبداهة ما يحملنا على التصديق به والإذعان له. ويذهب زينون إلى أن الإنسان حين يقع في الخطأ، فيُصدِّق شيئًا باطلًا، فإثم ذلك عليه هو لا على الأشياء كما وَردَت عليه وتأدَّت إليه دون أن تفرض عليه اعتقاده، بل تَركَت له من الحرية والاختيار ما لم يُحسِن الاستفادة منه. ولقد سَلَّم الرُّواقيون بأن أغلب الإدراكات الحسية لا يُجبِرنا، بل يترك لنا وجود الاختيار في الاعتقاد، وأن الحكمة عبارة عن معرفة هذه الوجوه والتوقُّف عن الحكم والإمساك عن التصديق والاعتقاد.١٥ يقول ماركوس في «التأمُّلات»: «لا شيء من هذه الأشياء يُصدِر حكمًا عن نفسه أو يَفرِض نفسه علينا؛ فالأشياء ذاتها خاملة، وإنما نحن الذين نُنتِج الأحكام عنها ونَطبَعها في عقولنا. وإن بِوُسعنا ألا نَطبَعها على الإطلاق، وأن نمحو في الحال أيَّ حكمٍ تصادَف انطباعُه.»١٦ (١١-١٦).
أراد الرُّواقيون أن يؤسسوا منطقًا لا تتعارض فيه المعرفة الحسية مع المعرفة العقلية، فبحثوا عن «الحقيقة» في الأمور الوجودية الواقعية التي يشهدها الناس في تجارب حياتهم، ومن هنا أخذوا ﺑ «المذهب الاسمي» nominalism ومُؤدَّاه أنه لا يُوجد خارج الذهن إلا أفرادٌ جزئيون وأشياءُ مفردةٌ مشهودةٌ محسوسة. أما «الأجناس» و«الأنواع» و«الصور» و«المُثل» وغير ذلك من المعاني العامة أو «الكليات» فهي في الحقيقة مجرد «أسماء» ليس لها أي وجودٍ خارج الذهن. إنها اختلافاتٌ عقلية، لا وجود لها خارج الأشياء (كمثل أفلاطون) ولا هي موجودة في الأشياء (كما هي عند أرسطو). إنها مجرداتٌ ذهنيةٌ قائمة في عالم الأذهان ولا يُقابِلها شيءٌ في عالم الأعيان أو العالم الواقعي.
من هنا يَصدُر حرص الرُّواقيِّين في منطقهم على ألَّا يستعملوا إلا قضايا شخصية؛ أي ألفاظًا تُعبِّر عن وقائعَ وأحداثٍ فردية. وهم بذلك يستبقون منطق جون ستيوارت مِل، ويستبقون كذلك المنطق الجديد logistic، وبخاصة منطق رسِل، بحرصه الدائم على التعبير عن الوقائعِ واعترافِه بالعلاقة الوثيقة بين نشاط الفكر والوجود الواقع.
وقد صاغ الرُّواقيون نظرية القياس الشرطي والانفصالي hypothetical and disjunctive syllogism وهم أول من أدخل مصطلح «الانفصال» في المنطق، واكتشفوا علاقةً منطقيةً مهمةً تُسمَّى في المُصطلَح الحديث بالتضمُّن (أو اللزوم) المادي.١٧ كذلك اخترع الرُّواقيون مصطلحات للنحو الذي أصبح لأَوَّل مرةٍ على أيديهم ميدانًا للبحث العلمي المُنظَّم؛ فأسماء الحالات النحوية اختراعٌ رُواقي. وقد وَصلَت الترجمات اللاتينية لهذه الحالات إلى اللغات الأجنبية الحديثة عن طريق النحويِّين الرومان، وما زالت تُستخدَم حتى اليوم.١٨

الطبيعيات الرُّواقية

يَستغرِق علم الطبيعة في عُرف الرُّواقيِّين عددًا كبيرًا من المباحث تشمل الطبيعة وما بعد الطبيعة واللاهوت والنفس. ولدراسة الطبيعة عند الرُّواقيِّين غايةٌ أخلاقية بالدرجة الأساس؛ فالأخلاق لا تقوم في فراغ، ومن المحال أن يُؤسِّس الإنسان قواعد للسلوك من غير أن يكون له علمٌ بالعالم الذي يعيش فيه. والرابطة الوثيقة بين الميكروكوزم (الإنسان) والماكروكوزم (العالم) تُحتِّم على عالم الأخلاق أن يدرُس الطبيعة والمنطق لكي يبلُغ مقصده على النحو الصحيح. فإذا كانت الفضيلة هي الحياة في وِفاقٍ مع الطبيعة فمن المُتعيَّن على الإنسان أن يُلِم بهذه الطبيعة التي يتعين عليه أن يعيش في وِفاقٍ معها.

ثَمَّةَ مبدآن أَوَّلان في الطبيعيات الرُّواقية؛ المبدأ المُنفعِل وهو المادة (بوصفها ماهيةً غفلًا من كل صفة)، والمبدأ الفاعل والإلهي وهو العقل الكامن في المادة ويُحدث الأشياء جميعًا بإعطائها صُوَرها. وذهب الرُّواقيون فضلًا عن ذلك إلى أنه لا قدرة على الفعل ولا قابلية للانفعال إلا للأجسام؛ ومن ثَمَّ فالشيء لا يكون حقيقيًّا (واقعيًّا، موجودًا) ما لم يكن جسمانيًّا. وحتى المبدأ العاقل لا يخلو من أن يكون جسمانيًّا. إنه جسمٌ لطيفٌ يُداخِل المادة وينساب فيها كما تنساب النطفة في أجسام الكائنات الحية. وقد أغرق الرُّواقيون في ماديَّتهم حتى قالوا بأن خواصَّ الأجسام وصفاتها، كاللون والرائحة والطعم والشكل والصوت؛ كلها أجسام، بل إن الصفات الأخلاقية نفسها، كالخيرات والفضائل هي أيضًا أجسام! وإذا كان كل موجود جسمًا فلا وجود للَّاجسميَّات. واللاجسميات هي المعاني العامة، والمُعبَّر عنه (المعنى أو اللكتون) والخلاء والمكان والزمان. وهنا تتورط الطبيعيات الرُّواقية في ضروبٍ من الغموض والتناقُض.١٩
وللرُّواقيِّين نظريةٌ في الطبيعيات تُسمَّى «المُداخَلة» total compenetration مَفادُها باختصارٍ شديدٍ أن الأجسام تتمازج وتتداخل بعضها في بعض تداخلًا تامًّا؛ بحيث يحتوي كل جزءٍ، بمعنًى ما، على جميع الأجزاء الأخرى، ويمكن لأصغر الأجسام أن يُداخل أكبرها جِرمًا ويجوس خلاله؛ ورب قَطرة من الخمر تملأ البحر كله بل العالم أجمع! غير أن الأجسام تظل محتفظةً بخواصِّها كلها؛ فالمُداخَلة لا تترك علاقةً واضحة asamos أو asemos فهي بمثابة الرشح الذي لا يكون فيه الجسم المتداخل في الآخر قابلًا لأن ينفصل ولا أن يستحيل جسمًا آخر. وعلى هذا النحو ينتشر الجسم الفاعل خلال الجسم المنفعل، وينتشر العقل خلال المادة والنفس خلال البدن؛ فالأشياء لا يُؤثِّر بعضها على بعض تأثيرًا من بُعد، بل إن شِئتَ فقل إن كل جسمٍ هو بوجهٍ ما كامنٌ في جميع الأجسام الأخرى، ماثلٌ في العالم بأَسْره، والعالم كله حاضرٌ في كلٍّ واحد.٢٠ يُوجِز ماركوس أوريليوس فكرة المُداخَلة في قوله: «… إن جميع الأشياء، رغم انفصالها وتمايُزها، يتخلل بعضها بعضًا ويستجيب بعضها لبعض» (التأمُّلات: ٤-٢٧).
والطبيعة عند الرُّواقيِّين شيءٌ واحد، وهي كائنٌ حيٌّ مُفكِّر عاقل، جسمه العالم ونفسه الإله المُنبَثُّ في كل مكانٍ (وحدة الوجود، بانتِيزم). إنه اللوجوس أو العقل الأزلي أو النار المُبدِعة التي تُشكِّل المادة وَفقًا لخطتها. وهذه الخطة يتم تنفيذها ويُعاد مرةً ومراتٍ إلى غير نهاية (العَود الأبدي)، بدءًا من حالة النار الخلَّاقة التي تَتولَّد منها العناصر الأخرى، إلى خلق العالم الذي نعرفه، ثم عودة إلى النار مرة ثانية (الاحتراق العام ekpyrosis/conflagratio) وهو احتراقٌ هادئٌ غيرُ عنيف، ومُلائمٌ للطبيعة ومُوافقٌ لنظام الكون؛ ولذا يُسمِّيه زينون وخريسبوس «تطهير العالم» أي إعادته إلى كمال حاله. وتُشبَّه هذه النار الخلَّاقة بالجُرثومة التي تحتوي مبادئ الأشياء جميعًا وحكاياها التي سوف تجري لاحقًا؛ ولذا يُسمَّى الإله أيضًا ﺑ «القدَر»، على أن نضع بالاعتبار أنه يُدبِّر أمر الكون ويُسيِّره «من داخله» وليس «من خارجه» كشأن الخالِق في محاورة أفلاطون «طيماوس». ومذهب «العَود الأبدي» يعني أن العالم الذي ينشأ عن «الاحتراق العام» مُشابهٌ لسابقه طِبق الأصل، تعيش فيه نفس الشخوص ويشهد نفس الأحداث، ولا جديد تحت الشمس.
  • الإنسان: والإنسان مُكوَّن من نفس وبدَن، والنفس متصلةٌ بالبدن، وهي من ثَمَّ جسم؛ إذ لا يمكن أن يتصل جسمٌ إلا بجسم، وهي مبدأ حياة الإنسان ومبدأ حركاته وأفكاره. وإذا مات الإنسان فارَقَت النفس البدن، ولكنها تبقى بعد فَنائه حتى يحترق العالم. والنفس مُكوَّنة من ثمانية أجزاء، أهمها ما يسمى «العقل المُدبِّر أو المُهيمِن أو المُوجِّه» Hêgemonikon وهو أهم أجزاء النفس جميعًا ومصدر أفكارنا ومشاعرنا ووعينا ووجداننا. وحين يُولد الإنسان يكون عقله المُوجِّه خِلوًا كالصفحة البيضاء، ثم تملؤها الانطباعات الحسية التي تَرِد عليه، ويكون منها ذكرياتٌ يتألف من مجموعها تجارب الإنسان. وبعد ذلك ترتسم الأفكار؛ فبعضها واردٌ من التربية التي يحصل عليها الإنسان، وبعضها يعود إلى جهده الذاتي، وبعضها فطريٌّ سابقٌ على كل تجربة. والعقل البشري هو مجموع هذه الأفكار.٢١
  • القضاء والقدَر: قلنا إنَّ الرُّواقيِّين يأخذون بمذهب «وحدة الوجود» (البانتِزم)، ومَفادُه أن الإله والكون شيءٌ واحد، وأن اللوجوس (العقل) هو مَصدَر الأشياء جميعًا وجوهرها الماثل في كل مكان. واللوجوس هو قانونٌ يَربِط الأشياء رباطًا لا انفصام له ولا فِكاك منه. وهذا القانون هو «القضاء والقدَر»؛ أي تسلسُل العلل أو الأسباب تَسلسُلًا يجعل كل حادث معلولًا لعلة، وكل علة معلولًا لأخرى، وهكذا إلى غير نهاية، ووفقًا لقدَرٍ مرسوم. والزمان في الحقيقة لا يأتي بجديد، ولا شيء يحدث إلا وكان متضمنًا من قبلُ في أصل الأشياء. وكل شيءٍ في العالم خاضعٌ للضرورة أو القضاء والقدَر. غير أنها ضرورة عاقلة. والعناية الإلهية قد دبَّرَت العالم أحسنَ تدبير، وكل ما في الكون يَنِم على حكمة عالية لا تخبُّط فيها ولا مصادفةَ ولا عشوائية؛ فالقضاء المحتوم هو نفسه عناية وتدبير يتغيَّا الخير، والعالم القائم هو خَيرُ العوالم المُمكِنة. ومن السخف القول، مع أبيقور، بأن العالم ناتجٌ من التقاء الذرَّات بالمُصادَفة والاتفاق؛ فمثل هذا القول يعني أننا لو ألقينا عشوائيًّا عددًا هائلًا من الأحرف الأبجدية لأمكن لهذه الأحرف أن تقع مُرتبةً بحيث يَتألَّف منها تاريخ «إنيوس» على حدِّ قول شيشرون.

    وكل موجودٍ فلِوجوده غاية، ولا شيء يُوجد عَبثًا من غير قصد. والأدنى موجود من أجل الأعلى؛ فالنبات والحيوان موجودان من أجل الإنسان؛ فالإنسان غايةُ الأشياء ومَدارُها.

    عن الطبيعة واللاهوت الرُّواقيَّين تنجم مشكلتان لا بُدَّ للرُّواقيِّ من حلِّهما حتى يبرأ المذهب من التناقُض ويستردَّ شيئًا من الاتساق؛ الأولى مشكلة القدَر وحرية الإنسان، والثانية مشكلة الشر.

  • القدَر وحرية الإرادة الإنسانية: ثَمَّةَ توتُّر ظاهرٌ بين الحتمية العِلِّية والحرية الإنسانية، بين الضرورة الكونية والإرادة البشرية. وقد أخذ الرُّواقيون بكلا الضدَّين؛ فقد ذهبوا إلى أن الأشياء جميعًا تمضي بقانونٍ محتوم وقدرٍ مرسوم وتسلسلٍ سببي لا اعتباطَ فيه ولا مُصادَفة. وذهبوا في الوقت نفسه إلى أن للإنسان حريةَ إرادة، وبِوُسعِه أن يفعل أو يُحجِم عن الفعل وَفقَ إرادته واختياره. وقد سبق أن ألمعنا إلى مُحاولةِ كريسبوس حَلَّ هذه المشكلةِ بالتفرِقة بين العِلل الثانية أو الأصلية التي تُعبِّر عن طبيعة الشيء الذي نحن بصدده، والعِلل الأولى أو القريبة أو المساعِدة التي تُعبِّر عن الفعل الذي يَنصبُّ على الشيء من خارج. مثالُ ذلك أن الأسطوانة أو المخروط لا يمكنهما أن يتحركا إلَّا إذا جاءتهما الحركة من الخارج (عِللٌ أولى قريبة)، ولكن أسلوبهما الخاص في الحركة ودورانهما حول نفسَيهما إنما يجيئانهما من طبيعتهما الخاصة (عِللٌ ثانيةٌ أصلية). كذلك الحال بالنسبة للإنسان؛ فإرادتُه الحُرة هي العلة الأصلية الكبرى للفعل، وما «التصوُّر المحيط» القاهر الذي يستولى على النفس إلا علةٌ مُساعِدةٌ لا أكثر. وإذا كانت الأسطوانة لا تملك اختيار التوقُّف عن الدَّوَران فإن الإنسان قادرٌ بنفسه على النُّزوع و«التصديق» assent أو الإعراض والرفض؛ وهو على كل حال يستطيع أن يقبل أو يرفض «الانطباع» أو «التصوُّر» الذي يأتيه عن طريق الظروف الخارجية، كما يستطيع أن يتجه إلى الأشياء أو يَزْوَرَّ عنها إذا شاء؛ فالإنسان إذن حُرٌّ وله كسبٌ واختيار. و«القدَر» ليس هو العلة الأصلية في حصول ما يحصل، بل إن سلطانه لا يَعدُو الظروف الخارجية والعِلل المُساعِدة للأفعال.٢٢
  • مشكلة الشر: جابهت مشكلة الشر الرُّواقيِّين جميعًا، من حيث وجود تَوتُّرٌ ظاهرٌ بين العناية الإلهية، التي أخذوا بها وأكَّدوها، وبين وجود الشر في العالم وجودًا واقعيًّا ملموسًا لا سبيل إلى إغفاله. وقد اختَلفَت معالجاتهم لهذه المشكلة، فذهب البعض إلى أن الشر في العالم مترتب على هِبة الحرية الإنسانية. وأخذ البعض بالحل الهيرقليطي، اجتماع الأضداد، ومفاده أن الخير ضد الشر، ولا يُوجد الضد من غير ضده، فوجود الخير إذن يستدعي وجود الشر، والشر إنما يخدم الخير، ومن الخطأ أن نُريد أحدهما دون الآخر. وذهب البعض إلى أنه لا شرَّ هناك إذا نظرنا إلى الأمر نظرةً كليةً كونية؛ فلكل شيء في الكون مكانه ووظيفته وغايته وطبيعته، وما يُسمِّيه الناس شرًّا إنما هو شرٌّ من حيث الجزء لا من حيث الكل، بينما هو يتجه في الحقيقة إلى كمال المجموع، ووجود الشر في الجزئيات شرطٌ لخير الكل.

الأخلاق الرُّواقية

الرُّواقية مذهبٌ أخلاقيٌّ عملي، والفلسفة عند الرُّواقيِّين هي ممارسة الفضيلة، وما البحث النظري وأَفرُعُه العديدة سوى روافدَ لهذا المذهب الأخلاقي، أو وسائل لهذه الغاية العملية. وقد يختلف الرُّواقيون في جانبٍ أو جوانبَ من المنطق أو الطبيعيات، أمَّا المذهب الأخلاقي فواحدٌ لا خِلافَ عليه إلا فيما ندَر.

وإذا كانت السعادة هي مطمح البشر جميعًا فإن الرُّواقيِّين يُساوون بين السعادة وممارسة الفضيلة، ويُعرِّفون السعادة، والفضيلة، بأنها الحياة وِفاقًا للطبيعة؛ أي وِفاقًا للعقل. ولمَّا كان العقل عندهم مُنبثًا في العالم ومُتغلغلًا في الوجود كله وشاملًا لعقل الإنسان وعقل الكون، فإن ممارسة الفضيلة تعني الحياة وَفقًا للقانون الكلي الذي يحكم العالم، والحياة وفقًا للعقل تعني الحياة وفقًا للطبيعة الخاصة والطبيعة العامة في آنٍ معًا. والحكيم هو «مُواطِن العالم»، يقبل طوعًا كل ما يَغزِلُه له قدَرُه ومصيره، حتى ما يبدو للنظرة الضيِّقة مُصابًا أو نكبة؛ لأن نكبته الفردية أو مصابه الجزئي إنما هو شيءٌ مُنسلِك في النظام الكلي والقضاء الإلهي، وفيه خيرُ العالم وصالحُه حين يُنظَر إليه النظرة الشاملة الكلية، وكل ما هو خيرٌ للكل فهو خيرٌ لأجزائه في نهاية التحليل، مهما بدت الأمور غير ذلك لكل أنانيٍّ يريد أن يعيش في خلافٍ مع مجموع الأشياء كأنه الورم في جسم العالم أو كأنه الغريب في المدينة الكبرى، ويريد أن يَتمرَّد على قدَرِه فلا يسوقه تَمرُّدُه إلَّا حيث أرادت الأقدار.

وإذا كانت السعادة هي مطمح الناس جميعًا، فإن من يُعلِّق سعادته على الظروف الخارجية سيعيش مُرتهَنًا لتقلُّبات الزمن، تتقاذَفه الأحداث وتتناهَشه المخاوف والوساوس، فيكون فريسةً للشرور الخارجية كالفقر والمرض والإهانة والأذى، ولِلشرور الداخلية كالجزع والفزع والرعب والحزن والشك والندم. أمَّا الرُّواقية فتَعِد مُريدَها بسعادةٍ دائمةٍ وهناءٍ مقيم؛ ذلك أن سعادة الإنسان، في نظر الرُّواقية، لا تخضع للظروف الخارجية بل لإرادة الإنسان الداخلية وقراره الشخصي؛ فالأشياء الخارجية لا تقتحم علينا وجودنا الباطن ولا تُؤثِّر بذاتها في شعورنا الداخلي، وإنما المُؤثِّر الحقيقي هو استعدادنا النفسي الذي يجعلنا نُقِيم وزنًا لهذه الظروف ونحكم عليها أحكامًا قيمية؛ أي نَصِفها بالحُسن أو القُبح، بالخير أو بالشر. أَمرُ السعادة إذن منوطٌ بأحكامنا نحن وإرادتنا وقرارنا. وبِوُسعِنا دائمًا أن نتوقف عن هذه الأحكام أو نمحوها من خاطرنا محوًا وننعم في الحال بالهناء و«الطمأنينة» ataraxia.
وحتى «الانفعالات» emotions النفسية، كالألم والخوف، التي تبدو ناجمةً مباشرةً عن المُؤثِّرات الخارجية هي في حقيقة الأمر تَصوُّراتٌ و«أحكامٌ» judgements عقلية؛ فبين المؤثر الخارجي (والداخلي أحيانًا) والاستجابة الانفعالية هناك دائمًا عنصرٌ فكريٌّ أو «معرفي» cognitive يتوسَّط الأمر ويكون هو السببَ المُباشِر للانفعال؛ إنه حكمنا، أو رأينا، أو تقييمنا للمؤثر، وهو من ثَمَّ أَمرٌ في يدنا وتحت تصرُّفنا وبِوُسعِنا تعديله أو تصويبه إذا شئنا. يُفرِّق الرُّواقيون مثلًا بين الألم الجسمي، وهو شيءٌ خارج عن إرادتنا، وبين موقفنا النفسي من الألم وهو شيءٌ خاضع لإرادتنا وبمقدورنا أن نُقرِّر بحريةٍ أن نستسلم للألم أو لا نستسلم.

والحكيم الرُّواقي يتمتع بمنَعةٍ نفسيةٍ كاملة، لا سلطان للأهواء والانفعالات والأوهام على قلبه، لا يجزع في المحن ولا ينخذل في الشدائد، لا يَرهَن نفسه للأمل ولا يُصغي لكاذب الرجاء. يحيا في سعادةٍ دائمة، بالمعنى الرُّواقي للسعادة، أي الحياة المُتدفقة في غِبطة، المسترسلة في دعة وحنوٍّ واكتفاء ورضا، المُوافِقة للعقل. ومهما تألَّم جسده وتبرَّم يظل عقله بمعزِل، «مُحصنًا من أي مجرى يجري في الجسد» (التأمُّلات، ٥-٢٦)، عاليًا فوق الغضب والكدر، وإن شئت فقل: «إن الحكيم لا يُحس شيئًا من هذه الأمور التي تَضطرِب بها نفوس الناس» (سينيكا، ثبات الحكيم، ١٠-٣).

وصفوة القول أن الأشياء، أو الأحداث، بحدِّ ذاتها لا تُقحِم نفسها على العقل بل تقف هناك، خاملةً مُحايدة، لا هي خيرٌ ولا شر، ولا هي حسنةٌ ولا قبيحة، بل هي جميعًا «سواء» أو «أسواء» أو «لا فارقة» indifferentia؛ الفقر والغنى، الصحة والمرض، الحياة والموت، اللذة والألم، الشهرة والخمول … إلخ، ليست بذاتها خيرًا ولا شرًّا؛ فالخير الوحيد هو السلوك العقلاني الفاضل، والشر الوحيد هو السلوك الشرِّير المُنافِي للعَقل.
ذلك أن الخير عند الرُّواقيِّين هو الشيء النافع لصاحبه تحت كل الظروف. فهل ينطبق هذا التعريف على المال مثلًا؟ كلَّا؛ فلا يندر أن يستخدم المرء المال في مُعاقَرة الإثم ويستخدم صحته في الظلم والبطش. المال، إذن، والصحة، ليسا خيرًا في ذاتهما، وإنما هما كمثل غيرهما من الأشياء التي يتكالب عليها الناس؛ «أشياءُ لا فارقة» indifferentia.
على أن الرُّواقيِّين يقرون بأن هناك أشياءَ تُناسبِ طبيعة الكائن للوَهلَة الأولى prima facie، وله أن «يُفضِّلها» على غيرها «في حالة تَساوي بقيةِ العوامل» ceteris paribus، وأَطلَقوا على هذه الأشياء «المُفضَّلات» preferables. فإذا خُيِّرنا مثلًا بين الصحة والمرض، بافتراضِ تساوِي بقية الظروف، لاخترنا الصحة، وإذا خُيِّرنا بين الغنى والفقر لاخترنا الغنى. والفعل الذي يتغيا هذه الأشياء المفضلة يُقال له «فعلٌ مُناسِب»،٢٣ غير أن البَونَ عريضٌ بين هذا «الفعل المُناسِب» وبين «الفعل المستقيم»٢٤ الذي هو حق على الإطلاق. والحكيم يقوم كغيره بأفعالٍ «مناسبةٍ»، غير أنه على استعداد دائمًا للعدول عنه لكي يُؤدِّي «فعلًا مستقيمًا»؛ فهو يطلب الصحة في العادة، ولكنه إذا أدرك أن مصيره المرض اتجه من تلقاء نفسه إلى المرض، وقد يُفضِّل الحياة في العادة، ولكنه على استعداد دائمًا لتقبُّل الموت ما دام ذلك أمرًا موافقًا للطبيعة. وبصفةٍ عامة فإن ما تقضي به خطة العناية هو دائمًا عقلاني قلبًا وقالبًا؛ ومن ثَمَّ فإن كل ما سيجري به القضاء ينبغي أن يتقبله الحكيم باعتباره موافقًا لطبيعته، ومُنصبًّا في مصلحته.
مَصاعِبُ منطقية: ثَمَّةَ مَصاعبُ مَنطقِية في صُلب المذهب الرُّواقي. فإذا كانت الفضيلة هي وحدها الخير لَلَزِم عن ذلك أن تكون العناية مهتمةً بأن تُحدِث الفضيلة ولا شغل لها غير إحداثِ الفضيلة، غير أن قوانين الطبيعة قد أَنتَجَت ما لا يحصى من الآثمِين. وإذا كانت الفضيلة هي الخير الوحيد لمَا كان هناك مُبرِّر لإدانة القسوة والظلم، حيث إن القسوة والظلم يُقدِّمان لضحيتهما أفضل فرصةٍ لممارسة الفضيلة. وما دام العالم مُسيَّرًا تمامًا بالحتمية فإن قوانين الطبيعة هي التي تُحدِّد هل سأكون صالحًا أو غير صالح. فإذا كنتُ شريرًا فلقد أرغمتني «الطبيعة» على أن أكون شريرًا، وقد انتَفَت عنِّي الحرية التي يُفترَض أن تمنحها الفضيلة.٢٥
من الصعب على العقل الحديث أن يتحمَّس لحياةٍ صالحة إذا لم يكن ثَمَّةَ شيءٌ سوف تُحقِّقه الحياة الصالحة، فنحن نُقدِّر الطبيب الذي يُعرِّض حياته للخطر في وباء طاعون؛ لأننا نرى المرض شرًّا ونأمُل في التوقِّي منه، ولكن إذا لم يكن المرض شرًّا فإن للطبيب أن يلزم بيته مستريحًا. وبالنسبة للرُّواقي فإن فضيلته تُعَد غايةً في ذاتها لا شيئًا يفعل الخير. وحين نمضي معه إلى آخر المدى فإن مآل الأمور جميعًا هو احتراق العالم وتَكرارُ العملية بأَسْرها. فهل هناك ما هو أكثرُ عبثيةً وامتناعًا؟ قد يحدث تقدُّمٌ هنا أو هناك حينًا من الوقت، ولكن النهاية الوحيدة هي التَّكرار (الرجعة/العَوْد). فإذا ما شهدنا شيئًا مؤلمًا غير مُحتمَل فإننا نأمُل أن تنتهي مثل هذه الوَيْلات بمرور الزمن. على أن الرُّواقيِّين يُؤكِّدون لنا أن ما يحدث الآن سوف يحدث مِرارًا وتَكرارًا. وكأنَّا بالعناية التي تشهد الكل سوف يَعرُوها الضَّجَر واليأس في النهاية بكل تأكيد.٢٦
ثَمَّةَ إلى جانبِ ذلك برودٌ مُعيَّن في التصوُّر الرُّواقي للفضيلة. لا تُدين الرُّواقية الانفعالات السيئة فحسب بل جميع الانفعالات؛ فالحكيم خِلوٌ من الانفعالات لا يشعر بالتعاطُف؛ فإذا ماتت زوجته أو أبناؤه فإنه يقول لنفسه إن هذا المُصاب ليس عقبةً أمام فضيلتي؛ ومن ثَمَّ فإنه لا يعاني منه معاناةً عميقة. أمَّا الحياة العامة فقد يكون من واجبك الانخراط فيها لأنها تمنحك فرصة لممارسة العدل والعزيمة … إلخ. على ألَّا تكون مدفوعًا برغبة في نفع الجنس البشري، حيث أن المنافع التي يمكن أن تقدمها — كالسلام أو وفرة الطعام — ليست منافعَ حقيقية، ولا شيء يهمك على كل حالٍ إلا فضيلتك ذاتها؛ فالرُّواقي ليس فاضلًا لكي يفعل الخير، ولكنه يفعل الخير لكي يكون فاضلًا، ولم يخطر له أن يُحب جاره كنفسه؛ فالحب، إلا في معناه السطحي، غير موجودٍ في مفهومه عن الفضيلة. «وحين أقول هذا إنما أعني الحب كعاطفةٍ لا كمبدأ؛ فالحب الكوني مبدأٌ بشَّرَت به الرُّواقية، وقال به سينيكا وخلفاؤه، ولعلهم قد أخذوه عن الرُّواقيِّين الأوائل. إن منطق المدرسة الرُّواقية قد أفضى إلى مذاهب متصلبة؛ مذاهبَ خفَّفَتها وهذَّبَتها إنسانية أتباعها، الذين كانوا أفضل حالًا بكثير مما كان يمكن أن يكونوا عليه لو أنهم كانوا مُتسقِين مع مذهبهم».٢٧

(٤) الرُّواقية الرومانية

حين دخلت الرُّواقية روما اصطَبغَت بالصِّبغة العملية، فنَبذَت التعقيدات المنطقية وتخَلَّصَت من كثيرٍ من تفصيلات علم الطبيعة، ورَكَّزَت جل اهتمامها على الجانب الأخلاقي من المذهب. كان سينيكا، على سبيل المثال، يزدري علم المنطق وَيتنكَّب الطبيعيَّات إذا عَرضَت له في أحاديثه (باستثناء كتابه «المسائل الطبيعية») وكان إبكتيتوس أيضًا يمر على الطبيعيات في أحاديثه مَرَّ الكِرام. أمَّا ماركوس أوريليوس فلا يَعرِض لها أصلًا، وفي الكتاب الأول من «التأمُّلات» نجده يحمد الإله أنه لم يُضِع وقته في تحليل المنطق ولم يشغل نفسه ببحث الطبيعيات (١-١٧).

«لقد كان المذهب الرُّواقي، في تصوُّره للإنسان، أَكرمَ من نظريات العصر الكلاسيكي. فإذا كان أرسطو قد ذهب إلى حد الاعتراف بأن اليوناني ينبغي ألَّا يكون عبدًا لأيِّ واحدٍ من البشر، فإن الرُّواقية ذَهبَت إلى أن الناس جميعًا، بمعنًى ما مُتساوُون، وكانت في ذلك تسير على هدى الممارسة التي اتبعها الإسكندر، وإن كان الرق قد انتشر خلال عصور الإمبراطورية على نطاق أوسع مما كان في أي عَهدٍ مضى. وفي ضَوء هذا الاتجاه الفكري أَدخَلَت الرُّواقية التمييز بين القانون الطبيعي وقانون الأُمم. والمقصود بالحق الطبيعي هنا ما يكون من حق الإنسان بناءً على طبيعته البشرية وحدها. ولقد كان لنظرية الحقوق الطبيعية بعض التأثيرات النافعة على التشريع الروماني؛ لأنها خفَّفَت من محنة أولئك الذين حُرموا من أن يكون لهم مركزٌ اجتماعيٌّ بالمعنى الكامل. وقد أُعيد إحياء هذه النظرية، لأسبابٍ مماثلة في الفترة التالية لعصر النهضة الأوروبية، وذلك خلال الصراع ضد فكرة حقوق الملوك الإلهية.»٢٨
والحق أن الرُّواقية قد بثَّت مبادئها السَّمْحة في القانون الروماني فأصلَحَته وهذَّبَته وصَبغَته بصبغةٍ عقليةٍ أخلاقيةٍ كونية حتى صار، في عمومه، قانونَ الأُمم المُتحضِّرة حتى يومنا هذا:
  • الحياة وفقًا للطبيعة أو طبقًا للعقل honeste vivere (أي إن الأخلاق قد صارت أساسًا للحق نفسه الذي سيُصبِح قانون الإنسان في الجماعة).
  • عدم الإضرار بالغَير alterum non laedere (وتشمل عدمَ المساس بحرية الغير وسُمعتِه وحياته).
  • إعطاء كل ذي حقِّ حقَّه suum cuique tribuere (وتشمل احترام المِلكية).
تلك هي قواعد التشريع الروماني، التشريع الذي وضعه كبار المُشرِّعِين الرومان في القرن الثاني الميلادي، وكلهم رُواقيون أو مُتأثِّرون بالرُّواقية. يقول إرنست رينان: «إن المبدأ الذي يذهب إلى أن على الدولة إزاء أفرادها واجباتٍ كواجبات الآباء قبل الأبناء هو مبدأٌ أُعلن لأَوَّل مرةٍ على رءوس الأشهاد في عهد الإمبراطور والفيلسوف الرُّواقيِّ ماركوس أوريليوس.»٢٩

سينيكا

وُلد سينيكا Seneca بقرطبة حوالي العالم الثالث قبل الميلاد، لأُسْرةٍ إسبانيةٍ أرستقراطيةٍ مُثقَّفة. وانتقل إلى روما وهو صبيٌّ يافع، ودرس الفلسفة، ثم اشتغل بالمحاماة والخطابة ونجح فيهما نجاحًا باهرًا، ومارس العمل السياسي حتى صار مستشارًا للإمبراطور نيرون والذي كان قد أشرف على تربيته منذ صباه. وفي عهد كلاوديوس نُفي إلى كورسيكا بناءً على طلب ميسالينا زوجة كلاوديوس. ويبدو أن سينيكا، وكان آنذاك عضو مجلس شيوخ، كان كثير الانتقاد لسلوك الإمبراطورة المُثير للشبهات. وبقِي في منفاه ثمانية أعوام ثم عاد إلى روما بعد مقتل ميسالينا لكي يتولى تربية نيرون، وريث العرش الإمبراطوري الذي أنجبه كلاوديوس من زوجته الثانية أجريبينا. وحين تَولَّى نيرون وأَمعَن في الطغيان والبطش والدموية فَشِل سينيكا، مُربِّيه ومستشارُه، في ردِّه إلى الاعتدال والقصد، واتهمه نيرون بالتآمر ضده، وأوعز إليه أن ينتحر، على الطريقة السائدة آنذاك، بقَطعِ شرايينه. وقد أخذ سينيكا يلقي خطبةً من أَبلغِ خُطَبه على جمعٍ من رفاقه والدمُ يسيل من جراحه. وقد مات ميتةً رُواقيةً مُتفقةً مع فلسفته، على الرغم من أن حياته لم تكن في عمومها مُتسمةً بالطابع الرُّواقي؛ فقد جمع ثروةً طائلةً اكتسب معظمها من إقراض البريطانيِّين بأرباحٍ ضخمة، وكان أرستقراطيَّ المِزاج يحتقر الجماهير ويُؤثِر أن يتحدث إلى مستمعٍ واحد، وكثيرٌ من آرائه نعرفها من خلال رسائله التي بعث بها إلى تلميذه «لوكيليوس» ومن أعماله النثرية الأخرى إلى جانب مسرحياته.٣٠

في هذه الرسائل يدعو سينيكا تلميذه إلى الرُّواقية، وإلى أن يَترُكَ الترفَ الأبيقوري ويأخُذ نفسه بشيءٍ من التقشُّف الرُّواقي، وأن ينصرف عن الآراءِ الشائعةِ بين الدهماء، ويعتزلَ المجالس والمجتمعات والمنتديات والشئون العامة، ويخلو إلى نفسِه ويظل رغم ذلك من أهل المدينة الكبرى، مدينة العالم، وهي أَحقُّ المدن بالحكيم.

لم يُقدِّم سينيكا ميتافيزيقا واضحة المعالم، ولم يكن يُولي الطبيعيات أهميةً إلا ما كان منها ذا صلة بالأخلاق. وفي أخلاقه كان انتقائيًّا يُوفِّق بين الآراء المختلفة، ويتجنَّب التطرُّف في أي اتجاه؛ فالطبيعة تكره الإسراف؛ فلنَنصرِف عن شئون الدنيا، ولكن في بساطةٍ ومن غير ضجةٍ ولا إعلان؛ فإن فضل المجاهد لا يُقاس بتجهُّم المَلامِح وقَذارة الأسمال. ولنُحسِن إلى الغير ولكن الإحسان في السر لا يَعْدله أيُّ ضرب من الإحسان الظاهر. ولنَصبِر على الحياة، ولكن لنَختَرِ الموت طوعًا إذا كان الموتُ هو آخر مَعقلٍ للحرية وآخرَ ملاذٍ للكرامة. ولنَنصرِف عن عبادةِ المال، ولكن إذا جاءنا المال فليس من الحكمة أن نَنبذَه؛ فهو ابتلاءٌ علينا أن نحتمله. وإنه لمن الضعف أن يَعجزَ المرء عن احتمال الثروة.٣١ ولنصبر على موت الأحباب، ولكن ليس من الممكن دائمًا أن يُمسِك الأب دموعه عند فقد ولدٍ عزيز. ولنَغبِطْ عيش الأَكواخِ التي عاش فيها آباؤنا الأولون، ولكننا لا نستطيع أن نحمل سَرِيًّا من سَراة الناس على أن يعيش في برميل. ولنَعتدِل في الشراب ولكن «كاتو» كان يدعونا أن نُغرِق فيه أَحزانَنا من حينٍ إلى حين.
وقد حظِي سينيكا في العصور اللاحقة بما هو أهلٌ له من التمجيد والتشريف. وصار اسمه مرتبطا بمبادئه النبيلة وكتاباته الآسِرة أكثر من ارتباطه بممارساته العملية التي لا تخلو من أُشابة. وقد زعم العديد من آباء الكنيسة أنه مسيحي، وقيل إنه كانت هناك مراسلاتٌ بينه وبين القديس بولس، ويُسلِّم بذلك رجالٌ من طبقة القدِّيس جيروم.٣٢

إبكتيتوس

يونانيٌّ وُلد في هيرابوليس بآسيا الصغرى حوالي عام ٥٠م (وقيل ٦٠م). وأُرسل إلى روما ليكون عبدًا لرجلٍ من خُلَصاء نيرون هو إبافروديتوس Epaphroditus، ومن هنا جاء اسم «إبكتيتوس» Epictetus وتَعنِي باليونانية «العبد». وقد ترَكَت فيه فترة العبودية من حياته آثارًا سيئة؛ عرجًا دائمًا واعتلالًا صحيًّا عامًّا.
تعلَّم إبكتيتوس الفلسفة وسط العبودية والبؤس. وتعلَّم أن يتحرَّر أخلاقيًّا قبل أن يتحرر رسميًّا، ومن أقواله: «لا تقل إني مُشتغِل بالفلسفة فهذا غطرسة وتوقُّح، بل قل إني مشتغل بتحرير نفسي.» وبعد أن نال حريته قام بتدريس الفلسفة في روما حتى عام ٩١م، عندما أمر الإمبراطور «دوميتيانوس» بطرد الفلاسفة من إيطاليا لأنهم كانوا ينتقدون حكم الإمبراطور الإرهابي ويُشكِّلون قوةً معنويةً تقف في وجه العرش الإمبراطوري، فهاجر إلى نيكوبوليس Nicoplois في الشمال الغربي لليونان، وفتَح بها مدرسةً فلسفيةً كان الشباب الروماني الأرستقراطي يَفِد إليها لِيتعلَّم من العبدِ الذي سعى إليه المَجدُ على كُرهٍ منه، وعلا شأنه لدى رجال البلاط في روما.
لم يكتب إبكتيتوس بنفسه أيَّ كتابٍ في الفلسفة، وإنما يعود الفضلُ إلى تلميذه «أريانوس»، وكان من قادة الجيش الروماني وحاكمًا على «كبادوكيا»، في حفظ أقوال إبكتيتوس، فكتب كتابًا أسماه «المُذكِّرات» أو «محادثات إبكتيتوس» Discourses (Entretiens) بقي لنا منه أربعة أبواب، ونشر كتابًا اسمه «المُوجَز» أو «المُجمَل» أو «الكُتيِّب» Manual اختصر فيه فلسفة إبكتيتوس اختصارًا قويًّا متقنًا.

عرف إبكتيتوس كيف يلائم بين الرُّواقية القديمة وبين الطبع الروماني العملي وحاجات العصر الجديد، فآثَرَ الصياغة القصيرة المحكمة للخواطر الأخلاقية، وأَعرضَ عن الخوض في الطبيعيات؛ لأنها مما يصعُب إدراكه، فضلًا عن أنها قليلة الغناء؛ لأن غاية الفلسفة عنده ليست البحث في العِلل الأُولى بل إصلاح النفس وتزكية الروح.

من الطبيعي لإنسانٍ ذاق الرق في مطلع حياته أن تكون الحرية هي مَدارَ حديثه وملاك تفكيره، «فالاشتغال بالفلسفة هو الاشتغال بتحرير النفس.» و«نحن لا نملك إلا حريتنا.» والحرية هي «أغلى النعم التي نحوزها في هذه الحياة.» والحرية هي أن يسلك الإنسان وفقًا لإرادته واختياره فلا يقهره أحدٌ على غير ما يُريد. إنها حرية النفس التي تعرف كيف تَحكُم نفسها وَفقَ قانونٍ تسنُّه لنفسها.

وإذا تأمَّل الإنسان نفسه «ليعرفها» وَفقًا لمبدأ سقراط، فسوف يتبين له أنه مُستعبَد لأشياءَ كثيرة؛ فهو عبدٌ لجسمه، عبدٌ للمال، عبدٌ للجاه والسلطان. فإذا ما أراد لنفسه الحرية الحقيقية فليلتمسها لا في الأشياء الخارجية، ولا في جسمه ولا في ماله وجاهه؛ فكل ذلك مُجرَّد رِقٍّ أخلاقي، بل إنه واجدها في نفسه وفي شيءٍ مستقل كل الاستقلال؛ وهو «قدرته على الحكم والإرادة … ولا شيء من الخارج يستطيع أن ينال حرية النفس بسوء» (المحادثات، ١: ١٧-٢١). فحرية الإنسان تفلت من سلطان الناس وسلطان الأشياء، و«نحن لا نملك إلا حريتنا» (المحادثات، ١: ٤-٢٧). والإله الذي منحنا الحرية مُحالٌ أن يسلبنا إياها؛ فالمنحة الإلهية لا تُسترَد كالمنح البشرية.٣٣
والفيصل في أمر الحرية هو أن يُفرِّق الإنسان بين ما في قدرته وما ليس في قدرته. ثَمَّةَ أشياءُ ليست في قُدرتنا واختيارنا؛ أجسامنا وأموالنا ومناصبنا … إلخ، وأشياء في قدرتنا وتحت تصرفنا ونستطيع أن نوجهها كما نشاء؛ أفكارنا وعواطفنا وإرادتنا وأفعالنا وأحكامنا. علينا أن نتخذ أحكامًا موافقة لطبيعة الأشياء، فنعرف أن حدوث الأشياء أمرٌ ضروريٌّ فنُذعن لها ونتقلبها كما أوجدها مُصرِّفها جَلَّ وعلا، وألَّا يصيبنا منها أي كدرٍ أو ابتئاس؛ فليست الأشياء هي ما يُكدِّرنا بل حكمنا على الأشياء وتقييمنا لها. أمَّا الأشياء ذاتها فمتساوية القيمة indifferent أي ليست بذاتها خيرًا ولا شرًّا، إنما الخير والشر في إرادتنا؛ فإرادتنا وحدها تستطيع بإقرارها أو رفضها أن تعطي الأشياء قيمَها. وإذا كان الحكيم الرُّواقي قد ألغى في نفسه كل انفعالٍ فإنما يفعل ذلك لكي يُخلي المكان لفعل الإرادة.

«احتمِل وتَزهَّدْ» … ربما تكون هذه خُلاصةَ فكر إبكتيتوس ولُباب الأخلاق الرُّواقية. احتمِل (ما أصابك، وما ليس في مقدورك تغييره، ما ليس في ذاته خيرًا ولا شرًّا)، وتَزهَّدْ (فيما لا تملكه، ما ليس في مقدورك بلوغه، ولا هو في ذاته خير ولا شر).

ويتحدث إبكتيتوس عن أواصر القربى بين الإله والناس! ويجعلها مبدأً لفكرة عظمة النفس وفكرة الإخاء بين بني الإنسان، ويُفضِّلها، كوثاقٍ يَربِط الناس جميعًا، على فكرة اشتراك الناس في العقل.

١  شعب قديم كان يعيش في جنوب شرقي بحر قزوين، وهو من الشعوب الإيرانية.
٢  يقول رسِل في «حكمة الغرب»: «ونظرًا إلى أن الدولة كانت مُهدَّدةً بأخطارٍ خارجيةٍ وداخلية، فقد اتخذ من الإجراءات ما يساعد على حفظ النظام، فاضطهد المسيحيِّين، لا بدافع الشر، بل لأن رفضهم لعقيدة الدولة كان مَصدرًا للشقاق. ولعله كان في ذلك على حق، وإن كان الاضطهاد في الوقت ذاته هو دائمًا علامة على ضعف من يمارسه؛ فالمجتمع الواثق من نفسه، المستقر بثبات، لا يحتاج إلى اضطهاد الخارجِين عنه» (حكمة الغرب، الجزء الأول، ص٢١٧). ويقول جون ستيوارت مِل في كتابه «عن الحرية»: «هذا الرجل، المسيحي في كل شيء عدا العقيدة، اضطهد المسيحية! لقد كان يعلم أن المجتمع القائم في زمنه كان في حالةٍ يُرثى لها، غير أنه رأى أن ما يُمسِك هذا المجتمع ويحفظه من أن يصير إلى الأسوأ هو الإيمان بالآلهة القائمة وتوقيرها، ورأى أن مهمته كحاكمٍ للإمبراطورية الشاسعة ألَّا يدَع مجتمعه يتفتَّت ويتفسَّخ، ولم يتصوَّر إمكان إقامةِ روابطَ جديدةٍ تمسك المجتمع إذا ما أُزيلت الروابط القائمة. ولما كانت المسيحية تستهدف صراحةً حل هذه الروابط، وكان عقله في الوقت نفسه يستغرب حكاية الإله المصلوب ولا يُسيغها، فقد خلص أَرقُّ الفلاسفة جميعًا، مدفوعًا بالواجب المُقدَّس، إلى إصدار قرارٍ باضطهاد المسيحية. أيظن من يناوئ حرية الفكر اليوم أنه أكثر حكمةً وفضيلةً من ماركوس أوريليوس، أو أكثرُ من دأبًا في البحث عن الحقيقة والتزامًا بها إذا وجدها؟! فما لم يدَّعِ ذلك فلْيَكُفَّ عن ادِّعاء العصمة لنفسه ولجموعه وتَكرارِ ما وقع فيه ماركوس أوريليوس العظيم وأدى إلى أَوخمِ العواقب.» (انظر في ذلك: فصل «فقه الديمقراطية»، في كتابنا «صوت الأعماق» ص٦٧ وما بعدها).
٣  History of Western Philosophy: p. 268-269.
٤  Dion Scott-Kakures, Susan Castagenetto, et al., Harpercollins College Outline: History of Philosophy; HarperPerennial; 1993, pp. 63–65.
٥  يقول العقاد في معنًى قريب:
خَفِ الْعَيْشَ فَإِنَّ الْمَوْ
تَ لَا يَفْجَعُ مَوْلُودًا
وَإِنَّ الْمَوْتَ إِذْ يَأْتِيـ
ـكَ لَا يُلْفِيكَ مَوْجُودًا
٦  Ibid., pp. 65-66.
٧  والأواخر رومانيِّين غربيِّين.
٨  أخذ فكرة العَود الأبدي أيضًا عن الفيثاغوريِّين.
٩  يقول خروسبوس: إن القضاء المحتوم إنما ينصَبُّ على العِلل الثانية، أمَّا ميولنا، وهي العلل الأولى، فهي في مقدورنا ونحن أحرارٌ في توجيهها. (الفلسفة الرُّواقية، ص٧٢).
١٠  أقر بوسيدونيوس بإمكان نظرية إريستارخوس الساموسي القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس التي تظل ثابتة، وأن الأرض تدور حول محورها مع سيرها في مَدارها. غير أنه عارض هذه النظرية لأسبابٍ دينية، وكان وراء اطِّراحها على مدى ألفٍ وخمسمائة عام. وقد سبق للفيلسوف كليانثيس الرُّواقي من قبله أن عارض هذه النظرية بشدة إلى حد المطالبة بإدانة إريستارخوس بتهمة الضلال؛ ذلك لأن إزاحة الأرض عن مركز العالم لا بد أن تُؤدِّي إلى هدم المعايير الأخلاقية، ومن شأن هذه النظرية أن تُؤدِّي إلى القضاء على النظرية الأخلاقية التي قالت بها الرُّواقية، ونظرية العناية التي تقول بأن كل شيء في الكون قد رُتِّب ونُظِّم لكي يُؤدِّي إلى سعادة الآلهة وسعادة الإنسان.
١١  يبدو أن خريسبوس أولى الطبيعة والمنطق أهميةً متساوية وأضفى على الدراسات النظرية قيمةً منفصلة، وبفضل تأثيره ظهر من الرُّواقيِّين من أنجزوا إنجازاتٍ رياضيةً وعلميةً كبيرة.
١٢  الفلسفة الرُّواقية، ص٩١.
١٣  Nihil est in intellectu quod non prius fuerit in sensu.
١٤  History of Western Philosophy, p. 275.
١٥  الفلسفة الرُّواقية، ص١١٠.
١٦  سيكون هذا المبدأ الإبستمولوجي هو أساس العلاج الرُّواقي كله كما سنرى في حينه.
١٧  هي العلاقة بين القضيتَين في الحالة التي لا تكون فيها الأولى صادقة والثانية كاذبة. فلنتأمل القضية: «إذا هبط البارومتر نزل المطر» فهنا نجد العلاقة بين عبارة «هبط البارومتر» وعبارة «نزل المطر» علاقة لزومٍ مادي. (رسِل، حكمة الغرب، الجزء الأول، ص٢١٤).
١٨  رسِل، حكمة الغرب، الجزء الأول، ص٢١٤.
١٩  الفلسفة الرُّواقية، ص١٤٩–١٥٤.
٢٠  انظر تفصيل نظرية «المداخلة» في كتاب د. عثمان أمين «الفلسفة الرُّواقية»، ص١٥٦–١٦١. ويكفي أن يضغط القارئ ضغطةً واحدةً على هاتفه الخلوي فيرد عليه صديقه من أقاصي الأرض؛ لكي يعلم أن فكرة «المُداخَلة»، بضرب الصَّفح عن تفصيلاتها الساذجة القديمة، ليست بعيدةً كثيرًا عن التصديق، وأننا نُعايِش هذه المُداخَلة كل حين دون أن نَفطِن لذلك!
٢١  الفلسفة الرُّواقية، ص١٦٦.
٢٢  الفلسفة الرُّواقية، ص١٧٠-١٧١.
٢٣  هو فعلي إذ «أنتقي» eklegomai «أشياءَ مُناسِبة» oikeioi.
٢٤  هو فعلي إذ «أختار» hairoûmai مسلك الفضيلة.
٢٥  History of Western Philosophy, pp. 262-263.
٢٦  Ibid., p. 263.
٢٧  Ibid., p. 263.
٢٨  حكمة الغرب، الجزء الأول، ص٢١٨-٢١٩.
٢٩  الفلسفة الرُّواقية، ص٢٢٤-٢٢٥.
٣٠  عن سينيكا ومؤلَّفاته النثرية والشعرية راجع: أحمد عتمان، الأدب اللاتيني ودوره الحضاري، العصر الفضي «إيجيبتوس»، ١٩٩٠م، ص١١٧–١٣٣.
٣١  يقول ماركوس أوريليوس في ذلك: «بلا زهوٍ تقَبَّل الرخاء إذا أتى، وكن على استعدادٍ لفقدانه إذا ذهب» (التأملات: ٨-٣٣).
٣٢  History of Western Philosophy, p. 267.
وراجع: أحمد عتمان في مقدمة مسرحية سينيكا «هرقل فوق جبل أويتا»، سلسلة من المسرح العالمي الكويتية، عدد رقم ١٣٨ (مارس ١٩٨١م).
٣٣  الفلسفة الرُّواقية، ص٢٤٥–٢٤٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠