الفصل الثالث: العلاج الرُّواقي

مَدرَسة الفيلسوف عيادةُ طبيب.

(محادثات إبكتيتوس، ٣: ٢٣-٣٠)

(١) الفلسفة طب العقول

يقول شي شرون: «ما لم يتم علاج الروح، وهو أمرٌ لا يمكن بلوغه إلا بالفلسفة، فلن تكون ثَمَّةَ نهايةً لأوصابنا.» ويقول سينيكا: «الفلسفة تُشكِّل النفس وتُشيِّدها، وتُنظِّم الحياة وتُرشِد السلوك، وتُبيِّن ما يجب فعله وما يجب تركه، وتجلس على دفَّة القيادة وتهدي مسارنا ونحن نتأرجح وسط السكينة.» ويقول ماركوس أوريليوس: «لا تعُد إلى الفلسفة كما يعود الطفل إلى المُعلِّم، بل كما يعود الأرمد إلى إسفِنجَته ومرهمه، أو يعود آخرُ إلى كِمادته وغَسوله. بذلك سوف تُبرهن على أن إطاعة العقل ليست عبئًا كبيرًا، وإنما هي مَصدرُ راحة. تذكَّرْ أيضًا أن الفلسفة لا تريد إلا ما تريده طبيعتك، في حين تطلب أنت شيئًا يجافي هذه الطبيعة؛ فأي شيءٍ أدعى إلى القبول من حاجاتِ طبيعتك نفسها؟ هذه هي ذات الطريقة التي تخدعنا بها اللذة. ولكن انظر ألستَ ترى شيئًا أكثرَ قبولًا في الشهامة والكرم والبساطة والاتزان والتقوى؟ وأيُّ شيء أكثر قبولًا من الحكمة ذاتها إذا كان ما يهمك هو التدفُّق المطمئن والدائم لملَكَتنا الخاصة بالفهم والمعرفة؟» (٥-٩).

الفلسفة عند ماركوس هي علاجٌ وملاذ، ورُفقةُ حياة: «الحياة صراعٌ ومُقام غربة، والمجد الوحيد الباقي هو الخمول. أي شيءٍ إذن بِوُسعِه أن يخفرنا في طريقنا؟ شيءٌ واحد، وواحدٌ فقط؛ الفلسفة. وما الفلسفة سوى أن تحفظ أُلوهتك التي بداخلك (عقلك) سالمةً من العنف والأذى، وأن ترتفع فوق الألم واللذة، ولا تفعل شيئًا بلا هدف، أو بلا صدق أو بلا أصالة، وأن تترك ما لا يَعنيك مما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه. وأن تَقبَل كل ما يجري عليك ويُقدَّر لك بوصفه آتيًا من نفس المصدر الذي منه أَتيتَ. وأخيرًا أن تنتظر الموت بنفسٍ منشرحةٍ على أنه مجرد انحلالٍ للعناصر المُكوِّنة لكل شيءٍ حي. فإذا لم يكن بأسٌ في التحرُّك الدائم للعناصر من عنصرٍ إلى آخرَ ففيم التوجُّس من تغيُّر العناصر جميعًا وانحلالها؟ ذلك شيءٌ موافقٌ للطبيعة، ولا ضيرَ البتةَ في أي مُوافقٍ للطبيعة» (٢-١٧). فإذا كان عملُنا وتخصُّصنا مفروضًا علينا، كزوجة الأب، فلتكن الفلسفة لنا أمًّا طبيعية نلوذ بها على الدوام بالفطرة والغريزة، فنعود من ثَمَّ إلى عملنا نحتمله ويحتملنا: «إذا كان لك زوجة أبٍ وأمٌّ في الوقت نفسه، فسوف ترعى زوجة أبيك ولكنَّ التجاءك الدائم سيكون إلى أُمك. فليكن البلاط والفلسفة بالنسبة لك كزوجة الأب والأم، لتكن الفلسفة لك ملاذًا دائمًا ومُستراحًا وموئلًا؛ حتى تجعل القصر يبدو مُحتملًا لك، وحتى تبدو أنت مُحتمَلًا في القصر» (٦-١٢).

ليست الرُّواقية مجرد مذهبٍ فلسفيٍّ يحتوي، فيما يحتويه، على نظريةٍ للعلاج النفسي، إنما يمكن اعتبار الرُّواقية في صميمها علاجًا نفسيًّا وإن كان قائمًا على أساسٍ فلسفيٍّ عريض،١ الحياة السعيدة (اليوديمونية) عند الرُّواقيِّين، أي الحياة السلسة التدفُّق الخالية من الاضطراب والانفعال، هي الحياة الصالحة، الحياة وَفقًا للفضيلة. والفضيلة هي الوِفاق مع الطبيعة أي مع العقل؛ العقل الكلي والعقل الفردي (وهو جزء من العقل الكلي). يقول ماركوس: «بالنسبة لكل كائنٍ عاقلٍ فالعمل وفقًا للطبيعة هو أيضًا العمل وفقًا للعقل» (٧-١١). والفضيلة هي في الفعل العقلاني المستقيم المُتجرِّد من أي غرضٍ آخر. وتُماهي الرُّواقية بين السعادة والحكمة والفضيلة؛ فالرجل السعيد هو الرجل الصالح وهو الرجل الحكيم … مُواطِن العالم؛ الكون مدينته، والبشر إخوانه، وكل ما عدا ذلك من انتماءات هي أمرٌ ثانويٌّ عرضي. والحكيم يُحب قدَره ويحتضن مصيره ويرضى بنصيبه من «الكل». يقول ماركوس: «لا تُحبَّ إلَّا ما ألَمَّ بك ونُسِج لكَ من خيط مصيرك؛ فأي شيءٍ أنسب لك من هذا؟» (٧-٥٧).
تُلِح الرُّواقية على الثبات في الشدائد وتحمُّل المحن والخطوب، حتى لقد أصبحت كلمة «رُواقي» stoical، شأنها شأن كلمة «فلسفي» philosophical، مرادفةً للثبات والسكينة وضبط النفس، والمناعة ضد المُفاجئ والمُباغت. «فن الحياة أشبه بفن المُصارعَة منه بفن الرقص؛ فهو أيضًا يتطلب أن يكون المرء مستعدًّا لمواجهة ما يحدث بغتةً وعلى غير انتظار» (٧-٦١). «اذرَع حياتك دون أي ضغطٍ قهري، وفي أتم سكينةٍ عقلية، حتى لو هتف العالم كله ضدك، وحتى لو مَزَّقَت الوحوش أعضاء هذه الكتلة الجسدية البائسة الملتحمة حولك» (٧-٦٨). «كن مثل رأس الأرض في البحر تتكسر عليه الأمواج بلا انقطاعٍ وهو ثابتٌ وطيد يَخمُد من حوله جَيَشان الماء …» (٤-٤٩). «تَذكَّرْ في نَوبات غضبِك أن الغضب ليس من الرجولة في شيء، وأن الرحمة واللين أكثرُ إنسانية وبالتالي أكثرُ رجولة؛ فالرحماء هم ذَوو القوة والبأس والشجاعة وليس القُساة ولا الساخطون؛ فكلما تَحكَّمتَ في انفعالاتك كنت أَقربَ إلى القوة؛ فالغضب دليل ضعفٍ شأنه شأن الجزع، فالغاضب والجَزِع كلاهما أُصيب وكلاهما استَسلَم» (١١-١٨).
لكي تكون لدينا نظريةٌ علاجية ينبغي أن يكون المدخل العلاجي مُستمَدًّا مباشرةً من نظريةٍ سيكوباثولوجيةٍ شاملة. ولكي تكون لدينا نظريةٌ في السيكوباثولوجيا ينبغي أن تشتمل هذه النظرية على تعريفٍ ﻟ «السواء» normality ووصفٍ للنمو الإنساني السوي.
يذهب الرُّواقيون إلى أن الميول السوية للكائنات، أي النزعات الأولى السابقة على أي رَويَّة أو إرادة هي نوعان؛ ميولٌ ترمي إلى حفظ الفرد نفسه، وميولٌ ترمي إلى حفظ الجماعة التي ينتمي إليها الفرد؛ فكل موجودٍ حيٍّ إنما يملك في الأصل بِنيَته الخاصة وله شعور بها؛ ومن أجل ذلك كان دائم البحث عما يُلائمها والبُعد عما لا يلائمها. ومن قال إن اللذة هي أول ما ترغب فيه الموجودات فقد أخطأ،٢ إنما تحصل اللذة للموجود حين يجد ما يتفق مع بنيته. والخيرُ لكل موجودٍ هو موافقته طبيعته الخاصة، وموافقة الطبيعة عند الإنسان عبارة عن الحياة وفاقًا للعقل، والعقل هو الجزء الرئيسي فينا الذي يُقوِّم ماهيتَنا بما نحن ناس. ويلزم عن ذلك أن الحياة وِفاقًا للطبيعة هي الحياة وِفاقًا للعقل. لكن الإنسان حين يحيا وِفاقًا للعقل، لا يكون موافقًا لنفسه فحسب، بل يكون موافقًا لمجموع الأشياء أي للكون بأَسْره؛ لأن العقل لا يختص بالإنسان وحده، بل هو أيضًا من خصائص الموجود الكلي؛ أي من خصائص الكون. والعقل الإنساني ليس إلا جزءًا من العقل الكلي الشامل؛ فبالعقل نحيا في وِئام مع أنفسنا، كما نحيا على وِئامٍ مع العالم أجمع.٣
يُحدِّد آرون بك في كتابه «العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية» خمسة شروط للنظرية السيكوبالوجية الصالحة، نراها جميعًا مستوفاة في العلاج الرُّواقي: (١) أن تُفسر الظاهرة التي تتناولها بأقلِّ تعقيدٍ ممكن. (٢) أن تكون من المرونة بحيث تُتيح إنشاء تقنياتٍ جديدة، دون أن تكون من التسيُّب أو التعقيد بحيث تسمح لكل دخيلٍ أو مرتجلٍ من الإجراءات وتجد له تبريرًا. (٣) أن تكون «قابلةً للتحقُّق» التجريبي verifiable أي قابلةً للاختبار. (٤) أن تكون النظرية السيكولوجية وثيقةَ الصِّلة بالعلاج النفسي الخاص بها؛ أي أن تكون المبادئ العلاجية المستفادة مُستمدَّةً منطقيًّا منها. (٥) أن تُقدِّم أساسًا يُبيِّن لنا لماذا تُعَد التقنيات العلاجية المُستمدَّة منها فعالةً وناجعة؛ أي يكون المُبرِّر المنطقي للعلاج وطريقة عمله مُتضمَّنَين في النظرية.

(٢) العلاج العقلاني الانفعالي والعلاج المعرفي

ولعل من المُفيد لنا في فهم النموذج العلاجي الرُّواقي أن نُضاهِي بينه وبين غيره من النماذج العلاجية. ومن النماذج العلاجية الحديثة التي تأسست بالكامل على النظرية الرُّواقية: العلاج العقلاني الانفعالي عند ألبرت إليس، والعلاج المعرفي السلوكي عند آرون بِك.

يقول ألبرت إليس: «يعود أصل العلاج العقلاني الانفعالي إلى الفلاسفة الرُّواقيِّين، وبخاصةٍ إبكتيتوس وماركوس أوريليوس.» ورغم أن أغلب الكتابات الرُّواقية الأولى ضاعت فإن زُبدتها قد جاءتنا من خلال إبكتيتوس الذي كتب، في القرن الأول الميلادي، في «المحادثات» Discourses: «ليست الأشياء هي ما يَكرُب الناس، بل فكرتهم عن الأشياء.»٤
يصف إليس التسلسل الذي ينتقل من الحدث إلى الاستجابة الانفعالية، ويُسمِّي هذا النموذج ABC: حيث A هي المُنبِّه المُنشِّط أو الحدث المُثير Activating event وC هي الاستجابة الشرطية Conditioned response، وB هي الفراغ Blank٥ الكائن في ذهن المريض، والذي يمكن حين يملؤه أن يكون بمثابة جسرٍ يصل بين A وC بذلك يصبح ملء الفراغ، بمادةٍ مُستمدَّة من المنظومة الاعتقادية Belief system للمريض؛ هو المهمة العلاجية الأساسية. وبتعبيرٍ آخر فإن A هو الحدث الذي يحدث للفرد، وB هو المنظومة الاعتقادية Belief للفرد، أي تأويله الشخصي للحدث A، وC هي النتيجة الانفعالية التي يخبرها الفرد. ورغم أن معظم الناس يظن أن الحدث هو الذي يؤدي إلى انفعالهم، فإن إليس يجبهُنا بغير ذلك؛ فالحقيقة أن تأويل الفرد للحدث، أي اعتقاده عن الحدث، هو ما يؤدي إلى استجابته الانفعالية؛ فالاعتقادات العقلانية تُفضِي إلى استجاباتٍ انفعاليةٍ عقلانية، والاعتقادات غير العقلانية تفضي إلى عكس ذلك. الاعتقادات غير العقلانية، إذن، هي العنصر المُمْرِض في هذه المنظومة. والتقنيات العلاجية هي تقنياتٌ مُصمَّمة لكي نُفنِّد بها هذه الاعتقادات ونستبدل بها اعتقاداتٍ جديدةً أكثرَ عقلانيةً تُؤدِّي في النهاية إلى استجاباتٍ انفعاليةٍ جديدة.
أمَّا آرون بك، مُؤسِّس العلاج المعرفي، فيقول في كتابه «العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية» بصريح العبارة: «هذا المنهج الجديد يقوم في الحقيقة على دعائمَ فلسفيةٍ ليست جديدة، بل هي مُوغِلة في القِدم، وتعود إلى زمن الرُّواقيِّين. لقد اعتبر الفلاسفة الرُّواقيون أن فكرة الإنسان عن الأحداث، وليست الأحداث ذاتها، هي المسئولة عن اختلاله الانفعالي. إلى هذا المنطق الرُّواقي يستند هذا العلاج الجديد؛ العلاج المعرفي؛ فالمشكلات النفسية ترجع بالدرجةِ الأساسِ إلى أن الفرد يقوم بتحريفِ الواقع وليِّ الحقائق بناءً على مقدماتٍ مغلوطة وافتراضاتٍ خاطئة. وتنشأ هذه الأوهام عن تعلُّمٍ خاطئ حدَث له أثناء مراحل نموه المعرفي. وبصرف النظر عن منشأ الأوهام، فإن صيغة العلاج تفصح عن نفسها ببساطة؛ فعَلَى المُعالِج أن يساعد المريض على كشف مُغالَطاته الفكرية وتعلُّم طرائقَ بديلةٍ أكثرَ واقعيةً لصياغة خبراته.»٦
«ولكن ماذا عن تلك الانفعالات التي تقع للإنسان فجأةً في غياب أي حدثٍ خارجي يفسرها؟ في تأويل ذلك نقول إنه بالإمكان دائمًا أن نتحقق من وجود «حدثٍ معرفي» congnitive event، وهو فكرةٌ أو ذكرى أو صورة، مُندمِج في المجرى الطليق للوعي، ومُسبِّب لهذه الاستجابة الانفعالية. وقد يكون هذا الاتجاه المعرفي السائد هو علة استمرار الانفعالات غير السارة في الاضطرابات الانفعالية كالاكتئاب والقلق. كثير من السلوكيِّين لا يوافقوننا على أن الفكر يلعب دورًا محوريًّا في تشكيل الانفعال. ويُحاوِل بعضُهم أن يثبت أن المُنبِّهات الخارجية تُولِّد الاستجابة الانفعالية بصورةٍ مباشرةٍ وأن الشخص يُقحِم تقييمه المعرفي للحديث بعد ذلك باستعادته وتأمُّله؛ أي «بأثرٍ رجعي»، ولكننا نستطيع أن نُؤكِّد أن الشخص الذي تدرَّب على أن يرصُد أفكاره ويُمسِك بها بمقدوره أن يُلاحظ مِرارًا وتَكرارًا أن تفسيره للموقف يسبق استجابته الانفعالية؛ فهو إذ يرى سيارةً منطلقة نحوه على سبيل المثال، فإنه يفكر أولًا: «إنها ستصدمني» ثم يشعر بالقلق، بل إنه قد يُغيِّر تقييمه للموقف فتتغيَّر استجابته الانفعالية. إن من الصعب في الحقيقة أن نتصور كيف يكن لشخص أن يستجيب لحدثٍ ما قبل أن يُقيِّم طبيعة الحدث. وعلى النقيض من المُنبِّهات المعملية البسيطة مثل رنين الجرس أو صدمات الكهرباء، الشائعة في التجارب السلوكية، فإن مفرداتنا البيئية الدالَّة تتسم عامةً بالتركُّب والتعقيد بحيث تتطلَّب منا «ملَكَة الحكم» judgement لكي نُقرِّر ما إذا كان موقفٌ ما مأمونًا غيرَ ذي خطر، وما إذا كان شخصٌ ما صديقًا أو عدوًا. تتجلى أهمية الكشف عن الوجه المعرفي للشخص بشكلٍ خاص حين نكون بصدد استجاباتٍ انفعاليةٍ نقيضية؛ فحين نقف على المحتوى المعرفي نُدرِك على الفور أن ما يبدو مُفرِطًا غيرَ واقعيِّ من الغضب أو القلق أو الحزن الذي يُبدِيه الشخص يستند في الحقيقة إلى تقديراته الشاذَّة للحدث. وفي أمراض الانفعال تسود وتطغى هذه التقديرات الشاذة.»٧
هذه الدعوى القائلة بأن المعنى الخاص للحدث هو الذي يُحدد الاستجابة الانفعالية له، تُشكِّل جوهر النموذج المعرفي للانفعال واضطراباته. يُذخَر هذا المعنى في مُفردةٍ معرفية a cognition هي عادةً فكرةٌ أو صورةٌ خيالية. وفي بعض الأحيان تتألف المفردة المعرفية من دلالةٍ إضافية connotation أو حكم قيمة value judgement من قَبيل «مُخيف» أو «رائع». ومن المألوف أن نصادف انفعالًا معينًا لا يربطه سببٌ واضح بالماجريات الخارجية، فإذا طاف بنا في لحظةٍ ما طائفٌ من خيال أو كنا نجتَر خاطرًا ما، فإن انفعالنا إذ ذاك سيكون وليد الرؤيا أو الفكرة من دون المثير الخارجي. ثم إننا إذا حرفنا واقعةً ما أو أسأنا تأويل موقفٍ ما إساءةً بالغة فإن استجابتنا ستتكون وفقًا لتحريفاتنا لا لواقع الموقف، وانفعالنا سيأتي تابعًا للوهم لا للحقيقة.٨
يتألف العلاج المعرفي بمعناه الواسع من كل المداخل التي من شأنها أن تُخفِّف الكرب النفسي عن طريق تصحيح المفاهيم الذهنية الخاطئة والإشارات الذاتية المغلوطة. ولا يعني تركيزنا على التفكير أن نغمط أهمية الاستجابات الانفعالية التي هي المصدر المباشر للكرب بصفة عامة. إنما يعني ببساطةٍ أننا نقارب انفعالات الشخص من خلال معرفته أو من طريق تفكيره. وبتصحيح الاعتقادات الخاطئة يمكننا أن نُخمِد أو نغيِّر الاستجابات الانفعالية الزائدة وغير المناسبة.٩
إن مساعدة المريض في التعرُّف على تحريفاته وتصحيحها هي عمليةٌ تتطلب استخدام مبادئَ إبستمولوجيةٍ معينة. إن المعالج لَينقل إلى المريض ويبلِغه، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، مبادئ معينة؛ أولًا: أن إدراكه للواقع ليس هو الواقع نفسه، بل هو على أفضل تقدير صورةٌ استقرابية للواقع؛ فالعيِّنة التي يلتقطها للواقع هي عيِّنةٌ محدودة بحدود وظائفه الحسية — البصر والسمع والشم … إلخ. وهي حدودٌ متأصلةٌ مفطورة. ثانيًا: أن تأويلاته للمُدخَل الحسِّي sensory input تتوقف على عملياتٍ معرفيةٍ من قبيل دمج المُنبِّهات (المثيرات) وتفريقها، وهي علمياتٌ عرضةٌ بطبيعتها للخطأ. إن العمليات (والمداخلات) الفسيولوجية والسيكولوجية قد تُغيِّر إدراكنا وفهمنا للواقع تغييرًا كبيرًا.

كُلنا يعرف جيدًا أن تحريف الواقع قد يحدث عندما يكون المرء تحت تأثير العقاقير، أو عندما يكون في حالة إجهادٍ أو نقصٍ في الوعي أو في حالةٍ من الاستثارة الشديدة. وقد سبق أن رأينا أيضًا أن تقييم الواقع قد يعتريه الخلل من جرَّاء بعض الأنماط الفكرية اللاواقعية؛ ففي عُصاب القلق، على سبيل المثال، يتمثل المريض جميع المُنبِّهات، حتى المأمونة منها، بطريقةٍ تجعلها تُوحي بالخطر وتُنذر به. يستلزم استخدام التقنيات السيكولوجية لعلاج هذا العُصاب أن يكون المريض قادرًا من الأصل على أن يُميِّز ويُدرِك الفوارق بين الواقع الخارجي (المثيرات المحايدة غير المؤذية) من جهةٍ والظاهرة السيكولوجية (تقييم الخطر) من جهةٍ أخرى. ليس بمقدور بعض المرضى (كمرضى الانسمام بالعقاقير ومرضى الذهان الحادِّ ذي الضلالات) أن يعي أو يُميِّز هذا الفرق.

كذلك يتوجَّب على المريض أن يكون قادرًا على أن يختبر الفرضيات ويُمحِّصها قبل أن «يُصدِّق» assent عليها ويُسلِّم بها كحقائق؛ فالمعرفة التي يُعوَّل عليها تعتمد جوهريًّا على امتلاك معلوماتٍ كافية تسمح لنا باختيار الأصح والأقوم من بين فروضٍ بديلة.١٠

مجمل العلاج المعرفي: صفوة القول أن العلاج المعرفي يقوم على نظريةٍ في الشخصية ترى أن الفكر هو الذي يُحدِّد الشعور والسلوك؛ أي إن الطريقة التي يُفكِّر بها المرء هي التي تُحدِّد الطريقة التي يشعر بها والأسلوب الذي يسلك به في أفعاله؛ ومن ثَمَّ يتألف العلاج من عملية تحقُّقٍ تجريبي واختبارٍ للواقع وحلٍّ للمشكلات يتحالف فيها المُعالِج والمريض ويتعاملان مع الأفكار اللاتكيُّفية للمريض بوصفها فرضياتٍ قابلةً للاختيار، ويُحاولان البحث عن أدلةٍ تَدحَض هذه الفرضيات وتُؤيِّد اعتقاداتٍ تكيُّفيةً بديلة تُفضي إلى التغيُّر العلاجي المنشود.

ترى هذه النظرية أن عملية معالجة المعلومات لها دورٌ حاسم في حياة الكائن العضوي وبقائه؛ فلو لم يكن للإنسان جهازٌ وظيفي يتلقى المعلومات ذات الصلة من البيئة ويقوم بمعالجتها وتركيبها ويصوغ خطةً للفعل بناءً على هذا التركيب لكان مصيره الهلاك العاجل.

وما يحدث في الحالات المرَضية من اكتئاب وقلق ووسواس ورهاب وبارانويا … إلخ هو أن هناك تَحيُّزًا منظمًا يتدخل في عملية معالجة المعلومات. ثَمَّةَ تحيُّزٌ مُحددٌ يلعب دورًا في منظومة الأعراض الخاصة بكل مرضٍ من هذه الأمراض. فإذا كان تفكير المرء يميل انتقائيًّا إلى تركيب ثيمات الخسارة والفقدان والهزيمة فهو حَريٌّ أن يصير مكتئبًا. وإذا كان تفكيره يميل إلى تأويل المُثيرات البيئية كدلائلِ خطر فهو مُستهدَفٌ للقلق … وهكذا.

وما دام منشأ المرض هو وجود تحيُّزٍ ومَيلٍ انتقائي يتدخل في عملية معالجة المعلومات، فإن الهدف العلاجي المباشر هو «تحويل» جهاز معالجة المعلومات إلى وضعٍ أكثرَ حيادًا بحيث يُقيِّم الأحداث بطريقة أقرب إلى الاعتدال. الأمر هنا أشبه ببرنامج الحاسوب؛ فلكل اضطرابٍ برنامجٌ خاص هو الذي يُملي صِنف المعلومات المسموح بإدخالها ويُحدِّد السلوك الناتج. في عُصاب القلق، مثلًا، يتم تشغيل «برنامج حفظ الذات أو البقاء»؛ فيَلتفِت الشخص انتقائيًّا لإشارات الخطر، ولا يلتفت لإشارات الأمان. ويكون السلوك الناتج متسقًا مع الطريقة التي تُدمَج بها هذه المعلومات، وهو سلوكٌ يفرض على المرء أن يتفاعل مع المُثيرات الهينة والمأمونة على أنها تمثل مخاطرَ كبرى، ويستجيب لها استجابة التجنُّب أو الهروب؛ ومن ثَمَّ تتألف التقنيات العلاجية من إيقاف مثل هذا البرنامج اللاتكيُّفي و«تحويل» الجهاز المعرفي إلى وضع أكثر اعتدالًا، ويتم هذا التحويل عن طريق فحصٍ منهجيٍّ للتأويلات الخاطئة وتصحيحها، والقيام بتغذية النظام بالمعلومات الصحيحة تغذيةً راجعة؛ الأمر الذي يُحفِّز على إعادة التوافُق ويدعم التوافُق الجديد.

(٣) السيكوباثولوجيا الرُّواقية

إذا عدنا الآن إلى المصطلح الرُّواقي في السيكوباثولوجيا، نجد أن حجر الزاوية في النمو الأخلاقي عند الرُّواقيِّين هو «الاستخدام الصحيح أو القويم للانطباعات» (المحادثات، ١: ١-٧؛ ٢: ٢٢-٢٩؛ ٤: ٦-٣٤). وقد قلنا آنفًا أن المعرفة عند الرُّواقيِّين تبدأ ﺑ «الانطباع» impression (phantasia) أو «التمثيل» representation أو «المظهر» appearance، وهو الأثر الذي يطبعه في الذهن شيءٌ خارجي كما ينطبع الخاتم على الشمع. والانطباع هو أكثر من مجرد مادةٍ حسيةٍ خام. إن خبرةً حسيةً مَصوغةً على هيئة «قضية» proposition أو موضوعة في شكل «قَضَوي» propositional، قد تكون هذه خبرةً خارجيةً مدركةً بواسطة الحواسِّ أو خبرةً داخليةً من قبيل الذكريات أو التخيُّلات.
ولكي يكون الانطباع «قَضَويًّا» propositional فلا بُدَّ من أن يكون «تأويلًا» من صنفٍ ما. قد تقول عند هذه المرحلة إن شخصًا ما لديه «انطباعُ ﺑ» شيءٍ ما impression of … (انطباع بِقِطةٍ على البساط مثلًا). ثُمَّ تأتي المرحلة الثانية، وتأتي سريعًا بحيث لا يُميِّز الناس المرحلةَ الأُولى ولا يلتفتون إليها، وهي أن لديه «انطباعًا بأن» شيئًا ما impression that … (انطباعًا بأن هناك قطةً على البساط). قد يكون الانطباع صادقًا؛ أي إن البقعة السوداء على البساط تُشبه القطة حقًّا. ولكن المرحلة الثانية قد تُقدِّم تأويلًا مختلفًا، مثل وجود «انطباع بأن» هناك سترةً على البساط (أي إنها لم تكن قطةً على الإطلاق). إن المرحلة الأولى هي وجود وعيٍ بشيءٍ ما أو بآخر، أمَّا المرحلة الثانية فهي «التزامٌ بتأويلٍ» يفيد أن شيئًا ما أو آخر هو القائم. ذلك هو «التصديق» assent العقلي على الانطباع الغُفل، وهذا التصديق يخلق «اعتقادًا» بأن القضية المحتواة في «الانطباع بأن» صادقة. في الانتقال من «انطباع ﺑ» إلى «انطباع بأن» فإن الفرد يصدر «حكم قيمة»، أو يُطبِّق «تقييمًا» بما إذا كان هذا الشيء مرغوبًا أو غير مرغوب (سائغًا أو غير سائغ/مواتيًا أو غير مواتٍ)، وإلى أي حد، أو بما إذا كان «غير فارق» indifferent، ولماذا هو كذلك. ويبقى التحدِّي الأبستمولوجي هو العثور على «معيار» يُحدِّد صدق «الانطباع» وبالتالي يُجيز لنا «التصديق» assent عليه. قلنا آنفًا إن الرُّواقيِّين خلَصوا إلى أن هذا المعيار هو «التصوُّر المحيط» أو القاهر phantasia katalêptikê؛ أي الانطباع الأبلج الواضح الذي يحمل في داخله آيةَ صدقِه ويتحلَّى بقوةٍ تحملنا على التصديق به،١١ غير أنه في حالة الانطباعات المُركَّبة التي تنطوي داخلها على حُكم قيمةٍ تتعقد الأمور ويصبح «التصديق» على الانطباع أمرًا صعبًا. يرى الرُّواقيون أن أغلب البشر بعيدون عن المعيار العقلاني للحكيم المثالي بعدًا كبيرًا؛ ومن ثَمَّ فمن المُقدَّر عليهم أن يُصدِّقوا على انطباعاتٍ زائفة. وينصحنا الرُّواقيون بأن نمارس أشد الاحتياط والتريُّث حين نقوم بالتصديق على انطباعاتٍ مُحمَّلةٍ بالقيمة value-laden، وأن نتوقَّف عن الحكم إذا كان ثَمَّةَ ما يدعو إلى أقلِّ شك.

منظومة القيم الرُّواقية، إذن، هي جوهر الفلسفة الرُّواقية ولباب العلاج الرُّواقي؛ فهي تُقدِّم المعيار الذي تُقيَّم به الانطباعات، وهي عُرضة لسوءِ فهمٍ كبير، وهي صادمة لتوقعات الناس، وحتى إذا أمكنهم فهمها بدقةٍ فإن من الصعب على معظمهم قبولها. غير أنها النتيجة المنطقية لوجهة النظر الرُّواقية فيما يُشكِّل الحياة السعيدة أو المزدهرة.

تتطلب الحياةُ السعيدةُ حصولَ الفردِ دائمًا على الأشياء التي يتوق إليها، وتَجنُّبه دائمًا للأشياء التي لا يريدها. إلى هنا يتفق الرُّواقيون مع غيرهم ويبدو الأمر من نوافل القول. تكمن المشكلة بالطبع في أن هذه الحال تستعصي على مَنالِنا في أوقاتٍ كثيرة. قد أرغب في المال الوفير، أو الصحة الجيدة، ولكن قد يحول دون ذلك حوائلُ ليس لي بها يد. وبقَدْر ما يواتيني ما يسُرُّني وينصرف عني ما يُسوءُني تحت رحمة مجموعة من العوامل الخارجية، ويجعل حياتي، في الأغلب الأعم، في تقلُّبٍ انفعاليٍّ دائم.

والحل الرُّواقي لهذه المعضلة هو أن نقصُر رغباتنا على تلك المجالات التي لدينا عليها سيطرةٌ مطلقة. وبقَدْر ما تتقلص رغباتنا تتقلص معها فرصة إحباطها. وفي نهاية التحليل نجد أننا لا نملك، في الحقيقة، سلطةً مطلقة إلا في مجالٍ واحد، وهو مجال أفكارنا؛ كيف نحكم على الأمور، ما نفكر فيه، اعتقاداتنا ومواقفنا … وباختصار: ما نفعله بالانطباعات، أو «استخدامنا للانطباعات» أو المَظاهِر على حد تعبير إبكتيتوس. غير أن قدرتنا على السيطرة على أحكامنا لا تمثل إلا نصف المعادلة، فإذا كانت أحكامنا خاطئة فأيةُ فائدةٍ وأيُّ فرقٍ في أن تكون تحت سيطرتنا. إن الحياة السعيدة ستَفلِت منا على أية حال.

يرى الرُّواقيون أن الاستخدام الصحيح للانطباعات يتطلب: (١) تقديرًا صحيحًا لصدق الانطباع. (٢) تقديرًا صحيحًا لقيمة الانطباع. ويرون أن جميع الانطباعات أو المَظاهر غير قادرةٍ على منح السعادة ولا قادرة على منعها. إنها «لا فارقة» indifferent في هذا الشأن. وهكذا فحكمك بأن مرَضَ شخصٍ تحبه هو شَرٌّ إنما هو حكمٌ خاطئ، وحكمك بأن شفاءه خيرٌ هو حكمٌ خاطئ بالمثل. يقول إبكتيتوس: «تعوَّدْ منذ البداية أن تقول لكل انطباعٍ مزعج: أنت انطباع، ولست الطريقة الوحيدة لرؤية الشيء الذي يَعرِض. ثُمَّ افحَصه وقدِّره بمعيارك الذي لديك» (المحادثات: ١-٣). ويصف الموقف الصحيح تجاه المَظاهر أو الانطباعات في فِقرةٍ مأثورةٍ يقول فيها: «ليست الأشياء ذاتها ما يَكرُب الناس، بل أحكامهم عن الأشياء. الموت مثلًا ليس شيئًا مريعًا، وإلا لرآه سقراط أيضًا كذلك، وإنما المريع جحًّا هو الحكم بأن الموت مريع؛ لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن فإن علينا ألا نلوم غير أنفسنا، أعني غير أحكامنا نحن» (الموجز، ٦). إصدار أحكامٍ قيميةٍ صائبة، إذن، هو الشطر الثاني من المعادلة في مسألة «الاستخدام الصحيح للانطباعات».
لإساءة الحكم على الانطباعات عواقبُ وخيمة، ليست مباشرة بالضرورة، وليست مقصورة على مجال الانفعالات. والنظرية الرُّواقية في ذلك أكثر عمقًا وإحاطةً من نظريات العلاج العقلاني والمعرفي. يرى إليس، على سبيل المثال، أن الانخراط في التفكير غير العقلاني من شأنه أن يورِث انفعالاتٍ مُفرِطة وغير تكيُّفية، وأن هذه الانفعالات هي ما يشير إلى الحاجة إلى العلاج. من جهةٍ أخرى قد يعتقد شخصٌ بأن امتلاكه منزلًا للاستجمام في العطلات هو «خير»، رغم أنه وفق المنظومة القيمية الرُّواقية شيء «غير فارق» indifferent، فما دام المنزل سليمًا فليس ثَمَّةَ نتائجُ سلبيةٌ ناجمة عن هذا الحكم الخاطئ، ولا داعيَ للتدخُّل العلاجي في نظر المدارس السيكولوجية الحديثة بما فيها العلاج العقلاني الانفعالي. غير أن الرُّواقيِّين يرون رأيا آخر؛ إن إساءة الحكم ذاتها مرض، حتى لو لم تصحبه أعراضٌ انفعالية؛ فالأمراض الانفعالية، إن وُجدَت، هي مجرد نتاجٍ ثانويٍّ للمرض. إنما تَكوُّن العادات المعرفية السلوكية اللاتكيُّفية، والتي هي النتاج المزمن للأحكام، هي ما يستحق التدخُّل العلاجي؛ فالأحكام الصائبة تُربِّي عاداتٍ معرفيةً وسلوكيةً إيجابية، والعكس بالعكس.

يقول ماركوس: «والتقدُّم بالنسبة للطبيعة العاقلة هو ألَّا تساير أي شيءٍ زائف أو مبهم فيما ينطبع عليها» (٨-٧). و«الموضوعية الرُّواقية» تعني القدر على التمييز والفصل بين الطبيعة الداخلية والطبيعة الخارجية، «اعرِف نفسك» … ذلك المبدأ السقراطي المنقوش على معبد كاهنة أبولو في دلفي، هو جوهر المنطق الرُّواقي. غير أن هذه المعرفة تتخذ في الرُّواقية طابعًا خاصًّا؛ فالمعرفة الحقة هي بالضبط تلك القدرة على تبيُّن حدود الذات الداخلية؛ أي التمييز الدائم، في اللحظة الراهنة، بين الطبيعة الداخلية والطبيعة الخارجية؛ أي بين العقل والمادة. يقول ماركوس أوريليوس: «ما كان للطريقة التي مزجَتك بها الطبيعة بالكل المركب أن تحول بينك وبين أن ترسم حدًّا يحدُّك ويحفظ ما هو لك تحت سيطرتك» (التأملات: ٧-٦٧). ويقول إبكتيتوس: «أن تتعلم (تتدرب في الفلسفة) تعني بالضبط أن تعرف أي الأشياء نملكه وأيها لا نملكه» (المحادثات، ٤: ٥-٧). وبوُسعنا أن نُصوِّر هذا التمييز برسم حدٍّ تصوري؛ دائرة حول حدود الذات الحقيقية. وقد وصف الرُّواقيون عقل الحكيم المثالي المكتمل التحديد على أنه «مُسيجٌ نفسه»، و«قلعةٌ داخلية» منيعة، و«كرة في توازنٍ تام». وماهية النفس عند الرُّواقيِّين أنها «فعل مستقل للإرادة الحرة»؛ نوايانا، وأفكارنا، وقراراتنا. هذه رؤيةٌ وجوديةٌ عميقة إلى النفس؛ الإنسان هو، جوهريًّا، إرادةٌ حرة في حالة فعل، وكل ما عدا ذلك فهو خارج عن النفس. «اليقظة الرُّواقية» إذن تعني الوعي الذاتي الدائم بحركات العقل متحملًا كل المسئولية عن أحكامنا وأفعالنا ومخاوفنا ورغباتنا. تقتضي اليقظة أيضًا أن نتملك أفكارنا، ونسترد إسقاطاتنا ونُعلِّق كل الأحكام القيمية والانفعالية. إن أفكارنا تسقُط معنًى وشكلًا على إدراكاتنا الحسية، وبفصل هذه عن تلك نصل إلى الحقيقة والموضوعية. يقول ماركوس: «العين السليمة ينبغي أن ترى كل ما هو قابل للرؤية ولا تقول «أريد الأشياء الخضراء فقط»؛ فهذا حال عين مريضة … والمعدة السليمة ينبغي أن تتقبل كل الطعام بنفس الطريقة التي تتقبل بها الطاحونة كل ما صُنِعَت لطحنه. وكذلك العقل السليم ينبغي أن يكون مستعدًّا لكل الاحتمالات» (١٠-٣٥).

والمبدأ المحوري للمنطق الرُّواقي هو «ليست الأشياء ما يكرب الناس بل أحكامهم عن الأشياء.» إنه مبدأٌ علاجيٌّ جرى على أقلامٍ لا حصر لها:
  • يقول ماركوس: «إذا كان بك كرب من شيءٍ خارجي، فإن ما يكربك ليس الشي نفسه بل رأيك عن الشيء، وبوسعك أن تمحو هذا الرأي الآن» (٨-٤٧)، «فالأشياء ذاتها خاملة، وإنما نحن الذين نُنتج الأحكام عنها ونطبعها في عقولنا. وإن بوسعنا ألا نطبعها على الإطلاق، وأن نمحو في الحال أي حكم تصادَف انطباعه» (١١-١٦).

  • ويقول شكسبير: «ليس ثَمَّةَ شيءٌ حسنٌ أو قبيح، بل الفكر هو الذي يجعله كذلك» (هملت، الفصل ٢، المشهد ٢).

  • ويقول سبينوزا: «ورأيتُ أن كل ما كنتُ أخشاه وكل ما كان يخيفني لم يكن هو في ذاته حسنًا أو سيئًا. إنما كان كذلك بحسب ما كان العقل يراه ويتأثر به.»

  • والمعنى نفسه يصوغه المتنبي شعرًا في قوله:

    وَمَا الْخَوْفُ إِلَّا مَا تَخَوَّفَهُ الْفَتَى
    وَلَا الْأَمْنُ إِلَّا مَا يَرَاه الْفَتَى أَمْنَا
  • ويصوغه المعري في اللزوميات:

    إِذَا تَفَكَّرْتَ فَكْرًا لَا يُمَازِجُهُ
    فَسَادُ عَقْلٍ صَحِيحٍ هَانَ مَا صَعُبَا
  • ورسم كرافاجو مرةً صورةً جنونية لنفسه، كميدوسة، جاعلًا بدلًا من الشعر أفاعي فأظهر نفسه وقد عذَّبته لدغًا ثعابينُ دماغه.١٢
  • وفي كتابه «غزو السعادة» يقول برتراند رسِل: «أعتقد أن التعاسة تعود، إلى حدٍّ كبيرٍ جدًّا، إلى آراءٍ خاطئةٍ عن العالم، وإلى نظرياتٍ أخلاقيةٍ خاطئة، وعاداتٍ حياتيةٍ خاطئة.»

  • ويقول مارك توين: «إنني رجلٌ مسنٌّ عركتُ الحياة وعانيتُ ويلاتٍ لا تُحصى عددًا. غير أن معظمها لم يحدث قط!»

فإذا ما انتقلنا إلى «تأمُّلات» ماركوس أوريليوس وجدناه يُلِحُّ على هذه الفكرة المحورية مِرارًا وتَكرارًا: «لا تُزايد على رواية الانطباع الأول بشيءٍ من عندك. افترض أنه قد جاءك أن شخصًا ما يعيبك، وهاذ ما روي، أما أنك قدا أُضرت فهذا ما لم يُروَ. أو هبني أرى طفلي مريضًا، هذا ما أراه، أمَّا أنه في خطر فشيءٌ لا أراه. هكذا التزم دائمًا بالانطباع الأول ولا تُضِف عليه شيئًا من أفكارك أنت. وهكذا كل ما في الأمر، وإلا فإن بوسعك أن تضيف ما لا نهاية له إضافةَ من يعرف كل ما يجري في العالم» (٨-٤٩). «بِوسعِك أن تُنحِّي الكثير من المُنغِّصات غير الضرورية التي تكمن بأكملها في حكمك أنت» (٩-٣٢). «اطَّرِح الحكم تجد الخلاص. ومن ذا الذي يمنعك من هذا الإطراح؟» (١٢-٢٥). «اليوم هربتُ من كل المُنغِّصات، أو بالأحرى نحَّيتُها جانبًا. لم تكن هذه شيئًا خارجيًّا، بل كانت بداخلي … إنها أحكامي ليس إلا» (٩-١٣). «ما أيسر أن تطرد من عقلك كل انطباعٍ مُنغِّص أو عارضٍ وتمحوه محوًا، وتنعم للتو بلحظةٍ حاضرةٍ مفعمة بالراحة والسكينة» (٥-٢). «العسل مرٌّ لدى المصابين باليرقان. والماء رعب لدى من عضتهم كلاب مسعورة. الكرة بهجة لدى صغار الأطفال. لماذا أنا غاضب إذن؟ أم ترى أن الحكم الزائف أقل تأثيرًا من الصفراء للمصاب باليرقان، أو السم في المصاب برهاب الماء؟» (٦-٥٧). «أَفِق من نومك، وعد إلى رشدك، لتدرك أن كل الذي عكر صفوك كان أضغاث أحلام، والآن وقد استعدت وعيك مرةً ثانية انظر إلى هذه الأشياء مثلما كنتَ تنظر إلى تلك الأحلام» (٦-٣١). «وعليك أن تأخذ كل شيء بقيمته وحجمه؛ فبذلك لن تبتئس إذا عبَرت على التوافه ولم تُعِرها وقتًا أطول مما تستحق» (٤-٣٢). «لا تحلم بامتلاك ما لا تمتلكه، بل تأمَّل النعم الكبرى فيما تملكه …» (٧-٢٧). «أزِل الحكم تكن قد أزلتَ فكرة «لقد تضررت». أزِل فكرة «لقد تضرَّرت» يكن الضرر نفسه قد أُزيل» (٤-٧). «… فلست مضارًّا إلا إذا عقدت الرأي بأنه ضرر، وبِوُسعِي ألا أرى هذا الرأي» (٧-١٤). «إذا نحَّيتَ حكمك على أي شيءٍ يبدو مؤلمًا فأنت نفسك ستكون مُحصَّنًا تمامًا من الألم» (٨-٤٠). «من منا ليس هو السبب في كربه الشخصي، وليس قلقه من صنع يديه؟ تأمل: ليس ثمة امرُؤٌ يُعاق بغيره، وإنما كل شيء هو كما يجعله التفكيرُ كذلك» (١٢-٨).

ومن التقنيات العلاجية التي يُلحُّ عليها ماركوس في «التأمُّلات» ذلك التحليل الجوهري الذي يُجرِّد الأشياء من قشورها وواجهاتها الخارجية الزائفة، وصولًا إلى «الانطباع الموضوعي» الذي «يصدق» عليه الحكيم ولا يُصدِّق على شيءٍ سواه: «ما أطيب، عندما يكون أمامك لحمٌ مشويٌّ أو ما شابه من الأطايب؛ أن تستحضر في ذهنك أن هذا جثةُ سمكة، وهذا جثةُ طائر أو خنزير، ثم أن هذا النبيذ الفاليري مجردُ عصيرِ عنب، وأن رداءك الأرجواني ليس أكثر من فراء خروفٍ منقوع في دم المحار! كذلك فليكن دأبك طوال حياتك: حيثما تبدَّت الأشياء خلابةَ المظهر فجرِّدها وتفرَّس في طبيعتها الزائفة واخلَع عنها كل دعاوَى الزهو والخُيَلاء …» (٦-١٣). «… مرة أخرى: الرخام مجرد راسبٍ في الأرض، الذهب والفضة مجرد رواسِب، رداؤك شعر حيوان، أرجوانك دم محارة، وهلم جرًّا …» (٩-٣٦).

(٤) المُواجَدة … النفاذ إلى عقول الآخرين

يُلحُّ ماركوس في «التأمُّلات» على رابطة القُربى بين بني البشر، تلك الآصرة القائمة على انتسابهم إلى عقلٍ واحد، والتي تُلزم الإنسان بالتعاوُن مع الآخرِين والرفق بهم واحتمال أخطائهم، والنفاذ إلى عقولهم المُوجِّهة واستكشافها. وهي وصايا مطابقةٌ لمبادئ كارل روجرز وغيره في «التقبُّل غير المشروط» و«الفهم الإمباثي» (المواجدة empathy)، «… وانفُذ قدْر المستطاع في عقل المتحدث» (٦-٥٣). «انفُذ إلى عقل كل إنسان، ودع كل إنسانٍ ينفذ إلى عقلك» (٨-٦١). «هلُمَّ إلى عقلك المُوجِّه، وعقل «الكل»، وعقل هذا الشخص بعينه؛ إلى عقلك لتُقوِّمه، وإلى عقل الكل لتتذكر الأصل الذي أنت جزءٌ منه، وإلى هذا الشخص عساك تعرف هل تصرَّف عن جهلٍ أو عن علم، وعساك تتبين أيضًا أن عقله قريبٌ لعقلك» (٩-٢٢).

في ظل هذه المبادئ لا يعود هناك توتُّر بين المصلحة الفردية ومصلحة المجموع؛ فالرجل الحكيم يُماهي بين مصلحته الخاصة ومصلحة البشر جميعًا: «ما لا يضير المدينة لا يضير مواطنيها أيضًا، إذا كانت المدينة بخير فأنا إذن بخير» (٥-٢٢). «ما لا يفيد السرب لا يفيد النحلة» (٦-٥٤). «خُلق البشر من أجل بعضهم البعض، إذن علِّمْهم أو تحمَّلْهم» (٨-٥٩)، «بهجة الإنسان أن يؤدي العمل اللائق بالإنسان. والعمل اللائق بالإنسان هو الإحسان إلى جنسه الإنساني» (٨-٢٦).

(٥) طبقات الانتماء

أقول للعالم إذن: إنني أُبادلك الحب

(ماركوس أوريليوس، ١٠-٢١)
الرُّواقي، إذن، هو «مُواطِن العالم» cosmopolitan، الكون مدينته والبشر إخوانه. هذا الانتماء «الكوزموبوليتاني» لا يتعارض بحال مع انتماء المرء لجماعته الخاصة؛ فهو إذ يعصمه من الشوفينية البغيضة لا يمس عشيرته ولا بلدته ولا قوميته بل «يتراكز» معها فحسب. إنما الانتماء أشبه بدوائرَ متراكزة (مُتحدِّدة المركز): «فبصفتي أنطونينوس فإن مدينتي هي روما، وبصفتي إنسانًا فمدينتي العالم؛ لذا فإن ما هو خير لهاتين المدينتَين هو وحده الخير بالنسبة لي» (٦-٤٤). «هنا أو هناك لا فرق، ما دمتَ حيثما عشتَ تتخذ العالم وطنًا لك» (١٠-١٥). «خُذني وارمِ بي في أي مكان شِئتَ؛ فأينما كنتُ فسوف أحفظ الجانب الإلهي مني سعيدًا؛ أي قانعًا، ما دام وجداني وفعلي يتبعان فطرته الخاصة. هل هذا التغيُّر في المكان سببٌ كاف لأن تشقى نفسٌ ويَسُوء مِزاجُها فتَكتئِب أو تتوق أو تنكمش أو تخجل؟ وهل ستجد في المكان الجديد أي سبب يدعو إلى ذلك؟» (٨-٤٥). «… وأن الكائن الإنساني وثيق القرابة بالجنس البشري كله، لا قرابة دم أو بَذرة، بل مجتمع عقلي» (١٢-٢٦)، «أيها العالم … كل ما هو ملائمٌ لك فهو مُلائم لي، وكل ما هو في أوانه بالنسبة لك فهو كذلك عندي، لا متقدم لديَّ ولا متأخَّر.» يقول الشاعر: «عزيزتي مدينة سيكروبس»، ألا تقول أنت «عزيزتي مدينة زينوس»؟ ولا يخفى على قارئ «مدينة الله» للقديس أوغسطين أنه قد تأثر فيها بعض الشيء بأفكار ماركوس أوريليوس.
تلك هي «الجامعة الروحية» الرُّواقية التي يحل فيها «الإنسان» محل «المواطن»، والوحدة العقلية محل الوحدة السياسية، والتي هذَّبت القانون الروماني وآزرَت الدعوة المسيحية إلى المحبة والرحمة، وألهمَت مُفكِّرِي التنوير بفكرة الإخاء الإنساني والحرية والمساواة، وتزداد حاجتنا إليها في زمن العولمة وقد بات واضحًا للجميع أن البشرية مقبلةٌ على حقبةٍ جديدةٍ ستكون فيها وحدة البقاء هي البشرية بأَسْرها لا الفرد الواحد ولا مجموعة الأفراد ولا المجتمع المحلي.١٣

(٦) أصداء وجودية

الحياة مشروع، ولكي تتحقق كل ممكنات الإنسان وقدراته الكامنة ينبغي أن ينظر إلى حياته على أنها عملٌ فني عليه أن يُبدعه إبداعًا ويُنقحه ويُراجعه، «العقل الموجَّه هو الذي يُوقظ نفسه ويُكيِّف نفسه، ويضفي على نفسه الطبيعة التي يريدها، ويجعل كل ما يحدث له يبدو على النحو الذي يريده» (٦-٨). من أجل ذلك لا بُدَّ للمرء من التوقُّف كل يومٍ بعضَ حينٍ وإرجاء الاستجابات الاعتيادية، والالتفات اليقظ إلى النفس، ووضع كل شيء على محكِّ النقد والتمحيص. «إن حياةً لا تخضع للنقد هي حياةٌ لا تستحق أن تُعاش.» كما يقول سقراط.

في كتابه «تأمُّلات لغير زمانها» يطرح نيتشه سؤاله عن الذات الحقَّة ويُحدِّد الطريق إلى هويتها ووحدتها؛ فالإنسان يحيا حياته مستسلمًا للكسل والنوم، غارقًا في بحر العادات والرغبات ومشاغل كل يوم. وفجأةً يناديه صوتٌ آتٍ من أعماق ضميره: كن نفسك. كل ما تفعله الآن وتفكر فيه وتتوق إليه شيء مختلف عنك. وتصحو «النفس الشابَّة» من غفوتها وتحاول أن تسترد ذاتها. ها هي ذي تناجي نفسها قائلة: حقًّا لستُ شيئًا من هذا كله. ما من أحد يمكنه أن يتولى عنك بناء الجسر الذي يتحتم عليك أن تعبُريه فوق نهر الحياة، ما من أحد غيرك. صحيح أن هناك طرقًا وجسورًا وأنصاف آلهة لا حصر لها تريد أن تحملك عبر النهر، لكن ذلك سيُكلِّفك الثمن الباهظ، والثمن الباهظ هو أن ترهني نفسك وتُضيِّعيها. لا يُوجد في العالم غير طريقٍ واحد، ولا أحد يمكنه أن يسير عليه سواك. لا تسألي إلى أين يُؤدِّي هذا الطريق؟ عليك أن تُقطِّعيه. «كل نفسٍ شابةٍ تسمع هذا النداء ليلَ نهارَ فترتجف؛ لأنها تشعر بالقدْر المقسوم لها من السعادة منذ الأزل عندما تفكر في تحرُّرها الحقيقي، غير أنها لن تبلغ هذه السعادة ما بقِيَت مأسورةً في أغلال الخوف والآراء الشائعة. وكم تصبح الحياة مجدبةً من كل معنًى ومن كل عزاء إذا حُرمَت هذا التحرُّر؛ فليس في الطبيعة مخلوقٌ أولى بالرثاء أو أدعى إلى النفور والاشمئزاز من إنسانٍ تهرَّب من روحه الحارس وراح يطوف بعينَيه فيما حوله، ويتلفَّت مرةً ناحية اليمين وأخرى لليسار أو الخلف. إن مثل هذا الإنسان لا يستحق حتى أن نهاجمه؛ لأنه مجرد قشرةٍ خارجيةٍ منزوعة اللب، ثوبٍ بالٍ منتفخٍ ملطخ بالألوان، شبحٍ بائسٍ لا يستطيع حتى أن يثير فينا الخوف، وهو يقينًا لا يستثير فينا العطف أو الإشفاق.»١٤

أليس هذا وثيقَ الصلة بقول ماركوس في «التأملات»: «ما أشقى ذلك الإنسان الذي يظل دومًا لائبًا مُحوِّمًا حول كل شيء، كما يقول بندار، مُنقِّبًا في أحشاء الأرض!» مُتحرِّقًا إلى استشفاف ما يدور ببال جيرانه، وما يدري أنَّ بحسبه أن ينصرف إلى الأُلوهة التي بداخله ويكون له خادمًا حقيقيًّا» (٢-١٣).

الروح رحبةٌ عميقةٌ لا يكاد يُلِم صاحبها بما يجري فيها، والتعلُّم هو اليقظة والإفاقة؛ إذ يتعلم العقل المُنتبه كيف يسترد خبرته من أَسَن العادة والتقليد والغفلة. على الروح أن تضطلع بنفسها بهذه المهمة من خلال ممارستها اليومية للنقد الذاتي، على طريقة ماركوس في تأملاته: «اتجِه إلى ذاتك» (٧-٢٨). «حصنك الصغير الذي بين جنبَيك» (٤-٣). «ينبوع خيرٍ جاهز لأن يتدفق …» (٧-٥٩). «كيف تؤمِّن لنفسك نبعًا دائمًا لا مجرد صهريج؟ بأن توطن نفسك طول الوقت على الحرية» (٨-٥١). «لماذا تُشتِّتك المجريات الخارجية كل هذا التشتيت؟ اعطِ نفسك قسطًا من الفراغ لكي تتعلم درسًا جديدًا مفيدًا، وكُفَّ عن التخبط هنا وهناك …» (٢-٧). «ما كان يومًا جهلُ المرء بما يدور في رءوس الآخرين سببًا للتعاسة والشقاء. إنما الشقي من لا ينتبه إلى خطرات عقله هو، ولا يهتدي؛ من ثَمَّ، بهديه وإرشاده» (٢-٨). «السعادة تتعلق على تقدير الذات لذاتها، وما زلتِ تحرمينها من ذلك وتُعلقِين سعادتك على الآخرِين؛ ذواتهم وآرائهم وتقديراتهم» (٢-٦). «ما أهنأ بالَه ذلك الذي لا يتطلع إلى ما يقوله جيرانه وما يفعلون وما يفكرون، بل ينصرف إلى أفعاله هو ليجعلها عادلةً مُوقَّرةً مشربة بالخير» (٤-١٨). «كم تعجبتُ من أن كل إنسانٍ يحب نفسه أكثر من أي شخصٍ آخر، بينما يضع رأيه في نفسه موضعًا أدنى من رأي الآخرِين فيه» (١٢-٤).

في ضوء ما سبق يمكننا أن نقول، بلغةٍ سيكولوجية معاصرة، إن شطرًا كبيرًا من العلاج الرُّواقي يقوم على «نقل موقع الضبط». يشير مفهوم «موقع الضبط» locus of control إلى إدراك الشخص لما تَكُونُه الأسباب الرئيسية لأحداث الحياة؛ هل تعتقد أن مصائرك تصنعها أنت بنفسك، أو تعتقد أن مصائرك يصنعها الآخرون أو يصنعها الحظ أو المصادفة؟ هل تعتقد أن سلوكك تُسيِّره قراراتك الداخلية، أو تعتقد أن سلوكك تسيره الظروف الخارجية؟ هل ترى أن نتائج أفعالنا مترتبة على ما نفعله نحن (ضبط داخلي internal L.O.C) أو ترى أنها مترتبة على أحداثٍ خارج سيطرتنا الشخصية (ضبط خارجي external L.O.C
يُعَد «موقع الضبط» جانبًا مهمًّا من جوانب الشخصية. وهو مفهومٌ أسَّسه جوليان روتر Jullian Rotter في الستينيات من القرن العشرين، وكان يُسمِّيه «موقع ضبط التدعيم» L.O.C of reinforcement. يَعقِد روتر صلةً بين السيكولوجيا السلوكية والسيكولوجيا المعرفية؛ فقد ذهب إلى أن السلوك تُسيِّره «التدعيمات» reinforcements (المكافآت والعقوبات، أو الثواب والعقاب)، وأنه من خلال التدعيمات يؤسس الناسُ اعتقاداتهم عن أسباب أفعالهم، ثم تقوم هذه الاعتقادات بدورها بتحديد الاتجاهات والمواقف والسلوكات التي يتبنَّونها.
بصفةٍ عامة، وبشيء من التبسيط والتقريب، يُعَد الضبط الداخلي أفضَل تكيُّفيًّا من الضبط الخارجي. وتقوم كثيرٌ من التدخُّلات العلاجية النفسية والتعليمية على نقل موقع الضبط لدى الشخص من الخارج إلى الداخل حتى يصبح مالكًا لإرادته مُتحكِّمًا في أفعاله مُحدِّدًا لمصيره. والرُّواقية، من بين جميع الفلسفات والعلاجات، خيرُ ما يغرس في الإنسان «موقع ضبط داخليًّا»؛ فالحكيم الحق هو شخصٌ لا سلطان للأهواء والانفعالات على نفسه. وإن سهام الحوادث لتنكسر تحت قدمَيه (على حد تعبير سينيكا). وإنه لا يعرف الهم ولا الوجل ولا الأسف ولا الرجاء، غني من غير مال، ملك من غير مملكة (بتعبير شيشرون). يُضاف إلى هذه الخصال شيءٌ أهم؛ هو أن لا شيء في الوجود يستطيع أن يسلبه إياه.١٥

(٧) قهر الخوف من الموت

التأمُّل في قصر الحياة وزوالها، والتأهب للرحيل عن الحياة، ثيمةٌ متواترة في «التأمُّلات»، وفي غيرها من كتابات الرُّواقيِّين. ولقد كان سقراط، الأب الروحي للرُّواقيِّين وقدوتهم، يؤكد على أن الفلسفة برمتها هي استعدادٌ وتأهُّب للموت! يقول سينيكا: «القلب الذي طُرِدَت منه رهبة الموت لن يجرؤ الخوف على دخوله.»

وفي «هملت» شكسبير نجد صدًى رواقيًّا لتأمُّل الموت، في مشهد المقبرة؛ حيث يتناول هملت جمجمة يوريك، مُضحِك الملك، قائلًا: «… ويحك يا يوريك المسكين! لقد كنتُ أعرفه يا هوراشيو. كانت دُعابته لا تنتهي، وخياله بارعًا كل البراعة. لقد حملني على ظهره ألف مرة، والآن تعاف نفسي تصوُّر ذلك … من هنا كانت تتدلى الشفتان، اللتان قبَّلتهما مِرارًا يخطئها العد، أين نِكاتك الآن ودُعاباتك؟ وأغانيك وفكاهاتك البارعة، التي أثارت القهقهة حول الموائد؟ ألم تبقَ لديك نكتةٌ واحدة تسخر بها من فمك المفتوح؟ هل أخنى عليك الدهر تمامًا؟ اذهب الآن إلى مخدع السيدة العظيمة، وقل لها عبثًا تضعين الأصباغ سُمكها بوصة. إن هذا سيكون مصيرك. اجتهد لتجعلها تضحك من هذه النكتة …» (هملت، الفصل ٥، المشهد الأول).

وفي «التأمُّلات» يقول ماركوس: «لا تحتقر الموت، بل رحِّب به لأنه جزء أيضًا مما تريده الطبيعة؛ فمثلما نشب ونشيخ، ومثلما نكبر وننضج، وتنمو أسنانا ولحانا وشعرنا الرمادي، ومثلما نتزوج وننجب، كذلك نموت ونتحلل؛ فمَن أَلِف التفكير والتعقُّل لا يجزع من الموت ولا يبتئس له ولا ينفر منه، بل ينتظره كما ينتظر فعلًا من أفعال الطبيعة. وكما أنك الآن قد تكون منتظرًا طفلًا حملَته امرأتك أن يُولد من رحمها، كذلك ينبغي لك أن تتشوف إلى اللحظة التي تنسل فيها روحك من هذا الغلاف» (٩-٣).

وحين يتحدث المعالجون الوجوديون، مُقتفِين في ذلك أثر هيدجر، عن الوجود الأصيل — إلى — الموت authentic being towards-death، فإنما يُردِّدون ثيمةً رُواقيةً ويتخذون تقنيةً علاجيةً فلسفيةً قديمة هي «التأمُّل في الموت» melete thanatou. يقول ماركوس في «التأمُّلات»: «انظر إلى أي ضربٍ من الموت يُولد كل شيء» (١٠-١٨). ويرى الوجوديون أن الوجود الإنساني هو «وجود للموت» … وجودٌ متجه نحو الموت؛ فبمجرد أن يُولد الإنسان يكون ناضجًا للموت، وكل حي يحمل جرثومة موته بين جوانحه منذ اللحظة الأولى، ولكن الناس يوهمون أنفسهم بالمَنَعة من الموت ويتعامَون عن حقيقته رغم أن فيها يتم الشعور بالفردية إلى أقصى درجة؛ فكل مُحتضَر يموت وحده ولا يسع أحدًا أن يموت نيابةً عنه؛ فالموت هو الحادثة الوحيدة في حياة الإنسان التي هي خاصة به بشكلٍ فريدٍ مطلق. وفي هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود الذاتي الحق، وفيه ما ينتشل الإنسان من الخسران اليومي ويرده إلى الوجود الأصيل … يرده إلى نفسه. إن الموت هو أصدق الممكنات الإنسانية وأكثرها جوهريةً وأصالة. وليست هذه فلسفةً تشاؤميةً بل هي بالأحرى مُذكِّرٌ حيٌّ بأهمية العيش ذاته وجِدِّيَّته، ونفاسة كل آنةٍ من آنات الحياة؛ فالعزيمة هي الثمرة الطبيعية ﻟ «الوجود للموت» تُكرِّسنا لوجودٍ أصيل، وتحملنا على أن نعرف قيمةَ وجودنا ونأخذه مَأخَذ الجِد، وأن نسعى مِلءَ الممكن ونعيش مِلءَ اللحظة.١٦
الموت هو بين الهموم النهائية أكثرها وضوحًا وجلاءً؛ فليس بخافٍ على الجميع أن الموت آتٍ لا مرد له. إنها حقيقة مرعبة. ونحن نستجيب لها في المستويات الأعمق من دواخلنا برعبٍ أكبر؛ فكل شيء كما يقول سبينوزا «يريد أن يبقى على حاله.» إنه لَصراعٌ صميميٌّ ذلك الناشب بين وعينا بالموت المحتوم وبين رغبتنا الآنية في البقاء. تلك هي الرؤية الوجودية. فالموت يضطلع بدورٍ كبير في خبرة المرء الداخلية، ويرادوه كما لا يراوده أي شيء آخر، الموت يُدمدِم بلا توقُّف تحت غشاء الحياة. وهَمُّ الموت يغمُر الإنسان منذ نعومة أظفاره؛ فالتعامل مع خطر المحو والإزالة هو من المَهامِّ الكبرى التي يتعين على الطفل أن ينهض بها في رحلة نموه. وليس لنا من سبيلٍ كي نَصمُد أمام هذا الخطر المُصلَت إلا أن ننصب دفاعاتٍ ضد الوعي بالموت. وهي دفاعاتٌ قائمة على التعامِي والإنكار، وتَدخُل في تشكيل بِنية الشخصية، فإذا كانت دفاعاتنا غير توافُقية أدى بنا ذلك إلى أمراض سوء التوافُق؛ فالمرض النفسي ينجم إلى حدٍّ كبيرٍ عن فشلنا في تخطِّي حقيقة الموت والعُلوِّ عليها، والأعراض النفسية والبِنية الشخصية السيئة التوافُق تنبُع جميعها من رعب الموت وخوف المرء من الفَناء والزوال.١٧

وليس كالرُّواقية فلسفةٌ تؤهل الإنسان للاعتراف بحقيقة الموت والصلح مع هذه الحقيقة، بل إلى التأهُّب للموت و«إتقانه» شأنه شأن أي عملٍ آخر يؤديه الإنسان! «فحتى هذا … فعل الاحتضار … هو أحد أفعال الحياة … وبحسبك هنا أيضًا أن تُتقِن ما تعمله جهد ما تستطيع» (٦-٢). «وما الموت؟ إن مَن يتأمَّل الموت في ذاته، ويعمل فيه التحليل العقلي ليُجرِّده مما يرتبط به من دلالاتٍ سوف يخلُص إلى أنه لا يعدو أن يكون وظيفةً طبيعية، ومن يرتاع لوظيفة من وظائف الطبيعة فهو طفلٌ غرير. ليس الموت وظيفة طبيعية فحسب بل إنه أيضًا لِخير الطبيعة وصالحها» (٢-١٢).

(٨) النظرة من فوق

خذ نظرةً من فوق.

(التأملات: ٩-٣٠)
من التقنيات العلاجية الرُّواقية اتخاذ منظورٍ إلهي تجاه نجاحاتنا وإخفاقاتنا، وتجاه جميع الأحداث والأشياء. «إنما يأتي العزاء من محاولة العُلوِّ إلى رؤية أحداث العالم كما يراها الله بقَدْر المستطاع وبقَدْر ما يمكن أن يُتاح للبشر. وإنما يأتي القنوط نتيجةً للرؤية الضيقة والمُغرِقة في البشرية والأرضية. مهمة الفلسفة أن ترتفع ببصائرِ الإنسان وأن تَهبَه شيئًا من الرؤية الإلهية. وما دام للفلسفة مثل هذه القدرة فإنها أمل الإنسان في العزاء. إن من المُتعذَّر عليك أن تفهم المحنة بمَعزلٍ أو تفهم البلاء على حِدة، بل يتعين أن تضعه في المُخطَّط الكلي للأشياء. أن تفعل ذلك يعني أن تتفلسف. إن الفلسفة لا تُغيِّر الأحداث ولا تعكس الحظ، غير أنها تُقدِّم فهمًا تعود بعده أحداث الحياة مقبولةً بل ممتعة.١٨

في «حلم سكيبيو» لشيشرون يظهر جَدُّه الأعلى ويشير له من مجرة «درب اللبَّانة» إلى كوكب الأرض الضئيل الهزيل. وفي الكوميديا الإلهية يقول دانتي: «أرجعتُ البَصَر خلال السَّمواتِ السبع، فرأيت هذا الكوكب ضئيلًا جدًّا وضائعًا في الفضاء، فابتسمتُ مُرغمًا لمثل هذا المَنظر المُؤسِف» (الكوميديا الإلهية، الفردوس ٢٢: ١٣٣-١٣٥). وفي «التأمُّلات» يقول ماركوس أوريليوس: «تأمَّل مسارات النجوم كما لو أنك تسير معها حيث تسير، وتأمَّل دومًا تحولات العناصر بعضها إلى بعض، جديرة هذه التأمُّلات أن تغسل عنك أدران الحياة الأرضية» (٧-٤٧). «ثُمَّ عندما تتحدث إلى بني الإنسان فلتنظر إلى الأشياء الأرضية كأنك تنظر إليها من نقطةٍ عالية؛ الجموع، الجيوش، المزارع، أحداث الزواج والطلاق والميلاد والموت، صخب المحاكم، الصحاري، شتى الأمم الأخرى، الاحتفالات، الجنازات، الأسواق؛ خليط كل الأشياء والاتحاد المُنظم للأضداد» (٧-٤٨). «خذ نظرةً من فوق؛ انظر إلى أُلوف القطعان والأسراب، وألوف الشعائر والاحتفالات الإنسانية، وما لا يحصى من ضروب التَّرحال في العاصفة والهدأة، وألوان الاختلاف بين من يُولَدون ومن يعيشون معًا ومن يموتون …» (٩-٣٠). «إذا ما رُفعتَ فجأةً إلى ارتفاعٍ هائل وأمكنك أن تنظر إلى مَشاغلِ البشر بشتى صنوفها، هل هذه الأشياء تستدعي الزهو والخيلاء؟» (١٢-٢٤). «… كم هي ضيقةٌ تلك المساحة التي يجول فيها مجدك، الأرض برمتها مجرد نقطة في الفضاء؛ فما أَهونَ ذلك الركن الذي تقطنه وما أَقلَّهم وأَهونَهم أولئك الذين ترتقب منهم ها هنا التمجيد والمدح. لن يبقى لك سوى هذا؛ حصنك الصغير الذي بين جنبَيك، فأو إليه … حيث لا كرب، على الأقل، ولا وصب» (٤-٣٠). «ما أَقصرَ مدة المرء في هذه الحياة، وما أَصغرَ البقعة التي يقطنها على الأرض. وقصيرٌ أيضًا مَجدُه بعد وفاته مهما امتد، فهو قائم على تعاقُب قليلٍ من البشرٍ سرعان ما يموتون ولا يعودون يعرفون أنفسهم ناهيك بمن مات منذ زمنٍ بعيد!» (٣-١٠). «قصيرةٌ هي حياة المادحِين والممدوحِين معًا، الذاكرِين والمذكورِين. كل هذا في مجرد ركنٍ من قارةٍ واحدة. وحتى هنا ليس الجميع في تناغُم بعضهم مع بعض، ولا حتى الفرد في تناغُم مع نفسه. والأرض بِرُمَّتها مجردُ نقطةٍ في الفضاء» (٨-٢٠). «آسيا وأوروبا مجرد ركنَين صغيرَين من العالم. كل محيطٍ هو نقطة في العالم. جبل أثوس حفنةُ ترابٍ في العالم. الزمن الحاضر كله هو ثقب دبُّوس في الأبدية. كل الأشياء ضئيلة وسريعة التغير وزائلة …» (٦-٣٦). «بِوُسعِك أن تُنحِّي الكثير من المُنغِّصات غير الضرورية التي تكمن بأكملها في حكمك أنت. عندئذ ستُوفِّر لنفسك مكانًا رحبًا بأن تفهم الكون كله وتستوعبه في عقلك، وبأن تتفكر في أبدية الزمان، وتتأمَّل في التغير السريع الذي يعتري كل شيء في كل جانب؛ ما أضيق الفجوةَ الزمنية التي سبقَت مولدك والفجوة اللانهائية المماثلة التي تعقُب فناءك» (٩-٣٢). «ما أصغرَ نصيب كلٍّ منا من الزمن؛ حصته الضئيلة من الهوة الزمانية اللانهائية، لَسرعان ما تبتلعها الأبدية. وما أضألَ حصتَه من مادة «الكل» وروح «الكل». ما أَضألَها في جملة الأرض تلك البقعة التي تزحف عليها. تأمَّل في كل هذا ولا تُكبِر شيئًا سوى الكدح إلى حيث تقودك طبيعتك، والتسليم بما تأتي به طبيعة العالم» (١٢-٣٢).

(٩) تصويب الاستخدام اللغوي («قل ولا تقل» الرُّواقية)

ضع لنفسك تعريفًا او وصفًا للشيء الذي يعرض لعقلك … بحيث يمكنك أن تُفضي إلى نفسك باسمه الصحيح.

(التأملات: ٣-١١)

من التقنيات التي ألمح إليها الرُّواقيون بصدد التخلص من الانفعالات الضارة؛ تعديلُ الرصد اللفظي للموقف المُنغِّص حتى تنكمش المحنة الموهومة وتتقلص، وربما تتبدد فيُدرِك المرء أنها لا وجود لها في حقيقة الأمر.

في مقاله «علاقة التفكير والسلوك الاعتياديَّين باللغة» يقول بنيامين ورف إن نعت «فارغ» حين يُلصَق ببرميلِ بنزينٍ يصبح حاملًا لخطر الحريق! إن الموقف هنا خطر من الوجهة المادية، غير أن الضرورة اللغوية تضطرنا إلى استخدام لفظة توحي بالخُلُو من الخطر، وتَضرِب صفحًا عن «امتلاء» البرميل في حقيقة الأمر ﺑ «الأبخرة» وبقايا السائل والمُخلَّفات القابلة للاشتعال.١٩

واللغة عند الرُّواقيِّين هي فعل للإرادة، به يُنظر إلى العالم بطريقة من شأنها أن تحصر الخبرة في صورةٍ ثابتة؛ ومن ثَمَّ فإن تعلُّم استخدام ألفاظٍ مختلفةٍ هو نوع من تغيير زاوية تقاطُع الذات مع الحياة الجارية. إنه لا يغير الأشياء وإنما يراها رؤيةً جديدةً أكثر واقعية ودقة، يراها في نصابها الصحيح: يقول إبكتيتوس: «لا تقولن عن أي شيء: «لقد فقدتُه.» بل قل: «لقد رددتُه.» هل مات ولدك؟ لقد «استُرِد»، هل ماتت زوجتك؟ لقد «استُردَّت»، هل أُخِذَت منك ممتلكاتُك؟ ألم تُسترَدَّ هذه أيضًا؟»

وفي «التأمُّلات» يقول ماركوس أوريليوس إن كلمة «الفقدان» لا تعني أكثر من «التغيُّر»، وهو بذلك يذيب الوقع السيِّئ لكلمة «فقدان»: «الفقدان ليس أكثر من تغيُّر، طبيعة العالم تفرح بالتغيُّر، وكل ما يجري من الطبيعة إنما يجري من أجل الخير» (٩-٣٥). كذلك الشأن في كلمة «موت» أو «هلاك»: «وتَهلِك يجب أن تُؤخذ هنا بمعنى تتغيَّر» (١٠-٧).

وطوال تأمُّلاته تجد وقفاتٍ كثيرةً للمراجعة اللغوية والتصويب اللفظي، وتجد استباقًا مدهشًا لفكر بنيامين ورف: «كل ما يُوجد هو بمعنًى ما «بَذرة» لما يأتي بعده. فإذا كان مفهوم «البذرة» عندك محصورًا فيما يُوضع في الأرض، أو في الرحم، فذاك لَعمري تفكيرٌ مغرقٌ في السوقية» (٤-٣٦). «إنهم لا يعرفون ما تعنيه هذه الكلمات: «السرقة»، «البَذر»، «الشراء»، «الاستجمام»، «الواجب»؛ فذاك شيء يحتاج إلى رؤيةٍ أخرى غير رؤية العين» (٣-١٥). ويبدو أنهم أيضًا لا يعرفون ما تعنيه كلمة «قُدرة»: «أكثر قدرةً على الإطاحة بخصمه أرضًا، ولكن ليس أكثر قدرة على الوُدِّ أو التواضُع، أو مواجهة الأحداث، أو العفو عن زلَّات جيرانه» (٧-٥٢). ولا يعرفون معنى كلمة «مصاب»: «… وهل تُسمِّيه «مصابًا» للإنسان، على كل حال، ذلك الذي لا يشذ عن طبيعة الإنسان؟ أو تُسمِّيه «شذوذًا» عن طبيعة الإنسان ذلك الذي لا يتعارض مع أهداف طبيعته؟» (٤-٥٠)، «… كلٌّ يثمر ويؤتي أكلًا في أوانها، ولا يهم إذا كان الاستخدام الشائع يقصر معنى الإثمار على الكروم وأشباهه؛ فالعقل أيضًا له ثمره، العمومي والخاص؛ ثَمَّةَ أشياء أخرى تنمو منه وتشارك في طبيعته» (٩-١٠). «ستتبين هذا بوضوحٍ شديد كلما قلت لنفسك إنني «عضو» melos في منظومة الكائنات العاقلة. أمَّا إذا قلت إنني «جزء» meros … بتغيير الحرف الواحد l إلى r، فأنت بعدُ لا تحب رفاقك البشر من قلبك، وفعلُك الخير لا يُبهِجك كغاية في ذاته، ما زلتَ تفعل البر بوصفه أدبًا وواجبًا وليس بوصفه برًّا بنفسك» (٧-١٣).

وانظر إليه كيف يعالج الألم الناجم عما يظنه الناس «نحسًا» أو «سوء حظ»؛ علاجًا «لغويًّا» محضًا:

– كنت ذات يومٍ رجلًا محظوظًا، لا يتخلى عني الحظ في كل صغيرة وكبيرة، واليوم تخلى عني لا أعلم كيف.

– «ولكن كلمة «محظوظ» تعني ذلك الرجل الذي حدَّد لنفسه حظًّا سعيدًا، و«الحظ السعيد» هو نزوع النفس إلى الخير، هو الوجدانات الخيِّرة والأفعال الخيرة» (٥-٣٧). «تذكَّر إذن في كل حدثٍ منغِّص هذا المبدأ: ليس هذا بالحظ السيئ، بل احتمال هذا بنبالة وكرم هو حظ سعيد» (٤-٤٩). «أسعدُ الحظ كله أن تغادر الناس ولم تعرف قَط طعم الكذب ولا الرياء ولا الخيلاء ولا الغرور …» (٩-٢). «… فلماذا لا أدعو الله أن يهبني نعمة ألَّا أخاف من أي شيء مما أخاف منه، وألا أتشهَّى ما أتشهاه، وألا أتألم من أي شيء، لا أن يجعل أي شيء من هذه الأشياء يحدث أو لا يحدث، جرَّب إذن أن تُحوِّل دعاءك على هذا النحو وانظر ماذا يكون» (٩-٤٠).

(١٠) البعد السلوكي في العلاج الرُّواقي

بحسبك من كلامٍ عما ينبغي أن يكون عليه الرجل الصالح؛ كن رجلًا صالحًا.

(التأملات: ١٠-٢٦)

للعلاج الرُّواقي مرحلتان؛ الأولى مرحلة تعليمية بالاستخدام الصحيح للانطباعات، ونقل موقع الضبط، وتعلُّم المنظومة القيمية الرُّواقية، والثانية مرحلةٌ تطبيقيةٌ ترمي إلى إعادة بناء العادات المعرفية وإعادة بناء العادات السلوكية.

ذلك أن تصويب الأخطاء المعرفية، على ضرورته، ليس يكفي لنسخ سنواتٍ طويلة من الاعتياد الخاطئ، إنما التدريب الذاتي المستمر، على طريقة ماركوس أوريليوس، هو أمر لا بُدَّ منه لتحويل الحكم الصحيح إلى «عادة» وخليقة وطبيعة وسجية، إلى شيء لا ينفصل عن المرء لأنه صار جزءًا منه. يقول ماركوس: «في تطبيقك لمبادئك كن كالملاكم لا كالمجالد: فالمجالد gladiator مرتهنٌ لسيفه الذي يستخدمه، يرفعه أو يُسقط منه ويُقتل، أمَّا الملاكم فلديه دائمًا يده، وليس عليه إلا أن يستخدمها» (١٢-٩).
في «الأخلاق النيقوماخية» (الجزء الأول، القسم ٤) يقول أرسطو أن مساواة الخير بالمعرفة، على طريقة سقراط وأفلاطون، هي مبالغة وشطط، وقد أعاد الأمر إلى نصابه بأن أوضح أن أساس المعرفة الأخلاقية عند الإنسان هو المجاهدة والكدح وتطورهما إلى خليقةٍ مكينةٍ وسلوكٍ ثابت hexis، وإن اللفظة نفسها ethics لَتدلُّ على أن أرسطو يُقيِّم الفضيلة على الممارسة وعلى الإيثوس ethos … أي الطبع، الشخصية.
ينصح إبكتيتوس الطالبَ المبتدئ في الفلسفة بأن يوغل في التدريب برفق، ولا يتصدى في البدايات لما لا طاقة له به؛ فقد يكون إغراء المواقف الحياتية أشدَّ من قدرة العقل على الحكم الصحيح، و«ليس من العدل أن تتبارى الجَرة النحاسية والجَرة الخزفية كما تقول الحكاية»،٢٠ المباراة، مثلًا، بين المرأة الفاتنة والشابِّ المبتدئ في الفلسفة ليست مباراةً متكافئة. والحل هنا ليس المزيد من المعرفة بل المزيد من التدريب والمران وتقوية العادة. يقول ماركوس: «درِّب نفسك حتى على ما يَئِستَ من التمكُّن منه؛ فاليد اليسرى، لنقص الممارسة، خَرقاءُ في أغلب المهام، غير أنها أشد إمساكًا باللجام من اليد اليمنى؛ فلقد تدرَّبَت على ذلك» (١٢-٦). «كيفما تكُن أفكارُك المعتادة تكن طبيعة عقلك؛ فالنفس تصطبغ بالأفكار. اصبِغ نفسَك إذن بسلسلةٍ متصلةٍ من الأفكار مثل هذه …» (٥-١٦). «التجهُّم شيءٌ مضاد للطبيعة. وإذا أصبح عادةً متكررة فإن صَبَاحة الوجه وتعبيره يموتان رويدًا رويدًا. وربما ينطفئان في النهاية انطفاءً لا ضَرَم بعده» (٧-٢٤). «… كيف يمكن أن تموت مبادؤك ما لم تمت التصوُّرات العقلية المناظرة لها؟ ولكن بيدك أن تُروِّح هذه التصورات باستمرار وتُحيي ضِرامَها» (٧-٢). «إذا قَذفَت بك الظروف في نوعٍ من الكرب فعُد إلى نفسك سريعًا، ولا تَبقَ خارج الإيقاع أطولَ مما ينبغي؛ فسوف يزداد تمكُّنك من التناغُم بدوام العَودة إليه.»
د. عادل مصطفى
philoadel@yahoo.com
١  Don Woollen Jr. A Preliminary Study of Stoicism as Psychtherapy: Practical Philosophy 6:2 (Autumn 2003)–Forntiers of Philosophy in Practice.
٢  يقول ماركوس: «أما اللذة فإن القراصنة والمأبونون والطغاة لَيتمتعون بها غاية المتعة. لو كانت السعادة هي اللذة لكان اللصوص والمأبونون وقتلة آبائهم والطغاة هم أَسعَد الناس» (٦-٣٤).
٣  الفلسفة الرُّواقية، ص١٩٨-١٩٩.
٤  Albert Ellis, Rational-Emotive Therapy: in Current Psychotherapies, F. E. Peacock Publishers. Inc. 1989, p. 202.
٥  هي أيضًا «الاعتقاد» Belief الذي نملأ به هذا الفراغ.
٦  آرون بك، «العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية»، ترجمة: د. عادل مصطفى ومراجعة أ.د. غسان يعقوب، دار النهضة العربية، بيروت، ٢٠٠٠م، ص١٥.
٧  المرجع السابق، ص٤٢-٤٣.
٨  المرجع نفسه، ص٦٥-٦٦.
٩  المرجع نفسه، ص٢٢٧.
١٠  المرجع نفسه، ص٢٤٧-٢٤٨.
١١  نجد نظير ذلك في اللغة العربية في مادة «صحصح» (ومادة «حصحص» أيضًا)، تقول العرب: «صَحصَح الأمرُ» أي تَبيَّن، وفي الذكر الحكيم: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ.
١٢  ألكسندر إليوت، البصر والبصيرة، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا بعنوان: «آفاق الفن»، دار الكاتب العربي، بيروت، ١٩٦٤م، ص١٤٣.
١٣  انظر في ذلك كتابنا «العولمة — من زاوية سيكولوجية»، دار النهضة العربية، بيروت، ٢٠٠٦م، ص١٣١–١٦٨.
١٤  د. عبد الغفار مكاوي، شعر وفكر (دراسات في الأدب والفلسفة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٥م، ص٢٤١.
١٥  انظر في ذلك كتابنا «عزاء الفلسفة: بوئثيوس»، دار رؤية للنشر، القاهرة، ٢٠٠٨م، ٣٠١-٣٠٢.
١٦  انظر في ذلك مقدمة كتابنا «مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي».
١٧  رولو ماي، إرفين يالوم، «مدخل إلى العلاج الوجودي»، ترجمة: د. عادل مصطفى، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٩٩م، ص٩٧.
١٨  انظر في ذلك مقدمة كتابنا «عزاء الفلسفة، لبوئثيوس».
١٩  انظر في ذلك فصل «النسبية اللغوية»، في كتابنا «صوت الأعماق، قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس»، دار النهضة العربية، بيروت، ٢٠٠٤م، ص٢١٩.
٢٠  من «حكايات إيسوب»: على ضفة النهر كانت هناك جَرةٌ ملقاة من النحاس وأخرى من الخزف. وعندما ارتفع المد طفت الجَرتان وجرفهما التيار معًا. هنالك حاولت الجرة الخزفية بكل جهدها أن تتجنب الاقتراب من الجرة النحاسية التي صاحت: «لا تخافي يا صديقتي فأنا لن أرتطم بك.» فقالت الجرة الخزفية: «ولكنني قد ألمَسُكِ إذا اقتربتُ أكثر من اللازم، وسواءٌ صدمتُك أم صدمتِني فسوف أتضرَّر في الحالَين. العِبرة: القويُّ والضعيف لا تدوم لهما عِشرة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠